النص المفهرس
صفحات 81-100
سورة ص الآية - ١٢ - ١٦ ﴿وفرعون ذُو الأوتاد﴾ وفي تسميته بذي الأوتاد أربعة أقاويل: أحدها: أنه كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتاداً، قاله الضحاك. الثاني: أنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب عليها، قاله ابن عباس وقتادة. الثالث: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قاله السدي . والرابع: أنه يريد ثابت الملك شديد القوة كثبوت ما يشد بالأوتاد كما قال الأسود بن يعفر (٩٣): م ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد ﴿وثمود﴾ وهم عرب وحكى مقاتل أن عاداً وثمود أبناء عم، وكانت منازل ثمود بالحجر بين الحجاز والشام منها وادي القرى، بعث الله إليهم صالحاً، واختلف في إیمانهم به، فذكر ابن عباس أنهم آمنوا ثم مات فرجعوا بعده عن الإيمان فأحياه الله تعالى وبعثه إليهم وأعلمهم أنه صالح فكذبوه وقالوا قد مات صالح فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فأتاهم الله الناقة، فكفروا وعقروها، فأهلكهم الله. وقال ابن إسحاق: إن الله بعث صالحاً شاباً فدعاهم حتى صار شيخاً، فعقروا الناقة ولم يؤمنوا حتى هلكوا. ﴿وقوم لوط﴾ لم يؤمنوا حتى أهلكهم الله تعالى. قال مجاهد: وكانوا أربعمائة ألف بيت في كل بيت عشرة. وقال عطاء ما من أحد من الأنبياء إلا يقوم معه يوم القيامة قوم من أمته إلا آل لوط فإنه يقوم القيامة وحده. ﴿وأصحاب الأيكة﴾ بعث الله إليهم شعيباً. وفي ﴿الأيكة) قولان: أحدهما: أنها الغيضة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الملتف من النبع والسدر قاله ابو عمرو بن العلاء. قال قتادة: بعث شعيب إلى أمتين من الناس إلى أصحاب الأيكة وإلى مدين، وعذبتا بعذابين. ﴿أولئك الأحزاب﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: أحزاب على الأنبياء بالعداوة. الثاني : أحزاب الشياطين بالموالاة. (٩٣) غريب القرآن (٣٧٧) البحر المحيط (٣٨٦/٧) القرطبي (١٥٥/١٥) المفضليات (١١) زاد المسير (١٠٦/٧). ٨١ سورة ص الآية - ١٢ - ١٦ قوله عز وجل: ﴿وما ينظر هؤلاء﴾ يعني كفار هذه الأمة. ﴿إلا صيحة واحدة﴾ يعني النفخة الأولى. ﴿ما لها من فواق﴾، قرأ حمزة والكسائي بضم الفاء، والباقون بفتحها (٩٤)، واختلف في الضم والفتح على قولين: أحدهما: أنه بالفتح من الإفاضة وبالضم فُواق الناقة وهو قدر ما بين الحلبتين تقديراً للمدة . الثاني : معناهما واحد، وفي تأويله سبعة أقاويل: أحدها: معناه ما لها من ترداد، قاله ابن عباس. الثاني: ما لها من حبس، قاله حمزة بن إسماعيل. الثالث: من رجوع إلى الدنيا، قاله الحسن وقتادة. الرابع: من رحمة. وروي عن ابن عباس أيضاً. الخامس: ما لها من راحة، حكاه أبان بن تغلب. السادس: ما لها من تأخير لسرعتها قاله الكلبي، ومنه قول أبي ذؤيب: فياليت القيامة عن فواق إذا ماتت عن الدنيا حياتي السابع: ما لهم بعدها من إقامة، وهو بمعنى قول السدي . قوله عز وجل: ﴿وقالوا ربنا عَجِّل لنا قِطنا ... ) الآية. فيه خمسة تأويلات: أحدها: معنى ذلك عجل لنا حظنا من الجنة التي وعدتنا، قاله ابن جبير. الثاني: عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي وعدتنا استهزاء منهم بذلك، قاله ابن عباس. الثالث: عجل لنا رزقنا، قاله إسماعيل بن أبي خالد. الرابع: أرنا منازلنا، قاله السدي . الخامس: عجل لنا في الدنيا كتابنا في الآخرة وهو قوله ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه ... وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ استهزاء منهم بذلك. وأصل القط القطع، ومنه قط القلم وقولهم ما رأيته قط أي قطع الدهر بيني وبينه وأطلق على النصيب (٩٤) زاد المسير (١٠٧/٧) والحجة في القراءات ٦١٣. ٨٢ سورة ص الآية - ١٧ - ٢٠ والكتاب والرزق لقطعه عن غيره إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالاً وأقوى حقيقة، قال أمية بن أبي الصلت(٩٥): قوم لهم ساحة العراق وما يجبى إليه والقط والقلح وفيه لمن قال بهذا قولان : أحدهما: أنه ینطلق علی کل کتاب یتوثق به . الثاني : أنه مختص بالكتاب الذي فيه عطية وصلة، قاله ابن بحر. أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذَكُرْ عَبْدَنَا دَاوُ دَ ذَا الْأَنَّ إِنَّهُ أَوَابُ (٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ ◌َ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلُّلَّهُ، أَوَابٌ () وَشَدَدْنَا ١٨ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ مُلْكَهُوَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ٢٠ قوله عزوجل: ﴿اصبر على ما يقولون﴾ يعني كما صبر أولوا العزم من الرسل لا کمن لم یصبر مثل يونس . ﴿واذكر عبدنا داود﴾ أي فإنا نحسن إليك كما أحسنا إلى داود قبلك بالصبر. ذا الأيد﴾ فيه قولان : أحدهما: ذا النعم التي أنعم الله بها عليه لأنها جمع ید حذفت منه الياء، واليد النعمة . الثاني: ذا القوة، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد، ومنه ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ أي بقوة . وفیما نسب داود إليه من القوة قولان : أحدهما: القوة في طاعة الله والنصر في الحرب، قاله مجاهد. الثاني: ذا القوة في العبادة والفقه في الدين (٩٦) قاله قتادة. وذكر أنه كان يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر. (٩٥) اللسان والبيت فيه: قوم لهم ساحة العراق جميعاً والقط والقلم. (٩٦) ولا مانع من القول بالقولين فهو عليه الصلاة والسلام كان صاحب قوة في البدن والعبادة والثقة في الدین. ٨٣ سورة ص الآية - ٢١ - ٢٤ ﴿إنه أواب﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه التواب، قاله مجاهد وابن زيد. الثاني : أنه الذي یؤوب إلی الطاعة ویرجع إليها، حكاه ابن زياد. الثالث: أنه المسبح، قاله الكلبي . الرابع: أنه الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها، قاله المنصور. قوله عز وجل : ﴿وشددنا ملكه﴾ فیه وجهان: أحدهما: بالتأييد والنصر. الثاني : بالجنود والهيبة. قال قتادة: باثنين وثلاثين ألف حرس. ﴿وآتيناه الحكمة﴾ فيها خمسة تأويلات: أحدها: النبوة، قاله السدي . الثاني : السنّة، قاله قتادة. الثالث: العدل، قاله ابن نجیح . الرابع: العلم والفهم، قاله شريح. الخامس: الفضل والفطنة . ﴿وفصل الخطاب﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: على القضاء والعدل فيه، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: تكليف المدعي البينة والمدعَى عليه اليمين، قاله شريح وقتادة. الثالث: قوله أما بعد، وهو أول من تكلم بها، قاله أبو موسى الأشعري والشعبي . الرابع: أنه البيان الكافي في كل غرض مقصود. الخامس: أنه الفصل بين الكلام الأول والكلام الثاني . وَهَلْ أَتَئِكَ نَبُواْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمّ قَالُواْلَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَآ إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ [ثَإِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ يَسْعُ وَنَسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ تَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّبِىِ فِ الْخِطَابِ ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، ٨٤ سورة ص الآية - ٢٤، ٢٥ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ اْخُلَطَاءِ لَبْغِيِ بَعْضُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِيلٌ مَاهُمُّ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ ﴾ ٢٤ ٢٥ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّلَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَعَادٍ قوله عز وجل: ﴿وهل أتاك نبأ الخَصْم﴾ والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة لأن أصله المصدر. ﴿إِذ تسوروا المحراب﴾ ومعنى تسوروا أنهم أتوه من أعلى سورة وفي المحراب أربعة أقاويل : أحدها: أنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد،قاله أبو عبيدة. الثاني: مجلس الأشراف الذي يتحارب عليه لشرف صاحبه، حكاه ابن عیسى . الثالث: أنه المسجد، قاله يحيى بن سلام. الرابع: أنه الغرفة لأنهم تسوروا عليه فيها. ﴿إذ دخلوا على داود ففزع منهم﴾ وسبب ذلك ما حكاه ابن عيسى(*): إن داود حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم، فقيل له إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك، فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه، فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير فجعل يدرج بين يديه، فهمّ أن يستدرجه بيده فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب فدنا منه ليأخذه فانتفض فاطلع لينظره فأشرف على امرأة تغتسل فلما رأته غطت جسدها(٩٧) بشعرها، قال السدي فوقعت (*) وفي تفسير القرطبي ابن عباس ولعله الأصح . (٩٧) وهذه القصة باطلة ولا تصح فهي من الإسرائيليات التي اختلقها اليهود ونسبوها زوراً وبهتاناً إلى نبي الله داود وليست هذه بأول اكاذيبهم فتاريخهم معروف فقد سبوا رب الأرباب وحرفوا الكتاب وسفكوا الدماء وقتلوا الأبرياء والتفسير الصحيح للأب على ظاهرها وقد صرح كثير من أهل العلم بطلان هذه القصة المزعومة كابن كثير والقرطبي والقاضي عياض وابن الجوزي وابن حزم وأبي حيان التوحيدي والفخر الرازي والخازن والألوسي وغيرهم ومحل بسط وتفنيد هذه القصة في رسالة جمعناها فذلك وقد أشرنا إليها في سورة النمل. ٨٥ سورة ص الآية - ٢٤، ٢٥ في قلبه، قال ابن عباس وكان زوجها غازياً في سبيل الله، قال مقاتل وهو أوريا بن حنان، فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود فاشترطت عليه ان ولدت غلاماً أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتاباً وأشهدت عليه خمسين رجلاً من بني إسرائيل فلم يشعر بفتنتها حتى ولدت سليمان وشب وتسور عليه الملكان وكان من شأنهما ما قَصَّه الله في كتابه. وفي فزعه منهما قولان: أحدهما: لأنهم تسوروا عليه من غير باب. الثاني : لأنهم أتوه في غير وقت جلوسه للنظر. ﴿قالوا لا تخف خصمان بَغَى بعضنا على بعض﴾ وكانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا باغيين، ولا يأتي منهما كذب، وتقدير كلامهما: ما تقول إن أتاك خصمان وقالا بغى بعضنا على بعض. وثنى بعضهم هنا وجمعه في الأول حيث قال: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم﴾ لأن جملتهم جمعت، وهم فريقان كل واحد منهما خصم. ﴿فاحكم بيننا بالحق﴾ أي بالعدل. ﴿ولا تشطط﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تملْ، قاله قتادة. الثاني: لا تَجُر، قاله السدي. الثالث: لا تسرف، قاله الأخفش. وفي أصل الشطط قولان: أحدهما: أن أصله البعد من قولهم شطط الدار إذا بعدت، قال الشاعر(٩٨): والدار بعد غد أبعد تشطط غداً دار جيراننا الثاني: الإفراط. قال الشاعر(٩٩): وزعمن أن أودى بحقّي باطلي ألا يالقومي قد اشطّت عواذلي (٩٨) اللسان (شطط) ولم ينسبه وفيه وللدار .... والطبري (١٤٢/٢٣). (٩٩) هو الأحوص والبيت في اللسان (شطط) والطبري (١٤٢/٢٣). ٨٦ سورة ص الآية - ٢٤، ٢٥ ﴿واهدنا إلی سواء الصراط﴾ فیه وجهان: أحدهما: أرشدنا إلى قصد الحق، قاله يحيى. الثاني: إلى عدل القضاء، قاله السدي. ﴿إن هذا أخي﴾ فيه وجهان: أحدهما : يعني على ديني، قاله ابن مسعود. الثاني: يعني صاحبي، قاله السدي . ﴿له تسع وتسعونَ نعجةً وليَ نعجةٌ واحدةٌ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنه أراد تسعاً وتسعين امرأة، فكنى عنهن، بالنعاج، قاله ابن عيسى . قال قطرب: النعجة هي المرأة (١٠٠) الجميلة اللينة. الثاني : أنه أراد النعاج ليضربها مثلالداود، قاله الحسن. ﴿فقال أکفلنیھا﴾ فیه ثلاثة أوجه: أحدها: ضمها إليَّ، قاله یحیی. الثاني : أعطنيها، قاله الحسن. الثالث: تحوّل لي عنها، قاله ابن عباس وابن مسعود. ﴿وعزّني في الخطاب﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أي قهرني في الخصومة، قاله قتادة. الثاني: غلبني على حفي، من قولهم من عزيز أي من غلب سلب، قاله ابن عيسى . الثالث: معناه إن تكلم كان أبين، وإن بطش كان أشد مني، وإن دعا كان أكثر مني، قاله الضحاك. قوله عزوجل: ﴿قال لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِك إلى نِعاجه﴾ فإن قيل فكيف یحکم لأحد الخصمین علی الآخر بدعواه؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الآخر قد كان أقر بذلك فحكم عليه داود عليه السلام بإقراره، فحذف اكتفاء بفهم السامع، قاله السدي . (١٠٠) والأولى والصحيح تفسير الآية على ظاهرها فالمراد بالنعاج على هذا إناث الضأن وما الضير في حمل الآيات على ذلك لا سيما ولم يرد ما يدل على صرف اللفظ إلى الكناية . ٨٧ سورة ص الآية - ٢٤، ٢٥ الثاني : إن كان الأمر كما تقول لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. ﴿وإنّ كثيراً من الخُلَطاءِ﴾ یحتمل وجهین: أحدهما: الأصحاب. الثاني : الشركاء. ﴿لَيْغِي بعضهم على بعض﴾ أي يتعدى. ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تقديره فلا يبغي بعضهم على بعض، فحذف اكتفاء بفهم السامع . ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وقليل ما فيه من يبغي بعضهم على بعض، قاله ابن عباس. الثاني: وقليل من لا يبغي بعضهم على بعض ، قاله قتادة. وفي ﴿ما﴾ التي في قوله ﴿وقليل ما هم﴾ وجهان: أحدهما: أنها فضلة زائدة تقديره: وقليل هم. الثاني: أنها بمعنى الذي: تقديره: وقليل الذين هم كذلك. ﴿وظن داود أنما فتناه﴾ قال قتادة أي علم داود أنما فتناه وفيه ثلاثة أوجه. أحدها: اختبرناه، قاله ابن عباس. الثاني : ابتليناه، قاله السدي . الثالث: شددنا عليه في التعبد، قاله ابن عيسى . ﴿فاستغفر ربَّه﴾ من ذنبه. قال قتادة: قضى نبي الله على نفسه ولم يفطن لذلك، فلما تبین له الذنب استغفر ربه. واختلف في الذنب على أربعة أقاويل: أحدها: أنه سمع من أحد الخصمين وحكم له قبل سماعه من الآخر(١٠١). (١٠١) وهذا القول ليس بشيء فأقل الناس معرفة بطرق الحكم بين الناس يعلم أن الحاكم لا بد أن يسمع الطرفين فما بالك بالنبي داود الذي أعطاه الله الحكم وفصل الخطاب وقد حاول البعض تأويل ذلك بأن نبي الله داود حكم أحد الخصمين باعترافه دون سماع من الطرف الآخر. ولكن هذا التأويل يحتاج إلى نقل صحیح ولا یوجد. ٨٨ سورة ص الآية - ٢٤، ٢٥ الثاني: هو أن وقعت عينه على امرأة أوريا بن حنان(١٠٢) واسمها اليشع وهي تغتسل فأشبع نظره منها حتى علقت بقلبه. الثالث: هو ما نواه إن قتل زوجها تزوج بها(١٠٣) وأحسن الخلافة عليها، قاله الحسن(١٠٤). وحكى السدي عن علي كرم الله(١٠٥) وجهه قال: لوسمعت رجلاً يذكر أن داود قارف من تلك المرأة محرَّماً لجلدته ستين ومائة لأن حد الناس ثمانون وحد الأنبياء ستون ومائة، حدّان. ﴿وَخَرّ راكعاً وأناب﴾ أي خرّ ساجداً وقد يعبر عن السجود بالركوع، قال الشاعر: فخر على وجهه راكعاً وتاب إلى الله من كل ذنب قال مجاهد: مكث أربعين يوماً ساجداً لا يرفع رأسه حتى نبت(١٠٦) المرعى من دموع عینه فغطی رأسه إلى أن قال الله تعالی : ﴿فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ أي مرجع. في الزلفي وجهان: أحدهما: الكرامة، وهو المشهور. الثاني: الرحمة قاله الضحاك. فرفع رأسه وقد قرح جبينه. واختلف في هذه السجدة على قولين: (١٠٢) وهذا القول باطل لأنه يعتمد على الحديث الباطل الإسرائيلي وقد تقدم الإشارة إلى إبطاله. (١٠٣) وهذا باطل أيضاً لأنه ما كان نبي الله داود أن يحتال على قتل مسلم بريء بغير ذنب أو يكن في صدره قتل أحد ليأخذ امرأته ... ولو فعل ذلك آحاد الناس لكان قبيحاً وشنيعاً فما بالك بنبي الله داود. (١٠٤) ولاحظ أن المؤلف لم يذكر القول الرابع ولعل أحسن ما قيل في ذلك عندي هو أن نبي الله داود فزع في محرابه وهذا لا يليق بحضرة الرب تبارك وتعالى لذلك عاتبه الله عز وجل وقد بسط ذلك الشيخ الغماري في رسالته قصة داود. (١٠٥) وهذا الاثر لم يصح عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ففي الطريق السدي وقد نبه على عدم صحته الزين العراقي كما نقله الالوسي في روح المعاني (٢٣ /١٨٥) وليس معنى ذلك أنه يجوز للشخص أن يقول هذه القصة بل إن من ردد هذه القصة دون إبطال لها وتحذير الناس منها فقد أعظم على نبي الله داود الفرية وشارك اليهود في صنيعهم ويخشى عليه من الانسلاخ من الدين والعياذ بالله . (١٠٦) وهذا القول فيه من المبالغات ما فيه وهو من الإسرائيليات ولم يصح عن المعصوم في ذلك شيء راجع تعليق الشيخ الأرناؤوط على كتاب التوابين فصل في توبة داود عليه السلام ص. ٨٩ سورة ص الآية - ٢٦ أحدهما: أنها سجدة عزيمة تسجد عند تلاوتها في الصلاة وغير الصلاة، قاله أبو حنيفة . الثاني: أنها سجدة شكر لا يسجد عند تلاوتها لا في الصلاة، ولا في غير الصلاة وهو قول الشافعي . قال وهب بن منبه: فمكث داود(١٠٧) حیناً لا یشرب ماء إلا مزجه بدموعه، ولا يأكل طعاماً إلا بلّه بدموعه، ولا ينام على فراش إلا غرقه بدموعه. وحكي عن داود أنه كان يدعو على الخطائين فلما أصاب الخطيئة كان لا يمر بواد إلا قال: اللهم اغفر للخاطئین لعلك تغفر لي معهم. يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الهِنَّالَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ قوله عز وجل: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ فیه وجهان: أحدهما: خليفة لله تعالى (١٠٨) وتكون الخلافة هي النبوة. الثاني: خليفة لمن تقدمك لأن الباقي خليفة الماضي وتكون الخلافة هي الملك. ﴿فاحکم بين الناس بالحق﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالعدل. الثاني : بالحق الذي لزمك لنا. ﴿ولا تتبع الهوى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن تمیل مع من تهواه فتجوز. الثاني : أن تحكم بما تهواه فتزلٌ. (١٠٧) وهذا القول كسابقه. (١٠٨) ولا يجوز إطلاق ذلك فلا يقال فلان خليفة الله فإن الله تعالى حاضر لا يغيب وقد نبه على ذلك المؤلف في سورة فاطر وعلى هذا فالقول الثاني الذي ذكره المؤلف هنا هو الصواب. ٩٠ سورة ص الآية - ٢٧ - ٣٣ ﴿فیضلك عن سبيل الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن دین الله. الثاني: عن طاعة الله. ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نَسُوا يوم الحساب﴾ فيه وجهان : أحدهما: بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي. الثاني: بما أعرضوا عن يوم الحساب، قاله الحسن. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْمِنَ النَّارِ ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اْلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ لِيَّبَّرُوْءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ إِذْ عُرِضَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴿َاوَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ , أَوَابُ عَلَيْهِ بِالْعَشِ الصَّفِنَاتُ الْحِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْ عَن ذِكْرِرَتِى حَتَّى صِلے ٣٣ أَرُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ٣٢ تَوَارَتْبِالحِجَابِ قوله عز وجل: ﴿إِذ عُرِض عليه بالعشي الصافئات الجياد﴾ الخيل وفيه وجهان: أحدهما: أن صفونها قيامها ومنه ما روي عن النبي ◌َّفي (١٠٩) أنه قال ((من سره أن يقوم الرجال له صفوفاً فليتبوأ مقعده من النار)) أي يديمون له القيام حكاه، قطرب وأنشد قول النابغة (١١٠): لنا قبة مضروبة بفنائها عتاق المهاري والجياد الصوافن (١٠٩) رواه أبو داود (٥٢٢٩) والترمذي (٢٧٥٥) والطحاوي في مشكل الآثار (٤٠/٢) والبخاري في الأدب (٩٧٧) والدولابي في الكنى (٩٥/١) وأحمد (٩٣/٤، ١٠٠) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢١٩/١) من حديث معاوية رضي الله عنه وحسنه الترمذي وصححه الألباني في السلسلة رقم ٣٥٧ وأما اللفظ الذي ذكره المؤلف - فلم أعثر عليه هكذا ولكن اللفظ في المصادر السابقة ((من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)). (١١٠) فتح القدير (٤٣١/٤) روح المعاني (١٩٠/٢٣). ٩١ سورة ص الآية - ٢٧ - ٣٣ الثاني : أن صفونها رفع احدى اليدين على طرف الحافر حتى تقوم على ثلاث كما قال الشاعر(١١١): ألف الصفون فما يزل كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا وفي ﴿الجياد﴾ وجهان: أحدهما: أنها الطوال العناق مأخوذ من الجيد وهو العنق لأن طول أعناق الخيل من صفات فراهتها . الثاني: أنها السريع، قاله مجاهد واحدها جواد سمي بذلك لأنه يجود بالركض. قوله عز وجل : ﴿فَقَالَ إني أحببت حُبَّ الخَيْرِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حب المال، قاله ابن جبير والضحاك. الثاني: حب الخيل قاله قتادة والسدي. ومنه قول النبي ◌َّير(١١٢) ((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)) وفي قراءة ابن مسعود: حب الخيل. الثالث: حب الدنيا، قاله أسباط. وفي ﴿أحببت حب الخير﴾ وجهان: أحدهما: أن فيه تقديماً وتأخيراً تقديره: أحببت الخير حباً فقدم، فقال: أحببت حب الخير ثم أضاف فقال أحببت حب الخير، قاله بعض النحویین. الثاني: أن الكلام على الولاء في نظمه من غير تقديم ولا تأخير، وتأويله: آثرت حب الخير. ﴿عَن ذِکر ربي﴾ فیه وجهان: أحدهما: عن صلاة العصر، قاله علي رضي الله عنه. الثاني : عن ذكر الله تعالی، قاله ابن عباس. (١١١) اللسان (صفن)، روح المعاني (١٧٢/٢٣) والقرطبي (١٩٣/١٥). البحر المحيط (٣٨٨/٧) فتح القدير (٤ / ٤٣١). (١١٢) رواه البخاري (٤٠/٦) ومسلم (١٨٧١) والنسائي (٢٢١/٦، و٢٢٢) ومالك (٤٦٧/٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنها. ٩٢ سورة ص الآية - ٢٧ - ٣٣ وروى الحارث عن علي كرم الله وجهه(١١٣) قال سئل رسول الله وَلايقل عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة العصر التي فرط فيها نبي الله سليمان عليه السلام. ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ فيه قولان: أحدهما: حتى توارت الشمس بالحجاب، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، قاله قتادة وکعب. الثاني : توارت الخيل بالحجاب أي شغلت بذكر ربها إلى تلك الحال، حكاه ابن عيسى . والحجاب الليل يسمى حجاباً لأنه يستر ما فيه. قوله عز وجل: ﴿رُدُّوها عليَّ﴾ يعني الخيل لأنها عرضت عليه فكانت تجري بين يديه فلا يستبين منها شيء لسرعتها وهو يقول اللهم أغضَّ بصري، حتى غابت بالحجاب ثم قال ردوها عليّ . ﴿فطفق مسحاً بالسوق والأعناق﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه من شدة حبه لها مسح عراقيبها وأعناقها، قاله ابن عباس. الثاني: أنه لما رآها قد شغلته عن الصلاة ضرب عراقيبها وأعناقها، قاله الحسن وقتادة . ولم يكن ما اشتغل عنه من الصلاة (١١٤) فرضاً بل كان نفلاً لأن ترك الفرض (١١٣) وهذه الرواية ضعيفة لأنها من طريق الحارث الأعور وهو ضعيف وقد رواها الطبري (١٥٥/٢٣) وابن المنذر كما في الدر (١٧٧/٧) وقد مرت أحاديث صحيحة في تعيين الصلاة الوسطى وهي العصر. وقد أوردنا في سورة البقرة بعضها. قال الحافظ ابن كثير (٣٣/٤) ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر ثم قال ... والذي يقطع به أنه لم يتركها عمداً بل نسياناً كما شغل النبي ◌َّيه يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب قال وذلك ثابت في الصحيحة من غير وجه قال ومن ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله وَّلخير والله ما صليتها فقال فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. (١١٤) كيف يتناسب هذا مع ما ذكره المؤلف من أن الصلاة التي شغل عنها نبي الله سليمان هي العصر. ٩٣ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ عمداً فسق، وفعل ذلك تأديباً لنفسه. والخيل مأكولة اللحم فلم يكن ذلك منه إتلافاً يأثم به (١١٥). قال الكلبي: كانت ألف فرس فعرقب تسعمائة وبقي منها مائة، فما في أيدي الناس من الخيل العتاق من نسل تلك المائة. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا ثُمَّأَنَبَ ﴿٨] قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِىِ وَهَبْ ـَ فَخََّ لَهُ الْرِِّيَ تَّجْرِىِأَمْرِهِ، لِي مُلْكَالَّا يَنْبَغِ لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّإِنَّكَ أَنْتَُّلْوَهَّابُ ٥ ◌ُخَ حَيْثُ أَصَابَ لََّوَالشَّيَطِينَ كُلّ بَتَّاءٍ وَغَوَّاصِ ◌ْوَءَاخَرِينَ مُقَرَِّنَ فِى الْأَصْفَادِ ٤ هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْأَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٦) وَإِنَّلَهُ عِندَ نَا ◌ُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ٣٨ قولهعز وجل : ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ فیه وجهان: أحدهما: يعني ابتليناه قاله السدي. الثاني : عاقبناه، حكاه النقاش. وفي فتنته التي عوقب بها ستة أقاويل: أحدها: أنه كان قارب بعض نسائه في بعض الشيء من حيض أو غيره (١١٦) قاله الحسن. الثاني: ما حكاه ابن عباس قال كانت لسليمان امرأة تسمى جرادة وكان بين أهلها وبين قوم خصومة فاختصموا إلى سليمان ففصل بينهم بالحق ولكنه ود أن الحق (١١٥) قال الإمام البغوي في تفسيره (٦١/٤) قوله ﴿فطفق مسحاً بالسوق والأعناق﴾ فجعل يضرب سوقها وأعناقها بالسیف قال وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل وأكثر المفسرين. قال وكان ذلك مباحاً له لأنه نبي الله لم يكن يقدم على محرم ولم يكن يتوب من ذنب بذنب آخر وقال الحافظ ابن كثير (٣٥/٤) وقد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضباً لله تعالى بسبب أنه اشتغل له حتى خرج وقت الصلاة. ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله عز وجل ما هو خير منها وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر قال فهذا أسرع وخير من الخيل. (١١٦) وهذا الذي ذكره الحسن مستبعد فكيف يقع ذلك من نبي آتاه الله الحكم والنبوة. ٩٤ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ كان لأهلها فقيل له إنه سيصيبك بلاء فجعل لا يدري أمن الأرض يأتيه البلاء أم من السماء (١١٧). . الثالث: ما حكاه سعيد بن المسيب أن سليمان (١١٨) احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد ولم ينصف مظلوماً من ظالم فأوحى الله تعالى إليه إني لم أستخلفك لتحجب عن عبادي ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم. الرابع: ما حكاه شهر بن حوشب(١١٩) أن سليمان سبى بنت ملك غزان في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، فألقيت عليه محبتها وهي معرضة عنه تذكر أمر أبيها لا تنظر إليه إلا شزراً ولا تكلمه إلا نزراً، ثم إنها سألته أن يضع لها تمثالاً على صورته فصنع لها فعظمته وسجدت له وسجد جواريها معها، وصار صنماً معبوداً في داره وهو لا يعلم به حتى مضت أربعون يوماً وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره وحرقه ثم ذراه في الريح . الخامس: ما حكاه مجاهد (١٢٠) أن سليمان قال لأصف الشيطان كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان أعطني خاتمك حتى أخبرك، فأعطاه خاتمه فألقاه في البحر حتی ذهب ملكه. (١١٧) وهذا الذي حكاه المؤلف عن ابن عباس رواه النسائي في التفسير عنه بسند قوي كما قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف ص ١٤٣ ولكن الحافظ ابن كثير قال بعدما سرده من رواية ابن أبي حاتم قال الحافظ (٣٥/٤) وإسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما إن صح عنه من أهل الكتاب قال وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام فالظاهر أنهم يكذبون عليه ثم قال ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله عز وجل منه تشريفاً وتكريماً لنبيه عليه السلام اهـ. (١١٨) ولم يصح هذا عن سعيد رحمه الله فقد رواه عبد بن حميد والحكيم الترمذي كما في الدر (١٨٤/٧) من طريق علي بن زيد وهو ضعيف. قال الحافظ ابن كثير (٣٦/٤) وقد رويت هذه القصة المطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين قال وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. (١١٩) وما حكاه شهر هنا لا يخرج عن سابقه فهو من الإسرائيليات. (١٢٠) وهذا كسابقه. ٩٥ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ السادس: ما حكاه أبان عن أنس أن سليمان قال ذات ليلة: والله لأطوفن على نسائي في هذه الليلة وهن ألف امرأة كلهن تشتمل بغلام، كلهم يقاتل في سبيل الله، ولم يستثن. قال أنس سمعت رسول الله ێ# يقول(١٢١): ((والذي نفس محمد بيده لو استثنى لكان ما قال)) فما حملت له تلك الليلة إلا امرأة واحدة فولدت له شق إنسان. ﴿وألقينا على كُرْسيِّه جسداً﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه وجعلنا في ملكه جسداً، والكرسي هو الملك. الثاني : وألقينا على سرير ملكه جسداً. وفي هذا الجسد أربعة أقاويل: أحدها: أنه جسد سليمان(١٢٢) مرض فكان جسده ملقى على كرسيه، قاله ابن بحر. الثاني: أنه ولد له ولد فخاف(١٢٣) عليه فأودعه في السحاب يغذى في اليوم كالجمعة، وفي الجمعة كالشهر وفي الشهر كالسنة، فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتاً، قاله الشعبي . الثالث: أنه أكثر (١٢٤) من وطء جواريه طلباً للولد، فولد له نصف إنسان، فهو كان الجسد الملقى على كرسيه، حكاه النقاش. الرابع: أن الله كان(١٢٥) قد جعل ملك سليمان في خاتمه فكان إذا أجنب أو ذهب للغائط خلعه من يده ودفعه إلى أوثق نسائه حتى يعود فيأخذه، فدفعه مرة إلى بعض نسائه وذهب لحاجته فجاء شيطان فتصور لها في صورة سليمان فطلب الخاتم منها فأعطته إياه، وجاء سلیمان بعده فطلبه، فقالت قد أخذته فأحس سليمان . واختلف في اسم امرأته هذه على قولين: (١٢١) ولم يصح هذا عن أنس لأنه من رواية أبان بن أبي عياش عن أنس وأبان متروك. وما في الصحيح أصح فقد رواه البخاري (٣٣٠/٦) ومسلم (١٦٥٤) والنسائي (٢٥/٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً. (١٢٢) ولعل هذا الوجه أقرب إلى الصواب والله أعلم. (١٢٣) وهذا لم يصح راجع روح المعاني (١٩٨/٢٣). (١٢٤) هذا القول مأخوذ من الحديث الصحيح ولعله أقرب كما سبق. (١٢٥) وهذا الأثر تفوح منه رائحة الإسرائيليات. ٩٦ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ أحدهما: جرادة، قاله ابن عباس وابن جبير. الثاني : الأمينة، قاله شهر بن حوشب. وقال سعيد بن المسيب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه فأخذه الشيطان من تحته. وقال مجاهد: بل أخذه الشيطان من يده لأن سليمان سأل الشيطان كيف تضل الناس؟ فقال الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك فأعطاه خاتمه، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان متشبهاً بصورته داخلاً على نسائه، يقضي بغير الحق ويأمر بغير الصواب. واختلف في إصابته النساء، فحكي عن ابن عباس: أنه كان يأتيهن في حيضهن(١٢٦). وقال مجاهد: منع من إتيانهن، وزال عن سليمان ملكه فخرج هارباً إلى ساحل البحر يتضيف الناس ويحمل سموك الصيادين بالأجرة، وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه، فجلس الشيطان على سريره، وهو معنى قوله تعالى وألقينا على كرسيه جسداً . واختلف في اسم هذا الشيطان على أربعة أقاويل: أحدها: أن اسمه صخر، قاله ابن عباس . الثاني : آصف، قاله مجاهد. الثالث: حقيق، قاله السدي . الرابع: سيد، قاله قتادة. ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو (١٢٧) إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوته من صياد قيل إنه استطعمها، وقال ابن عباس أخذها أجراً في حمل حوت حمله، فلما شق بطنه وجد خاتمه فيها، وذلك بعد أربعين يوماً من زوال ملكه عنه، وهي عدة الأيام التي عُبد الصنم في داره. قاله مقاتل وملك أربعين سنة، عشرين سنة قبل الفتنة وعشرين بعدها. وكانت الأربعون يوماً التي خرج فيها عن ملكه ذا القعدة وعشراً من ذي الحجة، فسجد الناس له حین عاد الخاتم إلیه وصار إلی ملكه. (١٢٦) تقدم تخريج الحديث في ذلك وأن ابن عباس إنما تلقاه من أهل الكتاب كما نبه على ذلك الحافظ ابن کثیر. (١٢٧) وهذا والذي بعده كله من الإسرائيليات كما تقدم. ٩٧ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان(١٢٨) وجد خاتمه بعسقلان فمشی منها إلى بيت المقدس تواضعاً لله. قال ابن عباس: ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تخت من رخام وشده بالنحاس وألقاه في البحر (١٢٩)، فهذا تفسير قوله تعالى ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾. ﴿ثم أناب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ثم رجع إلى ملكه، قاله الضحاك. الثاني : ثم أناب من ذنبه، قاله قتادة. الثالث: ثم برأ من مرضه، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: ﴿قال ربِّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فیه ثلاثة أقاويل : أحدها: ليكون ذلك معجزاً له يعلم به الرضا ويستدل به على قبول التوبة. i الثاني: ليقوى به على من عصاه من الجن، فسخرت له الريح حينئذٍ. الثالث: لا ينبغي لأحد من بعدي في حياتي أن ينزعه مني كالجسد الذي جلس علی کرسیه، قاله الحسن. ﴿إنك أنت الوهاب﴾ أي المعطي، قال مقاتل: سأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده بعد الفتنة فزاده الله تعالى الريح والشياطين بعدما ابتلى، وقال الكلبي حكم سليمان في الحرث وهو ابن إحدى عشرة سنة، وملك وهو ابن اثنتي عشرة سنة . قوله عزوجل: ﴿فسخرنا له الريح﴾ أي ذللناها لطاعته. ﴿تجري بأمره﴾ یحتمل وجهين: أحدهما: تحمل ما يأمرها. الثاني : تجري إلی حیث یأمرها. (١٢٨) قال الالوسي رحمه الله (١٩٩/٢٣) عن القصة ((ومن أقبح ما ورد فيها زعم تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيّض الله أكبر هذا بهتان عظيم)). (١٢٩) راجع روح المعاني (١٩٨/٢٣ - ٢٠٠) فقد فنّد هذه الروايات. ٩٨ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ ورخاء﴾ فيه خمسة تأويلات : أحدها: طيبة، قاله مجاهد. الثاني : سريعة، قاله قتادة. الثالث: مطيعة، قاله الضحاك. الرابع: لينة، قاله ابن زید. الخامس: ليست بالعاصفة المؤذية ولا بالضعيفة المقصرة، قاله الحسن. حيث أصاب﴾ فيه وجهان : أحدهما: حيث أراد، قاله مجاهد وقال قتادة: هو بلسان هجر. قال الأصمعي : العرب تقول أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي أراد الصواب. الثاني : حيث ما قصد مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. ٠ قوله عز وجل: ﴿والشياطين كلَّ بناءٍ وغواص﴾ يعني سخرنا له الشياطين كل بناء يعني في البر، وغواص يعني في البحر على حليّه وجواهره. ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في السلاسل، قاله قتادة. الثاني: في الأغلال، قاله السدي . الثالث: في الوثاق، قاله ابن عباس، قال الشاعر (١٣٠): فأبُوا بالنهابِ وبالسبايا وأبنا بالملوك مُصَفّدينا قال يحيى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم. ووجد على سور مدينة سليمان عليه السلام: لنال ذاك سليمان بن داودٍ لو أن حيّاً ينال الخُلد في مهل فيه ومنه عطاءً غير موصود سالت له العين عين القطر فائضة حتى تضمن رمْساً بعد أخدود لم يبق من بعدها في الملك مرتقياً إلّ من الله ذي التقوى وذي الجود هذا التعْلَم أنّ الملك منقطع (١٣٠) هو عمرو بن كلثوم والبيت في معلقته المشهورة، شرح المعلقات السبع لأبي بكر الأنباري ص ٤١٢ وفتح القدير (٣٢/٤). ٩٩ سورة ص الآية - ٣٤ - ٤٠ قوله عز وجل: ﴿هذا عطاؤنا ... ﴾ في المشار إليه بهذا ثلاثة أقاويل: أحدها: ما تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بتسخير الريح والشياطين. فعلى هذا في قوله ﴿فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ وجهان: أحدهما: امنن على من شئت من الجن بإطلاقه، أو أمسك من شئت منهم في عمله من غير حرج عليك فيما فعلته بهم، قاله قتادة والسدي . الثاني : أعط من شئت من الناس وامنع من شئت منهم. ﴿بغير حساب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بغير تقدير فيما تعطي وتمنع حكاه ابن عيسى . الثاني : بغير حرج، قاله مجاهد. الثالث: بغير حساب تحاسب عليه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان فإن الله تعالى يقول: ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ وحكى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﴿هذا عطاؤنا﴾ الآية. قال سليمان عليه السلام: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا فلم نر شيئاً هو أفضل(*) من خشية الله في الغيب والشهادة، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة الحق في الرضا والغضب. والقول الثاني : أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك، فعلى هذا في قوله فامنن أو أمسك وجهان: أحدهما: بغير جزاء. الثاني : بغير قلة . والقول الثالث: إن هذا إشارة إلى مضمر غير مذكور وهو ما حكي أن سليمان كان في ظهره ماء مائة رجل وكان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة (١٣١) سرية فقال الله تعالى (*) وفي نسخة أحسن. (١٣١) وقد تقدم الكلام حول هذا العدد والصواب في ذلك. ١٠٠