النص المفهرس
صفحات 161-180
سورة الإنسان الآية - ١ - ٣ ـريد سُورَةُ الإنْسْلِ آياتهـ ٣١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ٣ قال ابن عباس ومقاتل والكلبي ويحيى بن سلام: هي مكية، وقال آخرون فيها مكي من قوله تعالى : ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآنَ تنزيلاً﴾ إلى آخرها وما تقدم مدني . قوله تعالى: ﴿هلْ أَتَى على الإنسان حينٌ من الدهْرِ لم يكُنْ شيئاً مذكوراً﴾ في قوله «هل» وجهان : أحدهما: أنها في هذا الموضع بمعنى قد، وتقدير الكلام: ((قد أتى على الإنسان)) الآية، على معنى الخبر، قاله الفراء وأبو عبيدة. الثاني: أنه بمعنى ((أتى على الإنسان)) الآية، على وجه الاستفهام، حكاه ابن عیسی . وفى هذا ((الإنسان)) قولان: أحدهما: أنه آدم، قاله قتادة والسدي وعكرمة، وقيل إنه خلقه بعد(٢٠٧) خلق السموات والأرض، وما بينهما في آخر اليوم السادس وهو آخر يوم الجمعة . (٢٠٧) كما ثبت ذلك في حديث مسلم وقد تقدم تخريجه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه . ١٦١ سورة الإنسان الآية - ١ - ٣ الثاني : أنه كل إنسان، قاله ابن عباس وابن جريج . وفي قوله تعالى : ﴿حين منالدهر﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أربعون سنة مرت قبل(٢٠٨) أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه. الثاني: أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. الثالث: أن الحين المذكور ها هنا وقت غير مقدر، وزمان غير محدود، قاله ابن عباس أيضاً. وفي قوله ﴿لم یکن شيئاً مذكوراً﴾ وجهان: أحدهما: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخلق، وإن كان عند اللَّه شيئاً مذكوراً، قاله یحیی بن سلام. الثاني: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً، قاله الفراء، وقطرب وثعلب. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيواناً . ﴿إِنّا خلقْنا الإنسانَ من نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ يعني بالإنسان في هذا الموضع كل إنسان من بني آدم في قول جميع المفسرين. وفي النطفة قولان: أحدهما: ماء الرجل وماء المرأة إذا اختلطا فهما نطفة، قاله السدي . الثاني: أن النطفة ماء الرجل، فإذا اختلط في الرحم وماء المرأة صارا أمشاجاً. وفي الأمشاج أربعة أقاويل : أحدها: أنه الأخلاط، وهو أن يختلط ماء الرجل بماء المرأة، قاله الحسن وعكرمة، ومنه قول رؤبة بن العجاج (٢٠٩): (٢٠٨) وهو قول الجمهور کما نقله ابن الجوزي في زاد المسير (٤٢٨/٨). (٢٠٩) ديوانه: ٣٢، الطبري (٢٠٣/١٩)، القرطبي (١٩ /١٢٠) فتح القدير (٣٤٥/٥). ١٦٢ سورة الإنسان الآية - ١ - ٣ لم يُكْسَ جلداً في دم أمشاج. يطرحن کل مُعْجّل نشاجٍ الثاني : أن الأمشاج الألوان، قاله ابن عباس، وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء. روى سعيد عن قتادة عن أنس قال(٢١٠): قال رسول اللَّه وَله: ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق أو علا فمنه يكون الشبه. الثالث: أن الأمشاج: الأطوار، وهو أن الخلق يكون طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، ثم طوراً عظماً، ثم يكسى العظم لحماً، قاله قتادة. الرابع: أن الأمشاج العروق التي تكون في النطفة، قاله ابن مسعود. وفي قوله ﴿نْتليه﴾ وجهان: أحدهما : نختبره. الثاني : نكلفه بالعمل. فإن کان معناه الاختبار ففیما يختبر به وجهان : أحدهما: نختبره بالخير والشر، قاله الكلبي. الثاني : نختبر شكره في السراء، وصبره في الضراء، قاله الحسن. ومن جعل معناه التكليف ففيما كلفه وجهان : أحدهما: العمل بعد الخلق، قاله مقاتل. الثاني: الدين، ليكون مأموراً بالطاعة، ومنهياً عن المعاصي. ◌ِفَجَعَلْناه سميعاً بصيراً﴾ ويحتمل وجهين: أحدهما: أي يسمع بالأذنين ويبصر بالعينين امتناناً بالنعمة عليه. الثاني: ذا عقل وتمييز ليكون أعظم في الامتنان حيث يميزه من جميع الحيوان . وقال الفراء ومقاتل: في الآية تقديم وتأخير أي فجعلناه سميعاً بصيراً أن نبتليه، فعلى هذا التقديم في الكلام اختلفوا في ابتلائه على قولين: أحدهما: ما قدمناه من جعله اختباراً أو تكليفاً. (٢١٠) رواه البخاري (٣٦٢/٦) من حديث أنس وأحمد (١٠٨/٣) ورواه مسلم من حديث ثوبان (٣)(٣١٥). ١٦٣ سورة الإنسان الآية - ٤ - ١٢ الثاني : لنبتليه بالسمع والبصر، قاله ابن قتيبة. ﴿إِنّا هَدَيْنَاه السّبِيلَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: سبيل الخير والشر، قاله عطية. الثاني : الهدى من الضلالة، قاله عكرمة. الثالث: سبيل الشقاء والسعادة، قاله مجاهد. الرابع: خروجه من الرحم، قاله أبو صالح والضحاك والسدي. ويحتمل خامساً: سبيل منافِعِه ومضارِّه التي يهتدي إليها بطبعه، وقيل: كمال عقله . ﴿إمّا شاكراً وإمّا گفوراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: إما مؤمناً وإما كافراً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: إما شكوراً للنعمة وإما كفوراً بها، قاله قتادة. وجمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور - مع إجتماعهما في معنى المبالغة - نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر، لأن شكر الله تعالى لا يُؤَدِّى فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره لكثرة النعم علیه، وکثر کفره وإن قل مع الإحسان إليه. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَاً وَأَغْلَلًا وَسَعِيرًا ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ عَيْنَايَشْرَبُ بِهَاِعِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا مِنْ كَأْسِ كَانَ مِنَاجُهَا كَافُورًا لـ ◌َيُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَّا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ◌ِّ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، (٦ ) إِنَّا وَإِنَّمَنُ طْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِلَا تُرِبِدُ مِنكُمْ جَزَاءُ وَلَا شُكُورًا مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرً الَبَّ تَخَافُ مِن ◌َّيِّنَايَوْمًا عَبُوسًا قَتْطَرِيرَالَْفَوَقَائِهُمُ اللَّهُ شَرَّذَلِكَ الْيَمِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿ وَجَزَهُمْ بِمَا صَبَرُ واْجَنَّةً وَحَرِيرًا ١٢ ﴿إِنّ الأبرار يَشْرِبونَ﴾ في الأبرار قولان: أحدهما: أنهم الصادقون، قاله الكلبي. الثاني: المطيعون، قاله مقاتل. ١٦٤ سورة الإنسان الآية - ٤ - ١٢ وفيما سُمّوا به أبراراً ثلاثة أقاويل: أحدها: سمّوا بذلك لأنهم برّوا الآباء والأبناء، قاله ابن عمر. الثاني : لأنهم كفوا الأذى، قاله الحسن. الثالث: لأنهم يؤدون حق اللَّه ويوفون بالنذر، قاله قتادة. وقوله ﴿مِن كأسٍ﴾ يعني الخمر، قال الضحاك: كل كأس في القرآن فإنما عنى به الخمر. وفي قوله ﴿كان مِزاجها كافوراً﴾ قولان: أحدهما: أن كافوراً عين في الجنة اسمها كافور، قاله الكلبي. الثاني: أنه الكافور من الطيب فعلى هذا في المقصود منه في مزاج الكأس به ثلاثة أقاويل : أحدها: برده، قال الحسن: ببرد الكافور وطعم الزنجبيل. الثاني : بریحه، قاله قتادة: مزج بالکافور وختم بالمسك. الثالث: طعمه، قال السدي: كأن طعمه طعم الكافور. ﴿عَيْنْاً يَشْرَبُ بها عبادُ اللَّهِ﴾ يعني أولياء اللَّه، لأن الكافر لا يشرب منها شيئاً وإن کان من عباد الله، وفيه وجهان: أحدهما: ينتفع بها عباد اللَّه، قاله الفراء. الثاني: يشربها(٢١١) عباد الله. قال مقاتل: هي التسنيم، وهي أشرف شراب الجنة، يشرب بها المقربون صِرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة بالخمر واللبن والعسل. ﴿يُفجّر ونها تفجيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يقودونها إلى حيث شاءوا من الجنة، قاله مجاهد. الثاني: يمزجونها بما شاءوا، قاله مقاتل. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يستخرجوه من حيث شاءوا من الجنة. وفي قوله ((تفجيراً)) وجهان: (٢١١) ولكن قوله ((يشرب بها)» أفاد معنى زائد على الشراب وهو الري أي يشرب ويروي معاً وهذه هي فائدة الباء هنا . ١٦٥ سورة الإنسان الآية - ٤ - ١٢ أحدهما : أنه مصدر قصد به التکثیر. الثاني : أنهم يفجرونه من تلك العيون عيوناً لتكون أمتع وأوسع . ﴿يُوفُونَ بِالنّذْرِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يوفون بما افترض اللَّه عليهم من عبادته، قاله قتادة. الثاني : يوفون بما عقدوه على أنفسهم من حق اللَّه، قاله مجاهد. الثالث: يوفون بالعهد لمن عاهدوه، قاله الكلبي. الرابع: يوفون بالأيمان إذا حلفوا بها، قاله مقاتل. ويحتمل خامساً: أنهم يوفون بما أُنذِروا به من وعيده. ﴿ويَخافون يَوْماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً﴾ قال الكلبي عذاب يوم كان شره مستطيراً، وفيه وجهان: أحدهما: فاشياً، قاله ابن عباس والأخفش. الثاني: ممتداً، قاله الفراء، ومنه قول الأعشى (٢١٢): فبانتْ وقد أَوْرَثَتْ في الفؤادِ صَدْعاً على نأيها مُستطيرا أي ممتداً. ويحتمل وجهاً ثالثاً يعني سريعاً. ﴿وَيُطْعمونَ الطعامَ على حُبِّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على حب الطعام، قاله مقاتل. الثاني: على شهوته، قاله الكلبي . الثالث: على قلته، قاله قطرب. مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ في الأسير ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المسجون المسلم، قاله مجاهد. الثاني : أنه العبد، قاله عكرمة. الثالث: أسير المشركين، قاله الحسن وسعيد بن جبير. قال سعيد بن جبير: ثم نسخ أسير المشركين بالسيف، وقال غيره بل هو ثابت الحكم في الأسير بإطعامه، إلا أن يرى الإمام قتله . (٢١٢) ديوانه: ٩٣، القرطبي (١٢٨/١٩) فتح القدير (٣٤٧/٥) الطبري (٢١٩/٢٩). ١٦٦ سورة الإنسان الآية - ٤ - ١٢ ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد بالأسير الناقص العقل، لأنه في أسر خبله وجنونه، وإن أسر المشركين انتقام يقف على رأي الإمام وهذا بر وإحسان. ﴿إنّمَا نُطْعِمُكم لوجْهِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: إنهم لم يقولوا ذلك، لكن علمه الله منهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب. ﴿لا تُريدُ منكم جزاءً ولا شُكوراً﴾ جزاء بالفعال، وشكوراً بالمقال وقيل إن هذه الآية نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعيد وأبو عبيدة. ﴿إِنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عَبوساً قمطريراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن العبوس الذي يعبس الوجوه من شره، والقمطرير الشديد، قاله ابن زید. الثاني: أن العبوس الضيق، والقمطرير الطويل، قاله ابن عباس، قال الشاعر(٢١٣): شديداً عبوساً قمطريراً تخالهُ تزول الضحى فيه قرون المناكب. الثالث: أن العُبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين، فجعلها من صفات الوجه المتغير من شدائد ذلك اليوم، قاله مجاهد، وأنشد ابن الأعرابي (٢١٤): يَغْدو على الصّيْدِ يَعودُ مُنكَسِرْ وَيَقْمَطُرُّ ساعةً ويكْفَهِرّ. ﴿فَوَقاهمُ اللَّهِ شَرَّ ذلك اليومِ ولَقّاهُمْ نَضْرةً وسُروراً﴾ قال الحسن النضرة من الوجوه، والسرور في القلوب. وفي النضرة ثلاثة أوجه : أحدها: أنها البياض والنقاء، قاله الضحاك. الثاني : أنها الحسن والبهاء، قاله ابن جبير. (٢١٣) قال العلامة ابن الجوزي (٤٤٣/٨) متعقباً على هذا القول ((وقد ذهب بعض المفسرين أن الآية تصمنت مدحهم على إطعام الأسير المشرك قال وهذا منسوخ بآية السيف وليس هذا القول بشيء فإن في إطعام الأسير المشرك ثواباً وهذا محمول على صدق التطوع فأما الفرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار ذكره القاضي أبو يعلى ا هـ. (٢١٤) القرطبي (١٣٥/١٩). ١٦٧ سورة الإنسان الآية - ١٣ - ٢٢ الثالث: أنها أثر النعمة، قاله ابن زيد. ﴿وَجَزاهم بما صَبَروا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بما صبروا على طاعة الله. الثاني: بما صبروا على الوفاء بالنذر. ﴿جَنّةً وحريراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: جنة يسكنونها، وحريراً يلبسونه. الثاني: أن الجنة المأوى، والحرير أبد العيش في الجنة، ومنه لبس الحرير ليلبسون من لذة العیش. واختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: ما حكاه الضحاك عن جابر أنها نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفاه. الثاني: ما حكاه عمرو عن الحسن(٢١٥) أنها نزلت في علي وفاطمة .. رضي اللَّه عنهما - وذلك أن علياً وفاطمة نذرا صوماً فقضياه، وخبزت فاطمة ثلاثة أقراص من شعير ليفطر علّي على أحدها وتفطر هي على الآخر، ويأكل الحسن والحسين الثالث، فسألها مسکین فتصدقت عليه بأحدها، ثم سألها یتیم فتصدقت علیه بالآخر، ثم سألها أسیر فتصدقت عليه بالثالث، وباتوا طاوين. مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا [٣] وَدَانِيَّةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُ لِّلَتْ قُطُوْقُهَانَذْلِيلًا (١٦) وَ يُطَافُ عَلَيْهِم ◌ِثَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكُوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيَاْ[٥] قَوَارِيَأْ مِن فِضَّةٍ فَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِنَ اجُهَازَ تَجِيلًا (١٦)عَيْنَافِيهَا ◌ُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ١٨ وَيَطُوفُ عَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَارَأَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُؤَّ مَّنْتُورًا (١٦) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكَا كَبِيرًا ◌َجَ عَلِيَهُمْ ثَابُ سُندُسِ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوَاْأَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَآءَ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورَالَّ ﴿مُتّكِئِينَ فيها على الأرائِك﴾ وفيها مع ما قدّمناه من تفسيرها قولان: (٢١٥) القرطبي (١٣٦/١٩). ١٦٨ سورة الإنسان الآية - ١٣ - ٢٢ أحدهما: أنها الأسرّة، قاله ابن عباس. الثاني : أنها كل ما يتكأ عليه، قاله الزجاج. ﴿لَا يَرَوْنَ فيها شمْساً ولا زَمْهَريراً﴾ أما المراد بالشمس ففيه وجهان: أحدهما: أنهم في ضياء مستديم لا يحتاجون فيه إلى ضياء، فيكون عدم الشمس مبالغة في وصف الضياء. الثاني: أنهم لا يرون فيها شمساً فيتأذون بحرها، فيكون عدمها نفياً لأذاها. وفي الزمهرير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه البرد الشديد، قال عكرمة لأنهم لا يرون في الجنة حراً ولا برداً. الثاني : أنه لون في العذاب، قاله ابن مسعود. الثالث: أنه من هذا الموضع القمر، قاله ثعلب وأنشد(٢١٦): وليلةٍ ظلامُها قد اعتكَرْ قطعْتها والزمهريرُ مَا ظَهَرْ وروي ما زهر، ومعناه أنهم في ضياء مستديم لا ليل فيه ولا نهار، لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر. ﴿ ... وذُلِّلَتْ قُطوفُها تذْليلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد، قاله قتادة. الثاني: أنه إذا قام ارتفعت، وإذا قعد نزلت، قاله مجاهد. (٢١٦) ولم يصح هذا السبب قال القرطبي (١٩/ ١٣٠) قلت والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلاً حسناً فهي عامة وقد ذكر النقاش والثعلبي والقشيري وغير واحد من المفسرين في قصة علي وفاطمة وهذا حديثاً لا يصح ولا يثبت رواه ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله ((يوفون بالنذر ... الآية اهـ قلت وليث هو ابن أبي سليم متكلم فيه بما يوجب الضعف ثم قال القرطبي رواه الجعفي عن قنبر مولى علي قلت وجابر الجعفي ضعيف أيضاً. وقد أحسن أبو حيان بقوله ((وذكر النقاش في ذلك حكاية طويلة جداً ظاهرة الاختلاق وفيها أشعار المسكين واليتيم والأسير يخاطبون بها بيت النبوة وأشعار لفاطمة رضي الله عنها تخاطب كل واحد منهم ظاهرها الاختلاق لسفافة ألفاظها وكسر أبياتها وسخافة معانيها اهـ. ثم قال القرطبي رحمه الله ما يروج مثل هذا إلا على أهل السجون فيما أرى بلغني أن قوماً يخلدون في السجون فيبقون بلا حيلة فيكتبون أحاديث في السمر وأشباهه ومثل هذه الأحاديث مفتعلة فإذا صارت إلى الجهابذة رموا بها وزيفوها وما من شيء إلا له آفة ومكيدة وآفة الدين وكيده أكثر اهـ ونقل الحافظ في تخريج الكشاف ص ١٨٠ قال قال الحكيم الترمذي هذا حديث خروق مفتعل لا يروج إلا على أحمق جاهل)) ورواه ابن الجوزي في الموضوعات وقال لا نشك في وضعه. ١٦٩ سورة الإنسان الآية - ١٣ - ٢٢ ويحتمل ثالثاً: أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها وتخلص من نواها(٢١٧). ﴿ ... وأَكْوابٍ كانت قَواريرًا* قواريرًا من فِضّةٍ﴾ أما الأكواب فقد ذكرنا(٢١٨) ما هي من جملة الأواني . وفي قوله تعالى: ((قوارير من فضة)) وجهان: أحدهما: أنها من فضة من صفاء القوارير، قاله الشعبي . الثاني: أنها من قوارير في بياض الفضة، قاله أبو صالح. وقال ابن عباس: قوارير كل أرض من تربتها، وأرض الجنة الفضة فلذلك كانت قواريرها فضة . ﴿قَدَّرُوها تقديراً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنهم قدروها في أنفسهم فجاءت على ما قدروها، قاله الحسن. الثاني: على قدر ملء الكف، قاله الضحاك. الثالث: على مقدار لا تزيد فتفيض ، ولا تنقص فتغيض، قاله مجاهد. الرابع: على قدر ريهم وكفايتهم، لأنه ألذ وأشهى، قاله الكلبي. الخامس: قدرت لهم وقدروا لها سواء، قاله الشعبي . ﴿وَيُسْقَوْنَ فيها كأساً كان مِزاجُها زَنْجبيلاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تمزج بالزنجبيل، وهو مما تستطيبه العرب لأنه يحذو اللسان ويهضم المأكول، قاله السدي وابن أبي نجيح . الثاني : أن الزنجبيل اسم للعين التي فيها مزاج شراب الأبرار، قاله مجاهد. الثالث: أن الزنجبيل طعم من طعوم الخمر يعقب الشرب منه لذة، حكاه ابن شجرة، ومنه قول الشاعر(٢١٩): (٢١٧) القرطبي (١٣٨/١٩) روح المعاني (١٥٨/٢٩) زاد المسير (٤٣٥/٨) فتح القدير (٣٤٩/٥). (٢١٨) وقد نقل القرطبي قول الماوردي هذا (٣٩/١٩) وقال ((وفي هذا بعد فقد روى ابن المبارك قال أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسقفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وغيرها أمثال القلال والدلاء وأشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم ... الخ. (٢١٩) كما في سورة الواقعة الآية ١٨ في هذا التفسير. ١٧٠ سورة الإنسان الآية - ١٣ - ٢٢ وكأن طعْمَ الزنجبيلِ به اذْ ذُقْتُه وسُلافَةَ الخمْرِ. وَعْيناً فيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أنه اسم لها، قاله عكرمة. الثاني: معناه سلْ سبيلاً إليها، قاله علّي رضي الله عنه. الثالث: يعني سلسلة السبيل، قاله مجاهد. الرابع : سلسة يصرفونها حيث شاءوا، قاله قتادة. الخامس: أنها تنسلّ في حلوقهم انسلالاً، قاله ابن عباس. السادس: أنها الحديدة الجري، قاله مجاهد أيضاً، ومنه قول حسان بن ثابت(٢٢٠) : يَسْقُون من وَرَدَ البريصَ عليهم كأساً تُصَفِّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ. وقال مقاتل: إنما سميت السلسبيل لأنها تنسل عليهم في مجالسهم وغرفهم وطرقهم . ﴿وَيَطوفُ عليهم وِلْدَانٌ مُخَلّدونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مخلدون لا يموتون، قاله قتادة. الثاني: صغار لا يكبرون وشبابٌ لا يهرمون، قاله الضحاك والحسن. الثالث: أي مُسَوَّرون، قاله ابن عباس، قال الشاعر(٢٢١): أعْجازُهنّ أقاوزُ الكُثْبانِ. ومُخلّداتٍ بالْلَجَيْنِ كأنما ﴿إِذا رَأَيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤاً مَنْثوراً﴾ فيه قولان: أحدها: أنهم مشبهون باللؤلؤ المنثور لكثرتهم، قاله قتادة. الثاني : لصفاء ألوانهم وحسن منظرهم وهو معنى قول سفيان. ﴿وإذا رأَيْتَ ثمَّ﴾ يعني الجنة. ﴿رأيت نعيماً﴾ فیه وجهان : أحدهما: يريد كثرة النعمة . (٢٢٠) هو المسيب بن علس والبيت في آخر ديوان الأعشى: ٣٥٢ زاد المسير (٤٣٧/٨) روح المعاني (١٦٠/٢٩). (٢٢١) القرطبي (١٤٣/١٩) فتح القدير (٣٥١/٥) ديوانه: ١٨٤ ١٧١ سورة الإنسان الآية - ٢٣ - ٣١ الثاني : كثرة النعيم. ﴿ومُلْكاً كبيراً﴾ فيه وجهان : أحدهما: لسعته وکثرته. الثاني : الاستئذان الملائكة عليهم وتحيتهم بالسلام. ويحتمل ثالثاً: أنهم لا يريدون شيئاً إلا قدروا عليه. وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وصفه بذلك لأنهم لا يبولون منه ولا يُحْدِثون عنه، قاله عطية، قال إبراهيم التيمي: هو عَرَق يفيض من أعضائهم مثل ريح المسك. الثاني: لأن خمر الجنة طاهرة، وخمر الدنيا نجسة، فلذلك وصفه الله تعالى بالطهور، قاله ابن شجرة. الثالث: أن أنهار الجنة ليس فيها نجس كما يكون في أنهار الدنيا وأرضها حكاه ابن عيسى . إِنَّانَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا (٣٦) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْءَاثِمَا أَوْكَفُورًا وَمِنَ الَتْلِ فَأَسْجُدْ لَهُوَسَبِّحْهُ لَيْلًا ٢٥ ® وَاذْكُرُ أَشْمَ رَبِّكَ بُكّرَةً وَأَصِيلًا ( نَّحْنُ ٢٧ إِنََّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَ هُمْ يَوْمَّاتَقِيلًا طَوِيلًا خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا ﴾ إِنَّ هَذِ هِ شَذْكِرَهُ فَمَن شَآءَ أَمَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٦) وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّاللَّهَ كَانَ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالَّلِمِينَ أَعَدَّلَهُمْ عَذَابَ أَلِيًا عَلِيمًا حَكِيمًافِ ٣١ ﴿ولا تُطِعْ منهم آثِماً أو كَفوراً﴾ قيل إنه عنى أبا جهل، يريد بالآثم المرتكب للمعاصي، وبالكفور الجاحد للنعم. ﴿واذكُرِ اسمَ رَبِّك بُكرَةً وأصيلاً﴾ يعني في أول النهار وآخره، ففي أوله صلاة الصبح، وفي آخره صلاة الظهر والعصر. ﴿وَمِنَ الليلِ فاسْجُدْ له﴾ يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ﴿وسَبِّحْهُ ليْلاً طويلاً﴾ يعني التطوع من الليل. ١٧٢ سورة الإنسان الآية - ٢٣ - ٣١ قال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن هو صلاة. ﴿إِنّ هؤلاءِ يُحِبّونَ العاجلةَ﴾ يحتمل في المراد بهم قولين: أحدهما: أنه أراد بهم اليهود وما كتموه من صفة الرسول وَله وصحة نبوّته . الثاني : أنه أراد المنافقين لاستبطانهم الكفر. ويحتمل قوله ﴿يحبون العاجلة﴾ وجھین: أحدهما: أخذ الرشا على ما كتموه إذا قيل إنهم اليهود. الثاني : طلب الدنيا إذا قيل إنهم المنافقون. ﴿وَذَرُونَ وراءهم يوماً ثقيلاً﴾ يحتمل وجهین : أحدهما: ما يحل بهم من القتل والجلاء إذا قيل إنهم اليهود. الثاني : يوم القيامة إذا قيل إنهم المنافقون. فعلى هذا يحتمل قوله ((ثقيلاً)) وجهين: أحدهما: شدائده وأحواله. الثاني : للقصاص من عباده. ﴿نحن خلقناهم وشَدَدْنا أَسْرهم﴾ في أسرهم ثلاثة أوجه: أحدها: يعني مفاصلهم، قاله أبو هريرة. الثاني : خلقهم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال لبيد(٢٢٢): مشرف الحارك محبوك الكفل. ساهم الوجه شديد أسْرُه الثالث: أنه القوة، قاله ابن زيد، قال ابن أحمر في وصف فرس (٢٢٣): يمشي لأوظفةٍ شدادٍ أسْرُها صُمِّ السنابِك لاتقى بالجَدْجَدِ. ويحتمل هذا القول منه تعالى وجهين: أحدهما: امتناناً عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية . الثاني : تخويفاً لهمن بسلب النعم. ﴿وإذا شئنا بدّلْنا أمثالَهم تبديلاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أمثال من كفر بالنعم وشكرها . (٢٢٢) ديوانه: القرطبي (١٥١/١٩) وفيه الكند بدلاً من الكفل واللسان ((حبك)). (٢٢٣) القرطبي (١٥١/١٩). ١٧٣ سورة الإنسان الآية - ٢٣ - ٣١ الثاني : من کفر بالرسل بمن يؤمن بها. ﴿إنّ هذه تذكِرةٌ﴾ یحتمل بالمراد بـ«هذه)) وجهین : أحدهما: هذه السورة. الثاني : هذه الخلقة التي خلق الإنسان عليها . ويحتمل قوله «تذكرة» وجھین : أحدهما: إذكار ما غفلت عنه عقولهم . الثاني : موعظة بما تؤول إليه أمورهم. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَخَذَ إلى ربِّ سَبِيلًا﴾ يحتمل وجهين : أحدهما: طريقاً إلى خلاصه. الثاني : وسيلة إلى جنته. ١٧٤ سورة المرسلات الآية - ١ - ١٥ تريبهَا سُورَةُ الْمُرْسَلَتِ آياته ٥٠ مكية من قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية منها، وهي قوله تعالى: ((وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون)) فمدنية. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا ٤ ٣ وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا جَ فَاَ لْعَصِفَتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّشِرَتِ نَشْرًا فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا (٥ عُذْرًا أَوْنُذْرًا ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَقِّعٌ ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ ظُمِسَتْ ﴿َ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴿ وَإِذَا الرّسُلُ أَفِنَتْ ◌َ لِأَقِّ يَوْمٍ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ٨ أُجِلَتْ ﴿ظَ لِيَوْمِ الْفَصْلِ [٣] وَ مَآ أَدْرَتِكَ مَا يَوْمُ اُلْفَصْلِ ﴿ وَلُ يَوْمَِّدٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ ١٥ قوله تعالى : ﴿والمرسلاتِ عُرْفاً﴾ فیه ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة ترسل بالمعروف، قاله أبو هريرة وابن مسعود. الثاني: أنهم الرسل يرسلون بما يُعرفون به من المعجزات، وهذا قول أبي صالح. الثالث: أنها الرياح ترسل بما عرفها (٢٢٤) اللَّه تعالى. ويحتمل رابعاً: أنها السحب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت فيه، ومن أرسلت إليه. (٢٢٤) وهو قول الجمهور. ١٧٥ سورة المرسلات الآية - ١ - ١٥ ويحتمل خامساً: أنها الزواجر والمواعظ. وفي قوله ((عُرْفاً)) على هذا التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: متتابعات کعرف الفرس، قاله ابن مسعود. الثاني: جاريات، قاله الحسن يعني القلوب. الثالث: معروفات في العقول. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الرياح العواصف، قاله ابن مسعود. الثاني : الملائكة، قاله مسلم بن صبيح . ويحتمل قولاً ثالثاً: أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. وفي قوله ((عصفاً)) وجهان: أحدهما: ما تذروه في جريها. الثاني : ما تهلكه بشدتها . والنَّاشِراتِ نَشْراً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها الرياح تنشر السحاب، قاله ابن مسعود. الثاني : أنها الملائكة تنشر الكتب، قاله أبو صالح . الثالث: أنه المطر ينشر النبات، قاله أبو صالح أيضاً. الرابع: أنه البعث للقيامة تُنشر فيه الأرواح، قاله الربيع . الخامس: أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد، قاله الضحاك. فالفارِقات فَرقاً﴾ فيه أربعة أقاويل : أحدها: الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل، قاله ابن عباس. الثاني : الرسل الذين يفرقون بين الحلال والحرام، قاله أبو صالح . الثالث: أنها الرياح، قاله مجاهد. الرابع: القرآن . وفي تأويل قوله ((فَرْقاً) على هذا القول وجهان: أحدهما: فرقه آية آية، قاله الربيع . الثاني : فرق فيه بين الحق والباطل، قاله قتادة . ١٧٦ سورة المرسلات الآية - ١٦ - ١٨ فالمُلْقِیاتِ ذِكْراً﴾ فيه قولان : أحدهما: الملائكة تلقي ما حملت من الوحي والقرآن إلى من أرسلت إليه من الأنبياء، قاله الكلبي . الثاني: الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل إليهم، قاله قطرب. ويحتمل ثالثاً: أنها النفوس تلقي في الأجساد ما تريد من الأعمال. ﴿عُذْراً أو نُذْراً﴾ يعني عذراً من اللَّه إلى عباده، ونُذْراً إليهم من عذابه. ويحتمل ثانياً: عذراً من اللَّه بالتمكن، ونذراً بالتحذير. وفي ما جعله عذراً أو نذراً ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة، قاله ابن عباس. الثاني : الرسل، قاله أبو صالح . الثالث: القرآن، قاله السدي . ﴿إنما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ هذا جواب ما تقدم من القسم، لأن في أول السورة قسم، أقسم اللَّه تعالى إنما توعدون على لسان الرسول من القرآن في أن البعث والجزاء واقع بكم ونازل عليكم . ثم بیّن وقت وقوعه فقال: ﴿فإذا النجومُ طُمِسَتْ﴾ أي ذهب ضوؤها ومحي نورها كطمس الكتاب. ﴿وإذا السماءُ فُرِجَتْ﴾ أي فتحت وشققت. ﴿وإذا الجبالُ نُسِفَتْ﴾ أي ذهبت، وقال الكلبي: سويت بالأرض. ﴿وإذا الرّسُلُ أُقْتَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أُوجدت، قاله إبراهيم. الثاني : أُجلت، قاله مجاهد. الثالث: جمعت، قاله ابن عباس. وقرأ أبو عمرو(٢٢٥) ((وقتت)) ومعناها عرفت ثوابها في ذلك اليوم، وتحتمل هذه القراءة وجهاً آخر أنها دعيت للشهادة على أممها . أَلَوْنُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ [٦] ثُمَ نُتْبِعُهُمُ اُلْآَخِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ١٨ (٢٢٥) ووافقه أبو جعفر إلا أنه خفف القاف زاد المسير (٤٤٧/٨). ١٧٧ سورة المرسلات الآية - ١٩ - ٢٨ / 597/ وَيُلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ ١٩ أَلَمْ نَخْلُقَكُمْ مِّن مَّآءٍ قَهِينٍ (ْ فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ٢١ ٢٢ أَفَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ (٣) وَيُلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ! اَلْأَرْضَ كِفَاتَّا(٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَتَا ◌َثَ وَجَعَلْنَا فِبَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُمْ مَآءَ فُرَاتًا أَلَوْ نَجْعَلِ ٢٤ ٢٨ أَوَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ (٢٧ ﴿ ألم نُهْلِكِ الَأوَّلِين﴾ يعني من العصاة، وفيمن أريد بهم وجهان: أحدهما: قوم نوح عليه السلام لعموم هلاكهم بالطوفان لأن هلاكهم أشهر وأعم (٢٢٦) الثاني: أنه قوم كل نبي استؤصلوا، لأنه في خصوص الأمم أندر. ﴿ثُمّ نَتَّبِعُهُم الآخِرِينَ﴾ يعني في هلاكهم بالمعصية كالأولين، إما بالسيف وإما بالهلاك . ﴿كذلك نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: أنه تهويل لهلاكهم في الدنيا اعتباراً. الثاني: أنه إخبار بعذابهم في الآخرة استحقاقاً. ﴿أَلِمْ نَخْلُقْكُم مِنْ ماءِ مَهينٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من صفوة الماء، قاله ابن عباس. الثاني : من ماء ضعيف، قاله مجاهد وقتادة. الثالث: من مني سائل، قاله ابن كامل . ﴿فَجعَلْناه في قرارٍ مَکینٍ﴾ فیه وجهان : أحدهما: قاله وهب بن منبه في رحم أُمّه لا يؤذيه حَرّ ولا برد. الثاني : مكين حريز لا يعود فيخرج ولا يبث في الجسد فيدوم، قاله الكلبي. ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى يوم ولادته. ﴿فقدرنا فَنِعْم القادِرون﴾ في قراءة نافع (٢٢٧) مشددة، وقرأ الباقون مخففة، فمن قرأ بالتخفيف فتأويلها: فملكنا فنعم المالكون. ومن قرأ بالتشديد فتأويلها: فقضينا فنعم القاضون، وقال الفراء: هما لغتان ومعناهما واحد. (٢٢٦) وهذا القول أشمل وأعم. (٢٢٧) وهي قراءة الكسائي وأهل المدينة كما في زاد المسير (٨ /٤٤٨). ١٧٨ سورة المرسلات الآية - ٢٩ - ٤٠ ﴿أَلَمْ نجْعَلِ الأرضَ كِفاتاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني كِنّاً، قاله ابن عباس. الثاني : غطاء، قاله مجاهد. الثالث: مجمعاً، قاله المفضل. الرابع: وعاء، قال الصمصامة بن الطرماح (٢٢٨): فأنت اليومَ فوق الأرض حيٌّ وأنت غداً تَضُمُّكَ من كِفات. ﴿أحياءً وأمواتاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الأرض تجمع الناس أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها، قاله قتادة والشعبي . الثاني : أن من الأرض أحياء بالعمارة والنبات، وأمواتاً بالجدب والجفاف، وهو أحد قولي مجاهد. أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُمْ بِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ أَنْطَلِقُواْإِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَبٍ ﴿ لَا ظَلِيلِ وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ ﴿٦َ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ﴿َ كَفَّهُ جَمَلَتُ صُفْرٌ لََّوَيْلٌ جَ هَذَا يُؤْمُ لَا يَنطِقُونَ ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُونَ (٢٦) وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يَوَمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَكُمْوَالأَوّلِينَ (٣٨ فَإِنْ كَانَ لَكُمْكَيْدٌ فَكِيدُونِ (تَوَيُّلِ يُؤْمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ ٤٠ ﴿انْطَلِقوا إلى ظِلُّ ذي ثلاثِ شُعَبٍ﴾ قيل إن الشعبة تكون فوقه، والشعبة عن يمينه، والشعبة عن شماله، فتحيط به، قاله مجاهد. الثاني : أن الشعب الثلاث الضريع والزقوم والغسلين، قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: أن الثلاث الشعب: اللهب والشرر والدخان، لأنه ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت . ﴿لا ظَلیلٍ﴾ في دفع الأذى عنه. (٢٢٨) فتح القدير (٣٥٨/٥) والقرطبي (١٦١/١٩) وفيه حياً بدلاً من حي. ١٧٩ سورة المرسلات الآية - ٢٩ - ٤٠ ﴿ولا يُغْنِي مِن اللّهَب﴾ واللهب ما يعلو عن النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. ﴿إِنها تَرْمي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ والشرر ما تطاير من قطع النار، وفي قوله «کالقصر)) خمسة أوجه : أحدها: أنه أصول الشجر العظام، قاله الضحاك. الثاني : كالجبل، قاله مقاتل. الثالث: القصر من البناء وهو واحد القصور، قاله ابن مسعود. الرابع: أنها خشبة كان أهل الجاهلية يقصدونها، نحو ثلاثة أذرع، يسمونها القصر، قاله ابن عباس. الخامس: أنها أعناق الدواب، قاله قتادة. ويحتمل وجهاً سادساً: أن يكون ذلك وصفاً من صفات التعظيم، كنى عنه باسم القصر، لما في النفوس من استعظامه، وإن لم يُرد به مسمی بعينه. ﴿كأنّه جِمالةٌ صُفْرٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني جمالاً صُفراً وأراد بالصفر السود، سميت صفراً لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة، قال الشاعر(٢٢٩): تلك خَيْلي منه وتلك رِكابي هُنّ صُفْرٌ أولادُها كالزبيبٍ. الثاني : أنها قلوس(*) السفن، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثالث: أنها قطع النحاس، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وفي تسميتها بالجمالات الصفر وجهان : أحدهما: لسرعة سيرها. الثاني : لمتابعة بعضها لبعض. ﴿فإنْ كانَ لکم حَيْدٌ فَكِيدُونٍ﴾ فیه وجهان: أحدهما: إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم، قاله مقاتل. الثاني: إن استطعتم أن تمتنعوا عني فامتنعوا، وهو معنى قول الكلبي . (٢٢٩) وهو الأعشى والبيت في القرطبي (١٦٤/١٩) وفتح القدير (٣٥٩/٥). (*) اي حبالها . ١٨٠