النص المفهرس
صفحات 361-380
سورة النصر الآية - ١ - ٣ ((أفواجاً)) جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وقبائل سائر العرب. ((يدخلون)) حال، على أن ((رأيت)) بمعنى أبصرت، أو مفعول ثان على أن رأيت بمعنی علمت. ﴿فسبّحْ بحْمد ربِّك واسْتَغْفِرِه إنه كان توّاباً﴾ في أمره بهذا التسبيح والاستغفار وجهان: أحدهما: أنه أراد بالتسبيح الصلاة، قاله ابن عباس، وبالاستغفار مداومة الذكر. الثاني : أنه أراد صريح التسبيح، الذي هو التنزيه والاستغفار من الذنوب. روت عائشة قالت(٥١٠): كان رسول اللَّه ◌َ له بعد نزول هذه الآية يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، فقلت: يا رسول اللَّه ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها؟ فقال: ((جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها)). وفي قوله ﴿إنه كان توّاباً﴾ وجهان: أحدهما: قابل التوبة . والثاني : متجاوز عن الصغائر. وفي أمره بهذا بعد النصر والفتح وجهان: أحدهما: ليكون ذلك منه شكراً للَّه تعالى على نعمه، لأن تجديد النعم يوجب تجدید الشكر. الثاني : أنه نعى إليه نفسه، ليجد في عمله. قال ابن عباس: وداعٌ من الله، ووداعٌ من الدنيا، فلم يعش بعدها إلا سنتين مستديماً التسبيح والاستغفار كما أُمِرَ، وكان قد لبث أربعين سنة لم يوح إليه، ورأى رؤیا النبوة سنتين، ومات في شهر ربيع الأول وفيه هاجر. وقال مقاتل(٥١١): نزلت هذه السورة بعد فتح الطائف، والفتح فتح مكة، (٥١٠) رواه ابن جرير (٣٣٣،٣٣٢/٣٠) واللفظ له والبخاري مختصراً (٥٦٤/٨) وزاد السيوطي في الدر (٦٦٣/٨) نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه وله ألفاظ كثيرة متقاربة فراجعها في الدر (٦٦٣/٨، ٦٦٤). (٥١١) قال الحافظ في تخريج الكشاف ص ١٨٩ ذكره الثعلبي عن مقاتل وأسنده إليه دون الكتاب. ٣٦١ سورة النصر الآية - ١ - ٣ والناس أهل اليمن، وهي آية موت النبي ◌ّ فلما نزلت قرأها على أبي بكر وعمر ففرحا بالنصر وبدخول الناس أفواجاً في دين الله عز وجل، وسمعها العباس فبكى، فقال النبي وَّليقول: ((ما يبكيك يا عم؟)) فقال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه لكما تقول.)). وهذه السورة تسمى التوديع، عاش النبي بعدها حولاً على قول مقاتل، وحولين(٥١٢) على قول ابن عباس، ثم حج رسول اللَّه ◌َ لّر من قابل، فنزل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم) الآية، فعاش بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت ((لقد جاءكم رسول)) فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ فعاش بعدها واحداً وعشرين يوماً. وقال مقاتل: عاش بعدها (٥١٣) سبعة أيام، والله أعلم وصلوات اللّه عليه متتابعة لا تنقطع على مر الأزمان وكر الأوان، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. (٥١٢) وهذه الأقوال كلها فيها نظر فإن هذه السورة نزلت في حجة الوداع وانتقل رسول الله وَ ه إلى جوار ربه في ربيع الأول من السنة الثالثة. (٥١٣) أي بعد نزول هذه الآية وهي قوله ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾. ٣٦٢ سورة المسد الآية - ١ - ٥ شُورَةُ المَسَلْ آياتها بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ لـ ٢ وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ ®َافِىِجِيدِهَا سَيَصْلَى نَارًاذَاتَ لَبٍ ! ٣ حَبْلٌ مِّن ◌َّسَدٍ قوله تعالى: ﴿تبّتْ يدا أبي لهب﴾ اختلف في سبب نزولها في أبي لهب على ثلاثة أقاويل : أحدها: ما حكاه عبد الرحمن بن زيد أن أبا لهب (٥١٤) أتى النبي ◌َّ فقال: ماذا أُعطَى إن آمنتُ بك يا محمد؟ قال: ما يعطَى المسلمون، قال: ما عليهم فضل؟ قال: وأي شيء تبتغي؟ قال: تبًّا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله فيه : ﴿تبت يدا أبي لهب﴾. الثاني: ما رواه ابن عباس أنه لما نزل(٥١٥) ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أتى رسول اللَّه ◌َليل الصفا فصعد عليها، ثم نادى يا صباحاه! فاجتمع الناس إليه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ قالوا: (٥١٤) رواه الطبري (٣٣٦/٣٠). (٥١٥) رواه البخاري (٦٠٩/٨) ومسلم (١٩٤/١) بمعناه والطبري (٣٣٦/٣٠) وزاد السيوطي في الدر (٦٦٦/٨) نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبي نعيم . ٣٦٣ سورة المسد الآية - ١ - ٥ نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟! فأنزل الله تعالى هذه السورة. الثالث: ما حكاه عبد الرحمن بن كيسان أنه كان(٥١٦) إذا وفد على النبي وَالّ وفَدٌ انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون: أنت أعلم به، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه ولا يلقونه،فأتاه وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراهونسمع كلامه، فقال لهم أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبًا له وتعساً، فأخبر بذلك النبي وَّيه فاكتأب له، فأنزل اللَّه تعالى ((تَبَتْ)) السورة، وفي ((تَبّتْ)) خمسة أوجه: أحدها: خابت، قاله ابن عباس. الثاني : ضلّت، وهو قول عطاء. الثالث: هلکت، قاله ابن جبير. الرابع: صفرت من كل خير، قاله يمان بن رئاب. حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان بن عفان سمع الناس هاتفاً يقول(٥١٧): لقد خلّوْك فما آبوا ولا رجعوا وانصدعوا يوفوا فيا تبًّا لما صَنعوا بنذرِهمُ ولم والخامس: خسرت، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: بجارية لهم تَبًّا لهم تبًّا. تواعَدَني قوْمي لَيَسْعَوْا بمهجتي وفي قوله ﴿يَدَا أَبِي ◌َبٍ﴾ وجهان : أحدهما: يعني نفس أبي لهب، وقد يعبر عن النفس باليد كما قال تعالى ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ أي نفسك. الثاني: أي عمل أبي لهب، وإنما نسب العمل إلى اليد لأنه في الأكثر يكون بها . (٥١٦) ذكره القرطبي (٢٣٥/٢٠). (٥١٧) وهو قول عبد الله بن كثير أخرجه عنه الفاكهي كما أفاده الحافظ في الفتح (٦٠٩/٨). ٣٦٤ سورة المسد الآية - ١ - ٥ وقيل إنه کني أبا لهب لحُسنه(٥١٨) وتلھّب وجنته، وفي ذكر الله له بکنیته دون اسمه ثلاثة أوجه : أحدها: لأنه كان بکنیته أشهر منه باسمه . الثاني : لأنه كان مسمى بعبد هشم، وقيل إنه عبد العزی فلذلك عدل عنه. الثالث: لأن الاسم أشرف من الكنية، لأن الكنية إشارة إليه باسم غيره، ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم. وفي قوله ﴿وتَبَّ﴾ أربعة أوجه: أحدها: أنه تأكيد للأول من قوله ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ فقال بعده ((وتب)) تأكيداً. الثاني : يعني تبت يدا أبي لهب بما منعه اللَّه تعالى من أذى لرسوله، وتب بما له عند الله من ألیم عقابه . الثالث: يعني قد تبّ، قاله ابن عباس. الرابع: يعني وتبّ ولد أبي لهب، قاله مجاهد. وفي قراءة ابن مسعود: تبت يدا أبي لهبٍ وقد تب، جعله خبراً، وهي على قراءة غيره تکون دعاء کالأول. وفيما تبت عنه یدا أبي لهب وجهان : أحدهما: عن التوحيد، قاله ابن عباس. الثاني : عن الخيرات، قاله مجاهد. ﴿مَا أَغْنَى عَنْه ماله وما كَسَب﴾ في قوله ((ما أغنى عنه)) وجهان: أحدهما: ما دفع عنه. الثاني : ما نفعه، قاله الضحاك. وفي ﴿ماله﴾ وجهان : أحدهما: أنه أراد أغنامه، لأنه كان صاحب سائمة، قاله أبو العالية . الثاني: أنه أراد تليده وطارفه، والتليد: الموروث، والطارف: المكتسب. وفي قوله ﴿ وما حسب﴾ وجهان: (٥١٨) قال الحافظ في الفتح (٦٠٩/٨) ولا حجة فيه لمن قال بجواز تكنية المشرك على الإطلاق بل محل الجواز إذا لم يقتض ذلك التعظيم له أو دعت الحاجة إليه. ٣٦٥ سورة المسد الآية - ١ - ٥ أحدهما: عمله الخبيث، قاله الضحاك. الثاني : ولده، قاله ابن عباس. وروي عن النبي ◌ّلي أنه قال: ((أولادكم من كسبكم(٥١٩)). وكان ولده عتبة بن أبي لهب مبالغاً في عداوة النبي وَّر كأبيه، فقال حين نزلت ﴿والنجم إذا هوى﴾ كفرت بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، وتفل في وجه رسول اللَّه وَ له إلى الشام، فقال رسول اللَّه وَّر: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)) فأكله الأسد(٥٢٠). وفیما لم يغن عنه ماله وما کسب وجهان : أحدهما: في عداوته النبي رَالدرس. الثاني : في دفع النار عنه يوم القيامة . ﴿سَيَصْلَی ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ في سین سیصلی وجهان: أحدهما: أنه سین سوف. الثاني: سين الوعيد، كقوله تعالى. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ و﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا﴾. وفي﴿يَصْلَى﴾ وجهان : أحدهما: صلي النار، أي حطباً ووقوداً، قاله ابن كيسان. الثاني: يعني تَصليه النار، أي تنضجه، وهو معنى قول ابن عباس، فيكون على الوجه الأول صفة له في النار، وعلى الوجه الثاني صفة للنار. وفي ﴿ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ وجهان: أحدهما: ذات ارتفاع وقوة واشتعال، فوصف ناره ذات اللهب بقوتها، لأن قوة النار تكون مع بقاء لهبها . الثاني : ما في هذه الصفة من مضارعة كنيته التي كانت من نذره ووعيده. وهذه الآية تشتمل على أمرين : (٥١٩) جزء من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً أوله .. إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن ... الحدیث. رواه أبو داود ٣٥٢٨ والترمذي ١٣٥٨ والنسائي (٢٤١/٧) وصححه الشيخ الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (١٠ / ٥٧٠). (٥٢٠) ورد هذا في السيرة بألفاظ متقاربة. ٣٦٦ سورة المسد الآية - ١ - ٥ أحدهما: وعيد من اللّه حق عليه بكفره. الثاني: إخبار منه تعالى بأنه سيموت على كفره، وكان خبره صدقاً، ووعيده حقاً. ﴿وامرأتُهُ حَمّالةَ الحَطَبِ﴾ وهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان. وفي ﴿حمالة الحطب﴾ أربعة أوجه: أحدها: أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق النبي وَ التّ ليلاً، قاله ابن (٥٢١) باس (٥٢١). الثاني: أنها كانت تعيِر رسول اللّه وَلّ بالفقر، فكان يحتطب فعيرت بأنها كانت تحتطب، قاله قتادة . الثالث: أنها كانت تحتطب الكلام وتمشي بالنميمة، قاله الحسن والسدي فسمي الماشي بالنميمة حمال الحطب لأنه يشعل العداوة كما تشعل النار الحطب، قال الشاعر(٥٢٢): إنّ بني الأدْرَمِ حَمّالو الحَطَبْ هِم الوُشَةُ فِي الرِّضا وفي الغَضَبْ. عليهمُ اللعْنَةُ تَتْرى والحرَبْ. وقال آخر (٥٢٣): مِنَ البِيضِ لم تُصْطَدْ على ظهر لأمةٍ ولم تَشِ بَيْن الحيّ بالخَطَب والرطْبِ. الرابع: أنه أراد ما حملته من الآثام في عداوة رسول اللَّه وَ لير لأنه كالحطب في مصيره إلى النار. ﴿في جِيدِها حَبْل مِنْ مَسَدٍ﴾ جيدها: عنقها. وفي ﴿حبل من مسد﴾ سبعة أقاويل: أحدها: أنه سلسلة من حديد، قاله عروة بن الزبير، وهي التي قال الله تعالى فيها: ﴿ذرعها سبعون ذراعاً﴾ قال الحسن: سميت السلسلة مسداً لأنها ممسودة، أي مفتولة. (٥٢١) رواه ابن جرير (٣٣٨/٣٠) وزاد السيوطي (٦٦/٨) نسبته للبيهقي في الدلائل وابن عساكر وسنده ضعيف. (٥٢٢) القرطبي (٢٣٩/٢٠) فتح القدير (٥١٢/٥) روح المعاني (٢٦٣/٣٠). (٥٢٣) القرطبي (٢٣٩/٢٠) فتح القدير (٥١٢/٥) روح المعاني (٢٦٣/٣٠). ٣٦٧ سورة المسد الآية - ١ - ٥ الثاني : أنه حبل من ليف النخل، قاله الشعبي، ومنه قول الشاعر: إلى مُضاجعةٍ كالدَّلْكِ بالمَسَدِ. أعوذ بالله مِن لَيْلِ يُقرّبني الثالث: أنها قلادة من ودع، على وجه التعبير لها، قاله قتادة. الرابع: أنه حبل ذو ألوان من أحمر وأصفر تتزين به في جيدها، قاله الحسن، ذكرت به على وجه التعيير أيضاً. الخامس: أنها قلادة من جوهر فاخر، قالت لأنفقنها في عداوة محمد، ويكون ذلك عذاباً في جيدها يوم القيامة . السادس: أنه إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوطة في جيدها بحبل من مسد. السابع: أنه لما حملت أوزار كفرها صارت كالحاملة لحطب نارها التي تصلى بها . روی الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر (٥٢٤) أنه لما نزلت ((تبت يدا)) في أبي لهب وامرأته أم جميل أقبلت ولها ولولة وفي يدها قهر وهي تقول: أَبَيْنا مُذَمَّماً عَصَيْنَا وَأَمْرَهُ ودِینَه قَلَيْنا. ورسول اللّه ◌َ لل في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول اللَّه قد أقبلت وإني أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً﴾ فأقبلت على أبي بكر، ولم تر رسول الله، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فولت فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مذمم، وانصرفت. (٥٢٤) رواه الحميدي (٣٢٣/١) واللفظ له وأبو يعلى وابن أبي حاتم كما في الفتح (٦١٠/٨) من حديث أسماء بنت أبي بكر ورواه الحاكم (٣٦١/٢) من حديثها مختصراً. قال الهيثمي بعدما ساقه رواه أبو يعلى وفيه تدرس جد أبي الزبير ولم أعرفه)) أهـ قال العلامة الأعظمي في تخريجه على الحميدي (١٥٥/١) قلت وتدوس تصحيف والصواب تدرس ولا يطمئن القلب بأنه فيه تدرس جد أبي الزبير بل فيه ابن تدرس وهو أبو الزبير نفسه نسب إلى جده وقال الحافظ في الفتح (١١٧/٧) رواه أبو يعلى بإسناد حسن وتدرس ومسلم بن تدرس والد أبي الزبير لم أجدهما فيما عندي من كتب الرجال. ٣٦٨ سورة الإخلاص الآية - ١ - ٤ مريبها ١١٢ سُورَةُ الإِخْلَاصِ شوره آياتها مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي . بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ جَ اللَّهُ الصَّمَدُ لْجَلَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٤ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوَا أَحَدٌ ٣ قوله تعالى: ﴿قُلْ هُو اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اختلف في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاویل : أحدها: أن اليهود قالوا للنبي وَّ هذا اللَّه خَلَق الخلق، فمن خلَقَ اللَّه؟ فنزلت هذه السورة جواباً لهم، قاله قتادة. الثاني(٢٥°): أن مشركي قريش قالوا لرسول اللّه وَ ليل انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة، وقال: يا محمد انسبني إلى هذا، وهذا قول أبي بن كعب. الثالث: ما رواه أبو روق عن الضحاك أن المشركين (٥٢٦) أرسلوا عامر بن (٥٢٥) وهذا القول هو المشهور. (٥٢٦) رواه أحمد (١٣٣/٥) والترمذي (١٧٢/٢) والطبري (٣٤٢/٣٠) من حديث ابن سعد الصغاني عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب وفي سنده ضعف ورواه الحاكم (٥٤٠/٣) من حديث ابن سعد الصغاني به وصححه ووافقه الذهبي. وأورده السيوطي في الدر (٨/ ) وزاد نسبته للبخاري في تاريخه وابن خزيمة وابن أبي حاتم في السنة ٣٦٩ سورة الإخلاص الآية - ١ - ٤ الطفيل إلى رسول اللَّه وَ﴿ه فقالوا: قل له شققت عصانا وسببت آلهتنا وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيراً أغنيناك وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها، فقال رسول اللّه وَله: لست بفقير ولا مجنون ولا هويت امرأة، أنا رسول الله إليكم، أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته، فأرسلوه ثانية وقالوا له: قل له بیّن لنا جنس معبودك، فأنزل اللَّه هذه السورة، فأرسلوه ثالثة وقالوا: قل له لنا ثلاثمائة وستون صنماً لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم إله واحد بحوائج الخلق كلهم؟ فأنزل اللَّه سورة الصافات إلى قوله ﴿إِن إلهاكم لواحد﴾ يعني في جميع حوائجكم، فأرسلوه رابعة وقالوا: قل له بيّن لنا أفعال ربك، فأنزل الله تعالى: ﴿إن ربكم اللَّه الذي خلق السموات والأرض﴾ الآية، وقوله﴿الذي خلقكم ثم رزقكم﴾. ﴿قل هو الله أحد﴾ خرج مخرج جواب السائل عن اللّه تعالى، فقال لرسوله وَلخير ﴿قل هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والأحد: هو المتفرد بصفاته الذي لا مثل له ولا شبه. فإن قيل: فلم قال ((أحَدّ) على وجه النكرة، ولم يقل الأحدُ؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه حذف لام التعريف على نية إضمارها فصارت محذوفة في الظاهر، مثبتة في الباطن، ومعناه قل هو الله الأحد. الثاني : أنه ليس بنكرة، وإنما هو بيان وترجمة، قاله المبرد. فأما الأحد والواحد ففيهما وجهان : أحدهما: أن الأحد لا يدخل العدد، والواحد يدخل في العدد، لأنك تجعل للواحد ثانياً، ولا تجعل للأحد ثانياً. الثاني: أن الأحد يستوعب جنسه، والواحد لا يستوعب، لأنك لو قلت فلان لا والبغوي في معجمه وابن المنذر وأبي الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن کعب. ورواه الترمذي (١٧٢/٢) عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية مرسلاً ولم يذكر فيه أبي بن كعب وقال هذا أصح من حديث ابن سعد الصغاني ورواه الطبري (٣٤٣/٣) عن محمد بن عوف عن شريح عن إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر، ومجالد ليس بالقوي وذكره ابن كثير (٥٦٥/٤) من رواية أبي يعلى من طريق مجالد عن الشعبي به وأورده الهيثمي في المجمع (١٤٦/٧) من رواية الطبراني في الأوسط وأبي يعلى وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً وابن مسعود راجع تفسير ابن كثير (٤ /٥٦٦) وحديث جابر حسنه السيوطي في الدر (٦٦٩/٨). ٣٧٠ سورة الإخلاص الآية - ١ - ٤ يقاومه أحد، لم يجز أن يقاومه اثنان ولا أكثر، فصار الأحد أبلغ من الواحد. وفي تسميتها بسورة الإخلاص ثلاثة أوجه: أحدها: لأن في قراءتها خلاصاً من عذاب اللَّه. الثاني: لأن فيها إخلاص لله من كل عيب ومن كل شريك وولد، قاله عبد الله ابن المبارك. الثالث: لأنها خالصة للَّه ليس فيها أمر ولا نهي . ﴿اللَّهُ الصّمَدُ﴾ فيه عشرة تأويلات: أحدها: أن الصمد المصمت الذي لا جوف له، قاله الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير، قال الشاعر: شِهابُ حُروب لا تَزالُ جيادُه عوابسَ يَعْلُكْنَ الشكيمَ المُصَمّدا الثاني: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، قاله الشعبي . الثالث: أنه الباقي الذي لا يفنى، قاله قتادة، وقال الحسن: إنه الدائم الذي لم یزل ولا يزال. الرابع : هو الذي لم يلد ولم يولد، قاله محمد بن کعب. الخامس: أنه الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر (٥٢٧): ألا بكّر الناعي بخيّريْ بني أسدْ بعمرو بن مسعودٍ وبالسيّد الصَّمَد. السادس: أنه السيد الذي قد انتهى سؤدده(٥٢٨)، قاله أبو وائل وسفيان وقال الشاعر (٥٢٩): عَلْتُه بِحُسامٍ ثم قلت له خُذْها حُذَيْفَ فأنتِ السَّيْدِ الصَّمَدُ. السابع: أنه الكامل الذي لا عيب فيه، قاله مقاتل، ومنه قول الزبرقان : ألّ رهينةَ إلا السيّدُ الصَمَدُ. ساروا جَميعاً بنصْفِ الليلِ واعْتَمدوا (٥٢٧) هو سبرة بن عمرو الأسدي والبيت في مجاز القرآن (٣١٦/٢) والسمط (٩٣٣) والطبري (٣٤٧/٣٠) والقرطبي (٢٤٥/٢٠) وفتح القدير (٥١٦/٥) واللسان (صمد) وروح المعاني (٢٧٣/٣٠) وفتح الباري (٦١٢/٨). (٥٢٨) وقد ورد عن ابن عباس رواه الطبري (٣٤٦/٣٠). (٥٢٩) اللسان ((صمد)) فتح القدير (٥١٦/٥) القرطبي (٢٤٥/٢٠) روح المعاني (٢٧٣/٣٠). ٣٧١ سورة الإخلاص الآية - ١ - ٤ الثامن: أنه المقصود إليه في الرغائب، والمستغاث به في المصائب، قاله السدي . التاسع: أنه المستغني عن كل أحد قاله أبو هريرة. العاشر: أنه الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، قاله الحسين بن فضيل. ﴿لم يلد ولم يُولَد﴾ فیه وجهان: أحدهما: لم يلد فيكون والداً، ولم يولد فيكون ولداً، قاله ابن عباس. الثاني: لم يلد فيكون في العز مشاركاً، ولم يولد فيكون موروثاً هالكاً، قاله الحسين بن فضيل. وإنما کان کذلك لأمرين : أحدهما: أن هاتين صفتا نقص فانتفتا عنه . الثاني: أنه لا مثل له، فلو وَلَد أو وُلِدٍ لصار ذا مثل، والله تعالى منزه عن أن یکون له مثل. ﴿ولم يَكُن له كُفُواً أَحَدٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لم يكن له مثل ولا عديل، قاله أبي بن كعب وعطاء. الثاني: يعني لم تكن له صاحبة، فنفى عنه الولد والوالدة والصاحبة، قاله مجاهد . الثالث: أنه لا يكافئه في خلقه أحد، قاله قتادة وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحدٌ كُفواً، فقدم خبر كان على اسمها لتنساق أواخر الآي على نظم واحد. ٣٧٢ سورة الفلق الآية - ١ - ٥ ينبـ سُورَةُ الْفَلِق سوره آياتها مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة . بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَحِيةِ ◌َ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ لِ ٣ وَقَبَإِ ] وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا ٤ وَمِن شَرّ النَّفَشَتِ فِى الْعُقَدِ حَسَدَ ٥ ٠ وهذه والناس معوذتا رسول اللّه وَ له حين سحرته اليهود(٥٣٠)، وقيل إن المعوذتين كان يقال لهما ((المقشقشتان)) أي مبرئتان من النفاق، وزعم ابن مسعود أنهما(٥٣١) دعاء تعوذ به وليستا من القرآن، وهذا قول خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت(٥٣٢). ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرِبِّ الفَلَقِ﴾ فيه ستة تأويلات: ۔ (٥٣٠) وهو مشهور بحديث السحر وقد تقدم تخريجه في سورة البقرة والكلام عليه. (٥٣١) رواه البزار كما في الفتح (٨ /٦١٥) وقال البزار ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة فقد صح عن النبي 18 أنه قرأهما في الصلاة ثم ذكر الحافظ رحمه الله ما يؤيد كلام البزار فراجعه فإنه مهم. (٥٣٢) وقد أول بعض العلماء ما جاء عن ابن مسعود راجع الفتح (٦١٥/٨). ٣٧٣ .. سورة الفلق الآية - ١ - ٥ أحدها: أن الفلق سجن في جهنم، قاله ابن عباس. الثاني : أنه اسم من أسماء جهنم، قاله أبو عبد الرحمن. الثالث: أنه الخلق كله، قاله الضحاك. الرابع: أنه فلق الصبح(٥٣٣)، قاله جابر بن عبد الله ومنه قول الشاعر (٥٣٤): يا ليلةً لم أَنَمْها بِتَّ مُرْتفقا أرْعى النجومَ إلى أنْ نوَّرَ الفَلَقُ. الخامس: أنها الجبال والصخور تنفلق بالمياه. السادس: أنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شيء من نبات وغيره، قاله الحسن. ولأصحاب الغوامض أنه فلق القلوب للأفهام حتى وصلت إليها ووصلت فيها، وأصل الفلق الشق الواسع، وقيل للصبح فلق لفلق الظلام عنه كما قيل له فجر لانفجار الضوء منه . ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن شر ما خلق جهنم، قاله ثابت البناني . الثاني : إیلیس وذريته، قاله الحسن. الثالث: من شر ما خلق في الدنيا والآخرة، قاله ابن شجرة. وفي هذا الشر وجهان: أحدهما: أنه محمول على عمومه في كل شر . . الثاني : أنه خاص في الشر الذي يستحق المصاب به الثواب. ﴿ومن شَرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني الشمس إذا غربت، قاله ابن شهاب. الثاني: القمر إذا ولج أي دخل في الظلام. روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة (٥٣٥) أنها قالت: أخذ رسول الله (٥٣٣) وهو الصواب وقد اختاره الطبري (٣٥١/٣٠) والبخاري في صحيحه (٦١٣/٨) وابن كثير (٧٣/٤). (٥٣٤) القرطبي (٢٥٤/٢٠) فتح القدير (٥١٩/٥). (٥٣٥) رواه الترمذي (١٧٢/٢) وصححه وأحمد (٦١/٦) والطبري (٣٥٢/٣٠) والحاكم (٥٤٧/٢) وصححه ووافقه الذهبي وزاد السيوطي في الدر (٨ / ) نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه وحسنه الحافظ في الفتح (٦١٣/٨) وهذا القول هو الصواب لأن الأثر يدل عليه. ٣٧٤ سورة الفلق الآية - ١ - ٥ وَل* بيدي ثم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب، وهذا الغاسق إذا وقب. الثالث: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عنذ وقوعها، وترتفع عند طلوعها، قاله ابن زید. الرابع: أنه الليل، لأنه يخرج السباع من آجامها، والهوام من مكامنها ويبعث أهل الشر على العبث والفساد، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي، قال الشاعر (٥٣٦): يا طيْفَ هِنْدٍ لقد أبقيْتَ لي أرَقا إذ جثْتَنَا طارِقاً والليلُ قد غَسَقا. وأصل الغسق الجريان بالضرر، مأخوذ من قولهم غسقت القرحة إذا جرى صدیدها، والغسّاق: صدید أهل النار، لجریانه بالعذاب وغسقت عينه إذا جری دمعها بالضرر في الحلق. فعلى تأويله أنه الليل في قوله ((إذا وقب)) أربعة تأويلات: أحدها: إذا أظلم، قاله ابن عباس. الثاني : إذا دخل، قاله الضحاك. الثالث: إذا ذهب، قاله قتادة. الرابع: إذا سكن، قاله اليمان بن رئاب. ﴿ومِن شَرِّ النّفّائاتِ في العُقَدِ﴾ قال أهل التأويل: من السواحر ينفثن في عقد الخيوط للسحر، قال الشاعر (٥٣٧): أعوذ بربي من النافثا تِ في ◌ِضَه العاضه المُعْضِه. وربما فعل قوم في الرقى مثل ذلك، طلباً للشفاء، كما قال متمم بن نويرة (٥٣٨): نَفَثْت في الخيط شبيه الرُّقَى من خشيةِ الجِنّة والحاسدِ. وقد روى الحسن عن أبي هريرة عن النبي (٥٣٩) ◌َطير أنه قال: من عقد عقدة ثم (٥٣٦) القرطبي (٢٥٦/٢٠). (٥٣٧) اللسان ((عضه)) القرطبي (٢٥٧/٢٠) :. (٥٣٨) القرطبي (٢٥٧/٢٠) فتح القدير (٥٢٠/٥). (٥٣٩) رواه ابن مردويه كما في الدر (٦٩٠/٨) ولم يذكر القول الأخير ومن تعلقه. ٣٧٥ سورة الفلق الآية - ١ - ٥ نفت فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلّق شيئاً وكل إليه، والنفث: النفخ في العقد بلا ريق، والتفل: النفخ فيها بريق، وفي ﴿شر النفاثات في العقد﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إيهام للأذى (٥٤٠) وتخيل للمرض من غير أن يكون له تأثير في الأذى والمرض، إلا استشعار ربما أحزن، أو طعام ضار ربما نفذ بحيلة خفية. الثاني : أنه قد يؤذى بمرض لعارض ينفصل فيتصل بالمسحور فيؤثر فيه كتأثير العين، وكما ينفصل من فم المتثائب ما يحدث في المقابل له مثله. الثالث: أنه قد يكون ذلك بمعونة من خدم الجن يمتحن اللَّه بعض عباده. فأما المروي من سحر النبي ◌َّر فقد أثبته أكثرهم (٥٤١)، وأن قوماً من اليهود(٥٤٢) سحروه وألقوا عقدة سحره في بئر حتى أظهره اللَّه عليها. روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي (٥٤٣) # # اشتكى شكوى شديدة، فبينا هو بين النائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: ما شكواه؟ فقال الآخر: مطبوب، (أي مسحور، والطب: السحر) قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي فطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها، فبعث رسول اللَّه ◌َ لقر عمار بن ياسر فاستخرج السحر منها، ويروى أن فيه إحدى عشرة عقدة، فأمر بحل العقد، فكان كلما حل عقدة وجد راحة، حتى حلت العقد كلها، فكأنما أنشط من عقال، فنزلت عليه المعوذتان، وهما إحدى عشرة آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما. وأنكره آخرون، ومنعوا منه في رسول اللَّه وَلتر وإن صح في غيره، لما في استمراره عليه من خبل العقل، وأن اللَّه تعالى قد أنكر على من قال في رسوله حيث يقول: ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾. ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة (٥٤٤) هي تمني مثلها وإن لم تزل، فالحسد شر (٥٤٠) وهذا أشبه بقول المعتزلة الذين يقولون أن السحر تخيل لا حقيقة له وقد تكلمنا على ذلك في سورة البقرة فراجعه. (٥٤١) لكن هذا لم يؤثر على عقل رسول الله ﴿ ولم يتعد الجسد الشريف. (٥٤٢) والذي فعله من اليهود هو لبيد بن الأعصم وسيأتي ذكره في الحديث الآتي. (٥٤٣) وهي رواية عن ابن عباس رواها ابن مردويه كما في الدر (٦٨٧/٨). (٥٤٤) وهي ما تسمى بالغبطة . ٣٧٦ سورة الفلق الآية - ١ - ٥ مذموم، والمنافسة رغبة مباحة، وقد روي أن النبي ◌َ له قال(٥٤٥): المؤمن يغبط والمنافق یحسد. وفي الاستعاذة من شر حاسد إذا حسد وجهان : أحدهما: من شر نفسه وعينه، فإنه ربما أصاب بها فعان وضر، والمعيون المصاب بالعين، وقال الشاعر: قد كان قومُك يَحْسبونك سيّدا وإخال أنك سيدٌ مَعْيونُ. الثاني: أن يحمله فرط الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فإنه يتبع المساوىء ويطلب العثرات، وقد قيل إن الحسد(٥٤٦) أول ذنب عصي اللَّه به في السماء والأرض فحسد إبليس آدم حتى أخرجه من الجنة، وأما في الأرض فحسد قابيل بن آدم لأخيه هابیل حتى قتله، نعوذ بالله من شر ما استعاذنا منه. وافتتح السورة بـ((قُلْ)) لأن الله تعالى أمر نبيه أن يقولها، وهي من السورة لنزولها معها، وقد قال بعض فصحاء السلف: احفظ القلاقل، وفيه تأويلان: أحدهما: قل ((قل)) في كل سورة ذكر في أوائلها لأنه منها. والثاني: احفظ السورة التي في أولها ((قل)) لتأكيدها بالأمر بقراءتها . (٥٤٥) لم أهتد إلى نخريجه والله أعلم. (٥٤٦) وقد ورد بحوه من قول جنادة بن أبي أمية رواه أبو الشيخ في التوبيخ رقم ٦٩، ٨٣ وسنده صحيح. ٣٧٧ سورة الناس الآية - ١ - ٦ ترتيبها ١١٤ سُورَةُ النَّاسِ، آياتها بسمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ إِلَهِ النَّاسِ ٢ مَلِكِ النَّاسِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ مِن ٣ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ٥ ٦ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرِبِّ النّاسِ﴾ وإنما ذكر أنه رب الناس، وإن كان ربّاً لجميع الخلق لأمرین: أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. الثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يُعيد منهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ * إِلَّهِ النّاسِ﴾ لأن في الناس ملوكاً، فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره فذكر أنه إلههم ومعبودهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخناس هو الشيطان، وفي تسميته بذلك وجهان: أحدهما: لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى : ﴿فَلا أُقْسِمُ بالخُنَّس﴾ يعني النجوم لاختفائها بعد الظهور. الثاني: لأنه يرجع عن ذكر اللَّه، والخنس الرجوع، قال الراجز (٥٤٧): وصاحب يَمْتَعِسُ امْتِعاسا يزدادُ من خَنسِه خناسا. (٥٤٧) القرطبي (٢٦٢/٢٠) وفیه یزاد من خنسه. ٣٧٨ سورة الناس الآية - ١ - ٦ وأما (الوسواس) ها هنا ففيه وجهان: أحدهما: أنه الشيطان لأنه یوسوس للإنسان، وقد روى ابن جبير عن ابن عباس (٥٤٨) في قوله ((الوسواس الخناس)) قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس، فعلى هذا يكون في تأويل الخناس وجهان : أحدهما: الراجع بالوسوسة على الهوى. الثاني : أنه الخارج بالوسوسة في اليقين. الوجه الثاني: أنه وسواس الإنسان من نفسه، وهي الوسوسة التي يحدث بها نفسه . وقد روي عن النبي (٥٤٩) ﴿ ﴿ أنه قال: إنّ اللّه تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به. ﴿الذي يُوسْوِسُ فِي صُدورِ النّاسِ﴾ وسوسة الشيطان هي الدعاء إلى طاعته بما يصل إلى القلب من قول متخيل، أو يقع في النفس من أمر متوهم ومنه الموسوس إذا غلب عليه الوسوسة، لما يعتريه من المسرة، وأصله الصوت الخفي، قال الأعشى (٥٥٠): تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل. ﴿من الجِنّة والنّاسِ ﴾ أما وسواس الجنة فهو وسواس الشيطان على ما قدمناه، وأما وسواس الناس ففيه وجهان: أحدهما: أنها وسوسة الإنسان من نفسه، قاله ابن جريج . الثاني : أنه إغواء من يغويه من الناس. قال قتادة: إن من الإنس شياطين، وإن من الجن شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. (٥٤٨) رواه ابن جرير (٣٥٥/٣٠) وزاد في الدر (٦٩٤/٨) نسبته لابن أبي شيبة وابن مردويه. (٥٤٩) رواه مسلم (١١٦/١) من حديث أبي هريرة مرفوعاً ولفظه إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم یتکلموا أو يعملوا. (٥٥٠) اللسان وسس ديوانه: ١٣١. ٣٧٩ سورة الناس الآية - ١ - ٦ وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس (٥٥١) أن النبي وَل﴿ كان يعوّذ حسناً وحسيناً فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة، ومن كل عينٍ لامّةٍ، ونحن نستعيذ بالله مما عوذ ونستمده جميل ما عوّد. وفقنا اللَّه وقارئه لتدبر ما فيه وتفهم معانيه، فيه توفيقنا وعليه توكلنا، والحمد لله وحده وكفى، وصلواته على رسوله محمد المصطفى، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين. (٥٥١) رواه البخاري (٢٩٣/٦) والترمذي (٢٠٦١). وأبو داود (٤٧٣٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٣٨٠