النص المفهرس

صفحات 521-531

سورة الممتحنة الآية - ١٠، ١١
فعقد الهدنة بينه وبينهم على هذا إلى أن جاءت منهم امرأة مسلمة وجاؤوا في طلبها.
واختلف فيها على أربعة أقاويل:
أحدها: أنها أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة، ففرت منه وهو
یومئذ کافر، فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله، قاله یزید بن أبي حبيب.
الثاني: أنها سعيدة زوج صيفي بن الراهب مشرك من أهل مكة، قاله مقاتل.
الثالث: أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهذا قول كثير من أهل العلم.
الرابع: أنها سبيعة بنت الحارث الأسلمية جاءت مسلمة بعد فراغ النبي ◌َّر من
كتاب الهدنة في الحديبية، فجاء زوجها واسمه مسافر وهو من قومها في طلبها، فقال
يا محمد شرطت لنا رد النساء، وطين الكتاب لم يجف، وهذه امرأتي فارددها عليّ،
حكاه الكلبي .
فلما طلب المشركون رد من أسلم من النساء منع الله من ردهن بعد امتحان
إيمانهن بقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ واختلف
أهل العلم هل دخل النساء في عقد الهدنة لفظاً أو عموماً:
فقالت طائفة منهم قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظاً صريحاً، فنسخ
الله ردهن من العقد ومنع منه، وأبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أن
للنبي ﴾ أن يجتهد برأيه في الأحكام ولكن لا يقره الله تعالى على خطأ.
وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظاً وإنما أطلق العقد
في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله خروجهن
عن العموم، وفرق بينهن وبین الرجال لأمرين:
أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم.
الثاني: أنهن أرأف قلوباً وأسرع تقلباً منهم.
فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم، وقد كان من أرادت منهن إضرار
زوجها قالت سأهاجر إلى محمد فلذلك أمر رسول الله وَل# بامتحانهن.
واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقاويل :
أحدها: ما رواه ابن عباس أنه(٥٧٤) كان يمتحنها بأن تحلف بالله أنها ما خرجت
(٥٧٤) رواه الطبري (٢٨ /٦٧) وفي سنده قيس بن الربيع قال الحافظ صدوق تغير لما كبر أدخل عليه ابنه ما
٥٢١

سورة الممتحنة الآية - ١٠، ١١
من بغض زوجها ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا التماس دنيا ولا عشقاً لرجل منا،
وما خرجت إلا حباً لله ولرسوله.
والثاني: بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قاله عطية
العوفي (٥٧٥) .
الثالث: بما بينه الله في السورة من قوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا جاءك
المؤمنات﴾ فهذا معنى قوله: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ يعني بما في قلوبهن
بعد امتحانهن.
﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم
يحلون لهن﴾ يعني أن المؤمنات محرمات على المشركين من عبدة الأوثان،
والمرتدات محرمات على المسلمين.
ثم قال تعالى: ﴿وءاتوهم ما أنفقوا﴾ يعني بما أنفقوا مهور من أسلم منهن إذا
سأل ذلك أزواجهن، وفي دفع ذلك إلى أهلهن من غير أزواجهن قولان (٥٧٦):
ثم قال تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾ يعني المؤمنات اللاتي
أسلمن غير أزواج مشرکین، أباح الله نكاحهن للمسلمين إذا انقضت عدتهن أو كن غير
مدخول بهن .
﴿إذا ءاتيتموهن أجورهن﴾ يعني مهورهن.
﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن العصمة الجمال قاله ابن قتيبة .
الثاني : العقد، قاله الكلبي .
فإذا أسلم الكافر عن وثنية لم يمسك بعصمتها ولم يقم نكاحها رغبة فيها أو في
قومها، فإن الله قد حرم نكاحها عليه والمقام عليها ما لم تسلم في عدتها .
فروى موسى بن طلحة بن عبيد الله(٥٧٧) عن أبيه أنه قال: لما نزلت هذه الآية
ليس من حديثه فحدث به وفي الحديث علة أخرى وهي الانقطاع بين أبي نصر الأسدي وابن عباس فإن
البخاري قال لم یعرف سماعه من ابن عباس.
(٥٧٥) وهو قول ثان عن ابن عباس وقد رواه الطبري (٦٨/٢٨) وإسناده مسلسل بالضعفاء.
(٥٧٦) أي قول بالدفع وآخر بعدم الدفع .
(٥٧٧) رواه الطبري (٧٢/٢٨) عن الزهري.
٥٢٢

سورة الممتحنة الآية - ١٢
طلقت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وطلق عمر بن الخطاب قريبة
بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان في الشرك،
وطلق أم كلثوم بنت أبي جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها بعده خالد بن
سعيد بن العاص في الإسلام.
﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ يعني أن للمسلم إذا ارتدت زوجته إلى
المشركين من ذوي العهد المذكور أن يرجع عليه بمهر زوجته كما ذكرنا وأن للمشرك
أن يرجع بمهر زوجته إذا أسلمت فإن لم يكن بينناوبينهم عهد شرط فيه الرد فلا يرجع.
ولا يجوز لمن بعد رسول الله وَلقر من الأئمة أن يشرط في عقد الهدنة رد من أسلم لأن
الرسول كان على وعد من الله بفتح بلادهم ودخولهم في الإسلام طوعاً وكرهاً فجاز له
ما لم يجز لغيره.
﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار) الآية. والمعنى أن من فاتته
زوجته بارتدادها إلى أهل العهد المذكور ولم يصل إلى مهرها منهم ثم غنمهم
المسلمون ردوا علیه مهرها.
وفي المال الذي يرد منه هذا المهر ثلاثة أقاويل :
أحدها: من أموال غنائمهم لاستحقاقها علیهم، قاله ابن عباس.
الثاني : من مال الفيء، قاله الزهري .
الثالث: من صداق من أسلمن منهن عن زوج كافر، وهو مروي عن الزهري
أيضاً.
وفي قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾ ثلاثة تأويلات.
أحدها: معناه غنمتم لأخذه من معاقبة الغزو، قاله مجاهد والضحاك.
الثاني : معناه فأصبتم من عاقبة من قتل أوسبي، قاله سفيان.
الثالث: عاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين، قاله ابن
بحر.
وهذا منسوخ لنسخ الشرط الذي شرطه رسول الله ومث لهم بالحديبية، وقال
عطاء بل حكمها ثابت.
يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ كَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لََّ يُشْرِكْن ◌ِلَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ
٥٢٣

سورة الممتحنة الآية - ١٢
وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدٍ مِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ
وَلَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعُهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦)
﴿يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً﴾ وذلك
أن النبي ◌َل# لما دخل مكة عام الفتح وبايعه الرجال جاءت النساء بعدهم للبيعة
فبايعهن .
واختلف في بيعته لهن على ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنه جلس على الصفا[ ومعه عمر أسفل منه] فأمره أن يبايع النساء، قاله
مقاتل .
الثاني : أنه أمر أميمة أخت خديجة خالة فاطمة بنت رسول الله بعد أن بایعته،
أن تبايع النساء عنه، قاله محمد بن المنكدر عن أميمة .
الثالث: أنه بايعهن بنفسه وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه، قاله عامر
الشعبي .
وقيل بل وضع قعباً (٥٧٨) فيه ماء وغمس فيه يده وأمرهن فغمسن أيديهن، فكانت
هذه بيعة النساء.
فإن قيل: فما معنى بيعتهن ولسن من أهل الجهاد فتؤخذ عليهن البيعة
کالرجال؟
قيل: كانت بيعته لهن تعريفاً لهن بما عليهن من حقوق الله تعالى وحقوق
أزواجهن لأنهن دخلن في الشرع ولم يعرفن حكمه فبينه لهن، وكان أول ما أخذه
عليهن أن لا يشركن بالله شيئاً توحيداً له ومنعاً لعبادة غيره.
﴿ولا يسرقن﴾ فروى أن هند بنت عتبة (٥٧٩) كانت متنكرة عند أخذ البيعة على
(٥٧٨) ومن المعلوم أن البيعة كانت بالكلام دون المصافحة باليد كما روى البخاري (٤٤٩/٨) من حديث أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي وَ ◌ّر يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية يقول
الله تعالى يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ... إلى قوله غفور رحيم قال عروة قالت عائشة فمن
أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله وسلم قد بايعتك كلاماً والله ما مست يده يد امرأة قط في
المبايعة ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك.
(٥٧٩) رواه ابن جرير (٨٧/٢٨) من حديث ابن عباس وسنده ضعيف وقال الحافظ ابن كثير (٣٥٤/٤) بعد
سياقه هذا أثر غريب وفي بعضه نكارة، والله أعلم اهـ.
٥٢٤

سورة الممتحنة الآية - ١٢
النساء خيفة من رسول الله وسل﴿ لما صنعته بحمزة وأكلها كبده، فقالت حين سمعته في
أخذ البيعة عليهن يقول: ﴿لا يسرقن﴾ والله إني لا أصيب من أبي سفيان إلا قوتنا ما
أدري أيحل لي أم لا، فقال أبو سفيان: ما أصبت مما مضى أو قد بقي فهو لك
حلال، فضحك رسول الله وسل﴿ وعرفها فقال: ((أنت هند؟)) فقالت عفا الله عما سلف.
ثم قال: ﴿ولا یزنين) فقالت هند یا رسول الله أو تزني الحرة؟
ثم قال: ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾ لأن العرب كانت تئد البنات، فقالت هند: أنت
قتلتهم يوم بدر، وأنت وهم أبصر.
وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتوهم(٥٨٠) كباراً فأنتم وهم أعلم،
فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى .
﴿ولا يأتين بهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه السحر، قاله ابن بحر.
الثاني : المشي بالنميمة والسعي في الفساد.
والثالث: وهو قول الجمهور ألا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن لأن الزوجة
كانت تلتقط ولداً وتلحقه بزوجها ولداً، ومعنى ﴿يفترينه بين أيديهن﴾ ما أخذته لقيطاً،
﴿وأرجلهن﴾ ما ولدته من زنى، وروي أن هنداً لما سمعت ذلك قالت: والله إن
البهتان لأمر قبيح، وما تأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق.
ثم قال: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله، قاله ميمون بن مهران.
الثاني: ما رواه شهر بن حوشب عن أم سلمة عن(٥٨١) النبي وَ لاير ولا يعصينك
في معروف قال: هو النوح.
الثالث: أن من المعروف ألا تخمش وجهها ولا تنشر شعرها ولا تشق جيباً ولا
تدعو ویلاً، قاله أسید بن أبي أسيد.
(٥٨٠) أخرجه أبي حاتم كما قال الحافظ في تخريج الكشاف ص ١٦٩ .
(٥٨١) والترمذي (٣٣٠٧) وابن ماجة (١٥٧٩) وفي سنده شهر بن حوشب وهو ضعيف ووثقه بعضهم وقال
البوصيري في الزوائد في إسناده. يزيد بن عبدالله وهو مختلف فيه قلت ويغني عن هذا ما رواه مسلم
(٦٤٦/٢) من حديث أم عطية قالت نزلت هذه الآية يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يعصينك
في معروف قالت كان منه النياحة ... الحديث.
٥٢٥

سورة الممتحنة الآية - ١٣
الرابع: أنه عام في كل معروف أمر الله ورسوله به، قاله الكلبي .
فروي أن هنداً قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن
نعطيك من شيء. وهذا دليل على أن طاعة الولاة إنما تلزم في المعروف المباح دون
المنكر المحظور.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانَتَوَلَّوْقَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْمِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا
يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ®
﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ فیه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم اليهود، قاله مقاتل.
الثاني : أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن مسعود.
الثالث: جميع الكفار، قاله مجاهد.
﴿قد يئسوا من الأخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار مِنْ بعث مَنْ في القبور، قاله
ابن عباس.
الثاني: قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس أصحاب القبور بعد المعاينة من
ثواب الآخرة لأنهم تيقنوا العذاب، قاله مجاهد.
الثالث: قد يئسوا من البعث والرجعة كما يئس منها من مات منهم وقبر.
الرابع: يئسوا أن يكون لهم في الآخرة خير كما يئسوا أن ينالهم من أصحاب
القبور خير.
٥٢٦

سورة الصف الآية - ١ - ٤
سُورَةُ الصَّفْتُ
آياتها القهر
١٤
مدنية في قول الجميع
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
أَ يَّأَتُهَا الَّذِينَ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
كَبُرُ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْمَا
ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (®
لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفًّا
كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ
٤
قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها نزلت في قوم قالوا: لو عملنا أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليه،
فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه، قاله ابن عباس ومجاهد.
الثاني: أنها نزلت في قوم كان يقول الرجل منهم: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت،
ولم يطعن، وضربت، ولم يضرب، وصبرت، ولم يصبر، وهذا مروي عن عكرمة .
الثالث: أنها نزلت في المنافقين كانوا يقولون للنبي وَلير ولأصحابه إن خرجتم
وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا.
وهذه الآية وإن كان ظاهرها الإنكار لمن قال ما لا يفعل فالمراد بها الإنكار لمن
لم يفعل ما قال، لأن المقصود بها القيام بحقوق الالتيام (٥٨٢) دون إسقاطه.
(٥٨٢) لعل معناها الالتزام .
قال الإمام القرطبي (٧٨/١٨) وهذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملاً فيه طاعة أن يفي بها.
٥٢٧

سورة الصف الآية - ٦،٥
﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً﴾ مصطفين صفوفاً كالصلاة،
لأنهم إذا اصطفوا مثلًا صفين كان أثبت لهم وأمنع من عدوهم. قال سعيد بن جبير:
هذا تعليم من الله للمؤمنين .
﴿کأنهم بنيان مرصوص﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن المرصوص الملتصق بعضه إلى بعض لا ترى فيه كوة ولا ثقباً لأن
ذلك أحكم في البناء من تفرقه وكذلك الصفوف، قاله ابن جبير، قال الشاعر:
له شرفات فوقهن نصائب
وأشجر مرصوص بطين وجندل
والثاني: أن المرصوص المبني بالرصاص، قاله الفراء، ومنه قول الراجز (٥٨٣).
يفتح باب المغلق المرصوص
ما لقي البيض من الحرقوص
وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِلِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّ رَسُولُ
اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
وَإِذْقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَ يَبَنِىّ إِسْرَّءِ يلَ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَابَيْنَ يَدَىَّ مِنَ
النَّوْرَنِةِ وَمُبَشْر ◌ِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُ و أَحْمَلٌّ فَمَّا جَآءَ هُـم بِالْبِنَتِ قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ
سُّبِينٌ
٦
﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)وفي الزيغ وجهان:
أحدهما: أنه العدول، قاله السدي .
الثاني: أنه الميل، إلا أنه لا يستعمل إلا في الزيغ عن الحق دون الباطل.
ویحتمل تأويله وجھین:
أحدهما: فلما زاغوا عن الطاعة أزاغ الله قلوبهم عن الهداية.
الثاني: فلما زاغوا عن الإيمان أزاغ قلوبهم عن الكلام(٥٨٤).
(٥٨٣) اللسان حرقص وفیه :
ما لقي البيض من الحرقوص
يدخل تحت الفلق المرصوص
من مارد لص من اللصوص
بمهر لاغال ولا رخيص
(٥٨٤) لعله يقصد النطق بالإيمان. والله أعلم.
٥٢٨

سورة الصف الآية - ٧ - ٩
وفي المعنيّ بهذا الكلام ثلاثة أقاويل :
أحدها: المنافقون.
الثاني : الخوارج، قاله مصعب بن سعيد عن أبيه.
الثالث: أنه عام.
﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ وهذه البشرى من عيسى تتضمن
أمرین :
أحدهما: تبليغ ذلك إلى قومه ليؤمنوا به عند مجيئه ، وذلك لا يكون منه بعد
إعلام الله له بذلك إلا عن أمره بتبليغ ذلك إلى أمته.
الثاني: ليكون ذلك من معجزات عيسى عند ظهور محمد #، وهذا يجوز أن
يقتصر عیسی فیه علی إعلام الله له بذلك دون أمره بالبلاغ.
وفي تسمية الله له بأحمد وجهان:
أحدهما: لأنه من أسمائه فكان يسمى أحمد ومحمداً قال حسان(٥٨٥):
والطيبون على المبارك أحمد
صلى الإله ومن يحف بعرشه
الثاني: أنه مشتق من اسمه محمود، فصار الاشتقاق اسماً، كما قال
حسان (٥٨٦):
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وروي عن النبي ◌َلي أنه قال (٥٨٧): ﴿اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن
النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبادة الأصنام، واسمي في الإنجيل
أحمد، واسمي في القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض﴾.
وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ افْتَرَىُ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ وَهُوَيُدْعَّإِلَى الْإِسْلَِّ وَاللهُلَ يَهْدِى الْقَوْمَالظَّالِينَ
أَيُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْنُورٌلَّهِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُ نُورِهِ، وَلَؤْكَرِهَ الْكَفِرُونَ شَّهُوْلَّذِىّ
٧
(٥٨٥) ديوانه: ٦٦ روح المعاني (٨٦/٢٨).
(٥٨٦) ديوانه: ٥٤ .
(٥٨٧) لم أعثر على هذا الأثر وقد ثبت في صحيح البخاري (٦٤١/٨) ومسلم (١٨٢٨/٤) والترمذي
(٢٨٤٠) من حديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله # ((إن لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد
وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا العاقب والعاقب
الذي ليس بعده نبي .
٥٢٩

سورة الصف الآية - ٩
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِظْهِرَهُ عَلَى الْدِينِ كُلّهِ، وَلَوْكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
٩
﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام﴾.
فیھم قولان :
أحدهما: أنهم الكفار والمنافقون، قاله ابن جريج .
الثاني: أنه النضر وهو من بني عبد الدار قال إذا كان يوم القيامة شفعت لي
العزى واللات، فأنزل الله هذه الآية، قاله عكرمة.
﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) الآية. والإطفاء هو الإخماد،
ويستعملان في النار، ويستعاران فيما يجري مجراها من الضياء والنور.
والفرق بين الإطفاء والإخماد من وجه وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل
والكثير، والإخماد يستعمل في الكثير دون القليل، فيقال أطفأت السراج ولا يقال
أخمدت السراج.
وفي ﴿نور الله﴾ ها هنا خمسة أقاويل:
أحدها: القرآن، يريدون إبطاله بالقول، قاله ابن زيد.
الثاني : أنه الإسلام، يريدون دفعه بالكلام، قاله السدي .
الثالث: أنه محمد 8* يريدون هلاكه بالأراجيف، قاله الضحاك.
الرابع: أنه حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، قاله ابن
بحر.
الخامس: أنه مثل مضروب، أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده
مستحيلاً ممتنعاً فكذلك من أراد إبطال الحق، حكاه ابن عيسى .
وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس أنه النبي ◌َّ أبطأ عليه
الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف:
يامعشر اليهود ابشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان الله
ليتم أمره، فحزن رسول الله صل# لذلك، فأنزل الله هذه الآية، ثم اتصل الوحي
بعدها .
﴿ليظهره على الدين كله﴾ الآية. وفي الإظهار ثلاثة أقاويل:
أحدها: الغلبة على أهل الأديان .
٥٣٠

سورة الصف الآية - ١٠ - ١٤
الثاني : العلو على الأديان .
الثالث: العلم بالأديان من قولهم قد ظهرت على سره أي علمت به.
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْهَلْ أَثُلُّكُمْ عَلَى ◌ْتِجَزَةٍنُجِكُمْمِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٦َ نُؤْمِنُونَ بِالَّهِوَرَسُولِهِ»
وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِاللَّهِأَقَّوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِ كُمْعٌَّلَّكُمْإِنَكُنَعْلَمُونَ ﴿ يَغْفِرْلَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَيُدْ خِلْكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُوَمَسَكِنَ طِبَةً فِى جَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيُ ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ الَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ وَكَشْرِالْمُؤْمِنِينَ () فَأَيُّهَا
الَّذِينَءَامَنُواْكُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَم ◌ِلْحَوَارِعِنَ مَنْ أَنْصَارِيّإِلَى اللَّهِ
قَالَ الْحَوَارِيُونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِفَمَنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَّهِ يلَ وَكَفَرَت طَائِفَةٌ فَأَدْنَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْعَلَى عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ()
﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ وهذا من الله لزيادة الترغيب،
لأنه لما وعدهم بالجنة على طاعته وطاعة رسوله علم أن منهم من يريد عاجل النصر
لقاء رغبة في الدنيا ولقاء تأييد الدين فوعدهم بما يقوي به الرغبة فقال: ﴿وأخرى
تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ يعني فتح البلاد عليه وعليهم، وقد أنجز الله وعده
في كلا الأمرين من النصر والفتح.
وفي قوله: ﴿قريب﴾ وجهان:
أحدهما: أنه راجع إلى ما يحبونه أنه نصر من الله وفتح قريب.
الثاني: أنه إخبار من الله بأن ما يحبونه من ذلك سيكون قريباً، فكان كما أخبر
لأنه عجل لهم الفتح والنصر.
٥٣١