النص المفهرس

صفحات 81-100

سورة النور الآية - ١٤ - ١٩
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ يشهدون بما قالوه .
فَإِذَلَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ ﴾ الآية ..
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴿ إِذْتَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَحِكُمْ مَالَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمُ
وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَاوَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمُ (٥) وَلَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَنْ
تَتَّكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنٌ عَظِيمٌ ﴿ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُ واْلِمِثْلِهِ أَبَدًا
إِنَّكُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿َّوَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌحَكِيمُ هَا إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
١٩
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون وعيداً بما له عند الله من العقاب .
الثاني : أريد به تكذيب المؤمنين الذين يصدقون ما أنزل الله من كتاب .
واختلف هل حد النبي وسلّ أصحاب الإِفك على قولين :
أحدهما : أنه لم يحدّ أحداً منهم لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة ولم
يتعبدنا الله أن نقيمها بإخباره عنها كما لم يتعبدنا بقتل المنافقين وإن أخبر بكفرهم .
والقول الثاني: أن النبي ◌َّ﴾ (٧٧) حد في الإِفك حسان بن ثابت وعبد الله بن
أبي ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة رواه عروة بن
الزبير وابن المسيب عن عائشة رضي الله عنها فقال بعض شعراء المسلمين :
لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنةُ إذ قالا هجيراً ومسطح
(٧٧) قال العلامة الآلوسي (١١٦/١٨) ((وفي البحر أنه حد حسان ومسطح وحمنة وقد أخرج البزار وابن
مردويه بسند حسن عن أبي هريرة وقد جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في السيرة لابن إسحاق
وهي .... ثم سرد الأبيات التي هنا.
٨١

سورة النور الآية - ٢٠، ٢١
كما خاض في إفك من القول يفصح
وابن سلول ذاق في الحدّ خزيه
وسخطة ذي العرش العظيم فأبرحوا
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم
مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وآذواْ رسول اللَّه فيها فجللوا
شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح
فصبت علیھم محصدات كأنها
حكى مسروق أن حسان استأذن على عائشة فقلت أتأذنين له فقالت : أو ليس
قد أصابه عذاب عظيم . فمن ذهب إلى أنهم حدوا زعم أنها أرادت بالعذاب
العظيم الحد ، ومن ذهب إلى أنهم لم يحدّوا زعم أنها أرادت بالعذاب العظيم
ذهاب بصره ، قاله سفيان . قال حسان بن ثابت(٧٨) يعتذر من الإفك:
وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الغَوَافِلِ
حَصَانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بِرِيبَةٍ
فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إليَّ أَنامِلِي
فإن كنتُ قد قلتُ الذي قد بُلِّغْتُم
لِلِ رَسُولِ اللَّهِ زَينِ المَحَافِلِ
فكيفَ ووُدِّي ما حَبِيتُ ونُصْرَتِي
فيه وجهان :
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمُ
أحدهما : هو أن تتحدث به وتلقيه بین الناس حتى ينتشر .
الثاني : أن يتلقاه بالقبول إذا حدث به ولا ينكره . وحكى ابن أبي مليكة أنه
سمع عائشة تقرأ إذ تلقونه(٧٩) بكسر اللام مخففة وفي تأويل هذه القراءة وجهان :
أحدهما : ترددونه ، قاله اليزيدي .
الثاني : تسرعون في الكذب وغيره، ومنه قول الراجز (٨٠):
جَاءَتْ به عنسٌ من الشأمِ تَلِقْ
أي تسرع
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّاللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [®َ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَن ◌َّعَ خُطُـوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ
(٧٨) الأبيات في ديوان حسان ١٩٠، ١٩١ .
(٧٩) وهي قراءة مجاهد وأبي حيوة، زاد المسير (٢١/٦).
(٨٠) الطبري (٩٨/١٨)، اللسان (ولق) القرطبي (٢٠٤/١٢).
٨٢

سورة النور الآية - ٢١ - ٢٥
بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَازَكِنَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِ مَن يَشَاءُ وَالَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : خطايا الشيطان ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : آثاره ، قاله ابن شجرة .
الثالث : هو تخطي الشيطان الحلال إلى الحرام والطاعة إلى المعصية ، قاله
ابن عيسى .
الرابع : هو النذور في المعاصي ، قاله أبو مجلز .
ويحتمل خامساً : أن تكون خطوات الشيطان الانتقال من معصية إلى أخرى
مأخوذ من نقل القدم بالخطو من مكان إلى مكان .
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُصِرْبَى وَالْمَسَكِينَ
وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْأَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ
إِنَّالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي
وَاْللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ الَّـ
الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلِْنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ
◌َ يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّاللَّهُ
٢٤
وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
٢٥
هُوَالْحَقُّ الْمُبِينُ
قوله تعالى: ﴿وَلَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ وقرىء ولا يتأل(٨١)
وفي اختلاف القراءتين وجهان :
أحدهما : أن معناهما متقارب واحد وفيه وجهان :
أحدهما : أي لا يقتصر مأخوذ من قولهم لا ألوت أي لا قصرت ، قاله ابن
بحر .
(٨١) وهي قراءة الحسن وأبي العالية وأبي جعفر وابن أبي عبلة، زاد المسير (٢٤/٦).
٨٣

سورة النور الآية - ٢٦
الثاني : لا يحلف مأخوذ من الألية وهي اليمين .
- والقول الثاني : معناهما مختلف فمعنى يأتل أي يألو أو يقصر ، ومعنى يتأل
أي يحلف .
﴿ أَن يُؤْتُوَاْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي لا
يحلفوا ألّ يبروا هؤلاء ، وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان
ينفق على مسطح بن أثاثة فلما خاض في الإِفك ونشره حلف أبو بكر ألا يبره وكان
ابن خالته فنهاه الله عن يمينه وندبه إلى بره مع إساءته . وهذا معنى لا يألو جهداً
فالمنهى عنه فيها التوقف عن بر من أساء وأن نقابله بالتعطف والإِغضاء . فقال :
ولْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ ﴾ وفيها وجهان :
أحدهما : أن العفو عن الأفعال والصفح عن الأقوال .
الثاني : أن العفو ستر الذنب من غير مؤاخذة والصفح الإِغضاء عن
المكروه .
﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾ أي كما تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم
فاغفروا لمن أساء إلیکم، فلما سمع أبو بكر هذا قال : بلى يا رب(٨٢) وعاد إلى برِّه
وكفّر عن يمينه .
اُلْخَبِيئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيتُونَ لِلْخَبِثَتِّ وَالطََّتُ لِلطَّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ
لِلَّيِّبَنِّ أُوْلَمِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمُ (
C
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية . فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال
للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من
الرجال للطيبات من النساء ، قاله ابن زيد .
الثاني : الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس
(٨٢) انظر إلى مسارعة الصديق رضي الله عنه لتنفيذ أمر الله تعالى
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالرجال فلاح
٨٤

سورة النور الآية - ٢٧ - ٢٩
للخبيثات من الأعمال والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس ، والطيبون من
الناس للطيبات من الأعمال قاله مجاهد وقتادة .
الثالث : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس ، والخبيثون من الناس
للخبيثات من الكلام ، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس ، والطيبون من
الناس للطيبات من الكلام قاله ابن عباس والضحاك . وتأول بعض أصحاب
الخواطر(٨٣): الخبيثات الدنيا ، والطيبات الآخرة .
﴿ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن عائشة وصفوان مبرآن من الإِفك المذكور فيهما ، قاله الفراء .
الثاني: أن أزواج النبي وسلّ مبرات من الفواحش، قاله ابن عيسى.
الثالث : أن الطيبين والطيبات مبرؤون من الخبيثين والخبيثات ، قاله ابن
شجرة .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَاتَدْ خُلُواْبُوتًا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ
عَلَى أَهْلِهَأَذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٦) فَإِ لَّمْ تَجِدُ وافِيهَا أَحَدًا فَلَا
نَدْ خُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُرْوَإِنِ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزَكَى لَكُمْ وَاللّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿الَيْسَ عَلَيْكُمْ هُنَامُ أَنْ تَدْ خُلُواْبُيُوتًّا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ
فِيَهَا مَتَعُ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَاتُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٩
قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْتِسُواْ﴾ فيه ثلاثة
أقاويل :
أحدها : حتى تستأذنوا . واختلف من قال بهذا التأويل فقال ابن عباس (٨٤):
أخطأ الكاتب فيه فكتب تستأنسوا وكان يقرأ : حتى تستأذنوا . وقال غيره : لأن
(٨٣) ولا دليل على هذا التأويل .
(٨٤) وثبوت هذا عن ابن عباس محل خلاف بينهم فراجع ما كتبه العلامة الآلوسي حول هذا الاثر
(١٣٤٤/٣٣/١٨).
٨٥

سورة النور الآية - ٢٧ - ٢٩
الاستئذان مؤنس فعبر عنه بالاستئناس ، وليس فيه خطأ من كاتب ولا قارىء .
الثاني : معناه حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح فيعلموا بقدومكم عليهم ،
قاله مجاهد .
الثالث : أن تستأنسوا يعني أن تعلموا فيها أحداً استأذنوه فتسلموا عليه ومنه
قوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً﴾ [النساء: ٦] أي علمتم، قاله ابن قتيبة. وقال
ابن الأعرابي الإستئناس الاستثمار، والإيناس اليقين. والإذن يكون بالقول والإشارة
فإن جاهر فسؤال، فقد روى قتادة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه اليوم(٨٥):
((رَسُولُ الرَّجُلِ إِذْتُهُ فَإِنِ اسْتَأْذَنَ ثَلَاثاً وَلَمْ يُؤْذَنْ لَه وَلَّى فلم يُراجِعْ فِي الاسْتِئْذَانِ )).
روى الحسن البصري أن [ أبا موسى] الأشعري استأذن على عمر (٨٦)
رضي الله عنه ثلاثاً فلم يؤذن له فرجع فأرسل إليه عمر فقال : ما ردّك ؟ فقال : قال
رسول الله وََّ: ((مَنِ اسْتَأْذَنَ ثلاثاُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِع)) فقال عمر: لتجيئني على
ببينة أو لأجعلنك نكالاً فأتى طلحة فشهد له قال الحسن : الأولى إذنْ ، والثانية
مؤامرة ، والثالثة : عزمة ، إن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا .
ولا يستأذن وهو مستقبل الباب إن كان مفتوحاً ، وإن أذن لأول القوم فقد أذن
(٨٥) ولفظ الحديث ((رسول الرجل إلى الرجل إذن)) وفي لفظ ((إذا دعي أحدكم إلى الطعام ثم جاء معه
الرسول فإن ذلك إذن له)) .
والحديث رواه أبو داود ( ٥١٨٩) (٥١٩٠) والبخاري في الأدب (١٠٧٥ ) قال أبو داود لم يسمع
قتادة من أبي رافع شيئاً كذا في رواية اللؤلؤي للسنة وفي رواية أبي الحسن بن العبد يقال لم يسمع
قتادة من أبي رافع شيئاً. قال الحافظ في الفتح (٢٧/١١) كذا قال وقد ثبت سماعه منه في الحديث
الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أبا رفع حدثه والحديث
مع ذلك متابع فقد أخرجه البخاري في الأدب ( ١٠٧٦ ) وأبو داود (٥١٨٩) من طريق محمد بن سيرين
عن أبي هريرة وإسناده صحيح صححه الارناؤط في تخريج زاد المعاد (٢ /٤٣٢) وله شاهد موقوف
من حديث ابن مسعود رواه البخاري في الأدب ( ١٠٧٤ ) وإسناده قوي .
تنبيه: قول المؤلف هنا روى قتادة عن أبي هريرة لعله حدث سقط من الناسخ فإن قتادة رواه عن ابن رافع
عن أبي هريرة كما سبق والحديث رواه البخاري معلقاً (٢٧/١١).
(٨٦) رواه البخاري (٢٣/١١ ومسلم (٢١٥٣) وأبو داود (٥١٨٠) والترمذي (٢٦٩١) وقد رواه البيهقي في
كتاب الآداب رقم ٢٧٥ بتحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا راجع ما كتب حول تخريجه هناك.
٨٦

سورة النور الآية - ٢٧ - ٢٩
لآخرهم ، ولا يقعدوا على الباب بعد الرد فإن للناس حاجات .
﴿ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ والسلام ندب والاستئذان حتم . وفي السلام
قولان :
أحدهما : أنه مسنون بعد الإِذن على ما تضمنته الآية من تقديم الإِذن عليه .
الثاني : مسنون قبل الإِذن وإن تأخر في التلاوة فهو مقدم في الحكم وتقدير
الكلام حتى تسلموا وتستأذنوا لما روى محمد بن سيرين (٨٧) أن رجلاً استأذن على
رسول اللّه ◌َ﴿ فقال: أأدخل؟ فقال النبي ◌َّ﴿ لرجل عنده: ((قُمْ فَعَلَّمْ هُذَا كَيْفَ
يَسْتَأْذِنُ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ )) فسمعها الرجل فسلم واستأذن .
وأولى من إطلاق هذين القولين أن ينظر فإن وقعت العين على العين قبل
الإِذن فالأولى تقديم السلام ، وإن لم تقع العين على العين قبل الإِذن فالأولى
تقديم الاستئذان على السلام .
فأما الاستئذان على منازل الأهل فإن كانوا غير ذي محارم لزم الإِستئذان
عليهم کالأجانب وإن كانوا ذوي محارم وكان المنزل مشتركاً هو فيه وهم ساكنون لزم
في دخوله إنذارهم إما بوطءٍ . أو نحنحة مفهمة إلا الزوجة فلا يلزم ذلك في حقها
بحال لارتفاع العورة بينهما . وإن لم يكن المنزل مشتركاً ففي الاستئذان عليهم
وجهان :
أحدهما : أنها النحنحة والحركة .
الثاني : القول كالأجانب . روى صفوان عن عطاء بن يسار(٨٨) أن رجلاً قال
للنبي وَّل: ((أستأذن على أمي))؟ فقال: ((نعم))، فقال إني أخدمها فقال:
((استأذن عليها)) فعاوده ثلاثاً: فقال: ((أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً)) ؟ قال : لا قال :
((فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا )).
قوله تعالى : ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً ﴾ يعني يأذن لكم .
(٨٧) راجع الدر (١٧٣/٦) فقد أورد أحاديث كثيرة موقوفة وأما مرسل ابن سيرين فقد ورد موصولاً رواه
أبو داود (٥١٧٧) والبيهقي في الآداب رقم ٣٧٤ وصححه النووي في رياض الصالحين ص ٣٨١ .
(٨٨) رواه الطبري (١١١/١٨ - ١١٢).
٨٧

سورة النور الآية - ٢٧ - ٢٩
فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُم﴾ ولا يجوز التطلع إلى المنزل ليرى من فيه
فيستأذنه إذا كان الباب مغلقاً لقول النبي وَلَّ(٨٩): ((إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِثْذَانُ لِأَجْلِ
الْبَصَرِ ، إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَقْتُوحاً فَيَجُوزُ إِذَا كَانَ خَارِجاً أَنْ يَنْظُرَ لَإِنَّ صَاحِبَهُ بالفتحِ قَدْ
أَبَاحَ النَّظَرَ ))
﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىْ لَكُمْ﴾ وهنا ينظر فإن كان بعد
الدخول عن إذن لزم الانصراف وحرم اللبث ، وإن کان قبل الدخول فهو رد الإِذن
ومنع من الدخول . ولا يلزمه الانصراف عن موقفه من الطريق إلا أن يكون فناء
الباب المانع فيكفي عنه ، قال قتادة : لا تقعد على باب قوم ردوك فإن للناس
حاجات .
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتَاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ فيها خمسة
أقاويل :
أحدها : أنها الخانات المشتركة ذوات البيوت المسكونة ، قاله محمد بن
الحنفية رضي الله عنه .
الثاني : أنها حوانيت التجار، قاله الشعبي .
الثالث : أنها منازل الأسفار ومناخات الرجال التي يرتفق بها مارة الطريق في
أسفارهم ، قاله مجاهد .
الرابع : أنها الخرابات العاطلات ، قاله قتادة .
الخامس : أنها بيوت مكة ، ويشبه أن يكون قول مالك .
فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها عروض الأموال التي هي متاع التجار ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها الخلاء والبول سمي متاعاً لأنه إمتاع لهم ، قاله عطاء .
الثالث : أنه المنافع كلها ، قاله قتادة ، فلا يلزم الاستئذان في هذه المنازل
(٨٩) الحديث إلى قوله ((من أجل البصر)) رواه البخاري (٢١،٢٠/١١) ومسلم (٢١٥٦) والترمدي
(٢٧١٠) والنسائي (٦١٢،٢٦٠/٨) وأحمد (٣٣٥،٣٣٠/٥) وحديث سهل بن سعد ((أما
الزيادة التي أوردها المؤلف هنا فلم اعثر على تخريج الحديث والله أعلم.
٨٨

سورة النور الآية - ٣٠
كلها . قال الشعبي : حوانيت التجار إذنهم أنهم جاءوا ببيوتهم فجعلوها فيها وقالوا
للناس : هَلُمّ .
قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُ واْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْإِنَّاللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٣
قوله تعالى: ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ وفي
مِنْ ﴾ في هذا الموضع ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها صلة وزائدة وتقدير الكلام : قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم ،
قاله السدي .
الثاني : أنها مستعملة في مضمر وتقديره : يغضوا أبصارهم عما لا يحل من
النظر ، وهذا قول قتادة .
الثالث : أنها مستعملة في المظهر ، لأن غض البصر عن الحلال لا يلزم
وإنما يلزم غضها عن الحرام فلذلك دخل حرف التبعيض في غض الأبصار فقال :
من أبصارهم ، قاله ابن شجرة .
ويحرم من النظر ما قصد ، ولا تحرم النظرة الأولى الواقعة سهواً . روى
الحسن البصري قال: قال(٩٠) رسول اللّه وَّ: ((ابنُ آدَمَ لَكَ النَّظْرَةُ الأُولَى وَعَلَيْكَ
الثَّانِيَة )).
﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه يعني بحفظ الفرج عفافه ، والعفاف يكون عن الحرام دون
المباح ولذلك لم يدخل فيه حرف التبعيض كما دخل في غض البصر .
(٩٠) ومرسل الحسن هذا لم أعثر عليه ولكن رأيته في الزهد للإِمام أحمد بلفظ كانوا يقولون ابن آدم
النظرة الأولى تعذر فيها فما بال الآخرة .
ومرسلات الحسن عن العلماء شبه الريح كما قالوا ويغني عن هذا المرسل ما رواه أبو داود (٢٤١٩)
والترمذي (٢٧٧٧). عن بريدة قال، قال رسول الله وَله ((العلي)) لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست
لك الآخرة. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٩٩/٦). وأحمد (٣٥٣،٣٥١/٥، ٣٥٧) والدارمي
(٣٧٦/٢).
٨٩

سورة النور الآية - ٣١
الثاني : قاله أبو العالية الرياحي المراد بحفظ الفروج في هذا الموضع سترها
عن الأبصار حتى لا ترى ، وكل موضع في القرآن ذكر فيه الفرج فالمراد به الزنى
إلا في هذا الموضع فإن المراد به الستر ، وسميت فروجاً لأنها منافذ الأجواف
ومسالك الخارجات .
وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُـنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِ يْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَى جُوِنٌ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلَّا لِيُعُولَتِهِرِيَّ أَوْ ءَبَِّهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَثْنَابِهِنَّ أَوْ
أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَذِهِنَّ أَوْبَنِ إِخْوَذِهِرَ أَوْبَنِىَ أَخَوَةِ هِنَّأَوْنِسَابِهِنَّ
أَوْ مَامَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّأَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ
الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُ واْعَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِوَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجِ مِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ
مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ ◌َمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْتُفْلِحُونَ!
والزينة ما أدخلته المرأة على
قوله تعالى : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .
بدنها حتى زانها وحسنها في العيون كالحلي والثياب والكحل والخضاب ، ومنه قوله
تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ قال الشاعر (٩١):
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن غير عواطل
والزينة زينتان : ظاهرة وباطنة (٩٢)، فالظاهرة لا يجب سترها ولا يحرم النظر .
إليها لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ وفيها ثلاثة أقاويل :
(٩١) فتح القدير (٢٣/٤).
(٩٢) وكذلك الزينة قرينتان زينة مكتسبة وخلقية، فالخلقية ما كانت من أصل الخلقة والمكتسبة ما كانت من
حلي وثياب فالأولى لا يجوز إبداؤها للأجانب إلا عند الضرورة كالتطبيب والشهادة وغيرها . والثانية
يجوز إبداؤها لتعذر إخفائها أثناء الخروج في الطرقات وأدلة هذا القول كثيرة راجع المطولات في ذلك
كالصارم المشهور للتويجري والحجاب لمحمد صالح العثيمين وفقه النظر والإسلام لمحمد أديب كلكل
وغيرها كثير .
٩٠

سورة النور الآية - ٣١
أحدها : أنها الثياب ، قاله ابن مسعود(٩٣).
الثاني : الكحل والخاتم ، قاله ابن عباس (٩٤) ، والمسور بن مخرمة .
الثالث : الوجه والكفان ، قاله الحسن ، وابن جبير ، وعطاء .
وأما الباطنة فقال ابن مسعود: القرط(*) والقلادة(*) والدملج(*)
والخلخال(*)، واختلف في السوار فروي عن عائشة أنه من الزينة الظاهرة ، وقال
غيرها هو من الباطنة ، وهو أشبه لتجاوزه الكفين . فأما الخضاب فإن كان في
الكفين فهو من الزينة الظاهرة ، وإن كان في القدمين فهو من الباطنة ، وهذه الزينة
الباطنة يجب سترها عن الأجانب ويحرم عليهم تعمد النظر إليها فأما ذوو المحارم
فالزوج منهم يجوز له النظر والالتذاذ ، وغيره من الآباء والأبناء والإخوة يجوز لهم
النظر ويحرم عليهم الالتذاذ .
روى الحسن والحسين رضي الله عنهما [ أنهما ] كانا يدخلان على أختهما أم
كلثوم وهي تمتشط .
وتأول بعض أصحاب الخواطر هذه الزينة بتأويلين :
أحدهما : أنها الدنيا فلا يتظاهر بما أوتي منها ولا يتفاخر إلا بما ظهر منها ولم
ينستر .
الثاني : أنها الطاعة لا يتظاهر بها رياءً إلا ما ظهر منها ولم ينكتم ، وهما
بعيدان .
(٩٣) رواه الطبري (١١٩/١٨) وإسناده صحيح غاية في الصحة كما قال الشيخ السندي في رسالته
الحجاب ص ٧٢ .
(٩٤) رواه الطبري (٢٢ /٤٦) وزاد السيوطي نسبته في الدر (٦٥٩/٦) لابن أبي حاتم وابن المنذر
والبيهقي وإسناده منقطع لأنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولم يدرك الأول الثاني ولكن هذه
الرواية احتج بها أهل العلم كالبخاري فقد شحن بها كتاب التفسير وكذا القرطبي وابن كثير والقاسمي
في محاسن التأويل راجع رسالة الحجاب لعبد القادر السندي ص ٧٤ .
(*) القرط هو ما تعلقه المرأة من الزينة في أسفل الأذن .
(*) القلادة : ما أحاط بالعنق من الحلي.
(*) الدملج: الحجر الأملس والمِعْضَدُ من الحُليّ.
(*) الخلخال : سوار من الحلي تجعله المرأة في ساقها .
٩١

سورة النور الآية - ٣١
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرٍ هِنَّ عَلَىْ جُيُوبِهِنَّ﴾ الخمر(*) المقانع أمِرن بإلقائها على
صدورهن تغطية لنحورهن فقد كن يلقينها على ظهورهن بادية نحورهن ، وقيل :
كانت قمصهن مفروجة الجيوب كالدرعة يبدو منها صدورهن فأمرن بإلقاء الخمر
لسترها . وكني عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها .
ثم قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِيتَتَهُنَّ إِلَّ لِيُعُولَتِهِنَّ﴾ يعني الزينة الباطنة إبداؤها
للزوج استدعاء لميله وتحريكاً لشهوته ولذلك لعن (٩٥) رسول الله جمالية السلتاء
والمرهاء فالسلتاء التي لا تختضب، والمرهاء التي لا تكتحل تفعل ذلك لانصراف
شهوة الزوج عنها فأمرها بذلك استدعاء لشهوته، ولعن ◌َّ(٩٦) المفشلة والمسوفة ،
المسوفة التي إذا دعاها للمباشرة قالت سوف أفعل ، والمفشلة التي إذا دعاها قالت
إنها حائض وهي غير حائض، وروي عن النبي (٩٧) مَّ قال: ((لُعِنَتِ الغَائِصَةُ
وَالمُغَوِّصَةُ )) فالغائصة التي لا تعلم زوجها بحيضها حتى يصيبها ، والمغوصة التي
تدعى أنها حائض ليمتنع زوجها من إصابتها وليست بحائض .
(*) الخمر: قال الحافظ ابن حجر في كتاب الأشربة أثناء تعريف الخمر : ومنه خمار المرأة لأنه يستر
وجهها اهـ.
وقال في حديث عائشة يرحم الله نساء المهاجرات .... الحديث وفيه شققن مروطهن فاختمرن بها
قال قوله فاختمرن بها ، أي غطين وجوههن .. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من
الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع .
- المقانع : جمع مقنعة : وهي ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها كما في القاموس وشرحه .
(٩٥) لم أهتد إلى تخريجه والله أعلم .
(٩٦) رواه أبو يعلى كما في المطالب (٢٧/٢) والديلمي كما في فردوس الأخبار (٥١٨/٣) من حديث
أبي هريرة وقال الهيثمي في المجمع (٢٩٧/٤) فيه يحيى بن العلاء وهو ضعيف متروك اهـ.
وضعفه البوصيري كما نقله محقق المطالب وقال المناوي في فيض القدير (٢٧٢/٥) وأقول بل قال
الذهبي قال أحمد ( أي ابن حنبل ) كذاب أي ( يحيى بن العلاء) يضع ذكره في الضعفاء اهـ. وقد
رمز السيوطي له بالضعف .
تنبيه: وقع هنا وفي المطولة المفشلة ((بالشين المعجمة)) وهو خطأ والصواب المفسِّلة بضم الميم
وتشديد السين والتصويب من فيض القدير (٢٧٢/٢) والمطالب .
وقد ورد حديث مستقل يلعن المسوفات من حديث ابن عمر مرفوعاً وسنده ضعيف راجع المجمع
(٢٩٦/٤) وفيض القدير (٢٧٢/٥).
(٩٧) لم اهتد إلى تخريجه والله أعلم.
٩٢

سورة النور الآية - ٣١
واختلف أصحابنا(٩٨) في تعمد كل واحد من الزوجين النظر إلى فرج صاحبه
تلذذاً به على وجهين :
أحدهما : يجوز كما (٩٩) يجوز الاستمتاع به لقوله تعالى : ﴿هن لباس لكم
وأنتم لباس لهن ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الثاني: لا يجوز لما روي عن النبي ◌َ ◌ّ أنه قال(١٠٠): ((لَعَنَ اللَّهُ الَّاظِرَ
وَالمَنْظُورَ إِلَیهِ )».
فأما ما سوى الفرجين منهما فيجوز لكل واحدٍ منهما أن يتعمد النظر إليه من
صاحبه وكذلك الأمة مع سيدها .
﴿ أُوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ ﴾ وهؤلاء
كلهم ذوو محارم بما ذكر من الأسباب والأنساب يجوز أبداً نظر الزينة الباطنة لهم
من غير استدعاء لشهوتهم ، ويجوز تعمد النظر من غير تلذذ .
(٩٨) أي من الشافعية لأن الماوردي رحمه الله شافعي المذهب من الفروع .
(٩٩) ويؤيد القول بالجواز وهو الراجح :
ما رواه البخاري (٩٤٠/١) وترجم له (( باب غسل الرجل مع امرأته من حديث عائشة رضي الله
عنها قالت كنت اغتسل أنا ورسول اللّه وَ ر من إناء بيني وبينه واحد تختلف أيدينا فيه فيبادرني حتى
أقول دع لي دع لي قالت وهما جنبان.
وقال الحافظ ((استدل به [ أي بالحديث ] الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه
ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته فقال
سألت عطاء فقال سألت عائشة فذكرت هذا الحديث بمعناه وهو نص في المسألة )) اهـ.
ويؤيد الجواز أيضاً ما رواه أصحاب السنن إلا النسائي فقد رواه في العشرة ترجم عليه ((نظر المرأة
إلى عورة زوجها)) من حديث .
ولفظه ((احفظ عورتك إلا من امرأتك أو ما ملكت يمينك)) ... الحديث .
قال الألباني في رسالته أداب الزفاف ص ٣٥ نقلاً عن ابن عروة الحنبلي في كتابه المخطوط الكواكب
الدراري (( ومباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه حتى الفرج لهذا
الحديث ولأن الفرج يحل له الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن.
(١٠٠) لم يصح هذا الحديث وما في معناه . وقد ذكر العلامة الألباني على الأحاديث الواردة في النهي
فراجعها في آداب الزفاف ص ٣٣، ٣٤، ٣٥ وفي السلسلة الضعيفة ج١ وهذا الحديث رواه البيهقي في
السنن (٩٩/٧) والديلمي كما في فردوس الأخبار (٥١٥/٣) وحكم الألباني عليه بالوضع والحديث
من مسند ابن عمر .
٩٣

سورة النور الآية - ٣١
والذي يلزم الحرة أن تستر من بدنها مع ذوي محارمها ما بين سرتها وركبتها ،
وكذلك يلزم مع النساء كلهن أو يستتر بعضهن من بعض ما بين السرة والركبة وهو
معنى قوله :
أو نِسَائِهِنَّ ﴾ وفيهن وجهان :
أحدهما : أنهن المسلمات لا يجوز لمسلمة أن تكشف جسدها عند كافرة ،
قاله الكلبي .
والثاني : أنه عام في جميع النساء .
ثم قال تعالى : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني عبيدهن، فلا يحل للحرة
عبدها ، وإن حل للرجل أمته ، لأن البضع إنما يستحقه مالكه ، وبضع الحرة لا
يكون ملكاً لعبدها ، وبضع الأمة ملك لسيدها .
واختلف أصحابنا في تحريم ما بطن من زينة الحرة على عبدها ، على ثلاثة
أوجه :
أحدها : أنها تحل ولا تحرم ، وتكون عورتها معه كعورتها مع ذوي
محارمها ، ما بين السرة والركبة لتحريمه عليها ولاستثناء الله تعالى له مع استثنائه من
ذوي محارمها وهو مروي عن عائشة وأم سلمة .
والثاني : أنها تحرم ولا تحل وتكون عورتها معه كعورتها مع الرجال
والأجانب وهو ما عدا الزينة الظاهرة من جميع البدن إلا الوجه والكفين ، وتأول
قائل هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ على الإِماء دون العبيد ،
وتأوله كذلك سعيد بن المسيب(١٠١)، وعطاء ، ومجاهد .
والثالث : أنه يجوز أن ينظر إليها فضلاء ، كما تكون المرأة في ثياب بيتها
بارزة الذراعين والساقين والعنق اعتباراً بالعرف والعادة ، ورفعاً لما سبق ، وهو قول
عبد الله بن عباس ، وأما غير عبدها فكالحر معها ، وإن كان عبداً لزوجها وأمها .
(١٠١) وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ورجحه كثير من الشافعية كما نقله الألوسي في روح المعاني
(١٤٤/١٨) وقال (( والذي يقتضيه ظاهر الآية عدم الفرق بين الذكر والأنثى لعموم ( ما) ولأنه لو
كان المراد بالإناث خاصة لقيل أو إمائهن فإنه أخصر وأنص في المقصود ... الخ .
٩٤

سورة النور الآية - ٣١
ثم قال تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فيه ثمانية أوجه:
أحدها : أنه الصغير لأنه لا إرب له في النساء لصغره ، وهذا قول ابن زيد .
والثاني : أنه العنين لأنه لا إرب له في النساء لعجزه ، وهذا قول عكرمة ،
والشعبي .
والثالث : أنه الأبله المعتوه لأنه لا إرب له في النساء لجهالته ، وهذا قول
سعيد بن جبير ، وعطاء .
والرابع : أنه المجبوب لفقد إربه ، وهذا قول مأثور .
والخامس : أنه الشيخ الهرم لذهاب إربه ، وهذا قول يزيد بن حبيب .
والسادس : أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل ، وهذا
قول قتادة .
والسابع : أنه المستطعم الذي لا يهمه إلا بطنه ، وهذا قول مجاهد .
والثامن : أنه تابع القوم يخدمهم بطعام بطنه ، فهو مصروف لا لشهوة ، وهو
قول الحسن .
وفيما أخذت منه الإربة قولان :
أحدهما : أنها مأخوذة من العقل من قولهم رجل أريب إذا كان عاقلاً .
والثاني : أنها مأخوذة من الأرب وهو الحاجة ، قاله قطرب .
ثم أقول : إن الصغير والكبير والمجبوب من هذه التأويلات المذكورة في
وجوب ستر الزينة الباطنة منهم ، وإباحة ما ظهر منها معهم كغيرهم ، فأما الصغير
فإن لم يظهر على عورات النساء ولم يميز من أحوالهن شيئاً فلا عورة للمرأة معه .
"[.فإن كان مميزاً غير بالغ ](*) لزم أن تستر المرأة منه ما بين سرتها وركبتها
وفي لزوم ستر ما عداه وجهان :
أحدهما : لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والتكليف له غير لازم .
والثاني : يلزم كالرجل لأنه قد يشتهي ويشتهى .
(*) هنا عبارة مطموسة بالأصل.
٩٥

سورة النور الآية - ٣١
وفي معنى قوله تعالى : ﴿ أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُ واْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾
ثلاثة أوجه :
الأول : لعدم شهوتهم .
والثاني : لم يعرفوا عورات النساء لعدم تمييزهم(١٠٢).
والثالث : لم يطيقوا جماع النساء .
وأما الشيخ فإن بقيت فيه شهوة فهو كالشباب ، فإن فقدها ففيه وجهان :
أحدهما : أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة .
والثاني : أنها معه محرمة وجميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة ، استدامة
لحاله المتقدمة .
وأما المجبوب والخصي ففيهما لأصحابنا ثلاثة أوجه :
أحدها : استباحة الزينة الباطنة معهما .
والثاني : تحريمها عليهما .
والثالث : إباحتها للمجبوب وتحريمها على الخصي .
والعورة إنما سميت بذلك لقبح ظهورها وغض البصر عنها ، مأخوذ من عور
العين .
ثم قال تعالى : ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ قال
قتادة : كانت المرأة إذا مشت تضرب برجلها ليسمع(١٠٣) قعقعة خلخالها ، فنهين
عن ذلك .
(١٠٢) قال الحافظ ابن كثير (٢٨٥/٣) ((قوله ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ قال:
يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهم الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن
وسكناتهن ، فإذا كان الطفل صغيراً لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله فأما إذا كان مراهقاً أو قريباً منه
بحيث يعرف ذلك ويدركه ويفرق بين الشوهاء والحسناء فلا يمكن من الدخول على النساء وقد ثبت
في الصحيحين عن رسول اللّه ◌َ﴾ أنه قال: ((إياكم والدخول على النساء)) قال يا رسول الله أفرأيت
الحمو قال: ((الحمو الموت)).
(١٠٣) وإذا كانت الشريعة قد نهت المرأة عن الضرب بالخلخال في الأرض حتى لا يسمع الأجنبي صوتها
فيفتن أفيجوز لقائل أن يقول إن الشريعة أجازت للمرأة كشف الوجه واليدين أمام الرجال بلا عذر ،
سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اعصمنا من الزلل ومن مضلات الفتنة.
٩٦
٠

سورة النور الآية - ٣٢ - ٣٤
ويحتمل فعلهن ذلك أمرين : فإما أن يفعلن ذلك فرحاً بزينتهن ومرحاً وإما
تعرضاً للرجال وتبرجاً ، فإن كان الثاني فالمنع منه حتم ، وإن كان الأول فالمنع منه
ندب .
وَأَنْكِحُواْ الْأَيَعَى مِنكُمْ وَالصَّلِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٦) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحَا حَتَّى
يُغْنِيَهُمُاللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَالَّذِينَ يَبْنَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُوهُمْ
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُمْ مِنْ قَالِ اللَّهِ الَّذِيّءَاتَنْكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِّكُمْ
عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَضُّنَا لِبََّغُواْعَرَضَاُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَ مَن يُكْرِهِمُنَّ فَإِنَّاللَّهَ مِنْ بَعْدِ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَلَقَدْ أَنْنَا إِلَيْكُمْءَايَتٍ مُّبَغِنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ
خَلَوْ مِنْ قَبْلِكُمُ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
٣٤
قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ آَلَيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ وهو جمع أيّم ، وفي الأيم قولان :
أحدهما : أنها المتوفى عنها زوجها ، قاله محمد بن الحسن .
الثاني : أنها التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً وهو قول الجمهور . يقال
رجل أيّم إذا لم تكن له زوجة وامرأة أيّم إذا لم يكن لها زوج . ومنه ماروي (١٠٤)
عن النبي وسير أنه نهى عن الأيمة يعني العزبة قال الشاعر(١٠٥):
وإِن كُنْتَ أَفْتَی منکُم أَتَأَيِّمُ
فَإِن تَنْكَجِي أَنْكِحْ وإن تَتَأَيَّمِي
وروى القاسم قال : أمر بقتل الأيم يعني الحية .
وفي هذا الخطاب قولان :
أحدهما : أنه خطاب للأولياء أن ينكحوا آيامهم من أكفائهن إذا دعون إليه
(١٠٤) لم أهتد إليه بهذا اللفظ والمشهور في الحديث ((نهي عن التبتل)) رواه الترمذي (١٠٨٢ ) وغيره
وهو نفس معنى الحديث الذي هنا .
(١٠٥) اللسان (أيم) والشطر الثاني فيه (( يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيم)) والطبري (١٨ /١٢٥).
٩٧

سورة النور الآية - ٣٢ - ٣٤
لأنه خطاب خرج مخرج الأمر الحتم فلذلك يوجه إلى الولي دون الزوج .
الثاني : أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة .
واختلف في وجوبه(١٠٦) فذهب أهل الظاهر إليه تمسكاً بظاهر الأمر ، وذهب
جمهور الفقهاء إلى استحبابه للمحتاج من غير إيجاب وكراهته لغير المحتاج .
ثم قال : ﴿ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن معنى الكلام وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من رجالكم
وأنكحوا إماءَكم .
الثاني : وهو الأظهر أنه أمر بإنكاح العبيد والإِماء كما أمرنا بإنكاح الأيامى
لاستحقاق السيد لولاية عبده وأمته فإن دعت الأمة سيدها أن يتزوجها لم يلزمه لأنها
فراش له ، وإن أراد تزويجها كان له خيراً وإن لم يختره ليكتسب رق ولدها ويسقط
عنه نفقتها .
وإن أراد السيد تزويج عبده أو طلب العبد ذلك من سيده فهل للداعي إليه أن
يجبر الممتنع فيهما عليه أم لا ؟ على قولين :
﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح .
الثاني : إن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين، وإما
باجتماع الرزقين، وروى عبد العزيز (١٠٧) بن أبي رواد أن النبي وَ ◌ّه قال: «أَطْلُبُواْ
الغِنَى فِي هَذِهِ الآية )) ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾
وَآللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : واسع العطاء عليم بالمصلحة .
(١٠٦) يعني وجوب النكاح وقد ذهب البعض إلى وجوبه لمن خاف على نفسه الزنى ولعلهم لا يختلفون
في وجود هذه الصورة كما قال الشوكاني في فتح القدير (٢٨/٤).
(١٠٧) هذا الحديث الذي أورده المؤلف لم أظفر به ولكن ورد هذا المعنى موقوفاً من كلام ابن عباس رواه
الطبري (١٢٥/١٨) وفي المسند وغيره بسند حسن من حديث أبي هريرة مرفوعاً .. ثلاث حق على
اللّه عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف والمجاهد في سبيل الله ..
٩٨

سورة النور الآية - ٣٢ - ٣٤
الثاني : واسع الرزق عليهم بالخلق .
قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ أي وليعف، والعفة في
العرف الامتناع من كل فاحشة ، قال رؤية :
يعف عن أسرارها بعد الفسق .
يعني عن الزنى بها .
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ يعني لا يقدرون عليه مع الحاجة إليه لإِعسار إما
بصداقٍ أو نفقة .
◌ْ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يغنيهم الله عنه بقلة الرغبة فيه .
الثاني : يغني بمال حلال يتزوجون به .
﴿ وَأَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم
خَيْراً﴾ أما الكتاب المبتغى هنا فهو كتابة العبد والأمة على مال إذا أدياه عتقا به
وكانا قبله مالكين للكسب ليؤدي في العتق ، فإن تراضى السيد والعبد عليها جاز ،
وإن دعا السيد إليها لم يجبر العبد عليها .
وإن دعا العبد إليها ففي إجبار السيد عليها إذ علم فيه خيراً مذهبان :
أحدهما : وهو قول عطاء ، وداود ، يجب على السيد مكاتبته ويجبر إن
أبى .
الثاني : وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يستحب له
ولا يجبر عليه فإذا انعقدت الكتابة لزمت من جهة السيد وكان المكاتب فيها مخيراً
بين المقام والفسخ .
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ خمسة تأويلات :
أحدها : أن الخير : القدرة على الاحتراف والكسب ، قاله ابن عمر وابن
عباس .
الثاني : أن الخير : المال ، قاله عطاء ومجاهد .
الثالث : أنه الدين والأمانة ، قاله الحسن .
٩٩

سورة النور الآية - ٣٢ - ٣٤
الرابع : أنه الوفاء والصدق ، قاله قتادة وطاووس.
الخامس : أنه الكسب والأمانة ، قاله الشافعي .
وءَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي ءَاتَكُمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما : يعني من مال الزكاة من سهم الرقاب يعطاه المكاتب ليستعين به
في أداء ما عليه للسيد . ولا يكره للسيد أخذه وإن كان غنياً، قاله الحسن ،
وإبراهیم وابن زيد .
الثاني : من مال المكاتبة معونة من السيد لمكاتبه كما أعانه غيره من الزكاة .
واختلف من ذهب إلى هذا التأويل في وجوبه فذهب أبو حنيفة إلى أنه
مستحب وليس بواجب ، وذهب الشافعي إلى وجوبه وبه قال عمر وعلي وابن
عباس .
واختلف من قال بوجوبه في هذا التأويل في تقديره فحكي عن علي أنه قدره
بالربع من مال الكتابة ، وذهب الشافعي إلى أنه غير مقدر ، وبه قال ابن عباس .
وإن امتنع السيد منه طوعاً قضى الحاكم به عليه جبراً واجتهد رأيه في قدره ،
وحكم به في تركته إن مات ، وحاص به الغرماء إن أفلس .
والمكاتب عبد ما بقي عليه (١٠٨) درهم في قول الشافعي وأصحابه. وإذا عجز
عن أداء نجم (١٠٩) عند محله كان السيد بالخيار بين إنظاره وتعجيزه وإعادته رقاً، ولا
يرد ما أخذه منه أو من زكاة أعين بها أو مال كسبه .
قال الكلبي وسبب نزول قوله تعالى : ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾
الآية؛ أن عبداً اسمه صبح لحويطب بن عبد العزى سأله أن يكاتبه فامتنع حويطب
فأنزل الله ذلك فيه .
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ الفتيات
(١٠٨) ويؤيده ما رواه أبو داود (٣٩٢٦) والبيهقي (٣٢٤/١٠) من حديث ابن عمرو وحسنه الألباني في صحيح
الجامع رقم ٦٧٢٢ والإرواء ١٦٧٤ .
ولفظه: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابتة درهم .
(١٠٩) أي قسط من المال من الأقساط التي اصطلح مع سيده على أدائها مقابل الحرية .
١٠٠