النص المفهرس

صفحات 101-120

سورة نوح الآية - ١٧ - ٢٠
﴿ثم إنّي دَعْوتُهم چِهاراً﴾ أي مجاهرة يرى بعضهم بعضاً.
﴿ثم إني أَعْلَنْتُ لهم﴾ يعني الدعاء، قال مجاهد: معناه صِحْتُ.
﴿وَأسْرَرْتُ لهم إسْراراً﴾ الدعاء عن بعضهم من بعض، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه دعاهم في وقت سراً، وفي وقت جهراً.
الثاني: دعا بعضهم سراً وبعضهم جهراً، وكل هذا من نوح مبالغة في الدعاء
وتلطفاً في الاستدعاء.
﴿فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفاراً﴾ وهذا فيه ترغيب في التوبة، وقد روى
حذيفة عن النبي ◌َّ أنه قال (١٣١): الاستغفار ممحاة للذنوب.
وقال: الفضيل: يقول العبد استغفر الله، قال: وتفسيرها أقلني .
﴿يُرْسِلِ السماءَ عليكم مِذْراراً﴾ يعني غيئاً متتابعاً (١٣٢)، وقيل إنهم كانوا قد
أجدبوا أربعين سنة، حتى أذهب الجدب أموالهم وانقطع الولد عن نسائهم، فقال
ترغيباً في الإيمان.
﴿وَيُمْدِدْكم بأموالٍ وبنينَ ويَجْعَل لكم جَّاتٍ ويَجْعَل لكم أنهاراً﴾ قال قتادة:
علم نبي الله نوح أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال هلموا إلى طاعة اللَّه فإن من
طاعته درك الدنيا والآخرة .
﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: ما لكم لا تعرفون للَّه عظمة، قاله مجاهد وعكرمة.
الثاني: لا تخشون للَّه عقاباً وترجون منه ثواباً، قاله ابن عباس في رواية ابن
جبير.
الثالث: لا تعرفون لله حقه ولا تشکرون له تعمه، قاله الحسن.
الرابع: لا تؤدون للّه طاعة، قاله ابن زید.
الخامس: أن الوقار الثبات، ومنه قوله تعالى: ((وقرن في بيوتكن)) [الأحزاب:
٣٣] أي اثبتن، ومعناه لا تثبتون وحدانية الله وأنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه، قال
(١٣١) تخريجه لم أعثر عليه ولكن روى مسلم (٤ /٢١٠٥). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال
رسول الله صل# ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر
لهم، وروى مسلم (٢١٠٥/٤) نحوه من حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً.
(١٣٢) وفي الآية دليل على أن الاستغفار يستنزل به لله الرزق والامطار.
١٠١

سورة نوح الآية - ١٧ - ٢٠
ابن بحر: دلهم على ذلك فقال: ﴿وقد خلقكم أطواراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني طوراً نطفة، ثم طوراً علقة، ثم طوراً مضغة، ثم طوراً عظماً،
ثم كسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر أنبتنا له الشعر وكملت له الصورة، قاله
قتادة.
الثاني: أن الأطوار اختلافهم في الطول والقصر، والقوة والضعف والهم
والتصرف، والغنى والفقر.
ويحتمل ثالثاً: أن الأطوار اختلافهم في الأخلاق والأفعال.
﴿أُلَمْ تَرَوْا كيف خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً﴾ فيها قولان:
أحدهما: أنهن سبع سموات على سبع أرضين، بين كل سماء وأرض خلق،
وهذا قول الحسن.
والثاني: أنهن سبع سموات طباقاً بعضهن فوق بعض، كالقباب، وهذا قول
السدي .
﴿وَجَعَلِ القَمَرَ فيهنّ نُوراً﴾ فيه قولان:
أحدهما: معناه وجعل القمر فيهن نوراً لأهل الأرض، قاله السدي.
الثاني: أنه جعل القمر فيهن نوراً لأهل السماء والأرض، قاله عطاء.
وقال ابن عباس: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء.
﴿وَجَعَل الشّمْسَ سِراجاً﴾ يعني مصباحاً لأهل الأرض، وفي إضافته لأهل
السماء القولان الأولان.
﴿وَاللَّه أَنْبَتَكُم مِنَ الأرضِ نَباتاً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني آدم خلقه من أديم الأرض كلها، قاله ابن جريج، وقال خالد بن
معدان: خلق الإنسان من طين، فإنما تلين القلوب في الشتاء.
الثاني : أنبتهم من الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، قاله ابن
بحر.
الثالث: أن جميع الخلق أنشأهم بانتذاء ما تنبته الأرض وبما فيها، وهو
محتمل.
﴿ثم يُعيدُكم فيها﴾ يعني أمواتاً في القبور.
١٠٢

سورة نوح الآية - ٢١ - ٢٤
﴿ويُخْرِجُكم إخْراجاً﴾ للنشور بالبعث.
﴿واللَّهُ جَعَل لكم الأرضَ بِساطاً﴾ أي مبسوطة، وفيه دليل على أنها مبسوطة.
﴿لِتَسْلُكوا منها سُبُلا فجاجاً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: طرقاً مختلفة، قاله ابن عباس.
الثاني: طرقاً واسعة، قاله ابن كامل.
الثالث: طرقاً أعلاماً، قاله قتادة.
قَالَ نُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُوْ مَن لََّزْدَهُ مَا لُهُ وَوَلَدُهُ إِلََّ خَسَارَالثَّوَمَكَرُواْ
مَكْرَاكُبَّارَالْهَ وَقَالُواْ لَنَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُ وَلَا نَذَرُنَ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ
وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا فَزِدِ الَِّينَ إِلََّّ ضَلَلَا!
٢٤
﴿قال نوحٌ رَبِّ إنهم عَصَوْني﴾ قال أهل التفسير: لبث فيهم ما أخبر الله به
ألف سنة إلا خمسين عاماً داعياً لهم، وهم على كفرهم وعصيانهم، قال ابن عباس:
رجا نوح الأبناء بعد الآباء، فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبعة قرون، ثم دعا
عليهم بعد الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، حتى كثر الناس وفشوا:
قال الحسن: كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتین.
﴿وَاتّبَعوا مَنْ لم يَزِدْه مالُه ووَلدُه إلّ خَساراً﴾ قرىء ولده بفتح الواو وضمها،
وفيهما قولان :
أحدهما: أن الولد بالضم(١٣٣) الجماعة من الأولاد، والولد بالفتح واحد منهم،
قاله الأعمش، قال الربيع بن زياد:
فإني لم أكُنْ مّمن جَناها.
وإنْ تكُ حَرْبُكم أمست عواناً
وحَشّوا نارها لمن اصطلاها
ولكن وُلْدُ سَوْدَةَ أَرَّثوها
﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً﴾ أي عظيماً، والكبّار أشد مبالغة من كبير.
وفيه وجهان، أحدهما: ما جعلوه للَّه من الصاحبة والولد، قاله الكلبي.
(١٣٣) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي راجع زاد المسير (٣٧٣،٣٧٢/٨) والسبعة لابن
مجاهد ٦٥٢ .
١٠٣

سورة نوح الآية - ٢١ - ٢٤
الثاني: هو قول كبرائهم لأتباعهم: ﴿وقالوا لا تَذَرُنَّ آلِهِتكم ولا تَذَرُنَّ وَدّاً ولا
سُواعاً﴾ الآية، قاله مقاتل.
وفي هذه الأصنام قولان:
أحدهما: أنها كانت للعرب لم يعبدها غيرهم ويكون معنى الكلام: كما قال
قوم نوح لأتباعهم لا تذرن آلهتكم، قالت العرب مثلهم لأولادهم وقومهم لا تذرنّ وداً
ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً، ثم عاد الذكر بعد ذلك إلى قوم نوح (١٣٤).
واختلف في هذه الأسماء، فقال عروة بن الزبير: اشتكى آدم وعنده بنوه
ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان ود أكبرهم وأبرهم به، وقال غيره (١٣٥): إن هذه
الأسماء كانت لرجال قبل قوم نوح، فماتوا فحزن عليهم أبناؤهم حزناً شديداً، فزين
لهم الشيطان أن يصوروهم لينظروا إليهم ففعلوا، ثم عبدها أبناؤهم من بعدهم. وقال
محمد بن كعب: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح فحدث بعدهم من أخذ في العبادة
مأخذهم، فزين لهم إبليس أن يتصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم، ثم عبدها
من بعدهم قوم نوح، ثم انتقلت بعدهم إلى العرب فعبدها ولد إسماعيل.
فأما ود فهو أول صنم معبود، سمي بذلك لودهم له، وکان بعد قوم نوح لكلب
بدومة الجندل من قول ابن عباس وعطاء ومقاتل، وفيه يقول شاعرهم:
لهْوُ النساءِ وإنّ الدينَ قد عَزَما.
حيّاك ودٌّ فإنا لا يحل لنا
وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر، في قولهم، وأما يغوث فكان لغطيف من
مراد بالجوف من سبأ، في قول قتادة، وقال مقاتل: حي من نجران.
قال أبو عثمان النهدي: رأيت يغوث وكان من رصاص وكانوا يحملونه على
جمل أجرد، ويسيرون معه لا يهيجونه، حتى يكون هو الذي يبرك، فإذا برك نزلوا
وقالوا: قد رضي لکم المنزل، فيضربون عليه بناء وينزلون حوله.
وأما يعوق فكان لهمدان ببلخع (*)، في قول قتادة وعكرمة وعطاء.
(١٣٤) لاحظ أنه لم يذكر الا قولاً واحداً فقط.
(١٣٥) هو ابن عباس رضي الله عنه وقد رواه البخاري (٥٣٥/٨) وقال الحافظ ابن حجر (٥٣٧/٨) وقصة
الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الاصنام ثم تبعهم من بعدهم على ذلك.
(*) وهو موضع باليمن.
١٠٤

سورة نوح الآية - ٢٠ - ٢٨
وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول عطاء ونحوه عن مقاتل (١٣٦).
﴿وقد أُضلّوا كثيراً﴾ فیه وجهان:
أحدهما: يريد أن هذه الأصنام قد ضل بها كثير من قومه .
الثاني: أن أكابر قومه قد أضلوا كثيراً من أصاغرهم وأتباعهم.
﴿ولا تَزِدِ الظالمینَ إلاّ ضلالاً﴾ فیه وجهان:
أحدهما: إلا عذاباً، قاله ابن بحر واستشهد بقوله تعالى :
﴿إِن المجرمين في ضلالٍ وسُعُرٍ﴾. [القمر: ٤٧]
الثاني : إلا فتنة بالمال والولد، وهو محتمل.
مِّمَّا خَطِيَِّمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُوْنَارًا فَلَمْ يَجِدُ واْلَهُمْ مِن دُونِ اللَّهِأَنْصَارًا
٢٥
وَقَالَ نُعُ رَّبِّ لَاَنَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (١) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ
عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُ واْ إِلََّ فَاجِرَاكَفَّارَالْأَرَّبِّ اغْفِرْلِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَنْ دَخَلَ
بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا تَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا نَبَارُ الَ
٢٨
﴿وقال نوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ على الأرضِ مِنَ الكافرين دَيّارا﴾ اختلفوا في سبب
دعاء نوح على قومه بهذا على قولين:
أحدهما: أنه لما نزلت عليه قوله تعالى: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾
[هود: ٣٦]دعا عليهم بهذا الدعاء، قاله قتادة.
الثاني: أن رجلاً من قومه حمل ولده صغيراً على كتفه، فمر بنوح، فقال لابنه:
إحذر هذا فإنه يضلك فقال: يا أبت أنزلني فأنزله فرماه فشجّهُ، فحينئذٍ غضب نوح ودعا
عليهم.
وفي قوله﴿دياراً﴾ وجهان :
أحدهما: أحداً، قاله الضحاك.
الثاني : من يسكن الديار، قاله السدي.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لي ولوالديّ﴾فيه قولان:
(١٣٦) لم يذكر المؤلف القول الثاني فتنبه.
١٠٥

سورة نوح الآية - ٢٥ - ٢٨
أحدهما: أنه أراد أباه، واسمه لمك، وأمه واسمها منجل، وكانامؤمنين، قاله
الحسن .
الثاني : أنه أراد أباه وجده، قاله سعيد بن جبير.
﴿ولمن دَخَل بَيْتَيِ مُؤْمِناً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني صديقي الداخل إلى منزلي، قاله ابن عباس.
الثاني : من دخل مسجدي، قاله الضحاك.
الثالث: من دخل في ديني ، قاله جويبر.
وللمؤمنين والمؤمنات﴾ فيه قولان :
أحدهما: أنه أراد من قومه .
الثاني : من جميع الخلق إلى قيام الساعة، قاله الضحاك.
﴿وَلا تَزِدِ الظالمينَ﴾ يعني الكافرين.
﴿إلا تباراً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: هلاكاً.
الثاني : خساراً، حكاهما السدي.
.
١٠٦

سورة الجن الآية - ١ - ٧
ريبهـ
٧٢
سُورَةُ الْخِّرّ
آياتها
بِسْمِ اللّهِالرَّحْضَ الزَّحِيمِ
قُلْ أُوحِىَ إِلَىَ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا (١) يَهْدِىّ إِلَى
الْرُّشْدِ فَا مَنَّابِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًّا ◌ْ وَأَنَُّتَعَلَى جَدُّ رَبِّنَامَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا
وَلَدَّا ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُنَا عَلَى الَّهِ شَطَطَّا ﴿ وَأَنَا ظَنَّا أَنْ لَّنْ تَقُولَ
اُلْإِسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا [٥ْ وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ
فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ◌َا وَنَهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَكُمْ أَن ◌َّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدَّالـ
٧
قوله تعالى: ﴿قل أَوحِيَ إلَّ أَنّهَ اسْتَمَعَ نَفَرُ مِن الجِنِّ﴾ اختلف أهل التفسير في
سبب حضور النفر من الجن إلى رسوله اللَّه وي ليه لسماع القرآن على قولين:
أحدهما: أن اللَّه تعالى صرفهم إليه بقوله: ﴿وإذ صَرَفْنا إليك نفراً من الجن﴾،
[الأحقاف: ٢٩]، قاله ابن مسعود والضحاك وطائفة.
الثاني : أنه كان للجن مقاعد في السماء الدنيا يستمعون منها ما يحدث فيها من
أمور الدنيا، فلما بعث اللَّه رسوله محمداً لل حرست السماء الدنيا من الجن ورجموا
بالشهب، قال السدي: ولم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو أثر له
ظاهر، قال: فلما رأى أهل الطائف اختلاف الشهب في السماء قالوا: هلك أهل
السماء فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو:
١٠٧

سورة الجن الآية - ١ - ٧
ويحكم أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في
أمكنتها لم يهلك أهل السماء، وإنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني محمداً فلما
رأوها مستقرة كفّواً.
وفزعت الجن والشياطين، ففي رواية السدي أنهم أتوا إبليس فأخبروه بما كان
من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها فأتوها فشمها فقال:
صاحبكم بمكّة فبعث نفراً من الجن ..
وفي رواية ابن عباس (١٣٧): أنهم رجعوا إلى قومهم فقالوا: ما حال بيننا وبين
السماء إلا أمر حدث في الأرض، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ففعلوا حتى أتوا
تهامة، فوجدوا محمداً بَلّل يقرأ. ثم اختلفوا لاختلافهم في السبب، هل شاهد رسول
اللَّهِ وَِّ الجن أم لا؟
فمن قال إنهم صرفوا إليه قال إنه رآهم وقرأ عليهم ودعاهم، روى ابن مسعود
أن (١٣٨) النبي ◌َّ قال: قد أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟
فسكتوا، ثم الثانية فسكتوا، ثم الثالثة، فقال ابن مسعود أنا أذهب معك، فانطلق حتى
جاء الحجون عند شعب أبي دُب، فخط عليَّ خطأً ثم قال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى
الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى غشوة فلم أره ، قال عكرمة: وكانوا اثني
عشر ألفاً من جزيرة الموصل.
ومن قال إنهم صرفوا في مشارق الأرض ومغاربها لاستعلام ما حدث فيها، قال
إن النبي ◌َّ لم يرهم.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول اللَّه و ◌َلّل على الجن ولا
رآهم، وإنما انطلق في نفر من أصحابه إلى سوق عكاظ، فأتوه وهو بنخلة عامداً، إلى
سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن قالوا : هذا الذي حال
بيننا وبين خبر السماء .
قال عكرمة: السورة التي كان يقرؤها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واختلف قائلوا هذا
(١٣٧) رواه البخاري (٥١٨،٥١٣/٨) ومسلم (٤٤٩) والترمذي (٣٣٢٠) والحاكم وصححه(٥٠٣/٢) وزاد
السيوطي في الدر (٢٩٦/٦) نسبته لابن المنذر وابن مردويه والطبراني وعبد بن حميد وابي نعيم
والبيهقي .
(١٣٨) تقدم تخريجه في سورة الأحقاف.
١٠٨

سورة الجن الآية - ١ - ٧
القول في عددهم، فروى عاصم عن زر بن حبيش أنهم كانوا تسعة، أحدهم زوبعة،
أتوه في بطن نخلة.
وروى ابن جريج عن مجاهد: أنهم كانوا سبعة، ثلاثة من أهل حران، وأربعة
من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم: حسى ومسى وماصر وشاصر والأرد وأتيان والأحقم(١٣٩).
وحكى جويبر عن الضحاك أنهم كانوا تسعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير
التي بالعراق، وهم سليط وشاصر وماصر وحسا ومنشا ولحقم والأرقم والأرد واتیان،
وهم الذين قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً، وكانوا قد أدركوا رسول اللّه وَله ببطن نخلة في
صلاة الصبح فصلّوا معه: ﴿فلما قضى ولّوْا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا أجيبوا
داعي اللَّه وآمِنوا به﴾.
وقيل إن الجن تعرف الإنس كلها فلذلك توسوس إلى كلامهم.
واختلف في أصل الجن، فروى إسماعيل عن الحسن البصري أن الجن (١٤٠)
ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في
الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو ولي اللَّه، ومن كان من هؤلاء
وهؤلاء كافراً فهو شيطان .
وروى الضحاك عن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان وليسوا شياطين وهم
یموتون، ومنهم المؤمن والكافر، والشیاطین هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس.
واختلفوا في مؤمني الجن هل (١٤١) يدخلون الجنة على حسب الاختلاف في
أصلهم، فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال يدخلون الجنة بإيمانهم،
ومن قال هم من ذرية إبليس فلهم فيها قولان:
أحدهما: يدخلونها، وهو قول الحسن.
الثاني: وهو رواية مجاهد، لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار.
وفي قوله تعالى : ﴿إِنا سَمِعْنا قُرآنا عَجَباً﴾ ثلاثة أوجه :
أحدها: عجباً في فصاحة كلامه.
الثاني : عجباً في بلاغة مواعظه.
(١٣٩) وفي أسماء هؤلاء اختلاف بين المفسرين.
(١٤٠) وهو الصحيح وقد تقدم في سورة البقرة.
(١٤١) تقدم الخلاف في ذلك في سورة الأنعام وذكرنا أن الراجح أنهم يدخلون الجنة كالإنس.
١٠٩

سورة الجن الآية - ١ - ٧ .
الثالث: عجباً في عظم بركته.
﴿یھْدِي إلی الرُّشْدِ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: مراشد الأمور.
الثاني : إلى معرفة اللَّه.
﴿وأنّه تَعالى جَدُّ ربّنا﴾ فيه عشرة تأويلات:
أحدها: أمر ربنا، قاله السدي.
الثاني : فعل ربنا، قاله ابن عباس.
الثالث: ذکر ربنا، وهو قول مجاهد.
الرابع: غنى ربنا، قاله عكرمة.
الخامس: بلاء ربنا، قاله الحسن.
السادس: مُلك ربنا وسلطانه، قاله أبو عبيدة.
السابع: جلال ربنا وعظمته، قاله قتادة.
الثامن: نعم ربنا على خلقه، رواه الضحاك.
التاسع: تعالی جد ربنا أي تعالی ربُّنا، قاله سعيد بن جبير.
العاشر: أنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من قول الجن
عن [جهالة].
﴿وأنه كان يقولُ سَفيهُنا على اللَّهِ شَطَطاً﴾ فيه قولان:
أحدهما: جاهلنا وهم العصاة منا، قال قتادة: عصاه سفيه الجن كما عصاه
سفیه الإنس.
الثاني: أنه إبليس، قاله مجاهد وقتادة ورواه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري
(١٤٢) .
عن أبيه عن النبي(١٤٢) ◌ِه.
ومن قوله ((شططاً)) وجهان:
أحدهما: جوراً، وهو قول أبي مالك ..
الثاني: كذباً، قاله الكلبي، وأصل الشطط البعد، فعبر به عن الجور لبعده من
العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق.
(١٤٢) رواه الديلمي وابن مردويه كما في الدر (٢٩٨/٨) وسنده واه.
١١٠

سورة الجن الآية - ٨ - ١٠
﴿وأنّه كانَ رجالٌ من الإِنسِ يَعُوذون برجالٍ من الجنِّ﴾ قال ابن زيد: إنه كان
الرجل في الجاهلية قبل الإسلام إذا نزل بواد قال: إني أعوذ بكبير هذا الوادي - يعني من
الجن-من سفهاء قومه، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم، وهو معنى قوله: ((وأنه
کان رجال».
وفي قوله: ﴿فزادُهم رَهقاً﴾ ثمانية تأويلات:
أحدها: طغياناً، قاله مجاهد.
(١٤٣).
الثاني : إثماً، قاله ابن عباس وقتادة، قال الأعشى"
لا شىءَ ينفعني مِن دُون رؤيتها هل يَشْتفي عاشقٌ ما لم يُصبْ رهَقاً.
يعني إثماً.
الثالث: خوفاً، قاله أبو العالية والربيع وابن زيد.
الرابع: كفراً، قاله سعيد بن جبير.
الخامس: أذى، قاله السدي.
السادس: غيًّا، قاله مقاتل.
السابع: عظمة، قاله الكلبي.
الثامن: سفهاً، حكاه ابن عیسی .
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِّئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُّهُبًا (3) وَأَنَّا كُنَانَفْعُدُ
مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَارَّصَدَّالْ وَأَنَّ لَا نَدْرِىّ
أَشَرُّأُرِيدَ بِمَن فِ اْلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْرَشَدًا
١٠
﴿وأنا لمَسْنا السماء﴾ فيه وجهان:
أحدهما: طلبنا السماء، والعرب تعبر عن الطلب باللمس تقول جئت ألمس
الرزق وألتمس الرزق.
الثاني: قاربنا السماء، فإن الملموس مقارَب.
﴿فَوَجَدْناها﴾ أي طرقها.
(١٤٣) ديوانه: ١١٦ والقرطبي (١٠/١٩) روح المعاني (٨٥/٢٩) فتح القدير (٣٠٥/٥) اللسان ((رهق)) الطبري
(١٠٩/٢٩).
١١١

سورة الجن الآية - ٨ - ١٠
ومُلئتْ حَرَساً شديداً﴾ هم الملائكة الغلاظ
﴿وَشُهُباً﴾ جمع شهاب وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عند استراق
السمع، واختلف في انقضاضها في الجاهلية قبل مبعث الرسول يسير على قولين:
أحدهما: أنها كانت تنقض في الجاهلية (١٤٤)، وإنما زادت بمبعث الرسول
إنذاراً بحاله، قال أوس بن حجر، وهو جاهلي(١٤٥).
فانقضّ كالذُّرِّيِّ يَتْبَعهُ نقعٌ يثورُ تَخالُهُ طُنُباً.
وهذا قول الأکثرین.
الثاني: أن الانقضاض لم يكن قبل المبعث وإنما أحدثه اللَّه بعده، قال
الجاحظ: وكل شعر روي فيه فهو مصنوع.
﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقَاعِدَ للسّمْعِ﴾ يعني أن مردة الجن كانوا يقعدون من
السماء الدنيا مقاعد للسمع يستمعون من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى
الكهنة فتجري على ألسنتهم، فحرسها الله حين بعث رسوله بالشهب المحرقة،
فقالت الجن حينئذٍ :
﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رَصَداً﴾ يعني بالشهاب الكوكب المحرق،
والرصد من الملائكة.
أما الوحي فلم تكن الجن تقدر على سماعه، لأنهم كانوا مصروفين عنه من
قبل.
﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرْ أُريدَ بمن في الأرضِ أمْ أرادَ بهم ربّهم رَشَداً﴾ فيه
وجهان :
أحدهما: أنهم لا يدرون هل بعث اللَّه محمداً ليؤمنوا به ويكون ذلك منهم
رشداً ولهم ثواباً، أم يكفروا به فيكون ذلك منهم شراً وعليهم عقاباً، وهذا معنى قول
السدي وابن جريج .
الثاني: أنهم لا يدرون حراسة السماء بالشهب هل شر وعذاب أم رشد وثواب،
قاله ابن زید.
(١٤٤) تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات فراجعه.
(١٤٥) روح المعاني (٨٧/٢٩) والقرطبي (١٣/١٩) شواهد الكشاف (٥٠١/٤).
١١٢

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
وَأَنَّامِنَالصَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَابِقَ قِدَدًّا (١) وَأَنَاظَنَنَّا أَن ◌َّنْ تُعْجِزَ
اللَّهَ فِ اُلْأَرْضِ وَلَنْ تُعْجِزَهُ هَرَبَا ﴾ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا أَلْهُدَىَ ءَامَنَّابِهٍ، فَمَن يُؤْمِنُ
وَأَنَّامِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَّ
١٣
بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسَا وَلَا رَهَقًا
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُؤْلَِّكَ تَحَرَوْأَرَشَدًا (١٥) وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا
﴿ وَأَلَّوٍ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُمَّةَ غَدَقَّ ◌ََّالْتَفْئِنَهُ فِيَةٍ وَمَنْ
يُعْرِضْ عَن ذِكْرِرَبِّهِ يَسْلُكُهُ عَذَابًا صَعَدًا
١٧
﴿وَأَنّا مِنّا الصّالحونَ﴾ يعني المؤمنين.
﴿ومنّا دون ذلك﴾ يعني المشركين.
ويحتمل أن يريد بالصالحين أهل الخير، وبـ((دون ذلك)) أهل الشر ومن بين
الطرفين على تدريج، وهو أشبه في حمله على الإيمان والشرك لأنه إخبار منهم عن
تقدم حالهم قبل إيمانهم .
﴿كُنّا طَرائقَ قِدَداً﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يعني فِرِقاً شتى، قاله السدي .
الثاني : أدياناً مختلفة، قاله الضحاك.
الثالث: أهواء متباينة، ومنه قول الراعي (١٤٦):
القابض الباسط الهادي بطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قِدَدُ
وأنّا لّما سَمِعْنا الهُدَى آمَنًا به﴾ يعني القرآن سمعوه من النبي ◌َّهِ فآمنوا به
وصدقوه على رسالته، وقد كان رسول اللَّه مبعوثاً إلى الجن والإنس.
قال الحسن: بعث الله محمداً إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى رسولاً
من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: ﴿وما أرسَلْنا مِن
قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى﴾.
﴿فمن يؤمن بربّه فلا يخافُ بخساً ولا رهقاً﴾ قال ابن عباس:
(١٤٦) فتح القدير (٣٠٦/٥) روح المعاني (٨٨/٢٩) القرطبي (١٥/١٩).
١١٣

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
لا يخاف نقصاً في حسناته، ولا زيادة في سيئاته، لأن البخس النقصان،
والرهق: العدوان، وهذا قول حكاه اللَّه عن الجن لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم، وقد
روى عمار بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال (١٤٧): بينما عمر بن الخطاب
جالساً ذات يوم إذ مرّ به رجل، فقيل له: أتعرف المارّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هو؟
قالوا: سواد بن قارب رجل من أهل اليمن له شرف، وكان له رئيّ من الجن، فأرسل
إليه عمر فقال له: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت الذي
أتاك رئيّ من الجن يظهر لك؟ قال: نعم بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني
رئي من الجن فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن
كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ
يقول:
وشدِّها العِيسَ بأذْنابها.
عجبْتُ للجنّ وتطلابها
ما صادقُ الجن ككذّابها.
تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى
فليس قد أتاها كاذباً بها.
فارْحَلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ
(١٤٧) أفاد الحافظ في الإصابة (٢٢٠/٣) أن هذا الطريق لحديث عمر رواه الحسن بن سفيان
وأبو يعلى والحاكم والبيهقي والطبراني من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقّاصي عن محمد بن كعب
القرظي وللحديث طرق عن عمر ومنها عن البراء بن عازب أخرجها البيهقي في الدلائل من طريق أبي
إسحاق عن البراء ومنها عن سواد بن قارب من طريق عباد بن عبد الصمد: سمعت سعيد بن جبير
أخبرني سواد بن قارب ومنها عن عبدالله بن عبد الرحمن من طرق أخرجها الحسن بن سفيان عن الحسن بن
عمارة عن عبدالله بن عبد الرحمن قال دخل سواد بن قارب على عمر ومنها عن أنس مرفوعاً أخرجها ابن
شاهين من طريق الفضل بن عيسى القرشي عن العلاء بن زيدل عن أنس بن مالك قال: دخل رجل من
دوس يقال له سواد بن قارب على النبي وير .. فذكر القصة بطولها راجع بقية الطرق في الإصابة
(٢١٩/٣ - ٢٢٠) (تنبيه) قول المؤلف هنا عمار بن عبد الرحمن خطأ والصواب عثمان بن عبد الرحمن
والتصويب من الإصابة.
(*) الحديث الذي أورده المؤلف هنا من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقًّاصي عن محمد بن كعب إسناده
ضعيف جداً لأن فيه عثمان بن عبد الرحمن وهو متروك الحديث قال البخاري فيه تركوه وقال ابن معين
ليس بشيء وقال مرة يكذب وضعفه عليّ بن المديني جداً وقال النسائي والدارقطني متروك راجع ترجمته
في الميزان (٤٣/٣ - ٤٥).
١١٤

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
فقلت دعني أنام فإني أمسيت ناعساً، ولم أرفع بما قاله رأساً، فلما كان الليلة
الثانية أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن
كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته، ثم أنشأ
يقول :
وشدِّها العيس بأكوارها.
عجبْتُ للجنّ وتخيارها
ما مؤمن الجن ككفّارِها.
تهوي إلى مكة تبغى الهدى
ما بين رابيها وأحجارها
فارحلْ إلى الصفوة من هاشمٍ
فقلت له دعني فإني أمسيت ناعساً، ولم أرفع بما قال رأساً، فلما كان الليلة
الثالثة أتاني وضربني برجله، وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت
تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته، ثم أنشأ
يقول :
وشدِّها العيسَ بأحْلاسها.
عجبت للجن وتحساسها
ما خَيِّرُ الجنّ كأنجاسها.
تهوي إلى مكة تبغي الهُدى
واسم بيديْك إلى رأسها.
فارحلْ إلى الصفوة من هاشم
قال: فأصبحت قد امتحن الله قلبي بالإسلام، فرحلتُ ناقتي فأتيت المدينة،
فإذا رسول اللّه وَّ وأصحابه، فقلت اسمع مقالتي يا رسول الله، قال: هات،
فأنشأت أقول:
ولم يك فيما قد تلوْتُ بكاذبٍ
أتاني نجيّ بين هدٍ ورقْدةٍ
أتاك رسولٌ من لؤيّ بن غالب
ثلاث ليال قوله كل ليلةٍ
بي الذملُ الوجناء بين السباسِب
فشمّرتُ من ذيلي الإزار ووسطت
وأنك مأمولّ على كل غالبٍ.
فأشهَدُ أن اللَّه لا شيءَ غيرهُ
(*) وأما طريق أنس المرفوعة فضعيفة جداً بل باطلة.
فإن في سندها الفضل بن عيسى القرشي (كذا في الأصل، والصواب الرقاشي) عن العلاء بن زيدل
والفضل ضعفوه. وكان قدرياً خبيثاً كما قال ابن معين. راجع ترجمته في الميزان (٣٥٦/٣) وقال فيه:
سلام بن أبي مطيع: لو أن فضلاً الرقاشي بلد أخرساً كان خيراً له وقال أبو زرعة منكر الحديث وزاد ابو
حاتم في حديثه بعض الوهن ليس بقوي وأما العلاء بن زيدل ويقال زيد أيضاً. فهو متروك الحديث رماه
أبو الوليد الطيالسي بالكذب ...
١١٥

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
إلى اللَّه يا بن الأكرمين الأطايب.
وأنك أدنى المرسلين وسيلةً
وإن كانَ فيما جاءَ شيبُ الذوائب.
فُمُرْنا بما يأتيك يا خيرَ من مشى
سِواك بمغنٍ عن سوادٍ بن قارب.
وكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ
ففرح رسول اللّه وَله وأصحابه بمقالتي فرحاً شديداً، حتى رئي الفرح في
وجوههم، قال: فوثب عمر فالتزمه وقال: قد كنت أشتهي أن أسمع منك هذا
الحديث، فهل يأتيك رئيك من الجن اليوم؟ قال: [أما] وقد قرأت القرآن فلا، ونعم
العوض كتاب اللَّه عن الجن.
﴿وَأَنّا مِنّا المسْلِمونَ ومِنّ القاسِطونَ﴾ وهذا إخبار عن قول الجن بحال من فيهم
من مؤمن وكافر، والقاسط: الجائر، لأنه عادل عن الحق، ونظيره الترِب والمُتْرِب،
فالترِب الفقير، لأن ذهاب ماله أقعده على التراب، والمترب الغني لأن كثرة ماله قد
صار كالتراب.
وفي المراد بالقاسطين ثلاثة أوجه:
أحدها: الخاسرون، قاله قتادة.
الثاني : الفاجرون، قاله ابن زید.
الثالث: الناكثون، قاله الضحاك.
﴿وأن لو استقاموا على الطريقة﴾ ذكر ابن بحر أن كل ما في هذه السورة من
((إن)) المكسورة المثقلة فهو حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن فرجعوا إلى
قومهم منذرين، وكل ما فيها من ((أن)) المفتوحة المخففة أو المثقلة فهو من وحي
الرسول.
وفي هذه الاستقامة قولان:
أحدهما: أنها الإقامة على طريق الكفر والضلالة، قاله محمد بن كعب وأبو
مجلز وغيرهما.
الثاني : الاستقامة على الهدى والطاعة، قاله ابن عباس والسدي وقتادة ومجاهد.
فمن ذهب إلى أن المراد الإقامة على الكفر والضلال فلهم في قوله ﴿لَأَسْقَيْناهم
ماءً غَدَقاً﴾ وجهان:
(*) وأما طريق عبد الله بن عبد الرحمن .. ففي سندها الحسن بن عمارة قاضي بغداد وهو متروك الحديث.
١١٦

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
أحدهما: بلوناهم بكثرة الماء الغدق حتی یهلكوا كما هلك قوم نوح بالغرق،
وهذا قول محمد بن کعب.
الثاني : لأسقيناهم ماء غدق ينبت به زرعهم ويكثر مالهم.
﴿لِتَفْتِنَهم فيه﴾ فيكون زيادة في البلوى، حكى السدي عن عمر في قوله
((لأسقيناهم ماء غدقاً)) أنه قال: حيثما كان الماء كان المال، وحيثما كان المال كانت
الفتنة، فاحتملت الفتنة ها هنا وجهين:
أحدهما: افتتان أنفسهم .
الثاني: وقوع الفتنة والشر من أجله.
وأما من ذهب إلى أن المراد الاستقامة على الهدى والطاعة فلهم في تأويل قوله
(لأسقيناهم ماءً غدقا) أربعة أوجه:
أحدها: معناه لهديناهم الصراط المستقيم، قاله ابن عباس.
الثاني : لأوسعنا عليهم في الدنيا، قاله قتادة.
الثالث: لأعطيناهم عيشاً رغداً، قاله أبو العالية.
الرابع: أنه المال الواسع، لما فيه من النعم عليهم بحياة النفوس وخصب
الزروع، قاله أبو مالك والضحاك وابن زيد.
وفي الغدق وجهان :
أحدهما: أنه العذب المعين، قاله ابن عباس، قاله أمية بن أبي الصلت:
مِزاجُها سلسبيلٌ ماؤها غَدَقٌ عَذْبُ المذاقةِ لا مِلْحٌ ولَا كدرُ
الثاني : أنه الواسع الكثير، قاله مجاهد، ومنه قول كثير (١٤٨):
فما كل ذي وُدِّ لمن وَدَّ واهبُ.
وهبتُ لسُعْدَى ماءه ونبأَته
وتغْدقَ أعداد به ومشارب.
لتـروى به سُعدى ويروى محلّها
(*) وأما طريق عباد بن عبد الصمد عن سعيد بن جبير الخ وعباد سماه في الميزان (٣٦٩/٣) عباد بن
عبد الحميد وقال مجهول وقال البخاري: فيه نظر وفي نفس الطبقة عباد بن عبد الصمد أبو معمر
روى عن أنس وهو بصري واوٍ واستظهر العلامة المعلمي في تحقيقه للتاريخ الكبير (٤١/٦) كونهما
شخص واحد. كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
(*) وأما حديث البراء ففي سنده المتقدم أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس ولعل أصل القصة هو الثابت أما
الأشعار وغيرها فغير ثابتة كما قال الحافظ في الإصابة ( / ٢٢٠) وأصلها في صحيح البخاري ( )
عن أبيه .
من طريق
(١٤٨) هو من قصيده له أنشدها لسكينة بنت الحسين مطلعها فالمشارب.
١١٧

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: أنه إخبار عن حالهم في الدنيا.
الثاني: أنه إخبار عن حالهم في الآخرة لنفتنهم فيه .
فإن قيل إن هذا وارد في أهل الكفر والضلال كان في تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: افتتان أنفسهم بزينة الدنيا.
الثاني : وقوع الفتنة والاختلاف بينهم بكثرة المال.
الثالث: وقوع العذاب بهم كما قال تعالى: ((يوم هم على النار يُفْتَنون))
[الذاريات : ١٣]أي يعذبون.
وإن قيل إنه وارد في أهل الهدى والطاعة فهو على ما قدمنا من الوجهين.
وهل هو اختبارهم في الدنيا ففي تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: لنختبرهم به، قاله ابن زيد.
الثاني : لنطهرهم من دنس الكفر.
الثالث: لنخرجهم به من الشدة والجدب إلى السعة والخصب.
فإن قيل إنه إخبار عمًا لهم في الآخرة ففي تأويله وجهان:
أحدهما: لنخلصهم وننجيهم، مأخوذ من فَتَن الذهب إذا خلّصه مِن غشه بالنار
كما قال تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَفَتَنّاكِ فُتوناً﴾ [طه: ٤٠] أي خلصناك من فرعون.
. الثاني: معناه لنصرفنهم عن النار، كما قال تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن
الذي أَوْحَيْنًا إليك لتَفْتري علينا غيره﴾ [الإسراء: ٧٣] أي ليصرفونك ﴿ومَنْ يُعْرِضْ عن
ذِكْرٍ ربِّه﴾ قال ابن زيد: يعني القرآن وفي إعراضه عنه وجهان:
أحدهما: عن القبول، إن قيل إنها من أهل الكفر.
الثاني: عن العمل، إن قيل إنها من المؤمنين.
﴿يَسْلُكْهُ عذاباً صَعَداً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جب في النار، قاله أبو سعيد.
الثاني: جبل في النار إذا وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت، وهو
مأثور (١٤٩)، وهذان الوجهان من عذاب أهل الضلال.
(١٤٩) وهو قول ابن عباس رواه الحاكم (٥٠٤/٢) وصححه ووافقه الذهبي وهناد وفي الزهد (١٨٤/٢) وزاد
السيوطي في الدر (٣٠٦/٨) نسبته لعبدبن حميد وابن المنذر وقال محقق الزهد لهناد: رجاله ثقات
١١٨

سورة الجن الآية - ١١ - ١٧
والوجه الثالث: أنه مشقة من العذاب يتصعد، قاله مجاهد.
وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿ وَأَنَُّمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ
يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (٨)قُلْ إِنََّا أَدْ عُوْرَبٍِ وَلَ أُشْرِكُ بِهِ: أَحَدًا [َْقُلْ إِنِّ لَا أَمْلِكُ
لَكُضَّا وَلَا رَشَدًا (﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا
إِلَّابَلَغَامِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّلَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَلِينَ
(٢٢)
٤َ حَتَّى إِذَا رَأَوْمَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ
٢٣
فِيهَا أَبَدًا
٢٤
عَدَدًا
﴿وأنَّ المساجدَ للَّهِ﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: يعني الصلوات للَّه، قاله ابن شجرة.
الثاني: أنها الأعضاء التي يسجد عليها للَّه، قاله الربيع.
الثالث: أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات، قاله ابن عباس.
الرابع: أنه كل موضع صلى فيه الإنسان، فإنه لأجل السجود فيه يسمى
مسجداً .
﴿فلا تَدْعُوا مع اللَّهِ أحَداً﴾ أي فلا تعبدوا معه غيره، وفي سببه ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما حكاه الأعمش أن الجن قالت: يا رسول اللَّه ائذن لنا نشهد معك
الصلاة في مسجدك، فنزلت هذه الآية.
الثاني: ما حكاه أبو جعفر محمد بن علّ أن الحمس (١٥٠) من مشركي أهل مكة
وهم كنانة وعامر وقريش كانوا يُلبّون حول البيت: لبيك اللهم لبيك، لبيّك لا شريك
وإسناده صحيح وقد ورد مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري رواه الترمذي (٣٣٢٦) وفي سنده ابن لهيعة
وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه مرفوعاً من حديث ابن لهيعة وقد روي شيء من هذا عن
عطية عن أبي سعيد قوله موقوف أ هـ قلت: والموقوف أيضاً ضعيف رواه هناد في الزهد (١٨٤/١) وابن
أبي الدنيا في صفة النار كما نقله محقق الزهد وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف وعلى هذا
فالحديث ضعيف مرفوعاً وموقوفاً وسيأتي الحديث المرفوع في سورة المدثر.
(١٥٠) وقد ثبت أن النبي و لو كان يمر بهم وهم يقولون هذه الكلمة ويقول: ((لو تركتم هذه)) يشير إلى الاستثناء في
قولهم إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» والمعنى أنهم لو تركوا هذا الاستثناء لصاروا موحدين الله تعالى.
١١٩

سورة الجن الآية - ١٨ - ٢٤
لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل اللَّه هذه الآية نهياً أن يجعل للَّه
شريكاً، وروى الضحاك عن ابن عباس (١٥): أن النبي ◌ّ كان إذا دخل المسجد قدّم
رجله اليمنى وقال: (((وأن المساجد للَّه فلا تدعوا مع الله أحدا)» اللهم أنا عبدك
وزائرك، وعلى كل مزور حق وأنت خير مزور فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من
النار)) وإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال: ((اللهم صُبَّ الخير صبّاً ولا
تنزع عني صالح ما أعطيتني أبداً ولا تجعل معيشتي كدّاً واجعل لي في الخير
جداً)) (١٥٢).
﴿وأنه لما قام عبدُ اللهِ يدعوه﴾ يعني محمداً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه قام إلى الصلاة يدعو ربه فيها، وقام أصحابه خلفه مؤتمين،
فعجبت الجن من طواعية أصحابه له، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه قام إلى اليهود داعياً لهم إلى اللَّه، رواه ابن جريج.
﴿کادوا يكونون عليه لبدأ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني أعواناً، قاله ابن عباس.
الثاني: جماعات بعضها فوق بعض، وهو معنى قول مجاهد، ومنه اللبد
لاجتماع الصوف بعضه على بعض، وقال ذو الرمة (١٥٣):
خُضْرٍ كواكبُه مِن عَرْمَصٍ لَبِدٍ.
ومنهلٍ آجنٍ قفرٍ مواردهُ
وفي کونھم علیه لبداً ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم المسلمون في اجتماعهم على رسول اللَّه ◌َ إ قاله ابن جبير.
الثاني: أنهم الجن حين استمعوا من رسول اللَّه قراءته، قاله الزبير بن العوام.
الثالث: أنهم الجن والإنس في تعاونهم على رسول اللَّه في الشرك، قاله
قتادة .
﴿قلْ إني لا أَمْلِكُ لكم ضَرّاً ولا رَشَداً﴾ يعني ضراً لمن آمن ولا رشداً لمن
کفر، وفيه ثلاثة أوجه :
(١٥١) لم أهتد إلى تخريجه والله أعلم.
(١٥٢) لاحظ أنه لم يذكر القول الثالث.
(١٥٣) ديوانه: ٢٠١.
١٢٠