النص المفهرس

صفحات 61-80

سورة القلم الآية - ١ - ٧
الثالث: أنهم الملائكة الكاتبون يكتبون أعمال الناس من خير وشر.
﴿ما أنت بنعمةٍ ربّك بمجنونٍ﴾كان المشركون يقولون للنبي وسر أنه مجنون به
شيطان، وهو قولهم: ((يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون)) [الحجر: ٦] فأنزل
اللَّه تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ أي برحمة ربك،
والنعمة ها هنا الرحمة.
ويحتمل ثانياً: أن النعمة ها هنا قسم، وتقديره: ما أنت ونعمة ربك بمجنون،
لأن الواو والباء من حروف القسم.
وتأوله الكلبي على غير ظاهره، فقال: معناه ما أنت بنعمة ربك بمخفق.
﴿وإنّ لك لأجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: غير محسوب، قاله مجاهد.
الثاني: أجراً بغير عمل (٧٥)، قاله الضحاك.
الثالث: غير ممنون عليك من الأذى، قاله الحسن.
الرابع: غير منقطع، ومنه قول الشاعر:
ألا تكون كإسماعيلَ إنّ له
رأياً أصيلاً وأجْراً غيرَ ممنون
ويحتمل خامساً: غير مقدّر وهو الفضل، لأن الجزاء مقدر، والفضل غير مقدر.
﴿وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أدب القرآن، قاله عطية .
الثاني: دين الإسلام، قاله ابن عباس وأبو مالك.
الثالث: على طبع كريم، وهو الظاهر.
وحقيقة الخلُق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب سمي خلقاً لأنه
يصير كالخلقة فيه، فأما ما طبع عليه من الآداب فهو الخيم (*) فيكون الخلق الطبع
المتكلف، والخيم هو الطبع الغريزي، وقد أوضح ذلك الأعشى (٧٦) في شعره فقال:
(٧٥) اي بغير عمل زائد على ما كلف به إذ لم يقل أحد أن الأنبياء يسقط عنهم التكليف وقد قال الله تعالى
لنبيه ◌َ * ((واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)) يعني الموت.
(*) وهي الطباع.
(٧٦) ديوانه: ١٢٥ وفيه وصارت بدلاً من وعادت. القرطبي (٢٢٨/١٨).
٦١

سورة القلم الآية - ٨ - ١٦
لى وعادت لِخيمها الأخلاقُ.
وإذا ذو الفضول ضنّ على المو
أي رجعت الأخلاق إلى طبائعها.
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُنْصِرُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل.
الثاني: قاله ابن عباس معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة .
﴿بأَيِّكم المفتونُ﴾ فیه أربعة أوجه:
أحدها: يعني المجنون، قاله الضحاك.
الثاني : الضال، قاله الحسن.
الثالث: الشيطان، قاله مجاهد.
الرابع: المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، ومنه قوله
تعالى: ﴿يوم هم على النار يُفْتنون﴾ [الذاريات: ١٣] أي يعذبون.
فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴿َّ وَدُوْ لَوْتُدْهِنٌ فَيْدٌ هِنُونَ ﴿ وَلَّاتُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ
◌َهَمَّاٍ مَّشَِّ ينَمِيمِ (٣) مَنَّاعِلِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيِمٍ ﴿ عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ
مَّهِينٍ
١٠
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِءَايَتُنَا قَالَ أَسَطِيرُ
١٤
زَنِيمِ ﴿ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
سَنَسِمُهُ عَلَى الْمُرْطُومِ
١٥
اُلْأَوَّلِينَ
﴿وَدُّوا لو تُدْهِنُ فَيذْهِنونَ﴾ فيه ستة تأويلات:
أحدها: معناه ودوا لو تكفر فيكفرون، قاله السدي والضحاك.
الثاني : ودوا لو تضعُف فيضعُفون، قاله أبو جعفر.
الثالث: لو تلين فيلينون، قاله الفراء.
الرابع: لو تكذب فيكذبون، قاله الربيع بن أنس.
الخامس : لو ترخص لهم فیرخصون لك، قاله ابن عباس.
السادس: أن تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، قاله قتادة.
وفي أصل المداهنة وجهان:
٦٢

سورة القلم الآية - ٨ - ١٦
أحدهما: مجاملة العدو وممايلته، قال الشاعر (٧٧):
تَنوبُك مِن مداهنةِ العدُوِّ.
لبَعْضُ الغَشْمِ أحزْم في أمورٍ
الثاني: أنها النفاق وترك المناصحة، قاله المفضل، فهي على هذا الوجه
مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة.
﴿ولا تُطِعْ كلَّ حَلَّافٍ مَهينٍ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه الكذاب، قاله ابن عباس.
الثاني : الضعيف القلب، قاله مجاهد.
الثالث: أنه المكثار من الشر، قاله قتادة.
الرابع: أنه الذليل بالباطل، قاله ابن شجرة.
ويحتمل خامساً: أنه الذي يهون عليه الحنث.
وفي من نزل ذلك فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق ، قاله السدي.
الثاني : الأسود بن عبد يغوث، قاله مجاهد.
الثالث: الوليد بن المغيرة، عرض على النبي ◌َلير مالاً وحلف أن يعطيه إن
رجع عن دينه، قاله مقاتل.
﴿هَمَّاٍ مَشّاءٍ پنمیمٍ﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الفتّان الطعان، قاله ابن عباس وقتادة.
الثاني : أنه الذي يلوي شدقيه من وراء الناس، قاله الحسن.
الثالث: أنه الذي يهمزهم بيده ويضربهم دون لسانه، قاله ابن زيد، والأول
أشبه لقول الشاعر(٧٨):
تُذْلي بِوُدٍّ إذا لاقيتني كذباً وإن أغيبُ فأنت الهامز اللُّمَزة.
﴿مشّاءٍ بنميم﴾ فیه وجهان :
أحدهما: الذي ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض، قاله قتادة.
(٧٧) القرطبي (٢٣١/١٨) وفيه احزم وقد تقدم البيت في سورة الواقعة ولم نره هنا فتنبه.
(٧٨) هو زياد الأعجم والبيت في القرطبي (١٨ /٢٣٢) واللسان لمز وفيه
وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة
إذا لقيتك عن سخط تكاشرني
٦٣

سورة القلم الآية - ٨ - ١٦
الثاني: هو الذي يسعى بالكذب، ومنه قول الشاعر(٧٩):
لمولاه إلا سعية بنميم.
ومَوْلى كبيْتِ النمل لا خير عنده
وفي النميم والنميمة وجهان:
أحدهما: أنهما لغتان، قاله الفراء.
الثاني : أن النميم جمع نميمة.
﴿منّاع للخيرِ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: للحقوق من ظلم.
الثاني: الإسلام یمنع الناس منه.
﴿عُثُلُّ بَعْد ذلك زنيمٍ﴾ يعني بعد كونه ((منّاعٍ للخيرِ))
معتدٍ أثیم، هو عتل زنیم، وفيه تسعة أوجه:
أحدها: أن العُثُلّ الفاحش، وهو مأثور عن النبي (٨٠) مَّ:
الثاني : أنه القوي في كفره، قاله عكرمة.
الثالث: أنه الوفير الجسم، قاله الحسن وأبو رزين.
الرابع: أنه الجافي الشديد الخصومة بالباطل، قاله الكلبي .
الخامس: أنه الشدید الأسر، قاله مجاهد.
السادس: أنه الباغي، قاله ابن عباس.
السابع: أنه الذي يعتل الناس، أي يجرهم إلى الحبس أو العذاب، مأخوذ من
العتل وهو الجر، ومنه قوله تعالى: ﴿خذوه فاعتِلوه﴾ [الحاقة: ٣٠].
الثامن: هو الفاحش اللئيم، قاله معمر، قال الشاعر(٨١):
بعتل من الرجال زنيم غير ذي نجدةٍ وغير كريم.
التاسع: ما رواه شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم (٨٢)، ورواه ابن
(٧٩) فتح القدير (٢٦٨/٥) والقرطبي (٢٣٢/١٨).
(٨٠) رواه الطبري (٢٤/٢٩) عن القاسم مولى معاوية قال سئل رسول الله وَليقل عن العتل الزنيم قال الفاحش
اللئيم وزاد في الدر (٢٤٨/٨) نسبته لابن أبي حاتم وقد ورد مثله عن موسى بن عقبة رواه الطبري
(٢٤/٢٩) وابن أبي حاتم ايضاً وهو معضل.
(٨١) القرطبي (٢٣٣/١٨).
(٨٢) نسبه السيوطي في الدر (٢٤٧/٨) لعبد بن حميد وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن.
٦٤

سورة القلم الآية - ٨ - ١٦
مسعود(٨٣) عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا يدخل الجنةَ جواظُ ولا جعظري ولا العتلّ
الزنيم)) فقال رجل: ما الجواط وما الجعظري وما العتل الزنيم؟ فقال رسول اللّه وَه
الجواظ الذي جمع ومنع، والجعظري الغليظ، والعتل الزنيم الشديد الخلق الرحيب
الجوف، المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام، الظلوم للناس.
وأما الزنيم ففيه ثماني تأويلات:
أحدها: أنه اللين(٨٤)، رواه موسى بن عقبة عن النبي رَّر.
الثاني : أنه الظلوم، قاله ابن عباس في رواية ابن طلحة عنه.
الثالث: أنه الفاحش، قاله إبراهيم.
الرابع: أنه الذي له زنمة كزنمة الشاة، قال الضحاك: لأن الوليد بن المغيرة
كان له أسفل من أذنه زنمة مثل زنمة الشاة، وفيه نزلت هذه الآية، قال محمد بن
إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق لأنه حليف ملحق(٨٥) ولذلك سمي زنيماً.
الخامس: أنه ولد الزنى، قاله عكرمة.
السادس: أنه الدعيّ، قال الشاعر(٨٦):
زنيمُ تَداعاه الرجالُ زيادةً كما زِيدَ فِي عَرْضِ الأديمِ الأكارِعُ.
السابع: أنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس ايضاً.
الثامن: أنه علامة الكفر كما قال تعالى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾، قاله أبو
رزین.
﴿أَنْ كان ذا مالٍ وبنينَ﴾ قيل إنه الوليد بن المغيرة، كانت له حديقة بالطائف،
وكان له اثنا عشر ابناً، حكاه الضحاك.
شهر بن حوشب. وشهر وثقه جماعة وضعفه آخرون. وعبد الرحمن بن غنم ليس له صحبة على
الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع (١٢٨/٧).
(٨٣) رواه أبو داود (٤٨٠١).
(٨٤) كذا هنا في الأصل وهو خطأ والصواب اللئيم والتصحيح من الدر (٢٤٨/٨) والطبري (٢٤/٢٩) وقد
تقدم تخريج الحديث وأنه معضل وهو من قسم الضعيف.
(٨٥) يعني انه ابن زنا فليس هو من بني زهرة لكنه ملحق بهم.
(٨٦) هو حسان بن ثابت والبيت في القرطبي (٢٣٤/١٨) وروح المعاني (٢٧/٢٩) وفتح القدير
(٢٦٩/٥).
٦٥

سورة القلم الآية - ١٧ - ٣٣
وقال عليّ بن أبي طالب: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث
الآخرة.
﴿إذا تَتْلى عليه آياتُنا﴾ يعني القرآن.
﴿قال أساطيرُ الأوّلين﴾ يعني أحاديث الأولين وأباطيلهم.
﴿سَتَسِمُهُ على الخُرطومِ﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أنها سمة سوداء تكون على أنفه يوم القيامة يتميز بها الكافر، كما قال
تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١].
الثاني : أنه يضرب في النار على أنفه يوم القيامة، قاله الكلبي .
الثالث: أنه إشهار ذکرہ بالقبائح، فیصیر موسوماً بالذکر لا بالأثر.
الرابع: هو ما يبتليه الله به في الدنيا في نفسه وماله وولده من سوء وذل وصِغار،
قاله ابن بحر واستشهد بقول الأعشى (٨٧).
فَدَعْها وما يَغْنيك واعمد لغيرها
بشعرك واغلب أنف من أنت واسم .
وقال المبرد: الخرطوم هو من الناس الأنف، ومن البهائم الشفة .
إِنَّابَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَ فَسَمُوْلَيَصْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَ (٨٦) وَلَا يَسْتَثْنُونَ إِلَ فَطَافَ
® أَنِ
فَثَنَادَوْأْمُصْبِحِينٌ
فَأَصْبَحَتْ كَالضَّرِيمِ
١٩
عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَابِمُونَ
أَنْلَّا يَدْخُلَنَّهَاَ اَلْيَوْمَ
لا
فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ
٢٢
أُغْدُ واْعَلَى حَرْئُكُمْ إِنْ كَنْنُ صَرِمِينَ
عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (﴿ وَغَدَوْ عَلَى حَرْدِقَدِرِينَ (٢٥] فَلَمَّا رَأَوْهَاقَالُوَاْ إِنَّا لَصَالُونَ (٦جَبَلْ نَحْنُ
قَالُواْسُبْحَنَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ
مَخْرُومُونَ (٦) قَالَ أَوْسَطْهُمْ أَقُل لَّكُمْلَوْلَا تُسَبِّحُونَ (@)
﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوْكَانُواْ
ج
قَالُواْيَوَئِلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَغِينَ
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ
٢٩
عَسَى رَبُّنَآ أَن
٣١
٣٢
يُبْدِ لَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبْنَا رَغِبُونَ
٣٣
يَعْلَمُونَ
﴿إِنا بَلَوناهم كما بَلَوْنا أَصْحابَ الجَنَّةِ﴾ فيهم قولان:
(٨٧) القرطبي (٢٣٧/١٨).
٦٦

سورة القلم الآية - ١٧ - ٣٣
أحدهما: إن الذين بلوناهم أهل مكة بلوناهم بالجوع كرتين، كما بلونا
أصحاب الجنة حتى عادت رماداً.
الثاني : أنهم قریش ببدر.
حكى ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر خذوهم أخذاً واربطوهم في الحبال،
ولا تقتلوا منهم أحداً، فضرب اللَّه بهم عند العدو مثلاً بأصحاب الجنة.
﴿إِذا أَقْسموا لَيَصْرِمُتْها مُصْبِحِينَ﴾ قيل إن هذه الجنة حديقة كانت باليمن بقرية
يقال لها ضَروان (٨٨)، بينها وبين صنعاء اليمن اثنا عشر ميلاً، وفيها قولان:
أحدهما: أنها كانت لقوم من الحبشة .
الثاني : قاله قتادة أنها كانت لشيخ من بني إسرائيل له بنون، فكان يمسك منها
قدر كفايته وكفاية أهله، ويتصدق بالباقي، فجعل بنوه يلومونه ويقولون: لئن ولينا
لنفعلن، وهو لا يطيعهم حتى مات فورثوها، فقالوا: نحن أحوج بكثرة عيالنا من
الفقراء والمساكين ((فأقسموا ليصرُمنّها مصبحين)) أي حلفوا أن يقطعوا ثمرها حين
يصبحون .
﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يستثنون من المساكين، قاله عكرمة.
الثاني : استثناؤهم قول سبحان ربنا، قاله أبو صالح.
الثالث: قول إن شاء الله.
﴿ فطاف عليها طائفٌ مِن ربِّك وهم نائمونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أمر من ربك، قاله ابن عباس.
الثامن: عذاب من ربك، قاله قتادة.
الثالث: أنه عنق من النار خرج من وادي جنتهم، قاله ابن جريج.
﴿وهم نائمون﴾ أي ليلاً وقت النوم، قال الفراء: الطائف لا يكون إلا ليلاً.
﴿فأصبحت كالصَريم﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: كالرماد الأسود، قاله ابن عباس.
(٨٨) وفي القرطبي (٢٣٩/١٨) انها ضوران على فراسخ من مدينة صنعاء ونسب القول للكلبي.
٦٧

سورة القلم الآية - ١٧ - ٣٣
الثاني: كالليل المظلم، قاله الفراء، قال الشاعر(٨٩):
تطاولَ ليلُكَ الجَوْنُ البهيمُ فما ينجاب عن صبحٍ، صَرِيمُ.
الثالث: کالمصروم الذي لم يبق فيه ثمر.
روى أسباط عن ابن مسعود(٩٠) أنه قال: قال رسول اللَّه وَلهى: ((إياكم
والمعاصي، إن العبد لیذنب فيحرم به رزقاً قد کانهییء له، ثم تلا: ﴿فطاف عليها
طائف من ربك
﴾ الآیتین قد حرموا خیر جنتهم بذنبهم.
﴿فتنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي دعا بعضهم بعضاً عند الصبح.
﴿أنِ اغْدُوا على حَرْثِكم﴾ قال مجاهد: كان الحرث عنباً.
﴿إن كنتم صارمين﴾ أي عازمين على صرم حرثكم في هذا اليوم.
﴿فَانْطَلَّقُوا وهم يتخافتونَ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: يتكلمون، قاله عكرمة.
الثاني : يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة.
الثالث: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم.
الرابع: لا يتشاورون بينهم .
﴿أن لا يدخُلَتْها الیومَ علیکم مِسکین﴾ قاله يحيى بن سلام.
﴿ وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرين﴾ فيه تسعة أوجه:
أحدها: على غيظ، قاله عكرمة.
الثاني : علی جَدٍّ، قاله مجاهد.
الثالث: على منع، قاله أبو عبيدة.
الرابع: على قصد، ومنه قول الشاعر(٩١):
أقْبَلَ سيلٌ جاء من عندِ اللّه يحْرِدُ حَرْدَ الْجَنّة المُغِلّة
(٨٩) اللسان صرم، الطبري (٣١/٢٩)، فتح القدير (٢٧١/٥)، القرطبي (٢٤١/١٨) وفي اللسان فما
ینجاب عن لیل بھیم.
(٩٠) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر (٢٥١/٨) وقد اقتصر المؤلف على جزء منه وسنده ضعيف
ففيه ليث بن ابي سليم. وهو ضعيف.
(٩١) فتح القدير (٢٧٢/٥) وفيه ((الجنة المحلة)) وهو تصحيف والقرطبي (٢٤٢/١٨) روح المعاني
(٣١/٢٩) مجاز القرآن (٢٦٦/٢) الكامل ٥٠ الطبري (٣٣/٢٩) شواهد الكشاف ٢٥٤ .
٦٨

سورة القلم الآية - ٣٤ - ٣٩
أي يقصد قصد الجنة المغلة.
الخامس: على فقر، قاله الحسن.
السادس: على حرص، قاله سفيان.
السابع: علی قدرة، قاله ابن عباس .
الثامن: على غضب، قاله السدي .
التاسع: أن القرية تسمى حرداً، قاله السدي.
وفي قوله: ((قادرين)) ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني قادرين على المساكين، قاله الشعبي.
الثاني : قادرين على جنتهم عند أنفسهم، قاله قتادة.
الثالث: أن موافاتهم إلى جنتهم في الوقت الذي قدروه، قاله ابن بحر.
ويحتمل رابعاً: أن القادر المطاع بالمال والأعوان، فإذا ذهب ماله تفرق أعوانه
فعُصيَ وعجز.
﴿فلما رأوْها قالوا إنا لَضالٌّون﴾ أي أنهم لما رأوا أرض الجنة لا ثمرة فيها ولا
شجر قالوا إنا ضالون الطريق وأخطأنا مكان جنتنا، ثم استرجعوا فقالوا :
﴿بل نحن محرومون﴾ أي حُرمنا خير جنتنا، قال قتادة: معناه جوزينا فحُرمنا.
قال أَوْسطُهم﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها : يعني أعدلهم، قاله ابن عباس.
الثاني : خيرهم، قاله قتادة.
الثالث: أعقلهم، قاله ابن بحر.
﴿أَلَمْ أَقُل لكم لولا تُسَبِّحونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لولا تستثنون عند قولهم ((ليصرمنها مصبحین)»، قاله ابن جريج.
الثاني: أن التسبيح هو الاستثناء، لأن المراد بالاستثناء ذكر اللَّه، وهو موجود
من التسبيح .
الثالث: أن تذكروا نعمة الله عليكم فتؤدوا حقه من أموالكم.
مَا لَكُمْكَيْفَ
٣٥
إِنَّ لِلْمُنَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ (٤٩) أَفَتَجْعَلُ المُسْلِينَ كَأْمُجْرِمِينَ ◌َ
تَّحْكُمُونَ (٣٦َ أَمْ لَكُمْ كِتَبُّ فِيهِ نَدْرُسُونَ (٦َ إِنَّلَكُمْ فِيهِلَ تَخَّرُونَ ﴿١٦) أَمْ لَكُمْأَيْمَنَّ
٦٩
٠

سورة القلم الآية - ٣٩ - ٤٧
◌َسَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيْمٌ ﴿ أَمْلَهُمْ
٣٩
عَيْنَ بِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ إِنَّلَكُمْلَا تَحْكُمُونَ (
شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُواْبِشُرَكْبِهِمْإِن كَانُوْصَدِقِينَ
٤١
﴿أم لكم آيْمانٌ علينا بالغةٌ﴾ والبالغة المؤكدة بالله.
﴿إنّ لکم لما تحگُمون﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أم لكم أيمان علينا بالغة أننا لا نعذبكم في الدنيا إلى يوم
القيامة (٩٢).
﴿سلھم أُهم بذلك زعيمٌ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أن الزعيم الکفیل، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه الرسول، قاله الحسن.
ويحتمل ثالثاً: أنه القيم بالأمر لتقدمه ورئاسته.
روو / سوُوُد
يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٨] خَشِعَةَ أَبْصَرُهُمْ تَرْهَفَهُمْ
صِل
◌ِلٌَّ وُقَدْ كَانُوْيُدْ عَوْنَ إِلَى السُّجُودِوَهُ سَلِمُونَ ﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ
ج
سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(
أَمْ تَسْئَلُهُمْ
وَأَمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ
٤٤
أَجْرَافَهُم مِّن مَّغْرَ مٍ مُّثْقَلُونَ (١٦) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
٤٧
﴿یوم یُکشفُ عن ساقٍ﴾ فیہ أربعة أوجه:
أحدها: عن ساق الآخرة، قاله الحسن.
الثاني: الساق الغطاء، قاله الربيع بن أنس، ومنه قول الراجز(٩٣):
حمراءَ تبري اللحم عن عراقها
فِي سَنَةٍ قد كشفتْ عن ساقها
الثالث: أنه الكرب والشدة، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر (٩٤):
كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصُّراح
(٩٢) لاحظ انه لم يذكر القول الثاني .
(٩٣) القرطبي (١٨ /٢٤٨) فتح القدير (٢٧٥/٥) روح المعاني (٣٤/٢٩).
(٩٤) هو جد طرفة واسمه سعد بن مالك بن ضيعة والبيت في القرطبي (١٨ /٢٤٨) واللسان سوق.
٧٠

سورة القلم الآية - ٣٩ - ٤٧
الرابع: هو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا، قال الضحاك: لأنه أول الشدائد، كما
قال الراجز (٩٥):
قد كشفت عن ساقھا فشُدُّوا
وجدّت الحربُ بكم فجدوا.
فأما ما روي أن الله تعالى يكشف(٩٦) عن ساقه فإن الله تعالى منزه عن
التبعيض والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى، ومعناه أنه يكشف عن العظيم من أمره،
وقیل یکشف عن نوره.
وفي هذا اليوم ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنه يوم الكبر والهرم والعجز عن العمل.
الثاني : أنه يوم حضور المنية والمعاينة.
(٩٥) فتح القدير (٢٧٥/٥) والقرطبي (٢٤٨/١٨).
(٩٦) وهو حديث صحيح لا يصح تصديره بصيغة التمريض التي تشعر بضعفه فقد رواه البخاري (٣٥٩/١٣)
ومسلم (١٦٨/١) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ورواه البخاري مختصراً ولفظه ((يكشف ربنا
عن ساقه)) الحديث هكذا بالاضافة ثم اعلم أيها القارىء الكريم إن هذه الآية من الآيات المتشابهة التي
يجب على كل مسلم أن يؤمن بها كما نزلت من غير تعطيل ولا تجسيم وكما قال تعالى عن نفسه ﴿ولم
يكن له كفواً أحد﴾ وقال ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وكان السلف يمرونها كما نزلت
فالمجسمة يتركونها على ظاهرها من غير تفويض وتسليم وتنزيه لا بل يعتقدون الجارحة لله تعالى والعياذ
بالله تعالى. ولقد صدق الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية بقوله ((ومن وصف الله
بمعنى من معاني البشر فقد كفر)» وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ((لا تصح العبادة إلا بعد معرفة
المعبود» أي معرفة صفاته الواردة في الكتاب والسنة. فكيف تصح عبادة مجسم ينسب الجارحة الله
تعالى ولا يفوض النصوص القرآنية إلى الله تعالى مع الإيمان التام بالتنزيه وما أحسن ما روي عن الإمام
أحمد بن جنبل والإمام الزاهد ذي النون المصري رحمهما الله تعالى أنهما قالا «مهما تصورت ببالك
فالله بخلاف ذلك)) لأن التصور ينشأ عن الصور والخيالات والله سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة كل
المخلوقات ولقد ثبت أن اليهود قالوا لرسول الله وس لتر صف لنا ربك يا محمد فأنزل الله عليه سورة الإخلاص.
وأما تأويل الكشف عن الساق بالكشف عن نوره فقد ورد ذلك في حديث مرفوع رواه أبو يعلى وابن
المنذر وابن مردويه وابن عساكر وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٣٤٨ ولكن سنده
ضعيف ففي سنده روح بن جناح. وقال البيهقي بعد اخراجه ص ٣٤٨ تفرد به روح بن جناح وهو شامي
يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها والله أعلم.
قلت وقد رواه روح عن مولى عمر بن عبد العزيز وقال ابن حبان فيه إن ((روح)) منكر الحديث جداً
يروي عن الثقات ما اذا سمعه الانسان شهد له بالوضع والمولى الذي يروي عنه مجهول.
قلت ولهذا قال البيهقي: ((وموالي عمر بن عبد العزيز فهم كثر)). يعني اشارة الى أنه لم يدر حال هذا
المولى فهو مجهول. والله أعلم.
٧١

سورة القلم الآية - ٤٨ - ٥٢
الثالث: أنه يوم القيامة .
﴿وَيُدْعَوْن إلى السجودِ فلا يستطيعون﴾ فمن قال في هذا اليوم إنه يوم القيامة
جعل الأمر بهذا السجود على وجه التكليف.
ومن جعله في الدنيا فلهم في الأمر بهذا السجود قولان:
أحدهما: أنه تكليف.
الثاني: تندم وتوبيخ للعجز عنه، وكان ابن بحر يذهب إلى أن هذا الدعاء إلى
السجود إنما كان في وقت الاستطاعة، فلم يستطيعوا بعد العجز أن يستدركوا ما
ترکوا.
﴿فَذَرْنِي ومَن يُكذّبُ بهذا الحديث﴾
قال السدي: يعني القرآن.
ويحتمل آخر أي بيوم القيامة .
﴿سنستدرجھم مِن حیثُ لا يعلمون﴾ فیه خمسة أُوجه:
أحدها: سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون، قاله السدي .
الثاني : نتبع النعمة السيئة وننسيهم التوبة، قاله الحسن.
الثالث: نأخذهم من حیث درجوا ودبوا، قاله ابن بحر.
الرابع: هو تدريجهم إلى العذاب بإدنائهم منه قليلاً بعد قليل حتى يلاقيهم من
حيث لا يعلمون، لأنهم لو علموا وقت أخذهم بالعذاب ما ارتكبوا المعاصي وأيقنوا
بآمالهم .
الخامس: ما رواه إبراهيم بن حماد، قال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان
إلیه، وکم من مغبون بالثناء عليه، وکم من مغرور بالستر عليه.
والاستدراج: النقل من حال إلى حال كالتدرج، ومنه قيل درجة وهي منزلة بعد
منزلة .
فَأَصْبِرْ ◌ِحِكْمِرَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوْمٌ (٨) لَوَّلَا أَنْ تَدَارَكَهُ
٨٠) فَاجْتَبَهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَِّحِينَ هَا وَ إِن
نِعْمَةٌ مِّنَبِّهِ، لَئِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ !
يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوْلَيْرٌ لِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِ لَمَّا سَمِعُوْ الذِّكْرَوَيَقُولُونَ إِنََُّجْنُونٌ [١] وَمَا هُوَإِلَّا
ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ (
٥٢
٧٢

سورة القلم الآية - ٤٨ - ٥٢
﴿فاضپرْ لحکمٍ ربّك﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لقضاء ربك.
الثاني : لنصر ربك، قاله ابن بحر.
﴿ولا تكُن كصاحِبِ الحُوتِ﴾ قال قتادة: إن اللَّه تعالى يعزي نبيّه ويأمره
بالصبر، وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت وهو يونس بن متى .
﴿إذ نادى وهو مكظوم﴾ أما نداؤه فقوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
الظالمين.
وفي مكظوم أربعة أوجه:
أحدها: مغموم، قاله ابن عباس ومجاهد.
الثاني: مكروب، قاله عطاء وأبو مالك، والفرق بينهما أن الغم في القلب،
والكرب في الأنفاس.
الثالث: محبوس، والكظم الحبس، ومنه قولهم: فلان كظم غيظه أي حبس
غضبه، قاله ابن بحر.
الرابع: أنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المبرد.
﴿لولا أن تَدارَکه نِعْمةٌ مِن ربِّه﴾ فیه أربعة أوجه :
أحدها: النبوة، قاله الضحاك.
الثاني : عبادته التي سلفت، قاله ابن جبير.
الثالث: نداؤه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قاله ابن زید.
الرابع: أن نعمة الله عليه إخراجه من بطن الحوت، قاله ابن بحر.
﴿لتُهِذَ بالعراء﴾ فیه وجهان:
أحدهما: لألقي بالأرض الفضاء، قاله السدي، قال قتادة: بأرض اليمن.
الثاني : أنه عراء يوم القيامة وأرض المحشر، قاله ابن جرير(٩٧).
﴿وهو مذموم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: بمعنى مليم.
(٩٧) جامع البيان (٤٥٥/٢٩) ولكن الذي فيه ((وهو الفضاء من الأرض)) اهـ. ولم يعين الطبري العراء كما
نقله الماوردي هنا ولعله قال ذلك عين قول الطبري .
٧٣

سورة القلم الآية - ٤٨ - ٥٢
الثاني: مذنب، قاله بكر بن عبد الله، ومعناه أن ندعه مذموماً.
﴿وإن يكادُ الذين كَفَرُوا لِيُزْلِقونك بأبصارهم﴾ الآية. فيه ستة أوجه:
أحدها: معناه ليصرعونك، قاله الكلبي .
الثاني: ليرمقونك، قاله قتادة.
الثالث: ليزهقونك، قاله ابن عباس، وكان يقرؤها كذلك.
الرابع: لينفذونك، قاله مجاهد.
الخامس: ليمسونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك، قاله السدي.
السادس: ليعتانونك (٩٨)، أي لينظرونك بأعينهم، قاله الفراء.
وحكي أنهم قالوا: ما رأينا مثل حجمه ونظروا إليه ليعينوه، أي ليصيبوه بالعين،
وقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً بعين في نفسه أو ماله تجوّع ثلاثاً ثم
يتعرض لنفسه أو ماله فيقول: تاللَّه مارأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر مالاً منه ولا
أحسن، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله هذه الآية.
﴿لما سمعوا الذكر﴾ فيه وجهان:
أحدهما: محمد.
الثاني : القرآن.
﴿وما هو إلا ذِكْرٌ للعالمين﴾ فیه وجهان:
أحدهما: شرف للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ [الزخرف: ٤٤].
الثاني : يذكرهم وعد الجنة ووعيد النار.
وفي العالمين وجهان :
أحدهما: الجن والإنس، قاله ابن عباس.
الثاني : كل أمة من أمم الخلق ممن يُعرف ولا يُعرف.
(٩٨) قال الحافظ ابن كثير (٤٠٩/٤) وفي هذه الآية دليل على أن العين لاصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز
وجل كما وردت بذلك الاحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة .. وقد روى مسلم في صحيحه
(١٧١٩/٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّر قال العين حق ولو كان شيء سابق القدر
سبقته العین واذا استغسلتم فاغتسلوا)) اهـ.
قلت وقد أورد الحافظ رحمه الله طائفة كثيرة من الأحاديث التي تثبت تأثير العين والحسد فراجعها في
التفسير (٤٠٩/٤ - ٤١١).
٧٤

سورة الحاقة الآية - ١ - ١٢
4
كريبهـ
٦٩
شُورَة الحَّقَةْ
آياتها الزهري
or
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَحِية
الْحَقَّةُ ﴿ مَا الْحَاقَّةُ ﴿ وَمَآ أَذْرَنِكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادُ بِالْقَارِعَةِ
٤
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِحِكُوْ بِالطَّاعِيَةِ ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصٍَ عَائِيَةٍ
◌َسَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَلَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ خُسُومًاً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ
فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقَِةٍ.
٧
كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ !
إِفَعَصَوْرَسُولَ رَبِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّبِيَةً ﴿ إِنَّا لَمَّا طَفَا
٩
وَاُلْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ
الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْفِي الْجَارِيَةِ [٨َالِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ
١٢)
قوله تعالى: ﴿الحاقّةُ ما الحاقةُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه ما حقّ من الوعد والوعيد بحلوله، وهو معنى قول ابن بحر.
الثاني : أنه القيامة التي يستحق فيها الوعد والوعيد، قاله الجمهور وفي تسميتها
بالحاقة ثلاثة أقاويل :
أحدها: ما ذكرنا من استحقاق الوعد والوعيد بالجزاء على الطاعات
والمعاصي، وهو معنى قول قتادة ويحيى بن سلام.
الثاني: لأن فيها حقائق الأمور، قاله الكلبي .
الثالث: لأن حقاً على المؤمن أن يخافها.
٧٥

سورة الحاقة الآية - ١ - ١٢
وقوله ((ما الحاقة)) تفخيماً لأمرها وتعظيماً لشأنها .
﴿وما أدْراكَ ما الحاقّة﴾ قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن فيه
((وما أدراك)) فقد أدراه إياه وعلّمه إياه، وكل شيء قال فيه ((وما يدريك)) فهو ما لم
يعلمه إياه .
وفيه وجهان :
أحدهما: وما أدراك ما هذا الاسم، لأنه لم يكن في كلامه ولا كلام قومه، قاله
الأصم .
الثاني : وما أدراك ما يكون في الحاقة .
﴿كَذّبَتْ ثمودُ وعادٌ بالقارعةِ﴾ أما ثمود فقوم صالح كانت منازلهم في الحجر
فيما بين الشام والحجاز، قاله محمد بن إسحاق: وهو وادي القرى، وكانوا عرباً.
وأما عاد فقوم هود، وكانت منازلهم بالأحقاف، والأحقاف الرمل بين عُمان إلى
حضرموت والیمن کله، وکانوا عرباً ذوي خلق وبَسطة، ذكره محمد بن إسحاق.
وأما((القارعة)) ففيها قولان:
أحدهما: أنها قرعت بصوت كالصيحة، وبضرب كالعذاب، ويجوز أن يكون
في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة.
الثاني : أن القارعة هي القيامة کالحاقة، وهما اسمان لما كذبت بها ثمود وعاد.
وفي تسميتها بالقارعة قولان:
أحدهما: لأنها تقرع بهولها وشدائدها.
الثاني: أنها مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين، قاله المبرد.
﴿فأمّا ثمودُ فأهلِکوا بالطاغية﴾ فيها خمسة أقاويل:
أحدها: بالصيحة، قاله قتادة.
الثاني : بالصاعقة، قاله الكلبي .
الثالث: بالذنوب، قاله مجاهد.
الرابع: بطغيانهم، قاله الحسن.
الخامس: أن الطاغية عاقر الناقة، قاله ابن زيد.
﴿وأمّا عادٌ فأهْلِكوا بريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ﴾ روى مجاهد عن ابن عباس قال (٩٩).
(٩٩) تقدم تخريجه في سورة الذاريات والاحقاف.
٧٦

سورة الحاقة الآية - ١ - ١٢
قال رسول اللَّه ◌َله: ((نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهْلِكتْ عاد بالدَّبور)).
فأما صرصر ففيها قولان:
أحدهما: أنها الريح الباردة، قاله الضحاك والحسن، مأخوذ من الصر وهو
البرد.
الثاني : أنها الشديدة الصوت، قاله مجاهد.
وأما العاتية ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: القاهرة، قاله ابن زید.
الثاني : المجاوزة لحدها.
الثالث: التي لا تبقى ولا ترقب.
وفي تسميتها عاتية وجهان :
أحدهما: لأنهاعتت على القوم بلا رحمة ولا رأفة، قاله ابن عباس.
الثاني : لأنها عتت على خزانها بإذن الله.
﴿وَسَخْرِها عليهم سَبْعَ ليالٍ وثمانيةً أيام حُسوماً﴾ اختلف في أولها على ثلاثة
أقاویل :
أحدها: أنّ أولها غداة يوم الأحد، قاله السدي .
الثاني : غداة يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام.
الثالث: غداة يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس.
وفي قوله ﴿حُسُوماً﴾ أربعة تأويلات:
أحدها : متتابعات (١٠٠)، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والفراء، ومنه قول
أمية بن أبي الصلت:
وكم يحيى بها من فرط عام وهذا الدهر مقتبل حسوم.
الثاني : مشائيم، قاله عكرمة والربيع .
الثالث: أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوفتها، لأنها بدأت طلوع الشمس
من أول يوم، وانقطعت مع غروب الشمس من آخر يوم، قاله الضحاك.
(١٠٠) ورجحه الطبري (٥٢/٢٩) وابن كثير (٤١٢/٤) والآلوسي (٤١/٢٩) والشوكاني (٢٨٠/٥) والقرطبي
(٢٥٩/١٨) الزمخشري (١٣٣/٤).
٧٧

سورة الحاقة الآية - ١ - ١٢
الرابع: لأنها حسمتهم ولم تبق منهم أحداً، قاله ابن زيد، وفي ذلك يقول
الشاعر:
ومن مؤمن قوم هود فأرسل ريحاً دَبوراً عقيماً
توالتْ عليهم فكانت حُسوماً.
﴿فتری القوم فيها صرعی کأنّهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: البالية، قاله أبو الطفيل.
الثاني : الخالية الأجواف، قاله ابن كامل.
الثالث: ساقطة الأبدان، خاوية الأصول، قاله السدي.
وفي تشبيههم بالنخل الخاوية ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية، قاله يحيى بن
سلام.
الثاني : أن الريح كانت تدخل في أجوافهم من الخيشوم، وتخرج من أدبارهم،
فصاروا كالنخل الخاوية، حكاه ابن شجرة.
الثالث: لأن الريح قطعت رؤوسهم عن أجسادهم، فصاروا بقطعها كالنخل
الخاوية .
﴿وجاءَ فرعونُ ومَن قَبْلَهُ﴾ فیه وجهان :
أحدهما: ومن معه من قومه وهو تأويل من قرأ ((ومن قِيلَهُ)) بكسر القاف (١٠١)
وفتح الباء.
والثاني: ومن تقدمه، وهو تأويل من قرأ ((ومن قَبْلَهُ)) بفتح القاف وتسكين الباء.
﴿والمؤتفكاتُ بالخاطئة﴾ في المؤتفكات قولان:
أحدهما: أنها المقلوبات بالخسف.
الثاني : أنها الأفكات وهي الاسم من الآفكة، أي الكاذبة .
والخاطئة: هي ذات الذنوب والخطايا، وفيهم قولان:
أحدهما: أنهم قوم لوط.
الثاني: قارون وقومه، لأن اللَّه خسف بهم.
(١٠١) وهي قراءة أبي عمرو ويعقوب والكسائي وأبان زاد المسير (٣٤٧/٨) والسبعة لابن مجاهد ٦٤٨ .
٧٨

سورة الحاقة الآية - ١ - ١٢
﴿فعصوْا رسولَ ربِّھم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: فعصوا رسول اللَّه إليهم بالتكذيب.
الثاني: فعصوا رسالة اللّه إليهم بالمخالفة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، قال
الشاعر (١٠٢):
لقد كذَبَ الواشون ما بُحْت عندهم بسرِّ ولا أرسلتهم برسول.
﴿فَأَخَذَهُمْ أَخذةً رابيةً﴾ فيه خمسة أوجه.
أحدها: شديدة، قاله مجاهد.
الثاني : مُهلكة، قاله السدي .
الثالث: تربوبهم في عذاب اللَّه أبداً، قاله أبو عمران الجوني.
الرابع: مرتفعة، قاله الضحاك.
الخامس: رابیة للشر، قاله ابن زید.
﴿إنا لما طَغَى الماءُ حَمَلْناكم في الجاريةِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ظَهَر، رواه ابن أبي نجيح .
الثاني: زادَ وكثر، قاله عطاء.
الثالث: أنه طغى على خزانه من الملائكة، غضباً لربه فلم يقدروا على حبسه،
قاله عليّ رضي الله عنه.
قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ما أرسل من ريح قط إلا بمكيال.
وما أنزل اللَّه من قطرة قط إلا بمثقال، إلا يوم نوح وعاد، فإن الماء يوم نوح
طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ((إنا لما طغى الماء)) الآية.
وإن الريح طغت على خزانها يوم عاد فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ. ((بريح
صرصر عاتية سخَرها عليهم)) الآية .
وحملناكم في الجارية﴾ يعني سفينة نوح، سميت بذلك لأنها جارية على
الماء .
وفي قوله حملناکم وجهان :
(١٠٢) هو كثير عزة والبيت في فتح القدير (٢٨١/٥) والقرطبي (٣٩٢/١٨).
٧٩

سورة الحاقة الآية - ١٣ - ١٨
أحدهما: حملنا آباءكم الذين أنتم من ذريتهم.
الثاني: أنهم في ظهور آبائهم المحمولين، فصاروا معهم، وقد قال العباس بن
عبد المطلب ما يدل على هذا الوجه وهو قوله في مدح النبي وَالير (١٠٣):
مُستودع حيث يُخْصَفُ الورقُ.
من قبلها طِبتَ في الظلال وفي
ثم هبطتَ البلادَ لا بشرٌ
أنت ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ.
أَلجَمَ نَسراً وأهلَه الغرقُ.
بل نطفةٌ تركب السَّفيِنَ وقد
﴿لنجْعلَهَا لكم تذكِرةً﴾ يعني سفينة نوح جعلها الله لكم تذكرة وعظة لهذه الأمة
حتى أدركها أوائلهم في قول قتادة، وقال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي.
﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيةٌ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: سامعة، قاله ابن عباس.
الثاني : مؤمنة، قاله ابن جريج .
الثالث: حافظة، وهذا قول ابن عباس أيضاً.
قال الزجاج: يقال وعيت لما حفظته في نفسك، وأوعيت لما حفظته في غيرك.
وروى مكحول أن النبي (١٠٤) وَ ل﴿ قال عند نزول هذه الآية: ((سألت ربي أن
يجعلها أُذُنَ عليٍّ، قال مكحول: فكان عليٍّ رضي الله عنه يقول: ما سمعت من
رسول اللَّه شيئاً قط نسيته إلا وحفظته.
الرابع: [أن الأذن الواعية] أُذن عقلت عن اللَّه وانتفعت بما سمعت من كتاب
اللَّه، قاله قتادة.
فَإِذَانُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ وَجُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَلَّةً وَحِدَةً
١٤
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَيِدٍ وَاهِيَةٌ (٦)وَالْمَلَكُ عَلَى
أَرْجَاءٍ هَاأَ وَيَحْلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَةٌ ﴿ يَوْمَيِدٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُ
خَافِيَةٌ
١٨
(١٠٣) أمالي الزجاجي (٢ / ٣٤٠) وتأويل مختلف الحديث ٦٥ واللسان خصف واقتصر على رواية البيت
الأول.
(١٠٤) رواه الطبري (٥٥/٢٩) وهو مرسل وكذا رواه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤١٣/٤)
وسعيد بن منصور كما في تخريج الكشاف ص ١٧٧ .
٨٠