النص المفهرس

صفحات 361-380

سورة الذاريات الآية - ١ - ١٤
الصالحين، وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل واحد منهما ذارياً لأمرين.
أحدهما: لأنهن أوعية دون الرجال فلاجتماع الذروين خصصن بالذكر.
الثاني : أن الذرو فيهن أطول زماناً وهن بالمباشرة أقرب عهداً .
فَالْحَامِلَاتِ وڤرآ﴾ فيها قولان:
أحدهما: أنها السحب [يحملن] وِقْراً بالمطر. الثاني أنها الرياح [يحملن] وِقْراً
بالسحاب، فتكون الريح الأولى مقدمة السحاب لأن أمام كل سحابة ريحاً، والريح
الثانية حاملة السحاب. لأن السحاب لا يستقل ولا يسير إلا بريح. وتكون الريح الثانية
تابعة للريح الأولى من غير توسط، قاله ابن بحر.
ويجري فيه احتمال قول :
ثالث: أنهن الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل، والوقر ثقل الحمل على
ظهر أو في بطن، وبالفتح ثقل الأذن.
﴿فَالْجَارِیَاتِ يُسْرآ﴾ فيها قولان:
أحدهما: السفن تجري بالرياح يسراً إلى حيث سيرت .
الثاني : أنه السحاب، وفي جريها يسراً على هذا القول وجهان:
أحدهما: إلى حيث يسيرها الله تعالى من البقاع والبلاد.
الثاني: هو سهولة تسييرها، وذلك معروف عند العرب كما قال الأعشى (٣٦٠):
مشي السحابة لا ريث ولا عجل
كأن مشيتها من بیت جارتها
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرآ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه السحاب يقسم الله به الحظوظ بين الناس.
الثاني: الملائكة التي تقسم أمر الله في خلقه، قاله الكلبي. وهم: جبريل وهو
صاحب الوحي والغلظة (٣٦١)، وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل وهو
صاحب الصور واللوح، وعزرائيل(٣٦٢) وهو ملك الموت وقابض الأرواح، عليهم
السلام .
(٣٦٠) ديوانه: ١٣٠ وفي الشطر الثاني فيه: مَرَّ السحابة .
(٣٦١) أي الغلظة القوة على الكافرين.
(٣٦٢) ولم يرد اسمه هذا في حديث صحيح مرفوع ولعل هذا الاسم من الإسرائيليات كما قال بعض العلماء.
٣٦١

سورة الذاريات الآية - ١ - ١٤
والواو التي فيها واو القسم، أقسم الله بها لما فيها من الآيات والمنافع.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إن يوم القيامة لكائن، قاله مجاهد.
الثاني : ما توعدون من الجزاء بالثواب والعقاب حق، وهذا جواب القسم.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: إن الحساب لواجب، قاله مجاهد.
الثاني: [أن] الدين الجزاء ومعناه أن جزاء أعمالكم بالثواب والعقاب لكائن،
وهو معنی قول قتادة، ومنه قول لبید .
بالسوء سوء وبالإحسان إحسانا
قوم يدينون بالنوعين مثلهما
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ في السماء ها هنا وجهان:
أحدهما: أنها السحاب الذي يظل الأرض.
الثاني: وهو المشهور أنها السماء المرفوعة، قال عبدالله بن عمر: هي السماء
السابعة .
وفي ﴿الْحُبُكِ﴾ سبعة أقاويل:
أحدها: أن الحبك الاستواء، وهو مروي عن ابن عباس على اختلاف.
الثاني: أنها الشدة، وهو قول أبي صالح .
الثالث: الصفاقة، قاله خصيف.
الرابع: أنها الطرق، مأخوذ من حبك الحمام طرائق على جناحه، قاله الأخفش
وأبو عبيدة.
الخامس: أنه الحسن والزينة، قاله علي وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير ومنه
قول الراجز (٣٦٣):
كأنما جللها الحواك كنقشة في وشيها حباك
(٣٦٣) الطبري (١٨٩/٢٦) وفتح القدير (٨٣/٥) قوله كنفشة لعله خطأ والصواب كطنفسة كذا هو في الطبري
وفتح القدير والقرطبي .
٣٦٢

سورة الذاريات الآية - ١ - ١٤
السادس: أنه مثل حبك الماء إذا ضربته الريح، قاله الضحاك. قال
زهير(٣٦٤) :
مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الشمال لضاحي مائة حبك
السابع: لأنها حبكت بالنجوم، قاله الحسن. وهذا قسم ثان.
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني في أمر مختلف، فمطيع وعاص، ومؤمن وكافر، قاله السدي.
الثاني : أنه القرآن فمصدق له ومكذب به، قاله قتادة.
الثالث: أنهم أهل الشرك مختلف عليهم بالباطل، قاله ابن جريج .
ويحتمل رابعاً: أنهم عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون
غيره. وهذا جواب القسم الثاني .
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ فيه ستة تأويلات:
أحدها یضل عنه من ضل، قاله ابن عباس.
الثاني : يصرف عنه من صرف، قاله الحسن.
الثالث: يؤفن عنه من أفن، قاله مجاهد، والأفن فساد العقل.
الرابع: يخدع عنه من خدع، قاله قطرب.
الخامس: يكذب فيه من كذب، قاله مقاتل.
السادس: يدفع عنه من دفع، قاله اليزيدي.
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: لعن المرتابون، قاله ابن عباس.
الثاني : لعن الكذابون، قاله الحسن.
الثالث: أنهم أهل الظنون والفرية، قاله قتادة.
الرابع: أنهم المنهمكون، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقوله: ﴿قُتِلَ﴾ ها هنا، بمعنى لعن، والقتل اللعن. وأما الخراصون فهو جمع
خارص. وفي الخرص ها هنا وجهان .
(٣٦٤) روح المعاني (٢٦ /٤) والشطر الثاني فيه :
ريح خريف بدلاً من ريح الشمال والخريف هي الباردة الشديدة الهبوب
٣٦٣

سورة الذاريات الآية - ١٥ - ١٩
دريه
أحدهما: أنه تعمد الكذب، قاله الأصم.
الثاني: ظن الكذب، لأن الخرص حزر وظن، ومنه أخذ خرص الثمار.
وفیما یخرصونه وجهان :
أحدهما: تكذيب الرسول وَل ـ
الثاني: التكذيب بالبعث. وفي معنى الأربع تأويلات وقد تقدم ذكرها في
أولها .
﴿أَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: في غفلة لاهون، قاله ابن عباس.
الثاني : في ضلالاتهم متمادون، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً .
الثالث: في عمى وشبهة يترددون، قاله قتادة.
ويحتمل رابعاً: الذين هم في مأثم المعاصيّ ساهون عن أداء الفرائض.
﴿يَسْأَلُونَ أَيَّنَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي متى يوم الجزاء. وقيل: إن أيان كلمة مركبة من ... .
أي وآن.
·
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ في ﴿يُفْتَنُونَ﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: أي يعذبون، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر:
ببطن مكة مقهور ومفتون
كل امرىء من عباد الله مضطهد
الثاني: يطبخون ويحرقون، كما يفتن الذهب بالنار، وهو معنى قول عكرمة
والضحاك.
الثالث: يكذبون توبيخاً وتقريعاً زيادة في عذابهم.
﴿ذُوقُواْ فِنْتَنكُمْ﴾ الآية. فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: معنی فتنتكم أي عذابکم، قاله ابن زید.
الثاني : حریقکم، قاله مجاهد.
الثالث: تکذیبکم، قاله ابن عباس .
◌َْءَاخِذِينَ مَآءَانَهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُو ◌ْقَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ
إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿ وَبِالْأَسْحَارِهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (﴾ وَفِيِّ أَمْوَلِهِمْ
١٦
٣٦٤
بـ

سورة الذاريات الآية - ١٩ - ٢٣
حَقٌّ لِلِسَآئِلِ وَاْحْرُّومِ ﴾ وَفِي الْأَرْضِءَايَةٌ لِلْمُوقِنِينَ لَّْ وَفِيِّ أَنفُسِكُمْأَفَلاَ
تُصِرُونَ ﴿ وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُ ونَ ﴿٨] فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ
مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ
٢٣
﴿ءَآَخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: من الفرائض، قاله ابن عباس.
الثاني : من الثواب، قاله الضحاك.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذُلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي قبل الفرائض محسنين بالإجابة، قاله ابن
عباس.
الثاني : قبل يوم القيامة محسنين بالفرائض، قاله الضحاك.
﴿ كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: راجع على ما تقدم من قوله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذُلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ
قَلِيلاً﴾ بمعنى أن المحسنين كانوا قليلاً، ثم استأنف: من الليل ما يهجعون، قاله
الضحاك.
معالي
الثاني: أنه خطاب مستأنف بعد تمام ما تقدمه، ابتداؤه كانوا قليلاً، الآية.
والهجوع: النوم، قال الشاعر:
أزالكم الوسمي أحدث روضه بليل وأحداق الأنام هجوع
وفي تأويل ذلك أربعة أوجه:
أحدها ﴿كانوا قليلاً من اللى ما يهجعون﴾ أي يستيقظون فيه فيصلون ولا ينامون
إلا قليلاً، قاله الحسن.
الثاني: أن منهم قليلاً ما يهجعون للصلاة في الليل وإن كان أكثرهم هجوعاً،
قاله الضحاك.
الثالث: أنهم كانوا في قليل من الليل ما يهجعون حتى يصلوا صلاة المغرب
وعشاء الآخرة، قاله أبو مالك.
الرابع: أنهم كانوا قليلاً يهجعون، وما: صلة زائدة، وهذا لما كان قيام الليل
٣٦٥

سورة الذاريات الآية - ١٩ - ٢٣
فرضاً. وكان أبو ذر يحتجن يأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة ﴿قُمِ اللَّيْلَ
إِلَّ قَلِيلاً﴾.
﴿وَبِآلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وبالأسحار هم يصلون، قاله الضحاك.
الثاني: أنهم كانوا يؤخرون الاستغفار من ذنوبهم إلى السحر ليستغفروا فيه،
قاله الحسن.
قال ابن زيد: وهو الوقت الذي أخر يعقوب الاستغفار لبنيه حتى استغفر لهم فيه
حين قال لهم ﴿سَوْفَ أُسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]. قال ابن زيد: والسحر
السدس الأخير من الليل. وقيل إنما سمي سحراً لاشتباهه بين النور والظلمة .
﴿وَفِي أُمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أنها الزكاة، قاله ابن سيرين وقتادة وابن أبي مريم.
الثاني : أنه حق سوى الزكاة تصل به رحماً أو تقري به ضيفاً أو تحمل به كلّ أو
تغني به محروماً، قاله ابن عباس.
﴿لِلسَّائِلِ وَأْلَحْرُومِ﴾ أما السائل فهو مَن يسأل الناس لفاقته، وأما المحروم،
ففيه ثمانية أقوال:
أحدها: المتعفف الذي يسأل الناس شيئاً ولا يعلم بحاجته، قاله قتادة.
الثاني : أنه الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم، قاله الحسن
ومحمد بن الحنفية. وروي أن النبي ◌ّل بعث سرية فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعدما
فرغوا فنزلت الآية.
الثالث: أنه من ليس له سهم في الإسلام، قاله ابن عباس.
الرابع: المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وهذا قول عائشة .
الخامس: أنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
السادس: أنه المصاب بثمره وزرعه یعینه من لم یصب، قاله ابن زيد :
السابع: أنه المملوك، قاله عبد الرحمن بن حميد.
٣٦٦

سورة الذاریات الآية - ١٩ - ٢٣
الثامن: أنه الكلب، روي أن عمر بن عبد العزيز كان في طريق مكة فجاء كلب
فاحتز عمر كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم(٣٦٥).
ويحتمل تاسعاً: أنه من وجبت نفقته بالفقر من ذوي الأنساب لأنه قد حرم
کسب نفسه، حتی وجبت نفقته في مال غيره.
﴿وَفِي الْأَرْضِ ءَآيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ يعني عظات للمعتبرين من أهل اليقين وفيها
وجهان :
أحدهما: ما فيها من الجبال والبحار والأنهار، قاله مقاتل.
الثاني: من أهلك من الأمم السالفة وأباد من القرون الخالية، قاله الكلبي .
﴿وَفِيَ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أنه سبيل الغائط والبول، قاله ابن الزبير ومجاهد.
الثاني: تسوية مفاصل أيديكم وأرجلكم وجوار حكم دليل على أنكم خلقتم
لعبادته، قاله قتادة
الثالث: في خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، قاله ابن زيد.
الرابع: في حياتكم وموتكم وفيما يدخل ويخرج من طعامكم، قاله السدي .
الخامس: في الكبر بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والشيب بعد السواد،
قاله الحسن.
ويحتمل سادساً: أنه نجح العاجز وحرمان الحازم.
﴿وَفِي السَّمَآءِ رِزْتُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ : ﴿وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق فهو
رزق لهم من السماء، قاله سعيد بن جبير والضحاك.
الثاني : يعني أن من عند الله الذي في السماء رزقكم.
(٣٦٥) قال الشوكاني رحمه الله (٨٥/٥) واختلف في تفسير المحروم ... ثم قال .. والذي ينبغي التعويل
عليه ما يدل عليه المعنى اللغوي فالمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع فيدخل تحته من
حرم الرزق من الأصل ومن أصيب ماله بجائحة فأذهبته ومن حرم العطاء ومن حرم الصدقة لتعففه اهـ.
وبنحوه قال ابن جرير (٢٠٤/٢٦).
٣٦٧

سورة الذاريات الآية - ١٩ - ٢٣
ويحتمل وجهاً ثالثاً: وفي السماء تقدير رزقكم وما قسمه لكم مكتوب في أم
الكتاب .
وأما قوله ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: من خير وشر، قاله مجاهد.
الثانى : من جنة ونار، قاله الضحاك.
الثالث: من أمر الساعة، قاله الربيع.
﴿فَوَرَبِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ما جاء به الرسول من دين وبلغه من رسالة.
الثاني: ما عد الله عليهم في هذه السورة من آياته وذكره من عظاته. قال
الحسن: بلغني (٣٦٦) أن رسول الله وَّه قال: ((قَاتَلَ اللَّهُ أَقْوَاماً أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [بِنَفْسهِ]
ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوهُ)).
وقد كان قس بن ساعدة في جاهليته ينبه بعقله على هذه العبر فاتعظ واعتبر،
فروي عن النبي ◌َِّ أنه قال (٣٦٧): ((رَأَيْتُهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ بِعُكَاظَ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ
أَسْمَعُواْ وَعُوا، مِنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَن مَّتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ ءَآتٍ ءآتٍ، مَا لِي أُرَىْ
النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلاَ يَرْجِعُونَ؟ أَرَضُواْ بِالإِقَامَةِ فَأَقَامُواْ؟ أَمْ تُرِكُوا فَنَاموا؟ إِنَّ فِي السَّمَاءِ
لَخَبَراً، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لَعِبَراً، سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَلَيْلٌ مَوضُوعٌ، وَبِحَارٌ تَثُورُ، وَنُجُومُ
تَحُورُ ثُمَّ تَغُورُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً مَا ءَاثَمُ فِيهِ، إِنَّ لِلَّهِ دِيناً هُوَ أَرْضَى مِن دِينٍ أَنْتُم
عَلَيهِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ مَا أَدْرِي مَا هِيَ))، فقال أبو بكر: كنت حاضراً إذ ذاك
والأبيات عندي وأنشد :
من القرون إنا بصائر
في الذاهبين الأولين
للموت ليس لها مصادر
لما رأيت موارداً
يمضي الأكابر والأصاغر
ورأيت قومي نحوها
ولا من الباقين غابر
لا يرجع الماضي إليَّ
لة حيث صار القوم صائر
أيقنت أني لامحا
(٣٦٦) رواه الطبري (٢٦ /٢٠٦) وزاد السيوطي في الدر (٦١٩/٧) نسبته لابن أبي حاتم وزاد ابن كثير
(٢٣٥/٤) نسبته لمسدد والخير بلاغ كما ترى.
(٣٦٧) هذه الخطبة ذكرها ابن إسحاق في السيرة.
٣٦٨

سورة الذاريات الآية - ٢٤ - ٣٠
فقال النبي ◌َله : ((يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ)) . ونحن نسأل الله تعالى مع
زاجر العقل ورادع السمع أن يصرف نوازع الهوى ومواقع البلوى. فلا عذر مع
الإنذار، ولا دالة مع الاعتبار، وأن تفقهن الرشد تدرك فوزاً منه وتكرمة .
هَلْ أَنَنكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ اْلْمُكْرَمِينَ
إِذْدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُوْسَلَمَا قَالَ
٢٤
سَلَمٌ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ(
روو / ووز
◌َ فَقَرَّبَهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ
فَرَغَ إِلَّ أَهْلِيٍ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
٢٥
٢٨
أَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ
٢٧
أَلَا تَأْكُلُونَ
فَأَقْبَلَتِ أَمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزُ عَقِيمٌ ﴿ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ
رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ
٣
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ قال عثمان بن محسن(*): كانوا
أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل.
وفي قوله ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ وجهان :
أحدهما: أنهم عند الله المعظمون.
الثاني : مكرمون لإكرام إبراهيم لهم حين خدمهم بنفسه، قاله مجاهد.
قال عطاء: وكان إبراهيم إذا أراد أن يتغدى، أو يتعشى خرج الميل والميلين
والثلاثة، فیطلب من یأکل معه.
قال عكرمة: وكان إبراهيم يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكي لا
يفوته أحد.
وسمي الضيف ضيفاً، لإضافته إليك وإنزاله عليك (٣٦٨).
﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيهِ فَقَالُواْ سَلاماً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: ، قاله الأخفش، أي مسالمين غير محاربين لتسكن نفسه.
(*) وفي تفسير القرطبي ((حصين)).
(٣٦٨) قال الحافظ ابن كثير (٢٣٥/٤) وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل
وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل.
٣٦٩

سورة الذاريات الآية - ٢٤ - ٣٠
الثاني : أنه دعا لهم بالسلامة، وهو قول الجمهور، لأن التحية بالسلام تقتضي
السكون والأمان، قال الشاعر(٣٦٩):
أظلوم إن مصابكم رجلاً
أهدى السلام. تحية ظلم
فأجابهم إبراهيم عن سلامتهم بمثله :
﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ لأنه رآهم على غير صورة البشر وعلى غير صورة
الملائكة الذین کان یعرفهم، فنکرهم وقال ﴿قَوْمٌ مُنگرُونَ﴾ وفيه وجهان :
أحدهما: أي قوم لا يعرفون .
الثاني: أي قوم يخافون، يقال أنكرته إذا خفته، قال الشاعر(٣٧٠):
من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فأنكرتني وما كان الذي نكرت
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: فعدل إلى أهله، قاله الزجاج.
الثاني : أنه أخفى ميله إلى أهله.
﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أما العجل ففي تسميته بذلك وجهان:
أحدهما: لأن بني إسرائيل عجلوا بعبادته.
الثاني : لأنه عجل في اتباع أمه .
قال قتادة: جاءهم بعجل لأن كان عامة مال إبراهيم البقر، واختاره لهم سميناً
زيادة في إكرامهم، وجاء به مشوياً، وهو محذوف من الكلام لما فيه من الدليل عليه.
فروى عون بن أبي شداد أن جبريل مسح العجل بجناحه فقام يدرج، حتى
لحق بأمه، وأم العجل في الدار.
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيهِم قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأنهم امتنعوامن الأكل لأن الملائكة لا يأكلون
ولا يشربون، فروى مكحول أنهم قالوا لا نأكله إلا بثمن، قال كلوا فإن له ثمناً، قالوا
وما ثمنه؟ قال: إذا وضعتم أيديكم أن تقولوا: بسم الله، وإذا فرغتم أن تقولوا: الحمد
لله، قالوا: بهذا اختارك الله يا إبراهيم.
(٣٦٩) هو العرجي والبيت من شواهد مغني اللبيب (٥٣٩/٢).
(٣٧٠) هو الأعشى والبيت في ديوانه ١٠٤ .
٣٧٠

سورة الذاريات الآية - ٣١ - ٣٣
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأنهم لم يأكلوا، خاف أن يكون مجيئهم إليه لشريريدونه
به .
﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه إسحاق من سارة (٣٧١)، استشهاداً بقوله تعالى في آية أخرى
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢].
الثاني : أنه إسماعیل من هاجر، قاله مجاهد.
﴿عَلِيمٍ﴾ أي يرزقه الله علماً إذا كبر.
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ فيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: الرنة والتأوه، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر:
وشربة من شراب غير ذي نفس في صرة من تخوم الصيف وهاج
الثاني: أنها الصيحة، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه أخذ صرير الباب، ومنه
قول امرىء القيس (٣٧٢):
فألحقه بالهاديات ودونه
جواحرها في صرة لم تزيل
الثالث: أنها الجماعة، قاله ابن بحر، ومنه المصراة من الغنم لجمع اللبن في
ضرعها. وسميت صرة الدراهم فيها، قال الشاعر(٣٧٣):
رب غلام قد صرى في فقرته ماء الشباب عنفوان سنبته
وأما قوله ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ ففيه قولان:
أحدهما: معناه لطخت وجهها، قاله ابن عباس.
الثاني: أنها ضربت جبينها تعجباً.
﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي، أتلد عجوز عقيم؟ قاله مجاهد والسدي.
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْأَ يُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿بَ قَالُواْ إِنَّا أُنْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ ﴿َالِنُرْسِلَ
(٣٧١) وهو الأرجح من سياق الآيات.
(٣٧٢) ديوانه: ٣٢ واللسان صرر وفتح القدير (٨٨/٥) شرح المعلقات لأبي بكر الانباري ص ٩٥.
(٣٧٣) هو الأغلب العجلي والبيت في اللسان (صدى).
٣٧١

سورة الذاريات الآية - ٣٣ - ٤٦
فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ
عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿٣
اَلْمُؤْمِنِينَ
﴿ وَتَرَّكَافِيهَآءَايَةً لِلَّذِينَ
فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
٣٥
يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٣٦وَفِى مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ
٣٨
فَتَوَّ بِرَكْتِهِ، وَقَالَ سَحِ أَوْ مَحْنُونٌ [َفَأَخَذْنَهُ وَحُوَهُ فَنَبَدْ نَهُمْ فِ اَلْيَمِ وَهُوَ مُلِيمٌ
٤
وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِّيعَ الْعَقِيمَ (* مَانَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ
كَالرَّمِيمِ ﴿ وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَمْ تَمَثَّعُواْ حَتَّى حِينٍ ﴿ فَعَتَوْ عَنْ أَمْرِرَتِهِمْ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦ ◌َا أَسْتَطَاعُواْ مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ
أَوَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَسِقِينَ
٤٦
٤٥
﴿فَتَوَلَى﴾ يعني فرعون، وفي تولیه وجهان:
أحدهما: أدبر.
الثاني : أقبل، وهو من الأضداد.
﴿بِرُكْنِهِ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: بجموعه وأجناده، قاله ابن زید.
الثاني: بقوته، قاله ابن عباس، ومنه قول عنترة (٣٧٤):
ولكن ما تقادم من(*) زماني.
فما أوهى مراس الحرب ركني
الثالث: بجانبه، قاله الأخفش.
الرابع: بميله عن الحق وعناده بالكفر، قاله مقاتل.
ويحتمل خامساً بماله لأنه یرکن إليه ويتقوی به .
﴿وَ فِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أن العقيم هي الريح التي لا تلقح، قاله ابن عباس.
الثاني : هي التي لا تنبث، قاله قتادة.
الثالث: هي التي ليس فيها رحمة، قاله مجاهد.
(٣٧٤) فتح القدير (٥ /٩٠).
(*) وفي نسخة من عهودي .
٣٧٢

سورة الذاريات الآية - ٤٧ - ٥١
الرابع هي التي ليس فيها منفعة، قاله ابن عباس.
وفي الريح التي هي عقيم ثلاثة أقاويل :
أحدها: الجنوب، روى ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن أن
النبي ◌َّية (٣٧٥) قال: ((الريح العقيم الجنوب)).
الثاني الدبور(٣٧٦)، قاله مقاتل. قال عليه السلام: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد
بالدبور).
الثالث: هي ريح الصبا، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.
﴿إِلَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الرميم التراب، قاله السدي .
الثاني : أنه الذي ديس من يابس النبات، وهذا معنى قول قتادة.
الثالث أن الرميم: الرماد، قاله قطرب.
الرابع أنه الشيء البالي الهالك، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر(٣٧٧):
تركتني حين كف الدهر من بصري
وإذ بقيت كعظم الرمة البالي
٤٨
وَالسَّمَاءَ بَيَْهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿ وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ
وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْنَذَّ كَّرُونَ (٦) فَفِرُّوْاْ إِلَى الَّهِ إِ لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ
مُِّنٌ ﴿﴿ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِإِلَ هَاءَ اخَرَّ إِنِى لَكُمْ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُبِينٌ
٥١
﴿وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة.
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: لموسعون في الرزق بالمطر، قاله الحسن.
الثاني : لموسعون السماء، قاله ابن زید.
الثالث: لقادرون على الاتساع بأكثر من اتساع السماء.
(٣٧٥) والذي في الطبري (٢٧ / ٤) أن القول موقوف عن الحارث بن عبد الرحمن وليس مرفوعاً والله أعلم.
(٣٧٦) وهو الصواب والحديث رواه مسلم (٤ / ٦١٧) من حديث ابن عباس وقد تقدم تخريجه في سورة
الأحقاف .
(٣٧٧) هو جرير والبيت في فتح القدير (٥ / ٩١).
٣٧٣

سورة الذاريات الآية - ٥٢ - ٦٠
الرابع: لموسعون بخلق سماء مثلها، قاله مجاهد.
الخامس: لذوو سعة لا يضيق علينا شيء نريده.
﴿وَ مِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْتَا زَوْجَيْنٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه خلق کل جنس نوعین.
الثاني: أنه قضى أمر خلقه ضدين صحة وسقم، وغنى وفقر، وموت وحياة،
وفرح وحزن، وضحك وبكاء. وإنما جعل بينكم ما خلق وقضى زوجين ليكون
بالوحدانية متفرداً.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: تعلمون بأنه واحد.
الثاني : تعلمون أنه خالق .
﴿ فَفِرُّوْا إِلَى اللَّهِ﴾ أي فتوبوا إلى الله.
كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْسَاحِ أَوْ مَحْنُونَ (٥)أَنَوَاصَوْبِّ بَلْ
هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣) فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴿﴿ وَذَكْرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَ تَنْفَعُ
اُلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْإِنِسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ جَمَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن
فَإِنَّ لِلَّذِينَ
٥٨
رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿ إِنَّاللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوْ اُلْقُوَةِ الْمَنِينُ
ظَلَمُواْ ذَنُوبَا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ فَلَا يَسْتَعِْلُونِ [٦] فَوَبِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن
يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرِىْ تَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: فذكر بالقرآن، قاله قتادة.
الثاني : فذكر بالعظة فإن الوعظ ينفع المؤمنين، قاله مجاهد.
ويحتمل ثالثاً: وذكر بالثواب والعقاب فإن الرغبة والرهبة تنفع المؤمنين.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ لَيَعْبُدُونِ﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: إلا ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً، قاله ابن عباس.
الثاني : إلا لآمرهم وأنهاهم، قاله مجاهد.
٣٧٤

سورة الذاريات الآية - ٥٢ - ٦٠
الثالث: إلا لأجبلهم على الشقاء والسعادة، قاله زيد بن أسلم.
الرابع: إلا ليعرفوني، قاله الضحاك.
الخامس: إلا للعبادة (٣٧٨)، وهو الظاهر، وبه قال الربيع بن أنس.
﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم.
الثاني : ما أنفسهم، قاله أبو الجوزاء.
الثالث: ما أريد منهم معونة ولا فضلاً.
٣°١
﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَابِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: عذاباً مثل عذاب أصحابهم، قاله عطاء.
الثاني : يعني سبيلاً، قاله مجاهد.
الثالث: يعني بالذنوب الدلو، قاله ابن عباس، قال الشاعر(٣٧٩):
لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب
ولا یسمی الذنوب دلواً حتی یکون فيه ماء.
الرابع: يعني بالذنوب النصيب، قال الشاعر(٣٨٠):
فحق لشاس من نداك ذنوب
وفى كل يوم قد خبطت بنعمة
ويعني بأصحابهم من كذب بالرسل من الأمم السالفة ليعتبروا بهلاكهم.
﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونٍ﴾ أي فلا يستعجلوا نزول العذاب بهم لأنهم قالو: ﴿يا مُحَمَّدُ
أثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ الآية، فنزل بهم يوم بدر، ما حقق الله وعده، وعجل به انتقامه.
۔
(٣٧٨) والعبادة اسم جامع الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ويرضاها وعلى هذا فيدخل فيها
التوحید بفروعه .
(٣٧٩) اللسان ذنب والطبري (٢٧ / ١٤) والبحر المحيط (٨ /١٣٢) زاد المسير (٨ /٤٤).
(٣٨٠) هو علقمة بن عبيدة والبيت في ديوانه: ١٢٠.
٣٧٥

سورة الطور الآية - ١ - ١٦
تريلهـ
٥٢
سُورَةُ الظُّوْر
سور®
آياتها
٤٩
بِسْمِ الّهِ الرَحمَن الرَحِيةِ
] وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ (٥َا فِ رَقِ مَّنْشُورٍ ﴿ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ
وَاَلْتُورِ و
٤
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ المُسْجُورِ ثَإِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ ﴿ مَّا لَهُ مِن
فَوَیْلُ یَوْمَیِذٍ
١٠
دَافِعِ هَ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا
) يَوْمَ يُدَُّونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ
١٢
لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
دَّا لَ هَذِهِ النَّارُ الَّتِ كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿ أَفَسِحُرُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْلَا
نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُوا أَوْلَا تَصْبِرُواْسَوَآءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَاكُنتُمْ
صـ
تَعْمَلُونَ
قوله تعالى ﴿وَالطُّورِ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أنه اسم للجبل بالسريانية، قاله مجاهد. قال مقاتل: يسمى هذا
الطور زبیر.
الثاني: أن الطور ما أنبت، وما لا ينبت فليس بطور، قاله ابن عباس، وقال
الشاعر:
لو مر بالطور بعض ناعقة ما أنبت الطور فوقه ورقة
٣٧٦

سورة الطور الآية - ١ - ١٦
ثم في هذا الطور الذي أقسم الله به ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه طور سيناء، قاله السدي .
الثاني : أنه الطور الذي كلم الله عليه موسى، قاله ابن قتيبة.
الثالث: أنه جبل مبهم، قاله الكلبي. وأقسم الله به تذكيراً بما فيه من
الدلائل .
٠
وقال بعض المتعمقة: إن الطور ما يطوى على قلوب الخائفين
﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُوٍ﴾ أي مكتوب، وفي أربعة أقاويل:
أحدها: أنه الكتاب الذي كتب الله لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما
یکون.
الثاني: أنه القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ.
الثالث: هي صحائف الأعمال فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله،
قاله الفراء .
الرابع : التوراة قاله ابن بحر.
﴿فِي رَقِّ مَّنشُورٍ﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: الصحيفة المبسوطة وهي التي تخرج للناس أعمالهم، وكل صحيفة
فهي رق لرقة حواشيها، قال المتلمس (٣٨١):
فكأنما هي من تقادم عهدها رق أتيح كتابها مسطور
الثاني : هو ورق مكتوب، قاله أبو عبيدة.
الثالث: هو ما بين المشرق والمغرب، قاله ابن عباس.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: ما روى قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال(٣٨٢): قال
رسول الله وَله: ((أَتِيَ بِيَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَرُفِعَ لَنَا الْبَيْتُ المَعْمُورُ، فَإِذَا هُوَ حِيالُ
الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ خَرَّ عَلَيْهَا، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ
يَعُودُوا إِلَيهِ» قاله علي وابن عباس.
(٣٨١) فتح القدير (٥ / ٩٤).
(٣٨٢) رواه البخاري (٦/ ٢١٩) ومسلم (١ / ١٥٠) والطبري (٢٧ / ١٦) وهو حديث طويل جداً والقول الأول
هو الراجح لدلالة الحديث عليه .
٣٧٧

سورة الطور الآية - ١ - ١٦
الثاني: ما قاله السدي: أن البيت المعمور، هو بيت فوق ست سموات، ودون
السابعة، يدعى الضراح، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس لا
يرجعون إليه أبداً، وهو بحذاء البيت العتيق .
الثالث: ما قاله الربيع بن أنس، أن البيت المعمور كان في الأرض في موضع
الكعبة في زمان آدم، حتى إذا كان زمان نوح أمرهم أن يحجوا، فأبوا عليه وعصوه،
فلما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا، فيعمره، فبوأ الله لإبراهيم
الكعبة البيت الحرام حيث كان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيْمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾
الآية .
الرابع: ما قاله الحسن أن البيت المعمور هو البيت الحرام .
وفي ﴿اَلْمَعْمُورِ﴾ وجهان:
أحدهما: أنه معمور بالقصد إليه.
الثاني: بالمقام عليه، قال الشاعر:
إذ أتته
عمر البيت عامر
جآذر
تباكر
وظباء
من ظباء روائح
وتأول سهل أنه القلب، عمارته إخلاصه، وهو بعيد.
﴿وَالسَّقْفِ أَنَمَرْفُوعٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أنه السماء، قاله علي.
الثاني : أنه العرش، قاله الربيع .
﴿وَأَلْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه جهنم، رواه صفوان بن يعلى (٣٨٣) عن النبي ◌َل ـ
الثاني : هو بحر تحت العرش، رواه أبو صالح عن علي رضي الله عنه.
الثالث: (٣٨٤) هو بحر الأرض، وهو الظاهر.
(٣٨٣) هذا الحديث مرسل فإن صفوان هو بن يعلى ابن أمية وهو تابعي مشهور، وأما أبوه فهو صحابي من
أصحاب رسول الله وَ# ووقع في صحيح البخاري ما يقتضي أن لصفوان صحبة ولكن قال الحافظ في
الإصابة هو وهم (٣ / ٤٧١).
(٣٨٤) وهو قول الجمهور وأما القول الثاني فلم يصح.
٣٧٨

سورة الطور الآية - ١ - ١٦
وفي قوله: ﴿اَلْمَسْجُورِ﴾ سبعة تأويلات:
أحدها: المحبوس، قاله ابن عباس والسدي .
الثاني : أنه المرسل، قاله سعيد بن جبير.
الثالث: الموقد ناراً، قاله مجاهد.
الرابع: أنه الممتلىء، قاله قتادة.
الخامس: أنه المختلط، قاله ابن بحر.
السادس: أنه الذي قد ذهب ماؤه ويبس، رواه ابن أبي وحشية عن سعيد بن
جبير.
السابع: هو الذي لا یشرب من مائه ولا یسقى به زرع، قاله العلاء بن زید.
هذا آخر القسم، وجوابه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لوَاقِعٌ﴾ روى الكلبي: أن جبير بن
مطعم(*) قدم المدينة ليفدي حريفاً له يقال له مالك أسر يوم بدر، فوجد رسول
اللهِ وَّ في صلاة [المغرب] يقرأ ﴿وَ الطُّورِ﴾ فجلس مستمعاً، حتى بلغ قوله تعالى:
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ فأسلم جبير خوفاً من العذاب، وجعل يقول: ما كنت أظن
أن أقوم من مقامي، حتى يقع بي العذاب.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً﴾ فيه سبعة تأويلات:"
أحدها: معناه تدور دوراً، قاله مجاهد، قال طرفة بن العبد(٣٨٥):
صهابية العثنون موجدة القرا
بعيدة وخد الرجل موارة اليد.
الثاني : تموج موجاً، قاله الضحاك.
الثالث: تشقق السماء، قاله ابن عباس لقوله تعالى ﴿فَإِذَا بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾
الآية .
الرابع: تجري السماء جرياً، ومنه قول جرير(٣٨٦):
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
وما زالت القتلى تمور دماؤها
الخامس: تتكفأ بأهلها، قاله أبو عبيدة وأنشد بيت الأعشى (٣٨٧):
(*) وفي البخاري (١ / ٣٠٤) عن جبير بن مطعم قال سمعت رسول الله ولقد قرأ في المغرب بالطور.
(٣٨٥) شرح المعلقات السبع لأبي بكر الأنباري ص ١٦٦ والبيت من معلقة طرفة بن العبد.
(٣٨٦) فتح القدير (٥/ ٩٥).
(٣٨٧) ديوانه: ٥٥ مجاز القرآن (٢ / ٢٣١) الطبري (٢٧ / ٢٠) اللسان مور، مختار الشعر الجاهلي (٩٧/٢).
٣٧٩

سورة الطور الآية - ١٧ - ٢٠
مور السحابة لا ريث ولا عجل
كأن مشيتها من بيت جارتها
السادس: تنقلب انقلاباً .
السابع: أن السماء هاهنا الفلك، وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره، قاله
ابن بحر.
﴿وَيَوْمَ يُدَغُونَ إِلَى نَارِ جَهََّّمَ دَعّاً﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: يدفعون دفعاً عنيفاً ومنه قول الراجز:
دع الوصي جانبي يتيمه
يدعه بصفحتي حيزومه
قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وابن زيد.
الثاني : يزعجون إزعاجاً، قاله قتادة.
ويحتمل ثالثاً: أن يدعهم زبانيتها بالدعاء عليهم.
إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ ﴿ فَكِهِينَ بِمَآءَانَمنُهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ الَّكُوْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيْئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٤] مُتَكِينَ عَلَى سُرُدٍ
مَّصْفُوفَةٍ وَزَقَّجْنَاهُمْ بِحُورِ عِينٍ
﴿فَاكِهِينَ بِمَآ ءاتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: معجبین، قاله ابن عباس.
الثاني : ناعمين، قاله قتادة.
الثالث: فرحين، قاله السدي .
الرابع: المتقابلين بالحديث الذي يسر ويؤنس، مأخوذ من الفكاهة، قاله ابن
بحر.
الخامس: ذوي فاكهة كما قيل: لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، قاله عبيدة،
ومعنى ذلك، أنهم ذوو بساتين فيها فواكه.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىْ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ والسرر الوسائد، وفي المصفوفة ثلاثة أوجه:
أحدها: المصفوفة بين العرش، قاله عكرمة.
وزاد المسير (٨/ ٤٧) وقد تقدم هذا الحديث ولكن رواه المؤلف مشي السحابة بدلاً من مور السحابة.
٣٨٠