النص المفهرس

صفحات 101-120

سورة النور الآية - ٣٥
الإِماء ، البغاء الزنى . والتحصن التعفف . ولا يجوز أن يكرهها ولا يمكنها سواء
أرادت تعففاً أو لم تُرِدْ .
وفي ذکر الإِكراه هنا وجهان :
أحدهما : لأن الإِكراه لا يصح إلا فيمن أراد التعفف ، ومن لم يرد التعفف
فهو مسارع إلى الزنى غير مكره عليه .
الثاني : أنه وارد على سبب فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن
شرطاً فيه ، وهذا ما روى جابر بن عبد الله(١١٠) أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت
له أمة يقال لها مسيكة وكان يكرهها على الزنى فزنت بُبُرْدٍ فأعطته إياه فقال :
ارجعي فآزني على آخر فقالت: لا والله ما أنا براجعة وجاءت إلى النبي ◌َّل
فقالت : إن سيدي يكرهني على البغاء فأنزل الله هذه الآية ، وكان مستفيضاً من
أفعال الجاهلين طلباً للولد والكسب .
◌ٌَّبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي لتأخذوا أجورهن على الزنى.
وَمَن يُكْرِهِهُنَّ ﴾ يعني من السادة .
فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يعني للأمة المكرهة دون السيد
المكره
اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاعُّ الْمِصْبَاحُ فِ
زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنَّهَ كَوَكَبٌ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ
وَلَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَ يُضِىءٌ وَلَوْلَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِ اللَّهُلِنُورِهِ،
مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَلَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٣٥
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١١١) فيه أربعة أقاويل:
(١١٠) رواه الطبري (١٣٢/١٨) والنسائي بالسنن الكبرى، كتاب التفسير (رقم ٣٨٥).
(١١١) النور هنا بمعنى الهادي وليس بمعنى الضوء لأن الضوء لا يستطيع أن يخلق ضوءاً.
١٠١

سورة النور الآية - ٣٥
أحدها : معناه الله هادي السموات والأرض ، قاله ابن عباس ، وأنس .
الثاني : الله مدبر السموات والأرض ، قاله مجاهد .
الثالث : الله ضياء السموات والأرض ، قاله أبي .
الرابع : منور السموات والأرض .
فعلى هذا فيما نورهما به ثلاثة أقاويل :
أحدها : الله نور السموات بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء .
الثاني : أنه نور السموات بالهيبة ونور الأرض بالقدرة .
الثالث : نورهما بشمسها وقمرهما ونجومهما ، قاله الحسن ، وأبو العالية .
﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : مثل نور الله ، قاله ابن عباس .
الثاني: مثل نور محمد وَار، قاله ابن شجرة .
الثالث : مثل نور المؤمن ، قاله أبي .
الرابع : مثل نور القرآن ، قاله سفيان .
فمن قال : مثل نور المؤمن ، يعني في قلب نفسه . ومن قال : مثل نور
محمد ، يعني في قلب المؤمن . ومن قال : نور القرآن ، يعني في قلب محمد .
ومن قال : نور الله ، ففيه قولان :
أحدهما : في قلب محمد .
الثاني : في قلب المؤمن .
﴿ كَمِشْكَاةٍ فِهَا مِصْبَاحٌ ﴾ فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن المشكاة كوة لا منفذ لها والمصباح السراج ، قاله كعب
الأحبار .
الثاني : المشكاة القنديل والمصباح الفتيلة ، قاله مجاهد .
الثالث : المشكاة موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح
٤
الضوء قاله ابن عباس .
الرابع : المشكاة الحديد الذي يعلق به القنديل وهي التي تسمى السلسلة
١٠٢

سورة النور الآية - ٣٥
والمصباح هو القنديل ، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً .
الخامس : أن المشكاة صدر المؤمن والمصباح القرآن الذي فيه والزجاجة
قلبه ، قاله أُبَي ، قال الكلبي : والمشكاة لفظ حبشي معرب .
المصباح في زجاجةٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني أن نار المصباح في زجاجة القنديل لأنه فيها أضوأ ، وهو قول
الأكثرين .
الثاني : أن المصباح القرآن والإِيمان ، والزجاجة قلب المؤمن ، قاله أُبَي .
﴿ كَوْكَبٌ دُرٌِّ ﴾ أما الكوكب ففيه قولان :
أحدهما : أنه الزهرة خاصة ، قاله الضحاك .
الثاني : أنه أحد الكواكب المضيئة من غير تعيين ، وهو قول الأكثرين .
وأما درّي ففيه أربع قراءات :
إحداها: دُريّ (١١٢) بضم الدال وترك الهمز وهي قراءة نافع وتأويلها أنه مضيء
یشبه الدر لضيائه ونقائه .
الثانية : بالضم والهمز وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وتأويلها أنه
مضيء .
الثالثة : بكسر الدال وبالهمز وهي قراءة أبي عمرو والكسائي وتأويلها أنه
متدافع لأنه بالتدافع يصير منقضاً فيكون أقوى لضوئه مأخوذ من درأ يدرأ أي دفع
يدفع .
الرابعة : بالكسر وترك الهمز وهي قراءة المفضل بن عاصم ، وتأويلها أنه جار
كالنجوم الدراري الجارية مأخوذ من درّ الوادي إذا جرى .
﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ فيه قولان :
(١١٢) راجع هذه القراءات وما بعدها في الحجة في القراءات ص ٤٩٩، ٥٠٠، زاد المسير (٤١/٦،
٤٢ ).
١٠٣

سورة النور الآية - ٣٥
أحدهما : يعني بالشجرة المباركة إبراهيم والزجاجة التي كأنها كوكب دري
محمد له ، وهو مروي عن ابن عمر(١١٣).
الثاني : أنه صفة لضياء المصباح الذي ضربه الله مثلاً يعني أن المصباح
يشعل من دهن شجرة زيتونة .
﴿ مُبَارَكَةٍ ﴾ في جعلها مباركة وجهان :
أحدهما : لأن الله بارك في زيتون الشام فهو أبرك من غيره .
الثاني : لأن الزيتون يورق غصنه من أوله إلى آخره وليس له في الشجر مثيل
إلا الرمان .
قال الشاعر :
بُورِكَ الْمَيْتُ الغَرِيبُ كَمَا بُو رِكَ نَضْرُ الرُّمَّانِ والزَّيْتُونِ
زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ فیه سبعة أقاويل :
أحدها : أنها ليست من شجرة الشرق دون الغرب ولا من شجرة الغرب دون
الشرق لأن ما اختص بأحد الجهتين أقل زيتاً وأضعف ، ولكنها شجر ما بين الشرق
والغرب كالشام لاجتماع القوتين فيه ، وهو قول ابن شجرة وحكي عن عكرمة .
ومنه قولهم : لا خير في المتقاة والمضحاة ، فالمتقاة أسفل الوادي الذي لا
تصيبه الشمس ، والمضحاة رأس الجبل الذي لا تزول عنه الشمس .
الثاني : أنها ليست بشرقية تستر عن الشمس في وقت الغروب ولا بغربية
· تستر عن الشمس في وقت الطلوع بل هي بارزة للشمس من وقت الطلوع إلى وقت
الغروب فيكون زيتها أقوى وأضوأ ، قاله قتادة .
الثالث : أنها وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك
أضوأ لزيتها ، قاله عطية .
(١١٣) رواه الطبراني في الكبير والأوسط أما في المجمع (٨٣/٧) وقال الهيثمي فيه الوازع بين نافع وهو
متروك .
وزاد السيوطي في الدر (١٩٨/٦) نسبته لابن عدي وابن مردويه وابن عساكر.
١٠٤

سورة النور الآية - ٣٥
الرابع : أنها ليس في شجر الشرق ولا في شجر الغرب مثلها ، حكاه يحيى
ابن سلام .
الخامس : أنها ليست من شجر الدنيا التي تكون شرقية أو غربية ، وإنما هي
من شجر الجنة ، قاله الحسن .
السادس : أنها مؤمنة لا شرقية ولا غربية ، أي ليست بنصرانية تصلي إلى
الشرق ، ولا غربية أي ليست بيهودية تصلي إلى الغرب ، قاله ابن عمر .
السابع : أن الإِيمان ليس بشديد ولا لين لأن في أهل الشرق شدة ، وفي
أهل الغرب لينّ .
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن صفاء زيتها كضوء النار وإن لم تمسسه نار ، ذكره ابن عيسى .
الثاني : أن قلب المؤمن يكاد أن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته له ،
قاله یحیی بن سلام .
الثالث : يكاد العلم يفيض من فم العالم المؤمن من قبل أن يتكلم به .
الرابع : تكاد أعلام النبوة تشهد لرسول الله وَ يؤ قبل أن يدعو إليها .
﴿ نُورٌ عَلَىْ نُورٍ ﴾ فيه ستة أقاويل :
أحدها : يعني ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة ، قاله
مجاهد .
الثاني : نور النبوة على نور الحكمة ، قاله الضحاك .
الثالث : نور الزجاجة على نور الخوف .
الرابع : نور الإِيمان على نور العمل .
الخامس : نور المؤمن فهو حجة الله ، يتلوه مؤمن فهو حجة الله حتى لا تخلو
الأرض منهم .
۔
السادس : نور نبي من نسل نبي ، قاله السدي .
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يهدي الله لدينه من يشاء من أوليائه ، قاله السدي .
١٠٥

سورة النور الآية - ٣٦ - ٣٨
الثاني : يهدي الله لدلائل هدايته من يشاء من أهل طاعته .
الثالث : يهدي الله لنبوته من يشاء من عباده .
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية . وفيما ضربت هذه الآية مثلاً فيه
ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها مثل ضربه الله للمؤمن في وضوح الحق له .
الثاني : أنها مثل ضربه الله لطاعته فسمى الطاعة نوراً لتجاوزها عن محلها .
الثالث : ما حكاه ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد كيف يخلص نور الله
من دون السماء فضرب الله ذلك مثلاً لنوره .
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُأَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِّ
رِجَالٌ لَّأَنْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الهِ وَ إِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ
يَوْمَانَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ
٣٨
وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ، وَاللهُيَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ،
قوله : ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ في هذه البيوت قولان :
أحدهما : أنها المساجد ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد .
الثاني : أنها سائر البيوت ، قاله عكرمة .
أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ أربعة أوجه :
أحدها : أن تُبْنَى، قاله مجاهد كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ ﴾ أي يبني .
الثاني : أنها تطهر من الأنجاس والمعاصي ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أن تعظم ، قاله الحسن .
الرابع : أن ترفع فيها الحوائج إلى الله (١١٤).
(١١٤) المساجد لها حرمتها شرعاً فلا يجوز لأيٍّ من الناس أن يهتك حرمتها بشيء من الخوارم التي تؤدي إلى =
١٠٦

سورة النور الآية - ٣٦ - ٣٨
﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : يتلى فيها كتابه ، قاله ابن عباس .
الثاني : تذكر فيها أسماؤه الحسنى ، قاله ابن جرير(١١٥).
الثالث : توحيده بأن لا إلّه غيره ، قاله الكلبي .
وفيما يعود إليه ذكر البيوت التي أذن الله أن ترفع قولان :
أحدهما : إلى ما تقدم من قوله : كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله .
الثاني : إلى ما بعده من قوله : ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ وفي هذا التسبيح قولان :
أحدهما : أنه تنزيه الله .
الثاني : أنه الصلاة ، قاله ابن عباس والضحاك .
بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ﴾ الغدو جمع غَدوة والآصال جمع أصيل وهي العشاء .
رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قال الكلبي : التجارهم
الجلاب المسافرون ، والباعة هم المقيمون .
عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فيه وجهان
أحدهما : عن ذكره بأسمائه الحسنى .
الثاني : عن الأذان ، قاله يحيى بن سلام .
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ فيه خمسة أوجه :
أحدها : يعني به تقلبها على حجر جهنم .
الثاني : تقلب أحوالها بأن تلفحها النار ثم تنضجها وتحرقها .
الثالث : أن تقلب القلوب وجيبها ، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي
الأهوال .
الرابع: أن تقلب القلوب بلوغها الحناجر، وتقلب الأبصار الزّرَق بعد الكحل،
والعمى بعد البصر.
= الإزدراء بالمسجد كالبيع وانشاد الضالة وما يسمى بحلقات الذكر ((الحضرة)) فيرفعون أصواتهم محرفين
اسم الله تعالى ويتثنون بطريقة ما وردت لا بكتاب الله ولا سنة رسوله.
(١١٥) جامع البيان (١٨ /١٤٥).
١٠٧

سورة النور الآية - ٣٩، ٤٠
الخامس : أن الكافر بعد البعث ينقلب قلبه على الكفر إلى الإِيمان وينقلب
بصره عما كان يراه غياً فيراه رشداً .
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ فذكر الجزاء على الحسنات ولم يذكر
الجزاء على السيئات وإن كان يجازى عليها لأمرين :
أحدهما : أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة .
الثاني : أنه يكون في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر فكانت صغائرهم
مغفورة .
وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها .
الثاني : ما يتفضل به من غير جزاء .
وَآللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : بغير جزاء بل يسديه تفضلاً .
الثاني : غير مقدر بالكفاية حتى يزيد عليها .
الثالث : غير قليل ولا مضيق .
الرابع : غير ممنون به .
وقيل لما نزلت هذه الآية أمر (١١٦) رسول الله وي ليه ببناء مسجد قباء فحضر
عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله قد أفلح من بنى المساجدا؟ قال: (( نَعَمْ يَا
ابْنَ رَوَاحَةَ)) قال، وصلى فيها قائماً وقاعداً قال: ((نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ)) قال: ولم
يبت الله إلا ساجداً؟ قال: ((نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ. كُفّ عَنِ السَّجْعِ فَمَا أُعْطِيَ عَبْدٌ
شَيْئاً شَرّاً مِن طَلَقَةٍ لِسَانِهِ )).
وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَسَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّهْشَانُ مَآءَ حَقَّ إِذَا جَآءَ وُلَمْـ
قنے
يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٦ أَوْ
كَظُلُمَتٍ فِى بَحْرِلُِّيِّ يَغْشَنْهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتٌ
(١١٦) لم نعثر عليه .
١٠٨

سورة النور الآية - ٤٠
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُلَمْ يَكَدِّيَرَهَا وَ مَنْ لَيَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِن
ثُورٍ
٤٠
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ أَعَمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ أما السراب فهو
الذي يخيل لمن رآه في الفلاة كأنه الماء الجاري قال الشاعر(١١٧):
فَلَمَّا كَفَّفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهُمْ كَلَمْعِ سَرَابٍ بِالْفَلاَ مُتَّق
والآل كالسراب إلا أنه يرتفع عن الأرض في وقت الضحى حتى يصير كأنه
بين الأرض والسماء ، وقيل : إن السراب بعد الزوال والآل قبل الزوال والرقراق بعد
العصر وأما القيعة فجمع قاع مثل جيرة وجار ، والقاع ما انبسط من الأرض
واستوى .
﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ﴾ يعني العطشان يحسب السراب ماءً .
حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ وهذا مثل ضربه الله للكافر يعول على ثواب
عمله فإذا قدم على الله وجد ثواب عمله بالكفر حابطاً .
وَوجدَ آلله عِندَهُ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : وجد أمر الله عند حشره .
الثاني : وجد الله عند عرضه .
فَوَقَّهُ حِسَابَهُ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : ووجد الله عند عمله فجازاه على كفره .
والثاني : وجد الله عند وعيده فوفى بعذابه ويكون الحساب على الوجهين معاً
محمولاً على العمل ، كما قال امرؤ القيس(١١٨):
فوَلَّى مُذْبِراً وأيْقَنَ أَنَّه لَقِى الْحِسَابَا
وَآللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : لأن حسابه آت وكل آت سريع .
(١١٧) روح المعاني (١٨ /١٨٠) وفتح القدير (٣٩/٤).
(١١٨) روح المعاني (٣٩/٤)
١٠٩

سورة النور الآية - ٤٠
الثاني : لأنه يحاسب جميع الخلق في وقت سريع .
قيل إن هذه الآية نزلت في شيبة بن ربيعة وكان يترهب في الجاهلية ويلبس
الصوف ويطلب الدين فكفر في الإِسلام .
قوله : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ الظلمات : ظلمة البحر وظلمة
السحاب وظلمة الليل .
وفي قوله لجيّ ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه البحر الواسع الذي لا يرى ساحله ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنه البحر الكثير الموج ، قاله الكلبي .
الثالث : أنه البحر العميق ، وهذا قول قتادة ، ولجة البحر وسطه ، ومنه ما
روي(١١٩) عن النبي ◌َّرَ أنه قال: (( مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إِذَا الْتَجَّ فَقَدْ بَرِثَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ))
يعني إذا توسطه .
﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يغشاه موج من فوق الموج ريح ، من فوق الريح سحاب فيجمع
خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب .
الثاني : معناه يغشاه موج من بعده فيكون المعنى الموج بعضه يتبع بعضاً
حتى كأنه بعضه فوق بعض وهذا أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب ، ومن
فوق هذا الموج سحاب وهو أعظم للخوف من وجهين :
أحدهما : أنه قد يغطي النجوم التي يهتدى بها .
الثاني : الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه .
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ يحتمل وجهين :
(١١٩) رواه أحمد (٢٧١/٥) والبخاري في الأدب المفرد (١١٩٤) وفي تاريخه (٣٨٩/١/٢) عن
بعض أصحاب رسول الله الخلية .
ورواه أحمد أيضاً (٧٩/٤) ولفظه من بات فوق بيت ليس له إجار فوقع فمات فبرئت منه الذمة ومن
ركب البحر عند ارتجاجه فمات فقد برئت منه الذمة والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة
رقم ٨٢٨ وأورد الشطره الأول شواهد من حديث جابر بن عبد الله وابن عباس وعلي بن شيبان.
١١٠

سورة النور الآية - ٤١، ٤٢
أحدهما : أن يريد الظلمات التي بدأ بذكرها وهي ظلمة البحر وظلمة
السحاب وظلمة الليل .
الثاني : يعني بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض .
إِذَا أُخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : معناه أنه رآها بعد أن كاد لا يراها ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : لم يرها ولم يكد ، قاله الزجاج ، وهو معنى قول الحسن .
وفي قوله لم يكد وجهان :
أحدهما : لم يطمع أن يراها .
الثاني : لم يرها ويكاد صلة زائدة في الكلام .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : ومن لم يجعل الله له سبيلاً إلى النجاة في الآخرة فما له من سبيل
إليها حكاه ابن عيسى .
الثاني : ومن لم يهده الله للإِسلام لم يهتد إليه ، قاله الزجاج .
وقال بعض أصحاب الخواطر وجهاً ثالثاً : ومن لم يجعل الله نوراً له في وقت
القسمة فما له من نور في وقت الخلقة .
ويحتمل رابعاً: ومن لم يجعل الله له قبولاً في القلوب لم تقبله القلوب .
وهذا المثل ضربه الله للكافر ، فالظلمات ظلمة الشرك وظلمة الليل وظلمة
المعاصي ، والبحر اللجي قلب الكافر . يغشاه من فوقه عذاب الدنيا ، فوقه عذاب
الآخرة .
أَمْتَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَنَّقَّتِ كُلُ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ
وَتَسْبِحَةُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٢٦) وَلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَ إِلَى اللَّهِ
اَلْمَصِيرُ (
٤٢
١١٣

سورة النور الآية - ٤٣، ٤٤
قوله تعالى: ﴿وَالطَيْرُ صَافَّاتٍ ﴾ أي مصطفة الأجنحة في الهواء(*).
كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الصلاة للإِنسان والتسبيح لما سواه من سائر الخلق ، قاله
مجاهد .
الثاني : أن هذا في الطير وإن ضرب أجنحتها صلاة وأن أصواتها تسبيح ،
حكاه النقاش .
الثالث : أن للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود ، قاله سفيان .
ثم فيه قولان :
أحدهما : أن كل واحد منهم قد علم صلاته وتسبيحه .
الثاني : أن الله قد علم صلاته وتسبيحه .
أَمْتَرَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابَاتُمَ يُؤَلِفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَمَا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ
خِلَلِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن حِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدِفَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَن
جَ يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ
يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرُقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصُرِ
٤٤
لَعِبْرَ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ
قوله تعالى : ﴿ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : ينزله قليلاً بعد قليل ، ومنه البضاعة المزجاة لقلتها.
الثاني : أنه يسوقه إلى حيث شاء ومنه زجا الخراج إذا انساق إلى أهله قال
النابغة (١٢٠) :
إِنِّي أَيْتُكَ من أَهْلِي ومِنْ وَطَنِي أُزْجِي حُشَاشَةَ نَفْسٍ ما بِهِا رَمَقُ
◌ِ ثُمَّ يُؤَّلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي يجمعه ثم يفرقه عند انتشائه ليقوى ويتصل .
(*) في الأصل الهوى وهو خطأً .
(١٢٠) روح المعاني (٤١/٣) فتح القدير (٤١/٤)
١١٢

سورة النور الاية - ٤٣، ٤٤
ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ أي یرکب بعضه بعضاً .
فَتَرَىْ الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن الودق البرق يخرج من خلال السحاب قال الشاعر(١٢٤):
خروج الودق من خلَلَ السحاب
أثرن عجاجة وخرجن منها
وهذا قول أبي الأشهب :
الثاني : أنه المطر يخرج من خلال السحاب ، وهو قول الجمهور ، ومنه قول
الشاعر(١٢٢):
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل أبقالها
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن في السماء جبال برد فينزل من تلك الجبال ما يشاء فيصيب به من
يشاء ويصرفه عمن يشاء .
الثاني : أنه ينزل من السماء برداً يكون كالجبال .
الثالث : أن السماء السحاب ، سماه لعلوه ، والجبال صفة السحاب أيضاً
سمي جبالاً لعِظمه فينزل منه برداً يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فتكون
إصابته نقمة وصرفه نعمة .
يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِآلَأَبْصَارِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : صوت برقه .
الثاني : ضوء برقه ، قاله يحيى بن سلام ومنه قول الشماخ(١٢٣):
وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلّ البصير
الثالث : لمعان برقه ، قاله قتادة والصوت حادث عن اللمعان كما قال امرؤ
القيس (١٢٤):
(١٢١) فتح القدير (٤١/٤)
(١٢٢) هو عامر بن جوين الطائي والبيت في اللسان (ودق) والطبري (١٥٣/١٨) وفتح القدير
(٣١/٤).
(١٢٣) فتح القدير (٤٢/٤).
(١٢٤) فتح القدير (٤٢/٤)، والديوان ٢٤ .
(تنبيه): قوله ((آمال السليط خطأ والصواب أهان ولعله تحريف من الناسخ والتصويب من الديوان.
١١٣

سورة النور الآية - ٤٥ ، ٤٦
يضي سناه أو مصابيح راهب أمال السليط بالذبال المفتل
فيكون البرق دليلاً على تكاثف السحاب ، ونذيراً بقوة المطر ، ومحذراً من
نزول الصواعق .
قوله تعالى: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : هو أن يأتي بالليل بعد النهار ويأتي بالنهار بعد الليل ، حكاه ابن
عيسى .
الثاني : أن ينقص من الليل ما يزيد في النهار وينقص من النهار ما يزيد في
الليل ، حكاه يحيى بن سلام .
الثالث : أنه يغير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى ، ويغير
الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة ، حكاه النقاش .
ويحتمل رابعاً : أن يقلبها باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر .
وَلَهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَةٍ مِنِ مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُ مَن يَمْشِ عَلَى رِجْلَيْنِ
وَمِنْهُمْ مَّنْ يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ
٤٥
لَّقَدْ أَنزَلْنَآءَايَتٍ مُّبَيِّنَتٍ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
٤٦
قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَةٍ مِّن مَّاءٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن أصل الخلق من ماء ثم قلب إلى النار فخلق منها الجن ، وإلى
النور فخلق منها الملائكة ، وإلى الطين فخلق منه من خلق وما خلق (١٢٥)، حكاه
ابن عيسى .
الثاني : أنه خالق كل دابة من ماء النطفة ، قاله السدي .
فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ﴾ کالحية والحوت .
وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَينٍ ﴾ الإِنسان والطير .
وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ﴾ كالمواشي والخيل ، ولم يذكر ما يمشي،
(١٢٥) وهذا يحتاج إلى نقل صحيح عن المعصوم ومثله.
١١٤

سورة النور الآية - ٤٧ - ٥٢
ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع لأنه يعتمد في
المشي على أربع .
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِذَا دُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَنَهُمْ إِذَا فَرِيِّقٌ
مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (٣٦) وَإِنِ يَكُن ◌َُّالْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْ عِنِينَ (٦) أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُّ أَمِ
أَرْتَابُواْأَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولَةٌ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اْللَّهَ وَيَتَّقْهِ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ
٥٢
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْتَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مُّنْهُم
مُعْرِضُونَ ﴾ هذه الآية نزلت في بشر ، رجلٌ من المنافقين كان بينه وبين رجل من
اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى النبي ◌َّ ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف لأن
الحق إذا كان متوجهاً على المنافق إلى غير رسول الله وي لوّ ليسقط عنه، وإذا كان له
حاكم إليه ليستوفيه منه فأنزل الله هذه الآية(١٢٦).
وقيل : إنها نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية كان بينه وبين علي كرم
اللّه وجهه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة أن يحاكم علياً إلى رسول الله وال
وقال : إنه يبغضني ، فنزلت هذه الآية .
وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوَا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : طائعين ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : خاضعين ، حكاه النقاش .
الثالث : مسرعين ، قاله مجاهد .
(١٢٦) ذكرها الواحدي في أسباب النزول ص ١٨٨ بدون سند .
١١٥

سورة النور الآية - ٤٧ - ٥٢
الرابع : مقرنين ، قاله الأخفش وفيها دليل على أن من دعي إلى حاكم فعليه
الإِجابة ويحرج إن تأخر(١٢٧).
وقد روى أبو الأشهب عن الحسن قال (١٢٨): قال رسول الله وَّه: ((مَنْ دُعِيَ
إِلَى حَاكِمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لَ حَقَّ لَهُ)). ثم قال : ﴿ أُفِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ﴾ فيه قولان :
أحدهما : شرك ، قاله الحسن .
الثاني : نفاق ، قاله قتادة .
(١٢٧) قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٤٥/٤) ((وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى
القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء والحكم من قضاة الاسلام
العادلين بحكم الله العارفين بكتاب الله العادلين في القضاء هو حكم الله وحكم رسوله فالداعي إلى
التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله أي إلى حكمهما قال ابن خويز منداد واجب على كل من
دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق وقال القرطبي وفي هذه الآية دليل
على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لأن الله سبحانه ذم من دُعِيَ إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه
بأقبح الذم قال : ﴿ أفي قلوبهم مرض﴾ الآية اهـ. فإن كان القاضي مقصراً لا يعلم بأحكام الكتاب
والسنة ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله بل كان جاهلاً جهلاً بسيطاً وهو من لا علم له
بشيء من ذلك أو جهلاً مركباً وهو من لا علم عنده بما ذكرنا ولكن قد عرف بعض اجتهادات
المجتهدين واطلع على شيء من علم الرأي فهذا في الحقيقة جاهل وإن اعتقد أنه يعلم شيئاً من
العلم فاعتقاده باطل فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإِجابة إليه لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله
ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل فإن ما عرفه من
علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب
والسنة ولم يرخص فيه لغيره مما يأتي بعده)) .... الخ .
(١٢٨) رواه الطبراني عن الحسن عن سمرة كما في الدر (٢١٣/٦) وفي سماع الحسن من سمرة خلاف
مشهور ولكن الحديث له شاهد مرسل عن الحسن رواه ابن أبي حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد كما
في الدر (٢١٣/٦) ولفظه (( من كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم
یجب فهو ظالم لا حق له )).
قال ابن كثير رحمه الله (٢٩٩/٣) هذا حديث غريب وهو مرسل . اهـ. قلت وأما قول العلامة أبي
بكربن العربي أنه حديث باطل فأما قوله فهو ظالم فكلام صحيح وأما قوله فلا حق له فلا يصح
ويحتمل أنه يريد أنه على غير الحق اهـ. فقد رد الشوكاني كلام ابن العربي وهاك عبارته في فتح
القدير (٤٨/٤) ((أقول وأما كون الحديث مرسلاً فظاهر، وأما دعوى كونه باطلاً)) فمحتاجة إلى
برهان فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما ذكرنا ويبعد
كل البعد أن يتفق عليه ما هو باطل .... ثم ساق إسناد ابن أبي حاتم ثم قال وليس في هؤلاء كذاب
ولا وضاع ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة ... ثم ساق الحديث المتقدم اهـ.
١١٦
.

سورة النور الآية - ٥٣ - ٥٥
أَمِ أَرْتَابُواْ﴾ أي شكوا ويحتمل وجهين :
أحدهما: في عدل رسول الله وَليلةٍ.
الثاني : في نبوته .
﴿ وَأَقْسَمُوْبِاللَّهِ جَهْدَأَيْمَنِمْ لَكِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُنَّقُل لَّا تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوْ الرَّسُولٌّ فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا
عَلَيْهِ مَاحُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا خُمُّلْتُمَّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ وأَوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلََّ الْبَغُ
اُلْمُبِينُ
٥٤
قوله تعالى: ﴿ قُل لَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : طاعة صادقة خير من أيمان كاذبة .
الثاني : قد عرف نفاقكم في الطاعة فلا تتجملوا بالأيمان الكاذبة .
قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا عن الرسول.
فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ أي عليه ما حمل من إبلاغكم ،
وعلیکم ما حملتم من طاعته .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن عليه ما حمل من فرض جهادكم ، وعليكم ما حملتم
من وزر عباده .
وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ يعني إلى الحق .
﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يعني بالقول لمن أطاع وبالسيف
لمن عصى .
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنََّهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُ ونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ
١١٧

سورة النور الآية - ٥٥ - ٥٧
بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٢٥) وَ أَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَانُواْالزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿ لَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِّ
وَمَأْوَنِهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ!
٥٧
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَتَّهُمْ
فِي الأرْضِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني أرض مكة ، لأن المهاجرين سألوا الله ذلك ، قاله النقاش .
والثاني : بلاد العرب والعجم ، قاله ابن عيسى .
روى سليم بن عامر عن المقدام بن الأسود قال(١٢٩): سمعت رسول اللّه ◌َل
يقول : ﴿لَا يَبْقَى عَلَى الَأَرْضِ بَيْتُ حَجَرٍ وَلَ مَدَرٍ وَلَ وَبَرٍ إِلَّ أُدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةً
الإِسْلاَمِ بِعِزَّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلُّ ذَلِيلٍ ، إما يعزهم فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم
فیدینون لها )).
﴿ كَمَا أَسْتَخْلَفَ أَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني بني إسرائيل في أرض الشام .
الثاني : داود وسليمان .
وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي أَرْتَضَىْ لَهُمْ ﴾ يعني دين الإِسلام وتمكينه أن
يظهره على كل دين .
وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أُمْنَاً ﴾ لأنهم كانوا مطلوبين فطلبوا ، ومقهورين
فقهروا .
(١٢٩) رواه ابن منده في كتاب الإِيمان (١٠٢/١) وهو صحيح على شرط مسلم كما قال الألباني في
تحذير الساجد ص ١٢١ وله شاهد آخر رواه أحمد (١٠٣/٤) والحاكم (٤٣٠/٤ - ٤٣١) وابن
منده في الإِيمان (١٠٢/١) وابن حبان (١٦٣١، ١٦٣٢ ) وصححه الألباني أيضاً على شرط مسلم
في المصدر السابق .
راجع السلسلة الصحيحة وقد ذكر أحاديث كثيرة تدل على أن المستقبل للاسلام وتبشر الأحاديث بعودة
الخلافة .
الأحاديث رقم ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧ .
١١٨

سورة النور الآية - ٥٨ - ٦٠
﴿يَعْبُدُونَنِي لَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : لا يعبدون إلَهاً غيري ، حكاه النقاش .
الثاني : لا يراءون بعبادتي أحداً .
الثالث : لا يخافون غيري ، قاله ابن عباس .
الرابع : لا يحبون غيري ، قاله مجاهد .
قال الضحاك : هذه الآية في الخلفاء الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ،
وعلي رضي الله عنهم وهم، الأئمة المهديون، وقد قال(١٣٠) النبي وَّةُ: ((الخِلَافَةُ
بَعْدِي ثَلاثونَ سَنَةً ».
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْ مَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْلُمُ
مِنْكُرْ ثَلَثَ هَرَّتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِوَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الَّهِبَةِ وَمِنْ بَعْدٍ
صَلَوْةِ الْعِشَاءِ تَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيَّهِمْ جُنَاٌ بَعْدَ هُنَّ
طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمُ فَلْيَسْتَخْذِ نُواْكَمَا أَسْتَخْذَنَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِ هِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَ ايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيُ حَكِيمٌ ﴾ وَاُلْقَوَعِدُ
مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْرِبَ
ثِيَابَهُنَ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِضْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّهُ وَالَهُ سَمِيعُ
وء
عَلِيمٌلـ
٦٠
قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيَمَانُكُمْ ﴾ فيهم قولان :
(١٣٠) جزء من حديث رواه أبو داود (٤٦٤٦، ٤٦٤٧) وأحمد (٢٢١،٢٢٠/٥) وابن حبان (١٥٣٤،
١٥٣٥) موارد والترمذي (٣٥/٢) والطحاوي في مشكل الآثار. (٣١٣/٤) وصححه الحاكم
والطبري وأحمد وابن أبي عاصم وابن حبان والترمذي والذهبي والعسقلاني وابن تيمية راجع السلسلة
الصحيحة رقم ٤٦٠ .
١١٩

سورة النور الآية - ٥٨ - ٦٠
أحدهما : أنهم النساء يستأذنَّ في هذه الأوقات خاصة ويستأذن الرجال في
جميع الأوقات ، قاله ابن عمر .
الثاني : أنهم العبيد والإِماء .
وفي المعنى بالاستئذان ثلاثة أقاويل :
أحدها : العبد دون الأمة يستأذن على سيده في هذه الأوقات الثلاثة ، قاله
ابن عمر ، ومجاهد .
الثاني : أنها الإِماء لأن العبد يجب أن يستأذن أبداً في هذه الأوقات وغيرها ،
قاله ابن عباس .
الثالث : أنه على عمومه في العبد والأمة ، قاله أبو عبد الرحمن السلمي .
وَأَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُم ﴾ هم الصغار الأحرار فمن كان منهم غير
مميز لا يصف ما رأى فليس من أهل الاستئذان ومن كان مميزاً يصف ما رأى
ويحكي ما شاهد فهو المعني بالاستئذان .
ثَلَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظّهِيرَةِ وَمِن
بَعْدِ صَلَةِ الْعِشَاءِ﴾ وهذه الساعات الثلاث هي أوقات استئذان من تقدم ذكره ولا
يلزمهم الاستئذان في غيرها من الأوقات ، فذكر الوقت الأول وهو من قبل صلاة
الفجر وهو من بعد الاستيقاظ من النوم إلى صلاة الصبح ، ثم ذكر الوقت الثاني
فقال: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ﴾ وهو وقت الخلوة لنومة القائلة ، ثم ذكر الوقت الثالث
فقال: ﴿وَمِن بَعْدٍ صَلَةِ الْعَشَاءِ﴾ يعني الآخرة وقد تسميها العامة العتمة وسميت
العشاء لأن ظلام وقتها يعشي البصر .
وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوات الرجل مع أهله ولأنه
ربما بدا فيها عند خلوته ما يكره أن يرى من جسده ، فقد روي أن عمر بن
الخطاب كان في منزله وقت القائلة فأنفذ إليه رسول الله وَ ل بصبي من أولاد الأنصار
يقال له مدلج فدخل على عمر بغير إذن وكان نائماً فاستيقظ عمر بسرعة فانكشف
شيء من جسده فنظر إليه الغلام فحزن عمر فقال : وددت لو أن الله بفضله نهى
أبناءنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذننا ثم انطلق إلى النبي ◌َّ فوجد
هذه الآية قد أنزلت فخرَّ ساجداً [ شكراً لله].
١٢٠