النص المفهرس

صفحات 81-100

( ٧٨ )
عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها . واختلف السلف فى عدة الحامل المتوفى عنها
زوجها ، فقال على وابن عباس : تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين .
وقال عمر، وابن مسعود البدرى، وأبو هريرة: عدتها وضع الحمل، فإذا وضعت
حلت للأزواج . وهو قول فقهاء الأمصار . قال أبو بكر : روى إبراهيم عن
علقمة عن ابن مسعود قال: من شاء لاعنته: ما نزلت ((وأولات الأحمال أجلهن))
إلا بعد آية المتوفى عنها .
قال أبوبكر : قد تضمن قول ابن مسعود هذا معنيين ، أحدهما : إثبات
تاريخ نزول الآية ، وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها . والثانى:
إن الآية مكتفية بنفسها فى إفادة الحكم على عمومها غير مضمنة بما قبلها من ذكر
المطلقة ؛ فوجب اعتبار الحمل فى الجميع من المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن ،
وأن لايجعل الحكم مقصوراً على المطلقات ، لأنه تخصيص عموم بلا دلالة . ويدل
على أن المتوفى عنها زوجها داخلة فى الآية مرادة بها اتفاق الجميع على أن مضى
شهور المتوفى عنها زوجها لايوجب انقضاء عدتها دون وضع الحمل ، فدل على
أنها مرادة بها ؛ فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره . ولوجاز اعتبار الشهور
- لأنها مذكورة فى آيه أخرى - لجاز اعتبار الحيض مع الحمل فى المطلقة ، لأنها
مذكورة فى قوله تعالى: ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء)) وفى سقوط
اعتبار الحيض مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل .
وقد روى منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبى السنابل بن بعكك أن
سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفات زوجها بثشة وعشرين فتشوقت للنكاح :
فذكر ذلك للنبي ◌َالّ، فقال: ((إن تفعل فقد خلا أجلها)). وروى يحيى بن
أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال : اختلف ابن عباس وأبو هريرة فى
ذلك، فأرسل ابن عباس كريباً إلى أم سلمة، فقالت: ((إن سبيعة وضعت بعد
وفات زوجها بأيام، فأمرها رسول اللّه عَلّه بأن تزوج)). وروى محمد بن إسحاق

( ٧٩ )
عن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبى سلمة عن سبيعة أنها وضعت بعد موت زوجها
بشهرين، فقال رسول اللّه عَل اله: ((تزوجى)). وجعل أصحابنا عدة امرأة الصغير
من الوفات وضح الحمل إذا مات عنها زوجها وهى حامل ، لقوله تعالى :
((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) ولم يفرق بين امرأة الصغير والكبير
ولابين من يلحقه بالنسب أولا يلحقه . كذا فى أحكام القرآن للجصاص .
والمسئلة الثالثة عشر فى السكنى والنفقة للمطلقة: قال الله تعالى: ((أسكنوهن
من حيث سكنتم من وجدكم )) . قال أبو بكر : اتفق الجميع من فقهاء الأمصار،
وأهل العراق ، ومالك ، والشافعى على وجوب السكنى للمبتوتة . وقال ابن أبى
ليلى ؛ لاسكنى للمبتوتة ؛ إنما هى للرجعية .
قال أبو بكر: قوله تعالى: ((فطلقوهن لعدتهن)) قد انتظم الرجعية والمبتوتة،
والدليل على ذلك أن من بقى من طلاقها واحدة فعليه أن يطلقها للعدة إذا أراد
طلاقها بالآية، وكذلك قال النبى بجَّ امٍ: ((يطلقها طاهراً من غير جماع أو
حاملاً قد استبان حملها )) ولم يفرق بين التطليقة الأولى وبين الثالثة؛ فإذا كان قوله:
((فطلقوهن لعلتهن)) قد تضمن البائن، ثم قال: ((أسكنوهن من حيث سكنتم
من وجدكم)) وجب ذلك للجميع من البائن والرجعى .
فإن قيل: لما قال تعالى: ((لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)) وقال:
((فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف)) دل ذلك على أنه أراد الرجعى. قيل
له : هذا أحد ما انتظمه الآية ، ولا دلالة فيه على أن أول الخطاب فى الرجعى
دون البائن، وهو مثل قوله: ((والمطلقات يتربصن بأنفتُّهن ثلثة قروء)) وهو
عموم فى البائن والرجعى، ثم قوله: ((وبعولتهن أحق بردهن)) إنما هو حكم خاص فى
الرجعى، ولم يمنع أن يكون قوله: ((المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء))
عاماً فى الجميع .

(٨٠ )
واحتج ابن أبى ليلى بحديث فاطمة بنت قيس ، وسنتكلم فيه عند ذكر نفقة
المبتوتة إنشاء الله تعالى:
.اله واختلف فقهاء الأمضار فى نفقة المبتوتة ، فقال أصحابنا والثورى والحسن بن
صالح: لكل مطلقة السكنى والنفقة ما دامت فى العدة حاملاً كانت أو غير حامل .
وروى مثلة عن عمرو ابن مسعود . وقال ابن أبى ليلى: لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة
لها . وقال عثمان البتى: لكل مطلقة السكنى والنفقة وإن كانت غير حامل، و كان
يرى أنها تنتقل إن شاءت . وقال مالك : للمبتوتة السكنى ، لا نفقة لها إلا أن
تكون حاملاً . وروى عنه أن عليه نفقة الحامل المتبوتة إن كان موسراً ، وإن كان
معسراً فلا نفقة لها عليه ، وقال الأوزاعى والليث والشافعى : للمتبوتة السكنى ،
ولا نفقة لها عليه إلا أن تكون حاملاً .
قال الله تعالى: ((أسكونهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن
لتضيقوا عليهن)) وقد تضمت هذه الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ثلاثة
أوجه . أحدها : إن السكنى لما كانت حقاً فى مال الله عليها بنص الكتاب إذ
كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية وقد اقتضى ذلك وجوب النفقة، إذ كانت
السكنى حقاً فى مال وهى بعض النفقة. والثانى: قوله: ((ولا تضاروهن))
والمضارة تقع فى النفقة كهى في السكنى. والثالث: قوله: ((لتضيقوا عليهن))
والتضييق قد يكون فى النفقة أيضا ، فعليه أن ينفق عليها فيها .
وقوله تعالى: (( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن)) قد انتظم المبتوتة
والرجعية . ثم لا تخلو هذه النفقة من أن يكون وجوبها لأجل الحمل أو لأنها
محبوسة عليه فى بيته ، فلما اتفق الجميع على أن النفقة واجبة للرجعية بالآية لا للحمل
بل لأنها محبوسة عليه فى بيته وجب أن تستحق المبتوتة النفقة لهذه العلة ؛ إذ قد علم
ضمير الآية فى عليه استحقاق النفقة الرجعية ، فصار كقوله: فأنفقوا عليهن العلة
أنها محبوسة عليه فى بيته ، لأن ضمير الذى تقوم الدلالة عليه بمنزلة المنطوقة به .

( ٨١ )
وجهة أخرى وهى أن نفقة الحامل لا تخلو من أن تكون مستحقه للحمل أو لأنها
محبوسة عليه فى بيته ، فلو كانت مستحقة للحمل لوجب أن الحمل لو كان له مال
أن ينفق عليها من مال نفسه ؛ فلما اتفق الجميع على أن الحمل إذا كان له مال
كانت نفقة أمه على الزوج لا فى مال الحمل دل على أن وجوب النفقة متعلق
بكونها محبوسة في بيته. وأيضاً كان يجب أن تكون فى الطلاق الرجعى نفقة الحامل
فى مال الحمل إذا كان له مال ، كما أن نفقته بعد الولادة من ماله ؛ فلما اتفق
الجميع على أن نفقتها فى الطلاق الرجعى لم تجب مثله فى البائن وكان يجب أن تكون
نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها فى نصيب الحمل من الميراث.
فإن قيل : فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر فى إيجاب النفقة ؟ قيل له :
قد دخلت فيه المطلقة الرجعية ولم يمنع نفى النفقة بغير الحامل ، فكذلك فى المبتوتة:
وإنما ذكر الحمل لأن مدته قد تطول وتقصر ، فأراد إعلامنا وجوب النفقة مع
طول مدة الحمل التى هى فى العدة أطول من مدة الحيض .
ومن جهة النظر: إن الناشرة إذا خرجت من بيت زوجها لا تستحق النفقة
مع بقاء الزوجية لعدم تسايم نفسها فى بيت الزوج ، ومتى عادت إلى بيته استحقت
النفقة ؛ فثبت أن المعنى الذى تستحق به النفقة هو تسليم نفسها فى بيت الزوج؛ فلما
اتفقنا ومن أوجب السكنى وجوب السكنى وصارت بها مسلمة لنفسها فى بيت
زوجها وجب أن تستحق النفقة . وأيضا لما اتفق الجميع على أن المطلقة الرجعية
تستحق النفقة فى العدة وجب أن تستحقها المبتوتة ، والمعنى فيها أنها معتدة من
طلاق ، وإن شئت قلت : إنها محبوسة عليه بحكم صحيح ، وإن شئت قلت : إنها
مستحقة للسكنى ؛ فأى هذه المعانى اعتللت به صح القياس عليها .
ومن جهة السنة ما روى حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن الشعبى أن
فاطمة بنت قيس طلقها زوجها طلاقا بائناً، فأتت النبى معَ لٍّ فقال: ((لا نفقة لك
ولا سكنى)). قال: فأخبرت بذلك النخعى ، فقال : قال عمر بن الخطاب

( ٨٢ )
وأخبر بذلك فقال: ((لسنا بتاركى آية فى كتاب الله وقول رسول اللّه جَل ◌ٍّ لقول
امرأة لعلها أوهمت، سمعت رسول اللّهمجلال يقول: لها السكنى والنفقة)).
وروى سفيان عن سلمة عن الشعبى عن فاطمة عن النبي وجّ ه أنه لم يجعل لهاء طلقها
زوجها ) ثلاثاً سكنى ولا نفقة، فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: قد رفع ذلك إلى
عمر فقال: ((لا ندفع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة، لها السكنى والنفقة)).
فقد نص هذان الخبران على إيجاب النفقة والسكنى . فى الأول : سمعت رسول
اللّه عَّالٍّ يقول: ((لها السكني والنفقة)) ولو لم يقل ذلك كان قوله: ((لا ندع
كتاب ربنا وسنة نبينا)) يقتضى أن يكون ذلك نصاً من النبى محمد خاتّ فى إيجابها.
واحتج المبطلون للسكنى والنفقة ، ومن نفى النفقة دون السكنى بحديث فاطمة
بنت قيس هذا ؛ وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه ، ومن شرط
قبول أخبار الآحاد تعريها من نكير السلف . أنكره عمر بن الخطاب على فاطمة
بنت قيس فى الحديث الأول الذى قدمناه . وروى قاسم بن محمد أن مروان ذكر
لعائشة حديث فاطمة بنت قيس فقالت: (( لايضرك أن لاتذكر حديث فاطمة
بنت قيس!)) وقالت فى بعضه: ((مالفاطمة خير إن تذكر هذا الحديث يعنى
قولها: لاسكنى لك ولا نففة)). وقال ابن المسيب: ((تلك امرأة فتنت الناس؛
استطالت على احمائها بلسانها فأمرت بالانتقال)). وقال أبو سلمة : أنكر الناس
عليها ما كانت تحدث به . وروى الأعرج عن أبى سلمة أن فاطسة كانت تحدث به .
وروى الأعرج عن أبى سلمة أن فاطمة كانت تحدث عن رسول اللّه جبراهي أنه
قال لها : اعتدى فى بيت ان مكتوم . قال : وكان محمد بن أسامة يقول : كان
أمامة إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئا رماها بما كان فى يده . فلم یکن ینکر علیها
يد النكير إلا وقد علم بطلان ماروته عمار بن رزيق عن أبى إسحق قال : كنت عند
الأسود بن يزيد فى المسجد، فقال الشعبى: حدثتنى فاطمة بنت قيس أن النبي صَلاتجـ
قال لها: ((لاسكنى لك ولا نفقة)). قال: فرماه الأسود بحصاً ثم قال : ويلك!
أتحدث بمثل هذا ؟ قد رفع ذلك إلى عمر ، فقال : لسنا بتاركى كتاب ربنا وسنة
.

( ٨٣ )
نبينا لقول امرأة لاندرى لعلها كذبت، قال الله تعالى: ((لا تخرجوهن من بيوتهن)).
وروى الزهرى قال: أخبرنى عبيد اللّه بن عبداللّه بن عتبة أن فاطمة بنت قيس أفتت
أخيها - وقد طلقها زوجها - بالانتقال من بيت زوجها، فأنكر ذلك مروان، فأرسل إلى
فاطمة يسألها عن ذلك ، فذكرت أن رسول اللّه حَله أفتاها بذلك. فأنكر ذلك.
مروان وقال: قال الله تعالى: ((لاتخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن))؟ قالت.
فاطمة: إنما هذا فى الرجعى، لقوله تعالى: (( لاتدرى لعل الله يحدث بعد ذلك
أمرا. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف)). فقال مروان: ((لم أسمع بهذا
الحديث من أحد قبلك ، وسآخذ بالعصمة التي وجدت الناس عليها)) .
فقد ظهر من هؤلاء السلف النكير على فاطمة فى روايتها لهذا الحديث ،
ومعلوم أنهم كانوا لاينكرون روايات الأفراد بالنظر والمقايسة ؛ فلولا أنهم قد علموا
خلافه من السنة ومن ظاهر الكتاب لما أنكروه عليها . وقد استفاض خبر فاطمة
فى الصحابة فلم يعمل به منهم أحد إلا شئياً روى عن ابن عباس ، رواه الحجاج
ابن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول فى المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها
زوجها: (( لا نفقة لهما، وتعتدان حيث شائتا)).
فهذا الذى فى رد خبر فاطمة بنت قيس من جهة ظهور النكير من السلف
عليها وفى روايتها ومعارضة حديث عمر إياه : يلزم الفريقين من نفاة السكنى
والنفقة ، وممن نفى النفقة وأثبت السكنى ؛ وهو لمن ننى النفقة دون السكنى ألزم،
لأنهم قد تركوا حديثها فى نفى السكنى لعلة أوجبت ذلك ، فتلك العلة بعينها هى
الموجبة لترك حديثها فى نفى النفقة .
فإن قيل: إنما لم يقبل حديثها فى نفى السكنى لمخالفتها لظاهر الكتاب وهو قوله
تعانى: ((أسكنوهن من حيث سكنتم)). قيل له: قد احتجت هى فى أن ذلك
فى المطلقة الرجعية ، ومع ذلك فإن جاز عليها الوهم والغلط فى روايتها حديثاً مخالفاً
للكتاب سبيلها فى النفقة وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا في ماروته

( ٨٤ )
من نفى السكنى والنفقة، لأنه قدروى أنها استطالت بلسانها على أحمائها فأمروها
بالانتقال وكانت سبب النقلة، وقال الله تعالى: ((لاتخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن
إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) . وقد روى عن ابن عباس فى تأويله : أن تستطيل
على أهله فيخرجوها . فلما كان سبب النقلة من جهتها كانت بمنزلة الناشزة ،
فسقطت نفقتها وسكنها جميعاً ؛ فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هى الموجبة
لإسقاط السكنى . وهذا يدل على صحة أصلنا الذى قدمنا فى أن استحقاق النفقة
متعلق باستحقاق السكنى .
فإن قيل : ليس النفقة كالسكنى ، لأن السكنى حق للّه تعالى لا يجوز تراضيها
على إسقاطها ، والنفقة حق لها لو رضيت بإسقاطها لسقطت . قيل له : لا فرق
بينهما من الوجه الذى وجب قياسها عليها، وذلك لأن السكني فيها معنيان ، أحد هما
حق للّه تعالى وهوكونها فى بيت الزوج، والآخر حق لها ، وهو ما يلزم فى المال
من أجرة البيت إن لم يكن له ، ولورضيت بأن تعطى هى الأجرة وتسقطها عن
الزوج جاز ؛ فمن حيث هى حق فى المال قد استويا . كذا فى
أحكام القرآن للجصاص .
والمسئلة الرابعة عشر فى نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها : قال الإمام
أبو بكر الرازى : اختلفوا فى نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ؛ فقال ابن عباس ،
وابن عمر، وشريح، وأبو العالية ، والشعبى، وإبراهيم: نفقتها من جميع المال .
وقال ابن عباس، وجابر ، وابن الزبير ، والحسن ، وابن المسيب ، وعطاء :
لانفقة لها فى مال الزوج ، بل هى نفسها. واختلف فقهاء الأمصار أيضا فى ذلك ؛
فقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وزفر ، ومحمد : لاسكنى لها ولا نفقة فى مال
الميت ، حاملا كانت أو غير حامل . وقال ابن أبى ليلى : نفقتها فى مال الزوج
بمنزلة الدين على الميت إذا كانت حاملا . وقال مالك: نفقتها على نفسها وإن كانت
حاملا، ولها السكنى إن كانت الدار للزوج ، وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكنها حتى

( ٨٥ )
تنقضى عدتها ، وإن كانت فى بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها سكنى فى مال
الزوج . هذه رواية ابن وهب . وقال ابن القاسم عن مالك : لا نفقة لها في مال
الزوج الميت إن كانت الدار للميت ، وإن كان عليه دين فهى أحق بالسكنى من
الغرماء ، وتباع للغرماء ويشترط السكنى على المشترى . وقال الأشجعى عن
الثورى: إذا كانت حاملا أنفق عليها من جميع المال حتى تضع حملها؛ فإذا وضعت
أنفق على الصبى من نصيبه. وروى المعافى عنه أن نفقتها من حصتها. وقال الأوزاعى
فى المرأة يموت زوجها وهى حامل : فلا نفقة لها ، وإن كانت أم ولد
فلها النفقة من جميع المال حتى تضع . وقال الليث فى أم الولد: إذا كانت حاملاً
منه فإنه ينفق عليها من جميع المال ، فإن ولدت كان ذلك ديناً يتبع به .
وقال الحسن بن صالح : للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال . وقال الشافعى
فى المتوفى عنها زوجها قولين أحدهما : لما السكنى والنفقة ، والآخر : لاسكنى
لها ولانفقة .
قال أبو بكر: قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها
غير الحامل ولاسكنى ، باتفاق الجميع على أن هذه النفقة غير مستحقة لحمل .
ألا ترى أن أحداً منهم لم يوجيها في نصيب الحمل من الميراث ؛ وإنما قالوا فيه
قولين ، قائل يجعل نفقتها من نصيبها ، وقائل يجعل النفقة من جميع مال الميت ؛
ولم يوجبها أجد فى حصة الحمل . فلا لم تجب النفقة لأجل الحمل ، ولم يخبر
أن تكون مستحقة لأجل كونها فى العدة ، لأنها لو وجبت للعدة لوجبت لغير الحامل
فلم يبق وجه تستحق به النفقة . وأيضاً لم تستحق السكنى فى مال الزوج بدلائل
قد قامت عليه لم تستحق النفقة . وأيضا فإن النفقة إذا وجبت فإنما تجب
حالاً فحالاً ، فلم مات الزوج انتقل ميراثه إلى الورثة وليس للزوج مال فى هذه
الحال ، وإنما هو مال الوارث ؛ فلا يجوز إيجابها عليهم .
فإن قيل : تصير بمنزلة الدين . قيل له : الدين الذى يثبت فى ميراث المتوفى
إنما يثبت بأحد وجهين : إما أن يكون ثابتاً على الميت فى حياته ؛ أو يتعلق

( ٨٦ )
وجوبه بسبب كان من الميت قبل موته مثل الجنايات وحفر البير إذا وقع فيها
إنسان بعد موته ؛ والنفقة خارجة عن الوجهين ؛ فلا يجوز إيجابها فى ماله ،
لعدم السبب الذى به تعلق وجوب النفقة عدم ماله بزواله إلى الورثة . ألا ترى
أن النكاح قد بطل بالموت وإن ملك الميت قد زال إلى الورثة ، فلم يبق الإيجاب
النفقة وجه . ألا ترى أن غير الحامل لا نفقة لها بهذه العلة ؟
فإن قيل: قال الله تعالى: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن))
وهو عموم فى المتوفى عنها زوجها والمطلقة، كما كان قوله: ((أولات الأحمال
أجلهن أن يضعن حملهن )) عموماً فى الصنفين . قيل له : هذه غلط من قبل أن
قوله تعالى: ((أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)) خطاب للأزواج ،
وكذلك قوله تعالى: ((وإن كن أولات حمل فأنقوا عليهن)) خطاب لهم ، وقد زال
عنهم الخطاب بالموت ، ولا جائز أن يكون ذلك خطاباً لغير الأزواج ؛ فلم تقتض
الآية إيجاب نفقة المتوفى عنها زوجها بحال . كذا فى أحكام القرآن للجصاص .
والمسئلة الخامسة عشر: إن قوله تعالى: ((فإن أرضعن لكم فآتوهن
أجورهن)) يدل على أن الأم إذا رضيت بأن ترضعه بأجر مثلها لم يكن للأب
أن يسترضع غيرها ، لأمر الله إياه بإعطاء الأجر إذا أرضعت ؛ ويدل على أن الأم
أولى بحضانة الولد من كل أحد ؛ ويدل على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ
من العمل ولا تستحق بالعقد ، لأنه أوجبها بعد الرضاع بقوله: ((فإن أرضعن
لكم فآتوهن أجورهن )) . وقد دل على أن لبن المرأة وإن كان عينا فقد أجرى
مجرى المنافع التى تستحق بعقود الإجارات ، ولذلك لم يجز أصحابنا بيع لبن المرأة
كما لا يجوز عقد البيع على المنافع ؛ وفارق لبن المرأة بذلك لبن سائر الحيوانات .
ألا ترى أنه لا يجوز استيجار شاة لرضاع الصبى لأن الأعيان لا تستحق بعقود
الإجارات كاستيجار النخل والشجر ؟
وقوله تعالى: ((وأتمروا بينكم بمعروف)) يعنى - والله أعلم - لا تشتط

( ٨٧ )
المرأة على الزوج فيما تطلبه من الأجرة ، ولا يقصر الزوج لها عن المقدار المستحق .
وقوله تعالى: ((وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى)) قيل: إنه إذا طلبت
المرأة أكثر من أجر مثلها ورضيت غيرها بأن تأخذه بأجر مثلها فالزوج أن
إسترضع الأجنبية ، ويكون ذلك فى بيت الأم ؛ لأنها أحق بإمساكه والكون عنده .
وقوله تعالى: (( لينفق ذوسعة من سعته)) يدل على أن النفقة تفرض عليه
على قدر إمكانه وسعته ، وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر .
وقوله تعالى: ((ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله)) قيل : معناه من
ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، والله أعلم أنه لا يكلف نفقة الموسر فى
هذا الحال ؛ بل على قدر إمكانه ينفق .
وقوله تعالى : (( لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها)) فيه بيان أن الله لا يكلف
أحداً مالا يطيق . وهذا وإن كان قد علم بالعقل إذ كان تكليف ما لا يطاق
قبيحاً وسفيهاً ؛ فإن الله ذكره فى الكتاب تأكيداً لحكمه فى العقل . وقد تضمن
معنا آخر من جهة الحكم ، وهو الإخبار بأنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه
الله الإنفاق فى هذه الحالة، لم يجز التفريق بينه وبين امرأته لعجزه عن نفقتها .
وفي ذلك دليل على بطلان قول من فرق بين العاجز عن نفقة امرأته وبينها .
فإن قيل : فقد آتاه الطلاق ؛ فعليه أن يطلق . قيل له : قد بين به أنه
لم يكلفه النفقة فى هذه الحال ؛ فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجلها ، لأن
فيه إيجاب التفريق بشئ لم يجب. أيضا فإنه أخبر أنه لم يكلفه من الإنفاق إلا
ما آتاه ، والطلاق ليس من الإنفاق ؛ فلم يدخل في اللفظ . وأيضا إنما أراد أنه
لا يكلفه ما لا يطيق ، ولم يرد أنه يكلفه كل ما لا يطيق ؛ لأن ذلك مفهوم
من خطاب الآية .
وقوله تعالى: ((سيجعل اللّه بعد عسر يسراً)) يدل على أنه لا يفرق

(٨٨ )
بينهما من أجل عجزه عن النفقة ، لأن العسر يرجى له اليسر . كذا فى
أحكام القرآن للجصاص .
سورة التحريم
فيها آيتان :
الآية الأولى: قوله تعالى: ((يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك))
روى فى سبب نزول الآية وجوه ، أحدها: إن النبى عَ ل﴾ كان يشرب
ويأكل عند زينب، فتواطأت عائشة على أن نقول له : نجد منك ربح المذافير ،
قال : بل شربت عندها عسلا ولن أعود له، فنزلت ((يا أيها النبى لم تحرم
ما أحل الله لك )) وقيل: إنه شرب عند حفصة ، وقيل : عند سودة ، وإنه
حرم الغسل، وفى بعض الروايات: ( واللّه لا أذوقه)) وقيل : إنه أصاب مارية
القبطية فى بيت حفصة ، فعلمت به ، فحزعت منه ، فقال لها : ألا ترصين
أن أحرمها ؟ قالت : بلى ! فجرمها ، وقال : لا تذكرى ذلك لأحد : فذكرته
لعائشة، فأظهره اللّه عليه وأنزل عليه ((يا أيها النبى لم تحرم ما أحل اللّه لك))
الآية رواه. محمد بن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس
عن عمر بذاك .
قال أبو بكر : وجائز أن يكون الأمران جميعاً قد كان من تحريم العسل ،
إلا أن الأظهر أنه حرم مارية ، وأن الآية فيها نزلت؛ لأنه قال: ((تبغى مرضاة
أزواجك)) وليس فى ترك شرب العسل رضا أزواجه ، وفي ترك قرب مازية
رضاهن. فروى فى العسل أنه حرمه ، وروى أنه حلف أن لا يشربه ؛ وأما مارية
فكان الحسن يقول: حرمها، وروى الشعبى عن مسروق أن رسول اللّه عداله
أبى وحرم ، فقيل له : الحرام حلال . وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة
إيمانكم . وقال مجاهد وعطاء: حرم جاريته، وكذلك روى عن ابن عباس وغيره

( ٨٩ )
من الصحابة . وأما قول من قال : إنه حرم وحلف أيضا ، فإن ظاهر
الآية لا يدل عليه ، وإنما فيها التحريم فقط : فغير جائز أن يلحق بالآية ما ليس
فيها : فوجب أن يكون التحريم يميناً لإيجاب اللّه تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق
لفظ التحريم. ومن الناس من يقول: لا فرق بين التحريم واليمين، لأن اليمين تحريم
المحلوف عليه والتحريم أيضا يمين . وهذا عند أصحابنا يختلف فى وجه ، ويتفق
فى وجه آخر : فالوجه الذى يوافق اليمين فيه التحريم أن الحنث فيها يوجب
كفارة اليمين ، والوجه الذى يختلفان فيه أنه لو حلف أنه لا يأكل هذا الرغيف
فأكل بعضه لم يحنث ، ولو قال : قد حرمت هذا الرغيف على نفسى فأكل منه
اليسير حنث ولزمته الكفارة ؛ لأنهم شبهوا تحريمه الرغيف على نفسه بمنزلة قوله :
والله لا أكلت من هذا الرغيف شيئا تشبيهاً له بسائر ما حرمه الله من الميتة والدم
أنه اقتضى تحريم القليل منه والكثير .
واختلف السلف فى الرجل يحرم امرأته ، فروى عن أبى بكر ، وعمر ،
وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر : إن الحرام يمين . وهو قول الحسن،
وابن المسيب ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، وطاوس . وروى عن ابن عباس
رواية مثله ؛ وروى عنه غير ذلك ، وعن على بن أبى طالب ، وزيد بن ثابت
رواية : وابن عمر رواية ؛ وأبى هريرة وجماعة من التابعين قالوا : هى ثلاث .
وروى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: النذر والحرام إذا لم يسم
مغلظة : فتكون عليه رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا .
وروى ابن جبير عن ابن عباس أيضا : إذا حرم الرجل امرأته فهى يمين يكفرها؛
أما لكم فى رسول الله أسوة حسنة ؟ وهذا محمول على أنه إذا لم يكن نه سبة فهو
بمنزلة يمين، وإذا أراد الظهار كان ظهاراً. وقال مسروق . ما أبالى ماء.
حرمت أو قصعة من ثريد. وعن أبى سلمة ابن عبد الرحمن : ما أبالى حرمت
امرأتى أو ماء فراتا .

( ٩٠ )
قال أبو بكر : وليس فيه دلالة على أنهم لم يروه يميناً ؛ لأنه لا جائز أن
يكون قولهما فى تحريم الثريد والماء أنه يمين ، فكأنها لم يريا ذلك طلاقا ، وكذلك
نقول: إنه ليس بطلاق إلا أن ينويه ؛ فلم تظهر مخالفة هذين لمن ذكرنا قولهم من
الصحابة واتفاقهم على أن هذا القول ليس بلغو ، وأنه إما يكون يميناً أو طلاقا
أو ظهاراً .
واختلف فقها الأمصار فى الحرام ، وقال أصحابنا: إن نوى الطلاق فواحدة
بائنة إلا أن ينوى ثلاثا، وإن لم ينو طلاقاً فهو يمين، وهو مول . وذكر ابن سماعة
عن محمد أنه إن نوى ظهاراً لم يكن ظهاراً ، لأن الظهار أصله بحرف التشبيه .
وروى ابن شجاع عن أبى يوسف في اختلاف زفر وأبى يوسف أنه إن نوى
ظهاراً كان ظهاراً . وقال ابن أبى ليلى: هى ثلاث، وأسأله عن نيته . وقال
مالك - فيما ذكر عنه ابن القاسم - الحرام لا يكون يمينا في شئ إلا أن يحرم امرأته،
فيلزمه الطلاق . وهو ثلاث إلا أن ينوى واحدة وثنتين : فيكون على مانوى .
وقال الثورى : إن نوى ثلاثاً فثلث ، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة ، وإن نوى
يميناً فهى يمين يكفرها ، وإن لم ينو فرقة ولا يميناً فليس بشئ ؛ هى كذبة.
وقال الأوزاعى: هو على ما نوى، وإن لم ينو شيئاً فهو يمين . وقال عثمان البتى:
هو بمنزلة الظهار . وقال الشافعى : ليس بطلاق حتى ينوى ، فإذا نوى فهو
طلاق على ما أراد من عدده ، وإن أراد تحريمها بلا طلاق فعليه كفارة يمين ،
وليس بمول .
قال أبو بكر : قد جعل أصحابنا التحريم يميناً إذا لم تقارنه نية الطلاق ،
إذا حرم امرأته فيكون بمنزلة قوله لها : واللّه لا أقربك فيكون مولياً : وأما إذا
حرم غير امرأته من المأكول والمشروب وغيرهما فإنه بمنزلة قوله : واللّه لا آكل
منه، ووالله لا أشرب منه، ونحو ذلك، لقوله تعالى: (( لم تحرم ما أحل الله لك))
ثم قال: ((قد فرض الله تحلة أيمانكم)) فجعل التحريم يميناً : فصارت اليمين فى

(٩١ )
مضمون لفظ التحريم ومقتضاه في حكم الشرع. فإذا أطلق كان محمولاً على اليمين
إلا أن ينوى غيرها، فيكون ما نوى. فإذا حرم امرأته وأراد الطلاق كان طلاقا
لاحتمال اللفظ : وكل لفظ يحتمل الطلاق ويحتمل غيره فإنه متى أراد به الطلاق
كان طلاقاً. والأصل فيه قول النبى بجَلِ ◌ّ لركانة حين طلق امرأته البتة: ((باللّه
ما أردت إلا واحدة؟ )) فتضمن ذلك معنيين ، أحدهما : إن كل لفظ يحتمل
الثلاث ويحتمل غيرها فإنه منى أراد الثلاث كان ثلاثا ، لولا ذلك لم يستحلفه
عليها . والثانى : إنه لا يلزمه الثلاث بوجود اللفظ . وجعل القول قوله، للاحتمال
فيه ؛ فصار ذلك أصلا فى أن كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره إنا لا نجعله طلاق!
إلا بمقارنة الدلالة لأرادة الطلاق . ومما يدل على أن اللفظ المحتمل للطلاق يجوز
إيقاع الطلاق به وإن لم يكن طلاقاً فى نفسه أن النبى جَلالٍ قال السودة: ((اعتدى))
ثم راجعها؛ فأوقع الطلاق بقوله: ((اعتدى)) لاحتماله له ، ولا نعلم أحداً من
السلف منع إيقاع الطلاق بلفظ التحريم . ومن قال منهم : هو يمين ، فإنما أراد
به عندنا إذا لم تكن له نية الطلاق ولم تقارنه دلالة الحال .
وزعم مالك أن من حرم على نفسه شيئا غير امرأته أنه لا يلزمه بذلك شئ،
وأن ذلك ليس بيمين : وذكرنا ما اقتضى قوله تعالى: ((يا أيها النبي لم تحرم
ما أحل الله لك)) من كونه يميناً، لقوله تعالى: ((قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم)»
وأنه لا يجوز إسقاط موجب هذا اللفظ من كون الحرام يميناً ، برواية من روى
أن النبي ◌َّ الّ حلف أن لا يشرب العسل؛ إذ غير جائز الاعتراض على حكم
القرآن بخبر الواحد ؛ ولأن من روى اليمين يجوز أن يكون إنما عنى به
التحريم يميناً .
ويدل من جهة النظر على أن التحريم يمين أن المحرم للشئ على نفسه وقد
اقتضى لفظه إيجاب الامتناع منه كالأشياء المحرمة ، وذلك فى معنى النذر وقول
القائل: لله على أن لا أفعل ذلك؛ فلما كان النذر يميناً بلسنة واتفاق الفقهاء وجب

( ٩٢ )
أن يكون تحريم الشئ بمنزلة النذر ؛ فتجب فيه كفارة يمين إذا حنث ، کما تجب
فى النذر . كذا فى أحكام القرآن للجصاص .
((والآية الثانية: قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً))
روى عن على فى قوله: ((قوا أنفسكم وأهليكم)) قال: علموا أنفسكم
وأهليكم الخير، وقال الحسن: تعلمهم وتأمرهم وتنهاهم . قال أبو بكر : وهذا
يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الآداب،
وهو مثل قوله تعالى: ((وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها)) ونحو قوله تعالى
لنبي ◌َّ: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)). ويدل على أن للأقرب فالأقرب
منامزية فى لزومنا تعلمهم وأمرهم بطاعة الله تعالى .
ويشهد له قول النبى حَ لّةٍ: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)). ومعاوم
أن الراعى كما عليه حفظ من استرعى وحمايته والتماس مصالحه ، فكذلك عليه تأديبه
وتعليمه . وقال عليه السلام: (( فالرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم،
والأمير راع على رعيته وهو مسؤول عنهم)). وحدثنا عبد الباقى ابن قانع قال :
حدثنا إسمعيل بن الفضل بن موسى قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص قال :
حدثنا مد بن موسى السعدى عن عمرو بن دينار قهرمانى آل الزبير عن سالم عن
أبيه عن النبى مَّ الّ قال: ((ما نحل والد ولداً خيراً من أدب حسن)). وحدثنا
عبد الباقى قال : حدثنا جباره قال : حدثنا محمد بن الفضل عن أبيه عن عطاء عن
ابن عباس قال: قال النبى حَ لّ: ((حق الولد على والده أن يحسن اسمهأ، ويحسن
أدبه )) . وحدثنا عبد الباقى قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن أبى عثمان قال: حدثنا
يحيى بن معين قال: حدثنا محمد بن ربيعة قال : حدثنا محمد بن الحسن بن عطية قال
حدثنا مد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((إذا بلغ
أولاد كم سبع سنين فعلموهم الصلوة ؛ وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها ،
وفرقوا بينهم فى المضاجع). كذا فى أحكام القرآن للجصاص .

( ٩٣ )
سورة ن
قال تعالى: ((سنسمه على الخرطوم))
فيها مسئلتان :
المسئلة الأولى: قوله: ((سنسمه على الخرطوم)). ذكر فيه أهل التفسير
قولين ، أحدهما : إنها سمة سوداء تكون على أنفه يوم القيامة يميزبها بين الناس ،
وهذا كقوله: ((يعرف المجرمون بسيماهم)). وقيل: يضرب بالنار على أنفه يوم
القيامة يعنى وسما يكون علامة عليه ، وقد قال تعالى: (( يوم تبيض وجوه وتسود
وجوه)) فهذه علامة ظاهرة؛ وقال: ((ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون
بينبم إن ابتم إلا عشرا)) الآية وهذه علامة أخرى؛ فأفادت هذه الآية علامة
ثالثة ، وهى الوسم على الخرطوم من جملة الوجه .
المسئلة الثانية: قوله: ((سنسبه)) كان الوسم فى الوجه لذى المعصية قديماً
عند الناس، حتى أنه روى - كما تقدم - أن اليهود لما أهملوا رجم الزانى اعتاضوا
عنه بالضرب وتحميم الوجه ، وهذا وضع باطل . ومن الوسم الصحيح فى مارأى
العلماء من تسويد وجه شاهد الزور علامة على قبح المعصية وتشديداً لمن يتعاطاها
لغيره لمن يرجى تجنبه بمن يرى من عقوبة شاهد الزور وشهرته، وقد كان عزيزاً
بقول الحق وقدصار مهيناً بالمعصية . وأعظم الإهانة إهانة الوجه : وكذلك كانت
الإهانة به فى طاعة الله سبباً لحياة الأبد والتحريم له على النار : فإن الله قد حرم
على الثار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود - حسبما ثبت في الصحيح - كذا فى
أحكام القرآن الجصاص.
سورة سأل سائل
قال تعالى: ((الذين هم على صلاحهم دائمون))
روى أبو سلمة عن عائشة قالت: كان أحب الصاوة إلى رسول الله جدي

( ٩٤ )
ماديم عليه، وقرأت (( الذين هم على صلاتهم دائمون)). وعن ابن مسعود قال:
((دائمون على مواقيتها)). وعن عمران بن حصين فى الآية قال: ((الذى لا يلتفت
فى صلاته)) . كذا في أحكام القرآن للجصاص .
سورة نوح
قال تعالی: «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل
السماء عليكم مدراراً)»
فيه دليل لما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من أن الاستسقاء هو الاستغفار
والدعاء ، ولا يلزم فيه الجماعة والخطبة كالعيد . وفيه استحباب الاستغفار فى
فى المحن وضيق الرزق ، وأنه مجلبة له ،
سورة الجن
قال تعالى: ((وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن))
فيه دليل من أكثر الرقى والعزائم .
وقال تعالى: (( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا))
فيه أنه لا يجوز فى المسجد كلام الدنيا ، وأنه يجب تنزيها عن غير
العبادات من البيع والخصومات وإقامة الحدود .
سورة المزمل
قوله تعالى: (( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا))
روى زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال : قلت لعائشة : أنبئينى عن

( ٩٥ )
قيام رسول اللّه مَ الٍ، قالت: ((أما تقرأ هذه السورة ((يا أيها المزمل قم الليل
إلا قليلا ))؟ قلت : بلى ! قالت : فإن اللّه افترض القيام فى أول هذه السورة ، فقام
النبي صَلاٍّ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم ؛ وأمسك اللّه تعالى خاتمتها اثنى عشر
شهراً، ثم أنزل التخفيف فى آخر السورة ؛ فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة)).
وقال ابن عباس: (( لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحو قيامهم فى شهر رمضان
حتى نزل آخرها ، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو سنة)).
وقوله تعالى: (( ورتل القرآن ترتيلا))
قال ابن عباس : بينه تبيينا . وقال طاوس : بينه حتى تفهمه . وقال مجاهد :
((ورتل القرآن ترتيلا)) قال: وآل بعضه على أثر بعض على تؤدة .
قال أبو بكر : لا خلاف بين المسلمين فى نسخ فرض قيام الليل ، وأنه
مندوب إليه مرغب فيه. وقد روى عن النبى محمد الي آثار كثيرة في الحث عليه
والترغيب. روى ابن عمر عن النبى جَّ ل قال: ((أحب الصلوة إلى اللّه صلوة
داود ؛ كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه. وأحب الصيام إلى
الله صيام داود؛ كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً)). وروى عن على ((أن
النبي صَ لّ كان يصلى بالليل ثمانى ركعات، حتى إذا انفجر عمود الصبح أو تر
بثلاث ركعات ، ثم سبح وكبر حتى إذا انفجر الفجر صلى ركعتى الفجر)).
وعن عائشة: ((إن النبى معٍَّ كان يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة)).
وقوله تعالى: ((إن ناشئة الليل هى أشد وطأ" وأقوم قيلاً))
قال ابن عباس وابن الزبير : إذا نشأت قائما فهى ناشئة الليل كله . وقال
مجاهد : الليل كله إذا قام يصلى فهو ناشئة ، وما كان بعد العشاء فهو ناشئة .
وعن الحسن مثله، وقال فى قوله تعالى: ((أشد وطأ وأقوم قيلا)) قال : أجهد
للبدن وأثبت فى الخير. وقال مجاهد: ((وأقوم قيلا)) قال: أثبت قراءة .

: ( ٩٦ )
وقوله تعالى: (( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً))
أخلص إليه إخلاصا . وقال قتادة : أخلص إليه الدعاء والعبادة . وقيل :
الانقطاع إلى اللّه وتأميل الخير منه دون غيره . ومن الناس من يحتج به فى
تكبيرة الافتتاح ، لأنه ذكر فى بيان الصلوة ، فيدل على جواز الافتتاح بسائر
أسماء اللّه تعالى.
قوله تعالى: ((سبحاً طويلا))
قال قتادة: فراغاً طويلاً. وقوله تعالى: ((هى أشد وطأ)) قال مجاهد :
واطأ اللسان القلب مواطأة ووطأ، ومن قرأ وطأ قال : معناه هى أشد من عمل النهار .
قوله تعالى: (( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه
وثلثه - إلى فوله تعالى - فاقرأوا ما تيسر من القرآن))
قال أبو بكر : قد انتظمت هذه الآية معانى، أحدها: إنه نسخ به قيام الليل
المقروض كان بدياً . والثانى : دلالتها على لزوم فرض القراءة فى الصلوة بقوله
تعالى: ((فاقرأوا ما تيسر من القرآن)). والثالث : دلالتها على جواز الصلوة
بقليل القراءة . والرابع : إنه من ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها أجزأه ،
وقد بينا ذلك فيما سلف .
فإن قيل : إنما نزل ذلك في صلوة الليل وهى منسوخة . قبل له : إنما نسخ
فرضها ولم ينسخ شرائطها وسائر أحكامها : وأيضا قد أمرنا بالقراءة بعد ذكر
التسبيح بقوله تعالى: ((فاقرأوا ما تيسر منه)).
فإن قيل : فإنما أمر بذلك فى التطوع ، فلا يجوز الاستدلال به على وجوبها
فى الصلوة المكتوبة . قيل له : إذا ثبت وجوبها فى التطوع فالفرض مثله ، لأن
أحدا لم يفرق بينهما؛ وأيضا فإن قوله تعالى: ((فاقرءوا ما تيسر من القرآن))
١

( ٩٧ )
يقتضى الوجوب ، لأنه أمر والأمر على الوجوب : ولا موضع يلزم قراءة القرآن
إلا فى الصلوة ؛ فوجب أن يكون المراد القراءة فى الصلوة .
فإن قيل : إذا كان المراد به القراءة فى صلوة التطوع والصلوة نفسها ليست
بغرض ، فكيف يدل على فرض القراءة ؟ قيل له : إن صلوة التطوع وإن
لم تكن فرضاً فإن عليه إذا صلاها أن لا يصلها إلا بقراءة ، ومتى دخل فيه صارت
القراءة فرضا كما أن عليه استيفاء شرائطها من الطهارة وستر العورة ، كما أن
الإنسان ليس عليه عقد السلم وسائر عقود البيعات ، ومتى ما قصد إلى عقدها
فعليه أن لا يعقدها إلا على ما أباحته الشريعة . ألا ترى إلى قوله عليه السلام:
((من أسلم فليسلم فى كيل معلوم))؟ وليس عليه عقد السلم، ولكنه متى قصد
إلى عقده فعليه أن يعقده بهذه الشرائط .
"فإن قيل: إنما المراد بقوله تعالى: ((فاقرأوا ما تيسر من القرآن)) الصلوة
نفسها ، فلا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها . قيل له : هذا غلط ، لأن فيه
صرف الكلام عن حقيقة معناه إلى المجاز، وهذا لا يجوز إلا بدلالة ، وعلى أنه
لو سام ما ادعيت كانت دلالته قائمة على فرض القراءة ، لأنه لم يعبر عن الصلوة
بالقراءة إلا وهى من أركانها كما قال تعالى: ((إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون))
قال مجاهد: أراد به الصلوة، وقال: ((واركعوا مع الراكعين)) والمراد به الصلوة
بالركوع لأنه من أركانها . كذا فى أحكام القرآن للجصاص .
سورة المدثر
فيها آيتان :
الآية الأولى: ((ولا تمنن تستكثر ))
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وإبراهيم ، وقتاده ، وضحاك: لا تعط عطية