النص المفهرس
صفحات 241-260
سورة الزخرف الآية - ٨١ - ٨٩ الثالث: قل لم يكن للرحمن ولد وأنا أول الشاهدين بأن ليس له ولد. قاله ابن عباس. الرابع: قل ما كان للرحمن ولد، وهذا كلام تام ثم استأنف فقال: فأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة، قاله السدي . الخامس: قل إن قلتم إن للرحمن ولداً فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد، قاله سفيان . السادس: إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين أن يكون له ولد، قاله الكسائي وابن قتيبة، ومنه قول الفرزدق (٢٤٠): وأعْبُدُ أن أهجو تميماً بدارم أولئك آبائي فجئني بمثلهم قوله عزوجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ﴾ وهذا إبطال أن يكون غير الله إِلَهاً وأن الإلَه هو الذي يكون في السماء إلهاً وفي الأرض إلّهاً وليست هذه صفة لغير الله، فوجب أن يكون هو الإله وفي معنی الكلام وجهان : أحدهما: أنه الموحد في السماء والأرض. قاله مقاتل. الثاني : أنه المعبود في السماء والأرض، قاله الكلبي . ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يذكر ذلك صفة لتعظيمه. الثاني: أنه يذكره تعليلاً لإلاهيته لأنه حكيم عليم وليس في الأصنام حكيم علیم. قوله عز وجل: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ فيها قولان: أحدهما: الشركة ومنه أخذت الشفعة في البيع لاستحقاق الشريك لها. ويكون معنى الكلام أن الذين يدعون من دون الله لا يملكون مع الله شركة يستحقون أن يكونوا بها آلهة إلا أن يشهدوا عند الله بالحق على من عليه حق أو له حق، وهذا معنى قول ابن بحر. (٢٤٠) وأورده في فتح القدير (٤ /٥٦٦) وفيه: أولئك أحلاس فجئني بمثلهم واعبد أن أهجو كليباً بدارم ٢٤١ سورة الزخرف الآية - ٨١ - ٨٩ الثاني: أن الشفاعة استعطاف المشفوع إليه فيما يرجى، واستصفاحه فيما یخشی وهو قول الجمهور. وقيل إن سبب نزولها ما حكي أن النضر بن الحارث ونفراً من قريش قالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة، وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله تعالى ﴿وَلَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ معناه الذين يعبدونهم من دون الله وهم الملائكة الشفاعة لهم. وقال قتادة: هم الملائكة وعيسى وعزير لأنهم عبدوا من دون الله. ﴿إِلَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة، قاله الحسن. الثاني: أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم. قوله عز وجل: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَّ يَؤْمِنُونَ﴾ وهي تقرأ على ثلاثة (٢٤١) أوجه بالنصب والجر والرفع. فأما الجر فهي على قراءة عاصم وحمزة، وهي في المعنى راجعة إلى قوله تعالى ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وعلم قيلِه. وأما الرفع فهو قراءة الأعرج، ومعناها ابتداء، وقيله، قيل محمد، يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. والقيل هو القول. وأما النصب فهي قراءة الباقين من أئمة القراء، وفي تأويلها أربعة أوجه: أحدها: بمعنی إلا من شهد بالحق وقال قیله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، علی وجه الإنكار علیهم، قاله ابن عیسی . الثاني: أنها بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيلَه يا رب، قاله یحیی بن سلام. (٢٤١) انظر لهذه القراءات زاد المسير (٣٣٤/٧، ٣٣٥) الحجة في القراءات ص ٦٥٥. ٢٤٢ سورة الزخرف الآية - ٨١ - ٨٩ الثالث: بمعنى وشكا محمد إلى ربه قيله، ثم ابتداء فأخبر ﴿يَا رَبٍ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قاله الزجاج. قوله عز وجل: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ قال قتادة: أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخاً بالسيف. ويحتمل الصفح عن سفههم أن يقابلهم عليه ندباً له إلى الحلم. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أي قل ما تسلم به من شرهم، قاله ابن عيسى . الثاني: قل خيراً بدلاً من شرهم؛ قاله السدي. الثالث: أي احلم عنهم؛ قاله الحسن. الرابع: أنه أمره بتوديعهم بالسلام ولم يجعله تحية لهم؛ حكاه النقاش. الخامس: أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم؛ رواه شعيب بن الحباب. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: فسوف يعلمون حلول العذاب بهم. الثاني : فسوف يعلمون صدقك في إنذارهم، والله أعلم. ٢٤٣ سورة الدخان الآية - ١ - ٨ ترتيبها ٤٤ سُورَةُ الدُّجَانِ آياتها ٥٩ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَّحِيةْ جَ إِنَّآ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَا وَاُلْكِتَبِ الْمُبِينِ حمّ جَ ٥ جَ أَمْرًا مِنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَا مُرْسِلِينَ مُنذِرِينَ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا رَحْمَةً مِّن رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٠٠ بَيْنَهُمَاْ إِن كُنْتُمُ قُوقِنِينَ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيُحِى وَيُمِيثٌ رَبِّكُمْ وَرَبُّ ءَابَتْبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ٨ قوله عز وجل: ﴿حَمَ * وَالْكِتَابِ الْمُبِينٍ﴾ يعني والقرآن المبين، فأقسم به، وفي قسمه بـ ﴿حمّ﴾ وجهان من اختلافهم في تأويله. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ يعني القرآن أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. ﴿فِي لَيلَةِ مُبَارَكَةٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها ليلة النصف (٢٤٢) من شعبان؛ قاله عكرمة. الثاني : أنها ليلة القدر. (٢٤٢) هذا القول بعيد جداً قال الحافظ ابن كثير (١٣٧/٤) ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة فإن نص القرآن أنها في رمضان اهـ وعلى هذا فإن الصواب هو القول الأول · وعليه عامة المفسرين. ٢٤٤ سورة الدخان الآية - ١ - ٨ روى قتادة عن وائلة (٢٤٣) أن النبي ◌َّ قال: ((نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ، وَأَنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضَانَ وَأُنزِلَ الزَّبُورُ لِثْتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ، وَأَنزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضَانَ. وَأُنزِلَ القُرْآنُ لُأَرْبِعٍ وَعَشِرِينَ مِن رَمَضَانَ)). وفي تسميتها مباركة وجهان : أحدهما: لما ينزل فيها من الرحمة . الثاني : لما يجاب فيها من الدعاء. ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ بالقرآن من النار. ويحتمل؛ ثانياً: منذزين بالرسل من الضلال. ﴿فِيهَا﴾ في هذه الليلة المباركة. ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وفي يفرق أربعة أوجه: أحدها: يقضى، قاله الضحاك. الثاني : یکتب، قاله ابن عباس. الثالث: ینزل، قاله ابن زید. الرابع : يخرج، قاله ابن سنان. وفي تأويل ﴿كُلَّ أُمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أربعة أوجه: أحدها: الآجال والأرزاق والسعادة والشقاء من السنة إلى السنة، قاله ابن عباس. الثاني: كل ما يقضى من السنة إلى السنة، إلا الشقاوة والسعادة فإنه في أم الكتاب لا یغیر ولا یبدل، قاله ابن عمر. الثالث: كل ما يقضى من السنة إلى السنة إلا الحياة والموت، قاله مجاهد. الرابع: بركات عمله من انطلاق الألسن بمدحه، وامتلاء القلوب من هيبته، قاله بعض أصحاب الخواطر. الحكيم هنا هو المحكم. وليلة القدر باقية ما بقي الدهر، وهي في شهر رمضان (٢٤٣) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب واثلة وقد تقدم تخريج هذا الحديث في سورة البقرة. ٢٤٥ سورة الدخان الآية - ٩ - ١٦ في العشر الأواخر منه. ولا وجه لقول من قال إنها رفعت بموت النبي ◌َّير، ولا لقول من جوزها في جميع السنة لأن الخبر والأثر والعيان يدفعه. واختلف في محلها من العشر الأواخر من رمضان على أقاويل ذكرها في سورة القدر أولى . قوله عز وجل : ﴿أُمْرآ مِنْ عِندِنَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده، حكاه النقاش. الثاني : أنه ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده، قاله ابن عيسى . ويحتمل : ثالثاً: أنه إرسال محمد رَ له نبياً. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مرسلین الرسل للإنذار. الثاني: منزلين ما قضيناه على العباد. الثالث: مرسلین رحمة من ربك. وفي ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ هنا وجهان: أحدهما: أنها نعمة الله ببعثة رسوله وَله . الثاني : أنها رأفته بهداية من آمن به. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولهم ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بفعلهم. (جَ فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ بَلْهُمْ فِشَكٍ يَلْعَبُونَ ١٠ رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ١١ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٢ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَ هُمْرَسُولٌ مُبِينٌ (١٦) ثُمَّقَوَلَّوْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَحْنُونُ ١٤ يَوْمُ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَّ إِنَّا ١٥ إِنَّا كَا شِفُوْ اُلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَابِدُونَ مُنْتَقِمُونَ قوله عز وجل: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ في ارتقب وجهان: أحدهما: معناه فانتظر يا محمد بهؤلاء يوم تأتي السماء بدخان مبين، قاله قتادة . ٢٤٦ سورة الدخان الآية - ٩ - ١٦ الثاني : معناه فاحفظ يا محمد قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين، ولذلك سمي الحافظ رقيباً، قال الأعشى (٢٤٤): عليّ رقيب له حافظٌ فقل في امرىءٍ غِلقٍ مرتهن وفي قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: ما أصاب أهل مكة من شدة الجوع حتى صار بينهم وبين السماء كهيئة الدخان لما دعا عليهم رسول الله وَّر في إبطائهم عن الإيمان وقصدهم له بالأذى، فقال (٢٤٥): ((اللَّهُمَّ اكفِيهِم بِسَبْعٍ كَسَبْع يُوسُفَ))، قاله ابن مسعود. قال أبو عبيدة والدخان الجدب. وقال ابن قتيبة: سمي دخاناً ليبس الأرض منه حتى يرتفع منها الدخان. الثاني: أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغيوم، قاله عبد الرحمن بن الأعرج. الثالث: أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة، وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً (٢٤٦). قوله : : وجل: ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الدخان، قاله قتادة . الثاني : الجوع : قاله النقاش. الثالث: أنه الثلج وهذا لا وجه له لأن هذا إما أن يكون في الآخرة أو في أهل مکة، ولم تكن مکة من بلاد الثلج غير أنه مقول فحکیناه . قوله عز وجل: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أي عائدون إلی نار جهنم. الثاني: إلى الشرك، قاله ابن مسعود. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي وآل﴾ لهم عادوا إلى تكذيبه. (٢٤٤) ديوانه: ١٩٠. (٢٤٥) رواه البخاري (٤٢٠،٣٩٤/٨، ٤٤٠) وزاد السيوطي في الدر (٢٩/٦) نسبته لسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبي نعيم والبيهقي في الدلائل معاً والطبري (١١١/٢٥). (٢٤٦) رواه ابن أبي حاتم كما في الدر (٤٠٨/٢٥). ٢٤٧ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ والبطشة الكبرى هي العقوبة الکبری، وفيها قولان : أحدهما: القتل بالسيف يوم بدر، قاله ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك. الثاني : عذاب جهنم يوم القيامة، قاله ابن عباس والحسن. ويحتمل : ثالثاً: أنها قيام الساعة لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا. ﴿إِنَّا مُتَقِمُونَ﴾ أي من أعدائنا. وفي الفرق بين النقمة والعقوبة ثلاثة أوجه: أحدها: أن العقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة، والنقمة قد تكون قبلها، قاله ابن عيسى . الثاني: أن العقوبة قد تكون في المعاصي، والنقمة قد تكون في خلقه لأجله. الثالث: أن العقوبة ما تقدرت، والانتقام غير مقدر. وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَ هُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴿ أَنْ أَدُّواْ إِلَىَ صلى وَأَنْ لََّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنِّيّ ءَاتِيَكُمْ بِسُلْطَنِ مُبِينٍ ١٨ عِبَادَ اللَّهِ إِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ لـ ﴿ وَإِنِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْأَنْ تَرْجُونِ (٢٥) وَإِن ◌َوْنُؤْمِنُوْلِ فَأْتِلُونِ [٦]فَدَعَا جَ وَأَتْرُكِ رَبَُّ, أَنَّهَؤُلاءِ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ الْبَحْرَرَهُوَّ إِنَّهُمْ جُنِدٌ مُّغْرَفُونَ ﴿ كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونٍ جَاوَزُرُوعِ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمَاءَاخَرِينَ ٢٧ وَمَقَامِ كَرِيمٍ جَا وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِينَ فَمَابَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْمُنْظَرِينَ (٨٩) وَلَقَدْ نَجَيْنَا بَنِيّ ٢٨ ٣١ ◌َ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيَا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ٣ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿٢) وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْأَبَتِ مَافِيهِ بَلَتُؤْأْ مُبِينَ ٣٣ ٢٤٨ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أي ابتليناهم. ﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ وهو موسى بن عمران عليه السلام. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كريم على ربه، قاله الفراء. الثاني : کریم في قومه . الثالث: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح . قوله عز وجل: ﴿أَنْ أَدُّوْاْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي أرسلوا معي بني إسرائيل ولا تستعبدوهم، قاله مجاهد. الثاني : أجيبوا عباد الله خيراً، قاله أبو صالح. الثالث: أدوا إليَّ يا عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله، وهذا محتمل. ﴿إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أُمِينٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أمين على أن أؤديه لكم فلا أتزيد فيه. الثاني : أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. قوله عز وجل: ﴿وَأَن لَّ تَعْنُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا تبغوا على الله، قاله قتادة. الثاني: لا تفتروا على الله، قاله ابن عباس، والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل، والافتراء بالقول. الثالث: لا تعظموا علی الله، قاله ابن جريج . الرابع: لا تستكبروا على عباد الله، قاله يحيى. والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر (٢٤٧). ﴿إِنّي ءَاتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بعذر مبين، قاله قتادة. الثالث: بحجة بينة، قاله يحيى . قوله عز وجل : ﴿وَإِنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ فيه وجهان : أحدهما: لجأت إلى ربي وربكم. الثاني: استغثت. والفرق بينهما أن الملتجىء مستدفع والمستغيث مستنصر. (٢٤٧) وهذه الفروق التي يسوقها الإمام الماوردي رحمه الله من اللفتات الجميلة في تفسيره فرحمه الله . ٢٤٩ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ قوله : ﴿بَرَيِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أي ربي الذي هو ربكم. ﴿أَن تَرْجُمُونِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالحجارة، قاله قتادة. الثاني: أن تقتلوني، قاله السدي. الثالث: أن تشتموني بأن تقولوا ساحر أو كاهن أو شاعر، قاله أبو صالح. ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي إن لم تؤمنوا بي وتصدقوا قولي فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي . قوله عز وجل: ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: سمتاً، قاله ابن عباس. الثاني : يابساً، قاله ابن أبي نجيح. الثالث: سهلاً، قاله الربيع. الرابع: طريقاً، قاله كعب والحسن. الخامس: منفرجاً، قاله مجاهد. السادس: غرقاً، قاله عكرمة. السابع: ساكناً، قاله الكلبي والأخفش وقطرب. قال القطامي (٢٤٨): يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلةٌ ولا الصدور على الأعجاز تتكل قال قتادة: لما نجا بنو إسرائيل من البحر وأراد آل فرعون أن يدخلوه خشي نبي الله موسى عليه السلام أن يدركوه فأراد أن يضرب البحر حتى يعود كما كان فقال الله تعالى: ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ أي طريقاً يابساً حتى يدخلوه. ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ قال مقاتل: هو النيل، وكان عرضه يومئذٍ فرسخين، قال الضحاك: كان غرقهم بالقلزم وهو بلد بين مصر والحجاز. فإن قيل فليست هذه الأحوال في البحر من فعل موسى ولا إليه. قيل يشبه أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه إنْ ضرب البحر بعصاه ثانية تغيرت أحواله، فأمره أن يكف عن ضربه حتى ينفذ الله قضاءه في فرعون وقومه . (٢٤٨) اللسان ((ها)) وروح المعاني (١٢٢/٢٥). ٢٥٠ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ وتأويل سهل بن عبد الله ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ﴾ أي اجعل القلب ساكناً في تدبيري (٢٤٩) ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ﴾ أي إن المخالفين قد غرقوا في التدبير. قوله عزوجل: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الجنات البساتين. وفي العيون قولان : أحدهما: عيون الماء، وهو قول الجمهور. الثاني : عیون الذهب، قاله ابن جبير. ﴿وَزُرُوعٍ ﴾ قيل إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها، وكانت مصر كلها تروی من ستة عشر ذراعاً لما دبروه وقدروه من قناطر وجسور. ﴿وَمَقَامٍ حَرِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها المنابر، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد. الثاني: المساكن، قاله أبو عمرو والسدي، لمقام أهلها فيها. الثالث: مجالس الملوك لقیام الناس فيها. ويحتمل رابعاً: أنه مرابط الخيل لأنها أكرم مذخور لعدة وزينة . وفي الكريم ثلاثة أوجه: أحدها: هو الحسن، قاله سعید بن جبير. الثاني: هو المعطي(*) لديه كما يعطي الرجل الكريم صلته، قاله ابن عيسى. الثالث: أنه کریم لکرم من فيه، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ في النعمة هنا أربعة أوجه: أحدها: نيل مصر، قاله ابن عمر. الثاني : الفيّوم، قاله ابن لهيعة. الثالث: أرض مصر لكثرة خیرها، قاله ابن زياد. الرابع: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال نعمة ونعمة بفتح النون وكسرها، وفي الفرق بينهما وجهان : (٢٤٩) وهذا التأويل أشبه بالتأويل الباطني وقد أغنانا الله تعالى عن مثل هذه التأويلات وأشباهها. (*) هكذا في الأصول والله أعلم. ٢٥١ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ أحدهما: أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في البدن والدين؛ قاله النضر بن شميل. الثاني: أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية، وبالفتح من التنعم وهو سعة العیش والراحة، قاله ابن زياد. وفي ﴿فاکھین﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: فرحين، قاله السدي. الثاني : ناعمين، قاله قتادة. الثالث: أن الفاكه هو المتمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة، قاله ابن عیسی . وقرأ يزيد بن القعقاع ﴿فَكِهِينَ﴾ ومعناه معجبين. قوله عز وجل ﴿كَذَلِكَ وَأُوْرَثْنَاهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ﴾ يعني بني إسرائيل ملكهم الله أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم کوصول الميراث. قوله عزوجل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أهل السماء وأهل الأرض، قاله الحسن. الثاني: أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً؛ قاله مجاهد. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ الثالث: أنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، قاله علي كرم الله وجهه. وتقديره فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنی قول سعيد بن جبير. الرابع: ما رواه يزيد الرقاشي (٢٥٠) عن أنس بن مالك. قال: قال رسول (٢٥٠) رواه الترمذي (٢ /١٥٨) وأبو يعلى مطولاً كما في المجمع (١٠٥/٧) وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث قلت ٢٥٢ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ الله ◌َلتُ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وله في السماء بابان، باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه فیکیا علیه)) ثم تلا هذه الآية . وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها: أنه کالمعروف من بكاء الحیوان ویشبه أن یکون قول مجاهد. الثاني : أنه حمرة أطرافها، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعطاء. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد (٢٥١) قال: لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر، واحمرارها بكاؤها. الثالث: أنها أمارة تظهر منها تدل على حزن وأسف. كقول الشاعر(٢٥٢): تبكي عليك نجوم الليل والقمرا والشمس طالعة ليست بكاسفة ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ فیه وجهان : أحدهما: مؤخرين بالغرق، قاله الكلبي . الثاني: لم ينظروا بعد الآيات التسع حتى أغرقوا، قاله مقاتل. وقد أعله الهيثمي في المجمع بموسى بن عبيدة فزاد السيوطي في الدر (١١/٧) نسبته لابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والخطيب. (٢٥١) هذا الأثر ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد وقد رواه ابن أبي حاتم وساق سنده ابن كثير (١٤٢/٤، ١٤٣) وقال الحافظ ابن كثير (١٤٣/٤) بعد أن ذكر الأثر .. وذكروا «وذكروا أيضاً في مقتل الحسين رضي الله عنه أن ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط وأنه كسفت الشمس واحمرّ الأفق وسقطت حجارة وفي كل من ذلك نظر والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين رضي الله عنه ولم يقع شيء مما ذكروه فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهذا أفضل منه بالإجماع ولم يقع شيءمن ذلك وعثمان بن عفان رضي الله عنه قتل محصوراً مظلوماً ولم يكن شيء من ذلك وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل في المحراب في صلاة الصبح وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك وهذا رسول الله وَ الر وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه ويوم مات إبراهيم ابن النبي وهو خسفت الشمس فقال الناس خسفت لموت إبراهيم فصلى بهم رسول اللّه ◌َلو صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته اهـ. قلت وكلام الحافظ رحمه الله غاية في المتانة فرحمه الله وأجزل له العطاء . (٢٥٢) هو جرير الشاعر يرثي عمر بن عبد العزيز والبيت في ديوانه: ٣٠٤ ومشكل القرآن ١٢٨ واللسان ((بكى)) وروح المعاني (١٢٤/٢٥). والبيت في الديوان : فالشمس كاسفة لست بطالعة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا ٢٥٣ سورة الدخان الآية - ١٧ - ٣٣ قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آَخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ معناه على علم منا بهم. وفي اختیارہ لهم ثلاثة أوجه : أحدها: باصطفائهم لرسالته، والدعاء إلى طاعته. الثاني : باختيارهم لدينه وتصدیق رسله. الثالث: بإنجائهم من فرعون وقومه . وفي قوله : ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قولان: أحدهما: على عالمي زمانهم، لأن لكل زمان عالماً، قاله قتادة. الثاني: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغدرهم(٢٥٣)، حكاه ابن عيسى. قوله عز وجل ﴿وءَاتَيْنَاهُم مِّنَ آلآيَاتِ مَا فِیهِ بَلاءُ مُِّينٌ﴾ فیه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أنجاهم من عدوهم وفلق البحر لهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، قاله قتادة. ويكون هذا الخطاب متوجهاً إلى بني إسرائيل. الثاني: أنها العصا ويده البيضاء، ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجهاً إلى قوم فرعون . الثالث: أنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به، قاله عبد الرحمن بن زيد. ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفريقين معاً من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي قوله ﴿مَا فِيهِ بَلاءُ مُّبِينٌ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: نعمة ظاهرة، قاله الحسن وقتادة كما قال تعالى ﴿وَلِيُبْلَي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بلاءً حسناً﴾. وقال زهير (٢٥٤): فأبلاه خير البلاء الذي یبلو. الثاني : عذاب شديد، قاله الفراء. الثالث: اختیار بیِّن یتمیز به المؤمن من الكافر، قاله عبد الرحمن بن زید. (٢٥٣) والقول الأول أرجح رجحه كثير من المفسرين. (٢٥٤) فتح القدير (٥٧٦/٤). ٢٥٤ سورة الدخان الآية - ٣٤ - ٣٧ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ فِ لا ٣٤ أَ فَأَتُواْ ٣٥ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَيَقُولُونَ بِثَابَبِنَآ إِن كُتُمْ صَدِّقِينَ ﴿أَهُمْ خَيْرٌأَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ ◌َِهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ٣٧ قوله عز وجل : ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ يعني كفار قريش. ﴿إِن هِيَ إِلَّ مَوْتَتُنَا الأَولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ أي بمبعوثين قيل: إن قائل هذا أبو جهل قال: يا محمد إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما قصيّ بن كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً، لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات، لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف. فكأنه قال: إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل لو قال: إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء، فلمٍ لا يرجع من مضى من الآباء. قوله عز وجل: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أُمْ قَوْمُ تَّعٍ﴾ فيه وجهان : أحدهما: أهم أظهر نعمة وأكثر اموالاً . الثاني : أهم أعز وأشد أم قوم تبع . وحكى قتادة أن تبعاً كان رجلاً من حمير سار بالجيوش حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها. وحكي لنا أنه كان إذا كتب؛ كتب باسم الله الذي سما وملك برأ وبحراً وضحاً وريحاً . وروي عن عمرو بن رجاء عن سهل بن سعد الساعدي (٢٥٥) أن رسول الله وليل قال: لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم. وحكى ابن قتيبة في المعارف (٢٥٦) شعراً ذكر أنه لتبع وهو: (٢٥٥) رواه الطبري وابن مردويه كما في الدر (٤١٥/٧). (٢٥٦) المعارف ص ٦٣٠ لابن قتيبة ولكن من البيت الثاني إلى الأخير فيه اختلاف وزيادة. وهاك ما في المعارف: وغروبها صفراء كالورس وطلوعها بيضاء صافية تجري على كبد السماء كما يجري حمام الموت في النفس. ومضى بفضل قضائه أمس اليوم نعلم ما يجيء به قال ابن قتيبة وبعض الرواة يذكرون أن هذا الشعر لأسقف نجران اهـ. ٢٥٥ سورة الدخان الآية - ٣٨ - ٤٢ وطلوعها من حيث لا تُمْسِي منح البقاءَ تقلبُ الشمسِ وغروبُها حمراءَ كالورْسِ وشروقها بيضاء صافية سيراً لأبلغ مطلع الشمس وتشتت الأهواءِ أزعجني رأي الحليم إلى شفا لبسٍ ولرب مطعمةٍ يعود لها وفي تسميته تبعاً قولان: أحدهما: لأنه تَبعَ من قبله من ملوك اليمن كما قيل خليفة لأنه خلف من قبله. الثاني : لأنه اسم لملوك اليمن. وذم الله قومه ولم يذمه، وضرب بهم مثلاً لقريش لقربهم من دارهم، وعظمهم في نفوسهم، فلما أهلكهم الله ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا لَعِبِينَ مَا خَلَقْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقّ ٣٨ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ٣٩ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يَوْمَ لَيُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿ إِلَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٤٢ قوله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غافلين، قاله مقاتل . الثاني : لاهين، قاله الكلبي .. ﴿وَمَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان : أحدهما: للحق، قاله الكلبي . الثاني : بقول الحق، قاله مقاتل. قوله عز وجل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَضْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني يوم القيامة، وفي تسميته بيوم الفصل وجهان : أحدهما: [إن الله] يفصل فيه أمور عباده. الثاني : لأنه یفصل فيه بين المرء وعمله. ٢٥٦ سورة الدخان الآية - ٤٣ - ٥٠ كَالْمُهْلِ يَغْلِىِ فِىِ الْبُطُونِ لا طَعَامُ الْأَثِمِ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ! ٤٦ كَغَلِىِ الْحَمِيمِ لـ ٤٥ ثُمّ صُبُّواْ ٤٧ أَ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ٤٨ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴿ إِنَّ هَذَا مَا كُتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ قوله عز وجل: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأُثِيمِ﴾ قد ذكرنا ما في الزقوم من الأقاويل، وهو في اللغة ما أُكِلَ بكرْه شديد. ولهذا يقال قد تزقم هذا الطعام تزقماً أي هو في حکم من أكله بكره شدید لحشو فمه وشدة شره. وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم (٢٥٧) أبو جهل. وفي الأثيم وجهان: أحدهما: أنه الآثم، قاله ابن عیسی . الثاني : المشرك المكتسب للإثم، قاله يحيى . قوله عز وجل: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ فيه خمسة أوجه : أحدها: فجروه، قاله الحسن. الثاني : فادفعوه، قاله مجاهد. الثالث: فسوقوه، حكاه الكلبي . الرابع : فاقصفوه كما يقصف الحطب، حكاه الأعمش : الخامس: فردوه بالعنف، قاله ابن قتيبة. قال الفرزدق (٢٥٨): ليس الكرام بناحليك أباهم حتى ترد إلى عطية تعتل ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وسط الجحيم، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. الثاني : معظم الجحيم يصيبه الحر من جوانبها، قاله الحسن. (٢٥٧) لعله يقصد أنها طعام الأثيم فإن المعروف أن شجرة الزقوم هي شجرة في النار تنبت في أصل الجحيم على ما أخبرنا ربنا. (٢٥٨) فتح القدير (٥٧٩/٤) ديوانه: ٧٢٢، الطبري (١٣٣/٢٥). ٢٥٧ سورة الدخان الآية - ٥١ - ٥٩ قوله عز وجل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وفيه أربعة أوجه: أحدها: معناه أنك لست بعزيز ولا كريم، لأنه قال توعدني محمد، والله إني لأعز من مشى حبليها، فرد الله عليه قوله، قاله قتادة. الثاني: أنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، قاله قتادة أيضاً . الثالث: أنه قيل له ذلك استهزاء على جهة الإهانة، قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنك أنت العزيز في قومك، الكريم على أهلك حكاه ابن عيسى . يَلْبَسُونَمِن سُنْدُسِ إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ (@ا فِ حَتَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَِلِينَ ٥٣ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُورِ عِينٍ ٥٤ يَدْعُونَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ،اِمِنِين اُلْمَوْتَةً أُلْأُولَّ وَوَقَنُهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾فَضْلًا مِّن رَّبِكَ ذَلِكَ هُوَ فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿ فَارْتَقِبُ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ. إِنَّهُم مُرْتَقِبُونَ قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أُمِينِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أمين من الشيطان والأحزان، قاله قتادة. الثاني: أمين من العذاب، قاله الكلبي . الثالث: من الموت، قاله مقاتل . قوله عز وجل: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن السندس الحرير الرقيق، والاستبرق الديباج الغليظ، قاله عكرمة. الثاني: السندس يعمل بسوق العراق وهو أفخر الرقم، قاله يحيى، والاستبرق الديباج سمي استبرقاً لشدة بريقه، قاله الزجاج. الثالث: أن السندس ما يلبسونه، والاستبرق ما يفترشونه . وفي ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ وجهان: ٢٥٨ سورة الدخان الآية - ٥١ - ٥٩ أحدهما: متقابلين بالمحبة لا متدابرين بالبغضة، قاله علي بن عيسى . الثاني : متقابلين في المجالس لا ينظر بعضهم قفا بعض، قاله مجاهد. قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ يعني القرآن. وفيه وجهان : أحدهما: معناه جعلناه بلسانك عربياً . الثاني: أطلقنا به لسانك تيسيراً. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما: يرجعون. الثاني : يعتبرون. ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما : فانتظر ما وعدتك من النصر عليهم. إنهم منتظرون بك الموت، حكاه النقاش. الثاني: وانتظر ما وعدتك من الثواب فإنهم من المنتظرين لما وعدتهم من العقاب. والله أعلم. ٢٥٩ سورة الجاثية الآية - ١ - ٥ ـريبها ٤٥ سُورَةُ الحَاثِيَةِ آياتها) مكية كلها، في قول الحسن وعطاء وجابر وعكرمة، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية، وهي ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُ واْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ حَمّ ◌َتَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿٤﴾ إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَفِ خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِن دَابَةٍ،َيَتٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ ﴿ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالْنَهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِّزْقٍ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَايَتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٥ قوله عز وجل: ﴿حَمَ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن. ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وفي إضافة التنزيل إليه في هذا الموضع وفي أمثاله وجهان : أحدهما: افتتاح کتاب منه کما یفتتح الکاتب کتابه به . الثاني : تعظيماً لقدره وتضخيماً لشأنه عليه في الابتداء بإضافته إليه . قوله عز وجل : ﴿وَأَخْتِلَافِ الليْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني اختلافهما بالطول والقصر. ٢٦٠