النص المفهرس

صفحات 221-240

سورة الإنفطار الآية - ١ - ١٢
الثالث: فجر عذبها في مالحها، ومالحها في عذبها، قاله قتادة.
ويحتمل رابعاً: أي فاضت.
﴿وإذا القبور بُعْثِرتْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بحثت وثوّرت، قاله ابن عباس وعكرمة، وقال الفراء: فيخرج ما في
بطنها من الذهب والفضة، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها
ثم تخرج الموتى .
الثاني : حركت للبعث، قاله السدي.
الثالث: بعث من فيها من الأموات، قاله قتادة.
﴿عَلِمَتْ نَفْسُ ما قدَّمَتْ وأُخرَتْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما عملت وما ترکت، قاله أبو رزين.
الثاني : ما قدمت من طاعة، وأخرت من حق الله، قاله ابن عباس.
الثالث: ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث.
ويحتمل ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة، لأنه خارج مخرج الوعيد،
وهذا جواب ﴿إذا السماء انفطرت﴾ لأنه خبر، وجعلها الحسن قَسَماً وقعت على قوله
﴿علمت نفس) الآية.
والأظهر ما عليه الجماعة من أنه خبر وليس بقسم.
﴿يا أيها الإنسان ما غَرَّك بربِّكَ الكريم﴾ في الإنسان ها هنا ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه إشارة إلى كل كافر (٢٨٧).
الثاني : أنه أبي بن خلف، قاله عكرمة .
الثالث: أنه أبو الأشد (٢٨٨) بن كلدة بن أسد الجمحي، قاله ابن عباس.
وفي الذي غرَّه قولان:
أحدهما: عدوه الشيطان، قاله قتادة.
الثاني: جهله، وهو قول عمر بن الخطاب (٢٨٩).
(٢٨٧) وهو الراجح كما في فتح القدير للشوكاني (٣٩٥/٥).
(٢٨٨) وقيل هو أبو الأشدين وقد سبق الكلام عليه في سورة المدثر.
(٢٨٩) رواه عنه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في الدر (٤٣٩/٨).
٢٢١

سورة الإنفطار الآية - ١ - ١٢
ويحتمل قولاً ثالثاً: إنه إمهاله.
((الكريم)) الذي يتجاوز ويصفح، وروى الحسن أن عمر بن الخطاب لما قرأ
﴿يا أيها الإنسان﴾ .. الآية، قال: حمقه وجهله.
﴿الذي خَلَقَك فسَوَّاك فعَدَلك﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: فسوى خلقك وعدل خلقتك.
الثاني: فسوَّى أعضاءك بحسب الحاجة وعدلها في المماثلة لا تفضل يد على
بد، ولا رجل على رجل.
الثالث: فسواك إنساناً كريماً وعدل بك عن أن يجعلك حيواناً بهيماً .
قال أصحاب الخواطر: سوّاك بالعقل وعدلك بالإيمان .
فِي أُِّ صورَةٍ ما شاءَ رَكَّكَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما شاء ركبك من شبه أم أو أب أو خال أو عم، قاله مجاهد.
الثاني: من حسن أو قبح أو طول أو قصر أو ذكر أو أنثى، قاله ابن عيسى .
الثالث: في أي صورة من صور الخلق ركبك حتى صرت على صورتك التي
أنت عليها أيها الإنسان لا يشبهك شيء من الحيوان.
وروى موسى بن علي بن رباح(٢٩٠) اللخمي عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه وَله.
قال لجده: ما ولِدَ لك؟ قال: يا رسول اللَّه وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية،
قال رسول الله: ومن عسى أن يشبه؟ قال: إما أباه وإما أمه، فقال عليه السلام عندها:
مه لا تقولن هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها اللَّه كل نسب بينها
وبين آدم أما قرأت في كتاب اللَّه: في أي صورة ما شاء ركبك.
﴿كلّ بَلْ تُكَذِّبونَ بالدِّين﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
(٢٩٠) رواه الطبري (٨٧/٣٠) وزاد السيوطي في الدر (٤٣٩/٨) نسبته للبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن
شاهين وابن قانع والطبراني وابن مردويه كلهم من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده.
وسند الحديث ضعيف فيه المطهر بن الهيثم الراوي عن موسى بن علي والمطهر متروك وبه أعلّه
الهيثمي في المجمع (١٣٥/٧) وقال الحافظ ابن كثير (٤٨١/٤) وهذا الحديث لو صح لكان فيصلاً
في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك
الحديث وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات أهـ.
٢٢٢

سورة الانفطار الآية - ١٣ - ١٩
أحدها: بالحساب والجزاء، قاله ابن عباس.
الثاني : بالعدل والقضاء، قاله عكرمة.
الثالث: بالدين الذي جاء به محمد مَلّ وهو الإسلام، حكاه ابن عيسى.
﴿وإنَّ عليكم لحافِظِينَ﴾ يعني الملائكة، يحفظ كلّ إنسان ملكان، أحدهما
عن يمينه يكتب الخير، والآخر عن شماله يكتب الشر(٢٩١).
﴿کراماً کاتبينَ﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: كراماً على اللَّه، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : کراماً بالإيمان، قاله السدي .
الثالث: لأنهم لا يفارقون ابن آدم إلا في موطنين عند الغائط وعند الجماع (٢٩٢)
يعرضان عنه ويكتبان ما تكلم به، فلذلك كره الكلام عند الغائط والجماع .
ويحتمل رابعاً: كراماً لأداء الأمانة فيما يكتبونه من عمله فلا يزيدون فيه و١
بنقصون منه .
١٠] وَمَاهُمْ عَنْهَا
◌ِنَّالْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمِ ﴿ وَ إِنَّالْفُجَّارَلَفِى حَحِيمِ ﴿ يَصْلَوْنَهَيَوْمَ الَّذِينِ
بِغَيِينَ ﴿ وَ مَآ أَذْرَتِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (٣) ثُمَ مَا أَدْرَتِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
يَوْمَلَا
تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئاً وَاُلْأَمْرُ يَوْمَبِذٍ لِلَّهِ
١٩
وفي قوله تعالى: ﴿إِنّ الأبرارَ لفي نَعيم * وإن الفُجّارَ لفي جَحيمٍ ﴾ قولان:
أحدهما: في الآخرة فيكون نعيم الأبرار في الجنة بالثواب، وجحيم الفجار في
النار بالعقاب.
(٢٩١) وهما المذكوران في قوله ((مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)) وأحدهما يكتب الحسنات وهو رقيب
والثاني يكتب السيئات وهو عتيد .
(٢٩٢) وقد ورد هذا مرفوعاً ومقطوعاً.
أما المرفوع فمن حديث ابن عباس رضي الله عنه رواه البزار كما في الدر (٤٤٠/٨) وفي سنده
حفص بن سليمان وهو لين الحديث. راجع تفسير ابن كثير (٤٨٢/٤) وله طريق أخرى عن ابن عباس
وهي مطولة يرويها ابن مردويه كما في الدر (٨/ ٤٤٠) والله أعلم بحالها.
أما المقطوع فقد رواه ابن أبي حاتم كما في ابن كثير (٤٨٢/٤) من حديث مجاهد.
٢٢٣

سورة الانفطار الآية - ١٣ - ١٩
والقول الثاني: أنه في الدنيا، فعلى هذا فيه أربعة أوجه ذكرها أصحاب
الخواطر.
أحدها: النعيم القناعة، والجحيم الطمع .
الثاني : النعيم التوكل، والجحيم الحرص.
الثالث: النعيم الرضا بالقضاء، والجحيم السخط فيما قدر وقضى .
الرابع: النعيم بالطاعة، والجحيم بالمعصية .
﴿وما هُمْ عنها بغائبين﴾ فيه وجهان:
أحدهما: عن القيامة تحقيقاً للبعث فعلى هذا يجوز أن يكون هذا الخطاب
متوجهاً إلى الأبرار والفجار جميعاً .
الثاني: عن النار، ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفجار دون الأبرار، والمراد
بأنهم لا يغيبون عنها أمران:
أحدهما: تحقيق الوعيد .
الثانى : تخليد الفجار.
﴿وما أدراك ما يوُ الدِّين * ثُمَّ ما أدْراكَ ما يومُ الدِّين﴾ يعني يوم الجزاء، وهو يوم
القيامة، وفي تكراره وجهان :
أحدهما: تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره.
الوجه الثاني : أن الأول خطاب للفجار والثاني خطاب للأبرار ترغيباً .
﴿يومَ لا تَمْلِك نفسٌ لَنَفْسٍ شيئاً﴾ يعني لا يملك مخلوق لمخلوق نفعاً ولا
ضراً .
﴿والأمر يومئذٍ للهِ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: في الجزاء بالثواب والعقاب.
الثاني : في العقوبة والانتقام .
٢٢٤

سورة المطففين الآية - ١ - ٦
سُورَةُ الْمُطَفِّفِيْ
٨٣
مكية في قول ابن مسعود والضحاك ويحيى بن سلام، ومدنية في قول الحسن
وعكرمة ومقاتل، قال مقاتل: هي أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس وقتادة:
مدنية إلا ثماني آيات من قوله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا﴾ إلى آخرها مكي، وقال
الكلبي وجابر بن زيد: قد نزلت بين مكة والمدينة.
بسْمِ اللهِ الرَّحمَن الرَّحِيةِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿)الَّذِينَ إِذَا اكْتَ لُواْعَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٣) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو
وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿ أَلَا يَظُنُّ ◌ُوْلََِّكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوتُونٌ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ(٢) يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ للمطفّفين﴾ قال ابن عباس: (٢٩٣) كان أهل المدينة من
أخبث الناس كيلاً، إلى أن أنزل اللَّه تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ فأحسنوا الكيل، قال
الفراء: فهم من أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا.
أعمض بعض المتعمقة فحمله على استيفاء العبادة بين الناس جهراً، وفي
النقصان سراً.
(٢٩٣) رواه الطبري (٩١/٣٠) وابن ماجه (٧٤٨/٢) وزاد السيوطي في الدر (٤٤١/٨) نسبته للطبراني
والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن ابن عباس وزاد الحافظ في تخريج
الكشاف ص ١٢٨ نسبته لابن حبان والحاكم.
٢٢٥

سورة المطففين الآية - ١ - ٦
وفي ((ويل)) سبعة أقاويل :
أحدها: أنه واد في جهنم، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً (٢٩٤)
الثاني : صديد أهل النار، قاله ابن مسعود.
الثالث: أنه النار، قاله عمر مولى عفرة.
الرابع: أنه الهلاك، قاله بعض أهل اللغة.
الخامس: أنه أشق العذاب .
السادس: أنه النداء بالخسار والهلاك، وقد تستعمله العرب في الحرب
والسلب.
السابع: أن أصله ويْ لفلان، أي الجور لفلان، ثم كثر استعمال الحرفين
فوصلا بلام الإضافة .
والمطفف: مأخوذ من الطفيف وهو القليل، والمطفف هو المقلل حق صاحبه
بنقصانه عن الحق في کیل أو وزن.
قال الزجاج: بل مأخوذ من طف الشيء وهي جهته .
﴿الذين إذا اكْتالوا على الناسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي من الناس، ويريد بالاستيفاء
الزيادة على ما استحق .
﴿وإذا كالُوهم أو وَزَنُوهم يُخْسِرون﴾ يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم بحذف هذه
الكلمة لما في الكلام من الدلالة عليها، ﴿يخسرون﴾، ينقصون فكان المطفف يأخذ
زائداً ويعطي ناقصاً .
﴿يومَ يَقُومُ الناسُ لرَبِّ العَالَمِينَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها : یوم یقومون من قبورهم، قاله ابن جبير.
الثاني : يقومون بين يديه تعالى للقضاء، قاله يزيد بن الرشك.
قال أبو هريرة (٢٩٥): قال النبي ◌َّليّ لبشير الغفاري: كيف أنت صانع يوم يقوم
(٢٩٤) وهو ضعيف وقد مر تخريجه.
(٢٩٥) أخرجه الطبري (٩٣/٣٠) وابن أبي حاتم كما في ابن كثير (٤٨٤/٤) وابن مردويه كما في الدر
(٤٤٣/٨) من حديث أبي هريرة.
٢٢٦

سورة المطففين الآية - ٧ - ١٧
الناس فيه مقدار ثلاثمائة سنة لرب العالمين، لا يأتيهم فيه خبر ولا يؤمر فيه بأمر، قال
بشير: المستعان الله .
الثالث: أنه جبريل يقوم لرب العالمين، قاله ابن جبير(٢٩٦).
ويحتمل رابعاً: يقومون لرب العالمين في الآخرة بحقوق عباده في الدنيا.
كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِينٍ ﴿ وَمَآ أَذَرَنِكَ مَاسِّيٌ لِأَ كِتَبُ قَرْقُومٌ (﴾ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بَوْمِالَّذِينِ ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِلََّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَنِيمٍ (٣٦َ إِذَا تَتْلَى
عَلَيْهِءَ ايَتْنَاقَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣) كَلَّا بَلَّ ◌َانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّاكَانُوايَكْسِبُونَ
في كلّا إِنْهم
عَن رَّتِهِمْ يَوْمَِّذٍ لََّحْجُوبُونَ (٥) ثُمََِّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيم٦َِنتُمَُّقَالُ هَذَا الَّذِىكُنْتُمِهِ
١٧
تُكَذِّبُونَ
﴿كلّ إنّ كتابَ الفُجّارِ لفي سِجِّينِ﴾ أما ((كلا)) ففيه وجهان:
أحدهما: حقاً .
الثاني : أن كلا للزجر والتنبيه .
وأما ((سجّين)) ففيه ثمانية أقاويل:
أحدها: في سفال، قاله الحسن.
الثاني : في خسار، قاله عكرمة.
الثالث: تحت الأرض السابعة، رواه البراء بن عازب مرفوعاً (٢٩٧).
قال ابن أسلم: سجّين: الأرض السافلة، وسجّيل: سماء الدنيا .
(٢٩٦) وهذا القول ضعيف لأن سياق الآيات بخلافه.
(٢٩٧) وجاء ذلك في حديث البراء الطويل في صفة قبض الروح وقد رواه أبو داود (١١٥/٥ - ١١٦)
والبيهقي في عذاب القبر رقم ٢١ والآجري (٣٧٠) في الشريعة والطيالسي (١ /١٥٤) وأحمد (٢٨٧٤)
وابن أبي شيبة (٣٨٠/٣) والمروزي في زوائد الزهد لابن المبارك (٤٣٠ - ٤٣١) والحاكم
(٣٧/١ -٣٨) والنسائي في الكبرى كما في تحفة الاشراف (٤٦٧/٤) وعبد الرزاق (٥٨٠/٣) وابن
ماجة (٤٩٤/١) مختصراً والطبري (١٢٩/٨) مختصراً وهناد(١ /٢٠٥) وزاد في الدر (٨٣/٤) نسبته
لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وقال من طرق صحيحة وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى
(٤ / ٢٩٠) والبيهقي بعد تخريجه عن جماعة من الثقات.
٢٢٧

سورة المطففين الآية - ٧ - ١٧
قال مجاهد: سجّين صخرة في الأرض السابعة، فيجعل كتاب الفجار
تحتها .
الرابع: هو جب في جهنم، روى أبو هريرة عن النبي ◌َّيٍ(٢٩٨) أنه قال: الفلق
جُبٌّ في جهنم مغطّى، وسجّين جب في جهنم مفتوح.
الخامس: أنه تحت خد إبليس، قاله كعب الأحبار.
السادس: أنه حجر أسود تحت الأرض تكتب فيه أرواح الكفار، حكاه
يحيى بن سلام .
السابع: أنه الشديد قاله أبو عبيدة وأنشد (٢٩٩).
ضرباً تَواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينا
الثامن: أنه السجن، وهو فِعّيل من سجنته، وفيه مبالغة، قاله الأخفش
وعليّ بن عيسى، ولا يمتنع أن يكون هو الأصل واختلاف التأويلات في محله.
ويحتمل تاسعاً: لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان
فيه ثلاثة تأويلات :
کتاب مرقوم ﴾
أحدها: مكتوب، قاله أبو مالك.
الثاني : أنه مختوم، وهو قول الضحاك.
الثالث: رُقِم له بَشَرٌ لا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد، قاله محمد بن
کعب وقتادة .
ويحتمل قولاً رابعاً، إن المرقوم المعلوم.
كلّابل رانَ على قُلوبِهم ما كانوا يَكْسِبونَ﴾ فیه أربعة تأويلات:
أحدها: أن ((ران)): طبع على قلوبهم، قاله الكلبي.
الثاني: غلب على قلوبهم، قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر (٣٠٠):
(٢٩٨) رواه ابن جرير (٩٦/٣٠) وسنده ضعيف قال الحافظ ابن كثير (٤٨٥/٤) وهو حديث غريب منكر لا
يصح .
(٢٩٩) هو تميم بن مقبل وصدر البيت ((ورفقة يضربون البيض ضاحية)) والبيت في القرطبي (٢٥٨/١٩) وفتح القدير
(٣٩٩/٥).
(٣٠٠) القرطبي (٢٦٠/١٩).
٢٢٨

سورة المطففین الآية - ١٨ - ٢٨
فتاب من الذنب الذي ران وانجلى
وكم ران من ذنْب على قلب فاجر
الثالث: ورود الذنب على الذنب (٣٠١) حتى يعمى القلب، قاله الحسن.
الرابع: أنه كالصدإ يغشى القلب كالغيم الرقيق، وهذا قول الزجاج.
٢٠
◌َ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَاعِلَيُّونَ لَكِنَبُ قَرْقُومٌ
كَلَّ إِنَّ كِنَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِّتِينَ
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمِ ﴿ عَلَى الْأَرَآيِكِ يَظُرُونَ (®]ْتَعْرِفُ فِى
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَبُونَ
ووجر
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُورٍ @
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾
خِتَمُهُمِسْكَ وَفِ
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ () وَمِنَ الجُ مِنْ تَسْنِيمِ
(٢٨
الْمُقَرَّبُّونَ
﴿كلّ إنّ كتابَ الأَبْرارِ لِفِي عَلَّيِينَ﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أن عليين الجنة، قاله ابن عباس.
الثاني: السماء السابعة، قاله ابن زيد، قال قتادة: وفيها أرواح المؤمنين.
الثالث: قائمة العرش اليمنى، قاله کعب.
الرابع: يعني في علو وصعود إلى الله تعالى، قاله الحسن.
الخامس: سدرة المنتهى، قاله الضحاك.
ويحتمل سادساً: أن يصفه بذلك لأنه يحل من القبول محلاً عالياً .
﴿َتَعْرِفُ فِي وُجوههم نَضْرَةَ النّعيم﴾ فيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها الطراوة والغضارة، قاله ابن شجرة.
الثاني : أنها البياض، قاله الضحاك.
الثالث: أنها عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فتجري عليهم نضرة
النعيم، قاله عليّ .
(٣٠١) وهو الصواب وقد ورد فيه حديث مرفوع من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه ((إن العبد إذا أذنب
كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت)» فذلك قول الله تعالى ﴿كلا بل ران على
قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ ورواه الترمذي (٣٣٣١) وقال: حسن صحيح وصححه غير واحد من أهل
العلم.
٢٢٩

سورة المطففین الآية - ١٨ - ٢٨
ويحتمل رابعاً: أنها استمرار البشرى بدوام النعمة .
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ وفي الرحيق ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه عين في الجنة مشوب بمسك، قاله الحسن.
الثاني : أنه شراب أبيض يختمون به شرابهم، قاله ابن أبي الدرداء.
الثالث: أنه الخمر في قول الجمهور، ومنه قول حسان (٣٠٢):
يسقون من ورد البريص عليهم
بَرَدَى يُصَفِّق بالرحيقِ السّلْسَلِ
لكن اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقاويل :
أحدها: أنها الصافية، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنها أصفى الخمر وأجوده، قاله الخليل.
الثالث: أنها الخالصة من غش، حكاه الأخفش.
الرابع: أنها العتيقة .
وفي ((مختوم)) ثلاثة أقاويل:
أحدها: ممزوج، قاله ابن مسعود.
الثاني: مختوم في الإناء بالختم، وهو الظاهر.
الثالث: ما روى أُبيّ بن كعب (٣٠٣) قال: قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟
قال: غُدران الخمر.
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها: مزاجه مسك، قاله مجاهد.
الثاني : عاقبته مسك، ويكون ختامه آخره، كما قال الشاعر:
بالفلفل الجون والرمان مختوما
صرف ترقرق فى الحانوت باطنه
قال قتادة: یمزج لهم بالکافور ويختم بالمسك .
الثالث: أن طعمه وریحه مسك، رواه ابن أبي نجيح .
الرابع : أن ختمه الذي ختم به إناؤه مِسْك، قاله ابن عباس.
(٣٠٢) تقدم تخريجه في سورة الانسان.
(٣٠٣) لم نعثر على تخريجه.
٢٣٠

سورة المطففين الآية - ١٩ - ٣٤
﴿وفي ذلك فلْيَتنافَسِ المُتنافِسونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: فليعمل العاملون، قاله مجاهد.
الثاني: فليبادر المبادرون، قاله أبو بكر بن عياش والكلبي .
وفيما أخذ منه التنافس والمنافسة وجهان :
أحدهما: أنه مأخوذ من الشيء النفيس، قاله ابن جرير (٣٠٤).
الثاني : أنه مأخوذ من الرغبة فيما تميل النفوس إليه، قاله المفضل.
﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنيمٍ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن التسنيم الماء، قاله الضحاك.
الثاني: أنها عين في الجنة، فيشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب
الیمین، قاله ابن مسعود.
وقال حذيفة بن اليمان: تسنيم عين في عدْن، وعدْن دار الرحمن وأهل عدن
جيرانه .
الثالث: أنها خفايا أخفاها اللَّه لأهل الجنة، ليس لها شبه في الدنيا ولا
يعرف مثلها(٣٠٥).
وأصل التسنيم في اللغة أنها عين ماء تجري من علو إلى سفل، ومنه سنام
البعير لعلوه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور.
ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن يكون المراد به لذة شربها في الآخرة أكثر من لذته
في الدنيا، لأن مزاج الخمر يلذ طعمها، فصار مزاجها في الآخرة يفضل لذة مزاجها
من تسنيم لعلو الآخرة على الدنيا.
إِنَّالَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُوْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْيَضْحَكُونَ ﴿ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَغَامَنُونَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالْوَأْإِنَّ هَؤُلَاءِ
٣١
وَإِذَاأَنْقَلَبُوْ إِلَىَ أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِينَ
٣
لَضَالُّونَ ﴿َّ وَمَا أَرْسِلُواْعَلَيْهِ مْ حَفِظِينَ ﴿فَ اَلْيَوْمَ الَّذِينَءَامَنُواْمِنَ الْكُفَارِ
(٣٠٤) جامع البيان (١٠٨/٣٠).
(٣٠٥) كيف لا تعرف العرب هذه اللفظة وقد وقعت في كلامهم.
٢٣١

سورة المطففين الآية - ٣٤ - ٣٦
رؤو
عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ
٣٤
يَضْحَكُونَ ◌ِ
٣٥
٨٠٠/٠٩
٣٦
أَهَلْ تُوَّبَ اُلْكُفَارُ مَا كَانُوْيَفْعَلُونَ
﴿وإذا انقَلَبوا إلى أهْلِهِم انقَلَبوا فَكِهِينَ﴾ قرأ عاصم في رواية حفص فكهين
بغير ألف وقرأ غيره بألف (٣٠٦)، وفي القراءتين أربعة تأويلات:
أحدها: فرحين، قاله السدي.
الثاني : معجبين، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر:
ولقد فكهت من الدنيا فقاتلوا يوم الخميس بلا سلاح ظاهر
الثالث: لاهين.
الرابع: ناعمين، حكى هذين التأويلين عليّ بن عيسى .
وروى عوف عن الحسن قال: قال رسول اللَّه وَ ل قال ربكم عز وجل: (٣٠٧)
وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فإذا خافني في الدنيا أمنته
يوم القيامة، وإذا أمني في الدنيا أخفته يوم القيامة .
﴿هل توِّب الكفارُ ما كانوا يَفْعَلونَ﴾ هذا سؤال المؤمنين في الجنة عن الكفار
حین فارقوهم، وفيه تأويلان:
أحدهما: معناه هل أثيب الكفار ما كانوا يعملون في الكفر، قاله قتادة.
الثاني : هل جوزي الكفار على ما كانوا يفعلون، قاله مجاهد.
فيكون ((ثُوِّب)) مأخوذاً من إعطاء الثواب.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن يكون معناه هل رجع الكفار في الآخرة عن تكذيبهم في
الدنيا على وجه التوبيخ، ويكون مأخوذاً من المثاب الذي هو الرجوع، لا من الثواب
الذي هو الجزاء، كما قال تعالى: ﴿وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناس﴾ أي مرجعاً.
ويحتمل تأويلاً رابعاً: هل رجع من عذاب الكفار على ما كانوا يفعلون، لأنهم
قد علموا أنهم عذبوا، وجاز أن يظنوا في كرم الله أنهم قد رحموا.
(٣٠٦) السبعة لابن مجاهد ٦٧٦ زاد المسير (٦١/٩).
(٣٠٧) هذا الحديث من مرسل الحسن والمرسل من قسم الضعيف كما هو معلوم ولم أعثر على تخريج
الحديث والله أعلم.
٢٣٢

سورة الانشقاق الآية - ١ - ١٥
ـها
٨٤
سُورَةُ الأَنْشْقَقِ
آياتها
٢٥
مكية في قول الجميع
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأَلْقَتْمَا فِيهَا
إِذَالسَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ ﴾ وَإِذَا اُلْأَرْضُ مُذَتْ
وَتَخَلَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ ﴿٥َأَبُّهَ آلْإِسَنُ إِنَّكَ كَادِعُّ إِلَى رَبِّكَ كَدْحَا فَمُلَقِیهِ
◌َفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِةٍ، ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًايَسِيرًاْاْ وَيَنْقَلِبُ
إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٦) وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُوَرَآءَ ظَهْـرِةٌ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ تُورًا
١١
وَيَصْلَى سَعِيرًا (٣٦َ إِنَُّ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ (١) بَ إِنَّ رَبَُّ كَانَ
١٥
بِهِ، بَصِيرًا
قوله عز وجل: ﴿إذا السماءُ انشَقْتْ﴾ وهذا من أشراط الساعة، قال عليّ رضي
الله عنه: تنشقّ السماء من المجرة، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه محذوف الجواب وتقديره: إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم
من خير وشر.
الثاني : أن جوابه ﴿كادح إلى ربك كذْحاً﴾.
الثالث: معناه أذكر إذا السماء انشقت.
﴿وأَذِنَتْ لِربّها وحُقّتْ﴾ معنى أذنت لربها أي سمعت لربها، ومنه قول
٢٣٣

سورة الانشقاق الآية - ١ - ١٥
النبي وَ﴾(٣٠٨) ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن أي ما اسمتع اللَّهُ لشيء،
وقال الشاعر (٣٠٩):
صُمُّ إذا سَمِعوا خيْراً ذُكِرتُ به وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عندهم أُذِنوا.
أي سمعوا.
﴿وُقّتْ﴾فيه وجهان :
أحدهما: أطاعت، قاله الضحاك.
الثاني: معناه حق لها أن تفعل ذلك، قاله قتادة، ومنه قول كثير (٣١٠):
فإن تكُنِ العُنَّبِى فأهْلَاً ومرحبا وحُقّتْ لها العُتبى لديْنَا وَقَلَّت.
ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها جمعت، مأخوذ من اجتماع الحق على نافيه وحكى
ابن الأنباري أن ﴿أذنت لربها وحقت﴾ جواب القسم، والواو زائدة.
﴿وإذا الأرضُ مُدَّتْ﴾ فيها قولان:
أحدهما: أن البيت كان قبل الأرض بألفي عام، فمدت الأرض من تحته، قاله
ابن عمر.
الثاني : أنها أرض القيامة، قاله مجاهد، وهو أشبه بسياق الكلام .
وفي ﴿مُدَّتْ﴾ وجهان:
أحدهما: سويت، فدكّت الجبال ويبست البحار، قاله السدي .
الثاني: بسطت، قاله الضحاك، وروى عليّ بن الحسين أن النبي (٣١١) اَل} قال:
(٣٠٨) رواه البخاري (٤١٨/١٣) والبغوي (٤٨٥/٤) من حديث أبي هريرة.
ورواه أبو داود (١٤٦٩) وأحمد (١٤٧٦) من حديث سعد بن أبي وقاص وصححه الأرناؤوط
في تخريج شرح السنة للبغوي .
(٣٠٩) هو قعنب بن أم صاحب والبيت في اللسان أذن، فتح القدير (٤٠٦/٥) روح المعاني (٧٨/٣٠)
الطبري (١١٢/٣٠) مجاز القرآن (١٧٧/١) القرطبي (٢٦٧/١٩) والاقتضاب ٢٩٢، شواهد الكشاف
١٤٣ زاد المسير (٦٢/٩).
(٣١٠) القرطبي (٢٦٩/١٩) فتح القدير (٢٠٦/٥).
(٣١١) الطبري (١١٣/٣٠) الحاكم (٥٧٦/٤) هكذا مرسلاً بل معضلاً وقد اقتصر المؤلف على جزء منه وقد
رواه الحاكم (٤ /٥٧٠) بسند جيد كما قال السيوطي في الدر (٤٥٦/٨) عن جابر مرفوعاً. لكن في
رواية الحاكم عن علي بن الحسين عن رجل من أهل العلم ولم يسمه .
٢٣٤

سورة الانشقاق الآية - ١ - ١٥
إذا كان يوم القيامة مد الَّله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع
قدمه .
﴿و أُلْقَتْ ما فيها وتخلّتْ﴾ فیه وجهان :
أحدهما: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت عمن على ظهرها من
الأحياء، قاله ابن جبير.
الثاني: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها وتخلت مما على ظهرها من
جبالها وبحارها، وهو معنى قول قتادة.
ويحتمل ثالثاً: هو أعم، أنها ألقت ما استودعت، وتخلت مما استحفظت لأن
الله استودعها عباده أحياء وأمواتاً، واستحفظها بلاده مزارع وأقواتاً .
﴿يا أيها الإنسانُ إنك کادحٌ إلی ربك کذحاً فملاقيه﴾ فيه قولان:
أحدهما: إنك ساعٍ إلى ربك سعياً حتى تلاقي ربك، قاله يحيى بن سلام،
ومنه قول الشاعر (٣١٢):
ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عَيْشٍ صالحٍ وبَقيتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ
أي أعمل للحياة .
ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الكادح هو الذي يكدح نفسه في الطلب إن تيسّر أو
تعسّر.
﴿فأمّا مَنْ أُوتِي كِتابَه بيمينه﴾ روي أن النبي ◌َّ قال(٣١٣):
((يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وفي الثالثة تطير
الكتب من الأيدي، فبين آخذٍ كتابه بيمينه، وبين آخذٍ كتابه بشماله)).
﴿فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً﴾ وفي الحساب ثلاثة أقاويل:
أحدها: يجازى على الحسنات ويتجاوز له عن السيئات، قاله الحسن.
الثاني: ما رواه صفوان بن سليم عن عائشة قالت (٣١٤): سئل رسول اللَّه عن
.
(٣١٢) القرطبي (٢٧١/١٩) روح المعاني (٧٩/٣٠).
(٣١٣) رواه الترمذي (٢٤٢٧) وابن ماجه (٤٢٧٧) وأحمد (٤١٤/٤) وقال الترمذي: لا يصح هذا الحديث من
قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى .
(٣١٤) رواه ابن جرير (١١٥/٣٠) والحاكم (٥٨٠/٤) وصححه وأحمد (٤٧/٦) وزاد السيوطي في الدر
(٤٥٦/٨) نسبته لابن مردويه .
٢٣٥

سورة الانشقاق الآية - ١ - ١٥
الذي يحاسب حساباً يسيراً، فقال: يعرف عمله ثم يتجاوز عنه، ولكن من نوقش
الحساب فذلك هو الهالك.
الثالث: أنه العرض، روى ابن أبي مليكة عن عائشة(٣١٥) رضي اللَّهُ عنها: أنها
سألت رسول الله چپڼ عن قوله: ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ فقال: ذلك العرض یا
عائشة، من نوقش في الحساب يهلك.
﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْروراً﴾ قال قتادة: إلى أهله الذين قد أعدهم اللَّه له في
الجنة .
ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يريد أهله الذين كانوا له في الدنيا ليخبرهم بخلاصه
وسلامته .
﴿إِنَّه ظَنَّ أن لن يَحُورَ﴾ أي لن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب،
يقال: حار يحور، إذا رجع، ومنه الحديث: أعوذ (٣١٦) باللَّه من الخور بعد الكور،
يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وروي: ((بعد الكوْن))، ومعناه انتشار الأمر
بعد تمامه .
وسئل معمر عن الحور بعد الكوْن فقال: الرجل يكون صالحاً ثم يتحول امرء
سوء .
وقال ابن الأعرابي: الكُتّي: هو الذي يقول: كنت شاباً وكنت شجاعاً،
والكاني: هو الذي يقول: كان لي مال وكنت أهب وكان لي خيل وكنت أركب،
وأصل الحور الرجوع، قال لبيد(٣١٧):
وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه يَحُورُ رماداً بَعْد إذ هو ساطعُ.
وقال عكرمة وداود بن أبي هند: يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع وقيل
(٣١٥) رواه ابن جرير (١١٦/٣٠) واللفظ له والبخاري (١٧٦/١) و(٥٣٥/٨) (٣٤٧/١١) ومسلم
(٢٢٤/٤) والترمذي (٦٩٢) وقال: حسن صحيح وزاد السيوطي في الدر (٨ /٤٥٦) نسبته لأحمد
وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .
(٣١٦) لم أهتد إلى تخريجه وإن كنت قد قرأت تأويله في كتاب شأن الدعاء للإمام الخطابي .
الحور: الضلالة وتقلب الحال.
الكور: الإيمان والهداية والله أعلم.
(٣١٧) ديوانه: ١٦٩ روح المعاني (٨١/٣٠) زاد المسير (٦٥/٩) القرطبي (٢٧٣/١٩).
٢٣٦

سورة الانشقاق الآية - ١٦ - ٢٥
للقصار حواري لأن الثياب ترجع بعمله إلى البياض.
﴿بلی إنّ ر بّه کان به بصيراً﴾ یحتمل وجهین :
أحدهما: مشاهداً لما كان عليه .
الثاني : خبيراً بما يصير إليه .
وَالْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ لِ
فَلَا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ ﴿ وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
١٧
لَتَرْكَبُنَّ
١٨
طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ [٦] فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢) وَإِذَا قُرِئَّ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ
﴿ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْيُكَذِّبُونَ ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [®َّفَبَشِّرُهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٦) إِلَّا الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غيرُمَمْنُونٍ
٢٥
﴿فِلا أَقْسِمُ بِالشّفَقِ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه شفق الليل وهو الحمرة، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه بقية ضوء الشمس، . قاله مجاهد.
الثالث: أنه ما بقي من النهار، قاله عكرمة .
الرابع: أنه النهار، رواه ابن أبي نجيح.
﴿واللّيلِ وما وسَقَ﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: وما جمع، قاله مجاهد، قال الراجز(٣١٨):
إن لنا قلائصاً حقائقا
مستوسقات أو يجدن سائقا
الثاني : وما جَنّ وستر، قاله ابن عباس.
الثالث: وما ساق، لأن ظلمة الليل تسوق كل شيء إلى مأواه، قاله عكرمة.
الرابع: وما عمل فيه، قاله ابن جبير، وقال الشاعر(٣١٩):
ويوماً ترانا صالحين وتارةً
تقوم بنا كالواسق المتَلَّبِ
أي كالعامل .
(٣١٨) هو العجاج والبيت في اللسان ((وسق)) وملحق ديوانه: ٨٤ مجاز القرآن ٢٩١/٢ والطبري (١٢٠/٣٠)
والقرطبي (٢٧٥/١٩) روح المعاني (٨١/٣٠).
(٣١٩) القرطبي (٢٧٧/١٩) وروح المعاني (٨٢/٣٠) وفيه:
فيوما . . . ...
٢٣٧

سورة الانشقاق الآية - ١٦ - ٢٥
﴿والقَمَرِ إذا اتّسَق﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: إذا استوى، قاله ابن عباس، وقولهم اتسق الأمر إذا انتظم واستوى.
قال الضحاك: ليلة أربع عشرة هي ليلة السواء.
الثاني : والقمر إذا استدار، قاله عكرمة.
الثالث: إذا اجتمع، قاله مجاهد، ومعانيها متقاربة .
ويحتمل رابعاً: إذا طلع مضيئاً.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ فيه سبعة تأويلات:
أحدها: سماء بعد سماء، قاله ابن مسعود والشعبي .
الثاني: حالاً بعد حال، فطيماً بعد رضيع وشيخاً بعد شاب، قاله عكرمة، ومنه
قول الشاعر(٣٢٠):
كذلك المرءُ إن يُنْسَأله أجَلٌ يَرْكِبْ على طَبَقٍ مِن بَعْده طَبَقْ
الثالث: أمراً بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقراً
بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقماً بعد صحة، قاله الحسن.
الرابع: منزلة بعد منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم
كانوا مرتفعين في الدنيا فاتضعوا في الآخرة، قاله سعيد بن جبير.
الخامس: عملاً بعد عمل، يعمل الآخر عمل الأول، قاله السدي .
السادس: الآخرة بعد الأولى، قاله ابن زید.
السابع : شدة بعد شدة، حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء، وفي كل حال من هذه
شدة، وقد روى معناه جابر مرفوعاً (٣٢١).
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بما يُوعُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: بما يُسِرون في قلوبهم، قاله ابن عباس.
(٣٢٠) القرطبي (٢٧٩/١٩).
(٣٢١) وقد أورده الحافظ ابن كثير (٤٩٠/٤) من رواية ابن أبي حاتم وقال: قال ابن أبي حاتم ذكر
عن عبد الله بن زاهر حدثني أبي عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن محمد بن علي عن جابر بن
عبد الله قال: سمعت رسول الله# يقول إن ابن آدم .. فذكره قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث منكر
وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح والله سبحانه وتعالى أعلم.
٢٣٨

سورة الانشقاق الآية - ١٦ - ٢٥
الثاني : بما يكتمون من أفعالهم، قاله مجاهد.
الثالث: بما يجمعون من سيئاتهم، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه وهو
معنی قول ابن زید .
﴿فلهم أَجْرٌ غيرُ ممنون﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: غير محسوب، فاله مجاهد.
الثاني : غير منقوص، قاله السدي .
الثالث: غير مقطوع، قاله ابن عباس.
الرابع: غير مكدّر بالمن والأذى، وهو معنى قول الحسن.
٢٣٩

سورة البروج الآية - ١ - ١٠
توليهـ
٨٥
سُورَةُ الُرُون
آياتها)
بِسْمِ الهِ الرَحمَن الرَحِيةِ
قُئِلَ أَصْحَبُ
٣
وَشَاهِدٍوَمَشْهُودٍ
حَوَاَلْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ الـ
اُلْأُخْدُودِ (٤َ النَّارِذَاتِ الْوَقُودِ [®َ إِذْهُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ لَِّوَهُمْ عَلَى مَايَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ
شُهُودٌ ﴿﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْإِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْبِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الثَّالَّذِى لَهُ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْالْمُؤْمِنِينَ
وَأْمُؤْمِنَاتِ ثُمََّر ◌َتُوبُواْ فَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ
١٠
قوله تعالى ﴿والسماءِ ذاتِ البُروجِ ﴾ هذا قَسَمٌ، وفي البروج أربعة أقاويل :
أحدها: ذات النجوم، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك.
الثاني : ذات القصور، قاله ابن عباس .
الثالث: ذات الخلق الحسن، قاله المنهال بن عمرو.
الرابع : ذات المنازل، قاله يحيى بن سلام وهي اثنا عشر برجاً رصدتها العرب
والعجم، وهي منازل الشمس والقمر.
﴿واليومِ الموْعُودِ﴾ روى أبو هريرة عن النبي ◌َّ أنه (٣٢٢) يوم القيامة، وسمي
بذلك لأنهم وعدوا فيه بالجزاء بعد البعث.
(٣٢٢) رواه ابن جرير (١٢٨/٣٠) والترمذي (٣٣٣٩) وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤ /٤٩٠)
٢٤٠