النص المفهرس

صفحات 21-40

سورة الحج الآية - ٣١،٣٠
والعمرة ، ولا يجوز في الحج إلا بعد عرفة ، وإن جاز السعي .
وفي تسمية البيت عتيقاً أربعة أوجه :
أحدها : أن الله أعتقه من الجبابرة ، وهو قول ابن عباس .
الثاني : لأنه عتيق لم يملكه أحد من الناس ، وهو قول مجاهد .
والثالث : لأنه أعتق من الغرق في الطوفان ، وهذا قول ابن زيد(١٨).
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِفَهُوَ خَيْلَّهُ عِندَرَيّهِ، وَأُحِلَّتْ لَكُمُ
اْأَنْعَمُ إِلَّ مَايُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُواْ الرّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ !
فَكَأَنَّمَا خَرَّمِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوِى بِهِالرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ
٣١
قوله عز وجل : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ فيه
قولان :
أحدهما : أنه فعل ما أمر به من مناسكه ، قاله الكلبي .
والثاني : أنه اجتناب ما نهى عنه في إحرامه .
ويحتمل عندي قولاً ثالثاً : أن يكون تعظيم حرماته أن يفعل الطاعة ويأمر
بها ، وينتهي عن المعصية وينهى عنها .
﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الْأَنْعَامُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : إلا ما يتلى عليكم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما
أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبحَ على النصب .
والثاني : إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم .
فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ ﴾ فیه وجهان :
(١٨) لم يذكر هنا الوجه الرابع وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٤٢٨/٥) وهو أنه سمي العتيق لأنه
قدیم .
٢١

سورة الحج الآية - ٣١،٣٠
أحدهما : أي اجتنبوا من الأوثان الرجس ، ورجس الأوثان عبادتها ، فصار
معناه : فاجتنبوا عبادة الأوثان .
الثاني : معناه : فاجتنبوا الأوثان فإنها من الرجس .
وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : الشرك ، وهو قول يحيى بن سلام .
والثاني : الكذب ، وهو قول مجاهد .
والثالث: شهادة الزور. روى أيمن بن محمد(١٩) أن النبي ◌ِّر قام خطيباً
فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَرَّتَينٍ)) ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنُواْ
الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ .
والرابع : أنها عبادة المشركين ، حكاه النقاش .
ويحتمل عندي قولاً خامساً : أنه النفاق لأنه إسلام في الظاهر زور في
الباطن .
(١٩) رواه ابن جرير (١٥٤/١٧) وأحمد (١٨٧/٤ - ٢٢٢، ٢٣٣) من طريق سفيان بن زياد العصفري
عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم أن النبي ◌َّلتر قام خطيباً فقال أيها الناس ... الحديث وسند
الحديث ضعيف .
فإن فيه فاتك بن خريم وهو مجهول الحال كما في التقريب (١٠٧/١) وأيمن بن خريم مختلف في
صحبته كما قال الحافظ في التقريب (٨٨/١) والحديث رواه الترمذي (٢٢٩٩) من طريق
مروان بن معاوية عن سفيان به وقال غريب ومن اختلف فيه على سفيان بن زياد ولا نعرف لأيمن بن
خريم سماعاً من النبي ◌َّا هـ.
قال الحافظ في التهذيب (١ /٣٤٤) وقد رواه جماعة عن سفيان بن زياد عن أبيه عن حبيب بن النعمان
عن خريم بن فاتك واستصوبه ابن معين ..
قلت وقد تحصل من كلام الحافظ الذي نقله أن الأصح من طريق خريم بن فاتك .. وقلت وقد رواه
الترمذي من هذا الطريق برقم ٢٣٠٠ وقال هذا عندي أصح وخريم بن فاتك له صحبة وقد روى عن
النبي ڑ أحاديث وهو مشهور ا هـ.
وقد رواه غير الترمذي أحمد (٣٢١/٤) وابن جرير مختصراً (١٥٤/١٧) وابن ماجة (٢٣٧٢) وأبو
داود ( ٣٥٩٩) والبغوي في مصابيح السنة برقم (٢٨٤٨).
وقد ثبت في الترهيب في شهادة الزور أحاديث كثيرة راجعها في الترغيب والترهيب.
(تنبيه): قوله هنا أيمن بن محمد كذا وقع في المخطوطة والمطبوعة وهو خطأ والصواب أيمن بن خريم.
والتصويب من المصادر السابقة . .
٢٢

سورة الحج الآية - ٣٣،٣٢
قوله عز وجل : ﴿ حُنَفَآءَ لِلَّهِ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني مسلمين لله ، وهو قول الضحاك ، قال ذو الرمة :
إذا حول الظل العشي رأيته حنيفاً وفي قرن الضحى يتنصر
والثاني : مخلصين لله ، وهو قول يحيى بن سلام .
والثالث : مستقيمين لله ، وهو قول عليّ بن عيسى .
والرابع : حجاجاً إلى الله ، وهو قول قطرب .
غَيْرَ مُشْرِ کِینَ په ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : غير مرائين بعبادته أحداً من خلقه .
والثاني : غير مشركين في تلبية الحج به أحداً لأنهم كانوا يقولون في
تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ، قاله الكلبي .
◌َ لَكُ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَِّرَ اللّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَىَ الْقُلُوبِ
أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ صِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَسِّيقِ
٣٣
قوله عز وجل : ﴿ ذُلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : فروض الله .
والثاني : معالم دينه ، ومنه قول الكميت :
نقتلهم جيلاً فجيلا نراهم شعائر قربان بهم يتقرب
وفيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها مناسك الحج ، وتعظيمها إشعارها ، وهو مأثور عن جماعة .
والثاني : أنها البُدن المشعرة ، وتعظيمها استسمانها واستحسانها ، وهو قول
مجاهد .
والثالث : أنها دين الله كله ، وتعظيمها التزامها ، وهو قول الحسن .
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ قال الكلبي والسدي : من إخلاص القلوب.
ويحتمل عندي وجهاً آخر أنه قصد الثواب .
٢٣

سورة الحج الآية - ٣٥،٣٤
ويحتمل وجهاً آخر أيضاً : أنه ما أرضى الله تعالى .
قوله عز وجل : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىْ أَجَلٍ مُّسَمِّى ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المنافع التجارة ، وهذا قول من تأول الشعائر بأنها مناسك
الحج ، والأجل المسمى العود .
والثاني : أن المنافع الأجر ، والأجل المسمى القيامة ، وهذا تأويل من تأولها
بأنها الدين .
والثالث : أن المنافع الركوب والدر والنسل ، وهذا قول من تأولها بأنها
الهَدْي فعلى هذا في الأجل المسمى وجهان :
أحدهما : أن المنافع قبل الإِيجاب وبعده ، والأجل المسمى هو النحر ،
وهذا قول عطاء(٢٠) .
﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعِيقِ﴾ إن قيل إن الشعائر هي مناسك الحج ففي
تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ وجهان :
أحدهما : مكة ، وهو قول عطاء .
والثاني : الحرم كله محل لها ، وهو قول الشافعي .
وإن قيل إن الشعائر هي الدين كله فيحتمل تأويل قوله: ﴿ثم محلها إلى
البيت العتيق ﴾ أن محل ما اختص منها بالأجر له ، هو البيت العتيق .
وَلِكُلٍّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوْاِسْمَ اللَّهِ عَلَى مَارَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةٍ
اُلْأَنْعَمِّ فَإِلَ هُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُوأُ وَبَشِرِالْمُخْبِتِينَ (٦) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَِّرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلَوَةِ وَهُمَّا رَزَقْتَهُمْ
ءُ
يُنْفِقُونَ
٣٥
قوله عز وجل : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني حجاً ، وهو قول قتادة .
(٢٠) لم يذكر الوجه الثاني .
٢٤

سورة الحج الآية - ٣٦
والثاني : ذبحاً ، وهو قول مجاهد .
والثالث : عيداً، وهو قول الكلبي والفراء ، والمنسك في كلام العرب هو
الموضع المعتاد ، ومنه تسمية مناسك الحج ، لاعتياد مواضعها .
﴿لَيَذْكُرُ واْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ آلْأَنْعَامِ ﴾ فيها وجهان :
أحدهما : أنها الهدي ، إذا قيل إن المنسك الحج .
والثاني : الأضاحي ، إذا قيل إن المنسك العيد .
قوله عز وجل: ﴿ ... وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ فيه تسعة تأويلات :
أحدها : المطمئنين إلى ذكر إلّههم، وهو قول مجاهد ، ومنه قوله تعالى :
فَتُخْبَتْ لَهُ قُلُوبُهُم﴾ [الحج : ٥٤].
والثاني : معناه المتواضعين ، وهو قول قتادة .
والثالث : الخاشعين ، وهو قول الحسن . والفرق بين التواضع والخشوع أن
التواضع في الأخلاق والخشوع في الأبدان .
والرابع : الخائفين ، وهو معنى قول يحيى بن سلام .
والخامس : المخلصين ، وهو قول إبراهيم النخعي .
والسادس : الرقيقة قلوبهم ، وهو قول الكلبي .
والسابع : أنهم المجتهدون في العبادة ، وهو قول الكلبي ومجاهد .
والثامن : أنهم الصالحون المطمئنون ، وهو مروي عن مجاهد أيضاً .
والتاسع(٢١): هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا، وهو قول
الخليل بن أحمد .
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمِنِ شَعَكِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌّ فَاذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا
صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوْمِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَزَّكَذَلِكَ سَخَّرْتَهَا
لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(٢١) ونسبه في القرطبي لعمرو بن أوس .
٢٥

سورة الحج الآية - ٣٦
قوله عز وجل: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ في البدن ثلاثة
أقاويل :
أحدها : أنها الإِبل ، وهو قول الجمهور .
والثاني : أنها الإِبل ، والبقر ، والغنم ، وهو قول جابر ، وعطاء .
والثالث : كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل ، والبقر، والغنم ، وهو شاذ حكاه
ابن الشجرة ، وسميت بُدْناً لأنها مبدنة في السمن ، وشعائر الله تعالى دينه في أحد
الوجهين ، وفروضه في الوجه الآخر .
وتعمق بعض أصحاب الخواطر فتأول البُدْن أن تطهر بدنك من البدع ،
والشعائر أن تستشعر بتقوى الله وطاعته ، وهو بعيد .
لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أي أجر ، وهو قول السدي .
والثاني: منفعة فإن أَحْتِيجَ إلى ظهرها رُكِبَ ، وإن حُلِبَ لَبِنُها شُرِبَ ، وهو
قول إبراهيم النخعي .
فَأَذْكُرُ وا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ ﴾ وهي قراءة الجمهور ، وقرأ الحسن :
صوافي ، وقرأ ابن مسعود : صوافن .
فتأول صواف على قراءة الجمهور فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مصطفة ، ذكره ابن عيسى .
والثاني : قائمة لتصفّد يديها بالقيود، وهو قول ابن عمر .
والثالث : معقولة ، وهو قول مجاهد .
وتأويل صوافي ، وهي قراءة الحسن : أي خالصة لله تعالى، مأخوذ من
الصفوة .
وتأويل صوافن وهي قراءة ابن مسعود : أنها مصفوفة ، وهو أن تَعقِل إحدى
يديها حتى تقف على ثلاث ، مأخوذ من صفن الفرس إذا ثنى إحدى يديه حتى
يقف على ثلاث، ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِئَاتُ الْجِيَادُ﴾ وقال الشاعر(٢٢):
(٢٢) هو امرؤ القيس والبيت في اللسان (صفن) وفتح القدير (٤٥٤/٣)
٢٦

سورة الحج الآية - ٣٦
الف الصفون مما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيراً
فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ أي سقطت جنوبها على الأرض ، ومنه وجب الحائط
إذا سقط ، ووجبت الشمس إذا سقطت للغروب ، وقال أوس بن حجر(٢٣):
والبدر للجبل الواجب
ألم تكسف الشمس ضوء النهار
فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن أكله منها واجب إذا تطوع بها ، وهو قول أبي الطيب بن
سلمة .
والثاني : وهو قول الجمهور أنه استحباب وليس بواجب ، وإنما ورد الأمر به
لأنه بعد حظر ، لأنهم كانوا في الجاهلية يحرمون أكلها على نفوسهم .
وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فيهم أربعة تأويلات :
أحدها : أن القانع السائل ، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل ، وهذا قول
الحسن ، وسعيد بن جبير ، ومنه قول الشماخ (٢٤):
المالُ المرء يصلحه فيغني
مفاقِرَه أعف من القُنُوعِ
أي من السؤال .
والثاني : أن القانع الذي يقنع ولا يسأل ، والمعتر الذي يسأل ، وهذا قول
قتادة ، ومنه قول زهير: (٢٥)
على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحةُ والبذلُ
والثالث : أن القانع المسكين الطوّاف، والمعتر : الصديق الزائر، وهذا
قول زيد بن أسلم ، ومنه قول الكميت :
إما اعتياداً وإما اعتراراً
والرابع : أن القانع الطامع ، والمعتر الذي يعتري البُدْنَ ويتعرض للحم لأنه
واللسان ( وجب ) والطبري ( ١٧ /١٦٦ )
(٢٣) ديوانه :
ورواية البيت في الديوان: ألم تكسف الشمس والبدر والكواكب للجبل الواجب .
(٢٤) اللسان ( قنع) ومجاز القرآن (٥١/٢) والطبري (١٦٨/١٧)، القرطبي (٦٤/١٢) زاد المسير
(٤٣٤/٥) فتح القدير (٤٥٤/٣).
(٢٥) فتح القدير (٤٥٤/٣).
٢٧

سورة الحج الآية - ٣٧ - ٤٠
ليس عنده لحم ، وهذا قول عكرمة ، ومنه قول الشاعر :
إذا ما اعتراني بين قدري وصخرتي
على الطارق المعتر یا أم مالك
لَنْ يَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَ هَا لَكُمْ
لِشُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ
٣٧
قوله عز وجل : ﴿لَن يَنَالَ آللَّهَ لُحُومُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: لن يقبل الله الدماء وإنما يقبل التقوى ، وهذا قول علي بن عيسى .
والثاني : معناه لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها، لأنهم كانوا في
الجاهلية إذا ذبحوا بُدنهم استقبلوا الكعبة بدمائها فيضجعونها نحو البيت ، فأراد
المسلمون فعل ذلك ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلكِن
يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم ﴾ أي يصعد إليه التقوى والعمل الصالح ، وهذا قول ابن
عباس .
كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ أي ذللها لكم يعني الأنعام .
لِتُكَبِّرُ واْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني التسمية عند الذبح .
والثاني : لتكبروا عند الإِحلال بدلاً من التلبية في الإِحرام .
عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي ما أرشدكم إليه من حجكم .
وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ يحتمل وجهين .
أحدهما : بالقبول .
والثاني : بالجنة .
أُذِنَ
(٣٨
﴿إِنَّ اللَّهَ يُلَفِعُ عَنِ الَّذِينَءَامَنُوْ إِنَّ الََّلاَ يُحِبُّ كُلّ خَوَانِ كَفُورٍ
لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْوَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ الَّذِينَ
أُخْرِجُوْ مِن ◌ِيَرِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِالنَّاسَ
٢٨

سورة الحج الآية - ٤٠، ٤١
بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّذِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْ كَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ
كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ (* الَّذِينَ إِن
مَّكَّتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْالصَّلَوةَ وَءَاتَواْالزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْبِالْمَعْرُوفِ
وَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ
٤١
إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالكفار عن المؤمنين ، وبالعصاة عن المطيعين ، وبالجهال عن
العلماء .
والثاني : يدفع بنور السنة ظلمات البدعة ، قاله سهل بن عبد الله(٢٦).
قوله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ فيه ستة
تأويلات :
أحدها : ولولا دفع اللّه المشركين بالمسلمين ، وهذا قول ابن جريج .
الثاني : ولولا دفع الله عن الدين بالمجاهدين ، وهذا قول ابن زيد .
والثالث : ولولا دفع الله بالنبيين عن المؤمنين ، وهذا قول الكلبي .
والرابع : ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله وسلّم عمن بعدهم من التابعين ،
وهذا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
والخامس : ولولا دفع الله بشهادة الشهود على الحقوق ، وهذا قول مجاهد .
والسادس : ولولا دفع الله على النفوس بالفضائل ، وهذا قول قطرب .
ويحتمل عندي تأويلاً سابعاً: ولولا دفع الله عن المنكر بالمعروف .
لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ ﴾ فيه قولان :
أحدها : أنها صوامع الرهبان ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أنها مصلى الصابئين ، وهو قول قتادة .
(٢٦) لاحظ أنه لم يذكر الوجه الثالث .
٠
٢٩

سورة الحج الآية - ٤٢ - ٤٥
وقد روي عن النبي ◌َ ◌ّ أنه قال(٢٧): ((صَوْمَعَةُ المُؤْمِنِ بَيْتُه )) وسميت صومعة
لانضمام طرفيها ، والمنصمع : المنضم ، ومنه أذنٌ صمعاء .
وَبِيَعٌ ﴾ فيها قولان :
أحدهما : أنها بيع النصارى ، وهو قول قتادة .
والثاني : أنها كنائس اليهود ، وهو قول مجاهد . والبيعة اسم أعجمي
مُعَرَّب .
وَصَلَوَاتٌ ﴾ فيها قولان :
أحدهما : أنها كنائس اليهود يسمونها : صلوتا ، فعرب جمعها ، فقيل
صلوات ، وهذا قول الضحاك .
والثاني : معناه : وتركت صلوات ، ذكره ابن عيسى .
.
وَمَسَاجِدُ ﴾ المسلمين ، ثم فيه قولان :
أحدهما : لهدمها الآن المشركون لولا دفع الله بالمسلمين ، وهو معنى قول
الضحاك .
والثاني : لهدمت صوامع في أيام شريعة موسى ، وبيع في أيام شريعة عيسى
ومساجد في أيام شريعة محمد بشير، وهذا قول الزجاج ، فكان المراد بهدم كل
شريعة ، الموضع الذي يعبد الله فيه .
وَإِنِ يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (١) وَقَوْمُ إِزْهِيَمَ
وَقَوُ لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ
أَخَذْتُهُمِّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ؟ فَكَبِّنْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى
(٢٧) هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه والأشبه وقفه على أبي الدرداء. فقد رواه مرفوعاً الإمام العسكري
كما أشار إلى ذلك صاحب كشف الخفا (٣٢٢/٢) ورواه موقوفاً بسند صحيح البيهقي في الزهد رقم
(٢٨، ٢٣٣) وأحمد في الزهد ص ١٣٥ وهناد في الزهد ١١٢٣ والخطابي في العزلة ص ١٨ وابن أبي
عاصم في الزهد ص ٣٦ وابن المبارك في زوائد الزهد ص ٤ ووكيع في الزهد (٥١٦/٢) وابن عساكر
كما في كنز العمال (٧٧٤/٣).
٣٠

سورة الحج الآية - ٤٥، ٤٦
أَفَلَمْ
ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِثْرِ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرِ قَّشِيدٍ ®
يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ فَإِنَّهَا
٤٦
لَ تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ!
قوله عز وجل : ﴿وَبِثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني خالية من أهلها لهلاكها .
والثاني : غائرة الماء .
والثالث : معطلة من دلالتها(٢٨) وأرشيتها .
وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المشيد الحصين وهو قول الكلبي ، ومنه قول امرىء
القيس (٢٩):
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ولا أطماً إلا مشيراً بجندل
والثاني : أن المشيد الرفيع ، وهو قول قتادة ، ومنه قول عدي بن زيد(٣٠):
شاده مرمراً وجلله كل ساً فللطير في ذراه وُكورُ
والثالث : أن المشيد المجصص ، والشيد الجص ، وهو قول عكرمة ومجاهد
ومنه قول الطرماح(٣١):
كحية الماء بين الطين والشید
وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره : وقصر مشيد مثلها معطل ، وقيل إن
القصر والبئر بحضرموت من أرض اليمن معروفان ، وقصر مشرف على قلة جبل ولا
(٢٨) كذا هنا والصواب دلائها جمع دلو وهو ما يحمل فيه الماء من البئر وأرشيتها جمع رشاء وهو حبل
الدلو .
(٢٩) من معلقته المشهورة والبيت في مختار الشعر الجاهلي ٣٣ والطبري (١٨٢/١٧).
(٣٠) فتح القدير (٤٥٩/٣) والطبري (١٨٢/١٧).
(٣١) وصدر هذا البيت من الرجز: لا تحسبن وإن كنت أمراً غمراً .
اللسان (شيد) ونسبه للشماخ بن ضرار، والبيت في فتح القدير أيضاً (٤٥٩/٣) والطبري
( ١٨١/١٧).
٣١

سورة الحج الآية - ٤٧
يرتقى إليه بحال ، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته ،
وأصحاب القصور ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادي ، أي فأهلكنا
هؤلاء وهؤلاء .
قوله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلوُبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا
هذا يدل على أمرين : على أن العقل علم ، ويدل على أن محله القلب(٣٢).
وفي قوله : ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ وجهان :
أحدهما : يعملون بها ، لأن الأعين تبصر والقلوب تصير(٣٣).
﴿ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي يفقهون بها ما سمعوه من أخبار القرون
السالفة .
﴿ فَإِنَّهَا لَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلْكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ يحتمل
عندي وجهين :
أحدهما : أنها لا تعمى الأبصار عن الهدى ولكن تعمى القلوب عن
الاهتداء .
والثاني : فإنها لا تعمى الأبصار عن الاعتبار ولكن تعمى القلوب عن
الادكار .
قال مجاهد : لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في
قلبه لآخرته ، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً ، وإن
أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئاً .
قال قتادة : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى وهو عبد الله بن زائدة .
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ
(٣٢) وقيل إن العقل محله الدماغ وله تعلق بالقلب ولا مانع من ذلك فإن القلب هو الذي يبعث على
إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه فتح القدير (٤٥٩/٣).
(٣٣) لاحظ أنه لا يذكر الوجه الثاني.
٣٢

سورة الحج الآية - ٤٧ - ٥١
سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَهِىَ ظَالِمَةُ ثُمَّ
أَخَذْتُهَا وَ إِلَىَّالْمَصِيرُ
قوله تعالى : ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ﴾ يستبطئون نزوله بهم استهزاء
منهم.
﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ آللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ولن يؤخر عذابه عن وقته .
وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يوماً من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض كألف سنة ،
قاله مجاهد .
الثاني : أن طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة من أيام الدنيا في
المدة .
الثالث : أن ألم العذاب في يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا في
الشدة وكذلك يوم النعيم .(٣٤)
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنْ لَكُمْنَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿أَقَالَّذِينَء ◌َامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ
لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [®)وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيَّا يَئِنَا مُعَجِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
اْجَحِيمِ
٥١
قوله تعالى : ﴿ وَأَلَّذِينَ سَعَوْا فِي ءَآيَاتِنَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه تكذيبهم بالقرآن ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه عنادهم في الدين ، قاله الحسن .
﴿ مُعَجِزِينَ﴾ قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون ﴿ مُعَاجِزِينَ﴾ فمن
قرأ معجزين ففي تأويله أربعة أوجه :
أحدها : مثبطين لمن أراد اتباع النبي ◌ّطهر ، وهو قول السدي.
(٣٤) الحجة في القراءات ص ٤٨ زاد المسير ( ٤٤٠/٥).
٣٣

سورة الحج الآية - ٥٢ - ٥٤
الثاني: مثبطين في اتباع النبي بَّ، وهو قول مجاهد.
والثالث : مكذبين ، حكاه ابن شجرة .
الرابع : مَعَجِزِينَ لمن آمن بإظهار تعجيزه في إيمانه .
ومن قرأ ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ ففي تأويله أربعة أوجه :
أحدها : مشاققین ، قاله ابن عباس .
والثاني : متسارعين ، حكاه ابن شجرة .
والثالث : معاندين ، قاله قطرب .
والرابع : مُعَاجِزِينَ يظنون أنهم يُعْجِزُونَ الله هرباً ، قاله السدي .
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّإِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَنُ فِىِّ
أُمَّنِّيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَايُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيهُ
حَكِيمٌ [® الْيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى ◌ِشِقَاقٍ بَعِيدٍ [٣ّوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ
ءَ مَنُوْإِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(٥
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَ نَبِيٍّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى
الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِّتِه ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يعني أنه إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في نفسه ، قاله الكلبي .
الثاني : إذا قرأ ألقى الشيطان في قراءته ، قاله قتادة ومجاهد ، قال
الشاعر(٣٥):
تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادرِ
مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ .... ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن الرسول والنبي واحد ، ولا فرق بين الرسول والنبي ، وإنما
(٣٥) مجاز القرآن (٥٤/٢) اللسان (منى).
٣٤

سورة الحج الآية - ٥٢ - ٥٤
جمع بينهما لأن الأنبياء تخص البشر ، والرسل تعم الملائكة والبشر .
والقول الثاني : أنهما مختلفان ، وأن الرسول أعلى منزلة من النبي .
واختلف قائل هذا في الفرق بين الرسول والنبي على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الرسول هو الذي تتنزل عليه الملائكة بالوحي ، والنبي يوحى
إليه في نومه .
والثاني : أن الرسول هو المبعوث إلى أُمَّةٍ، والنبي هو المحدث الذي لا
يبعث إلى أمة ، قاله قطرب .
والثالث : أن الرسول هو المبتدىء بوضع الشرائع والأحكام ، والنبي هو
الذي يحفظ شريعة الله ، قاله الجاحظ .
فَيَنْسَخُ آللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ﴾ أي يرفعه .
﴿ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَآيَاتِهِ ﴾ أي يثبتها . واختلف أهل التأويل فيما قرأه النبي
وَلّ من ذلك على أربعة أقاويل:
أحدها : أنه ألقاه الشيطان على لسانه فقرأه ساهياً .
الثاني : أنه كان ناعساً فألقاه الشيطان على لسانه فقرأه في نعاسه قاله قتادة .
الثالث : أن بعض المنافقين تلاه عن إغواء الشيطان فخيل للناس أنه من
تلاوة رسول الله وَالر ، حكاه ابن عيسى.
الرابع : إنما قال : هي كالغرانيق العلا - يعني الملائكة - وأن شفاعتهم
لترتجى ، أي في قولكم ، قاله الحسن .
سبب نزول هذه الآية ما روي أن (٣٦) النبي وَالر لما نزلت عليه سورة النجم
(٣٦) هذه القصة معروفة عند العلماء بقصة الغرانيق وقد اختلف أهل العلم في صحتها وقبولها فبعضهم
حكم عليها بالبطلان كالقاضي أبو بكر بن العربي وابن كثير والألوسي والشوكاني والبيهقي وابن إسحق
وأبو منصور الماتريدي كما نقله الألوسي عنهم (١٧ /١٧٧ ) وأثبت بعضهم بعض طرقها كالحافظ
ابن حجر في الفتح (٤٣٩/٨) وقال العلامة الألوسي رحمه الله (١٨٢/١٧) ((ولعمري إن هذا
القول بان هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على ألسنة الرواة ثم وفق الله تعالى جمعاً من خاصة لإبْطَالِهِ
أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله ولاير ثم نسخه سبحانه
وتعالى لا سيما وهو لم يتوقف عليها حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين لا تكاد تدفع إلا =
٣٥

سورة الحج الآية - ٥٥ - ٥٧
قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ ﴿أَفَرَأيْتُمُ اللََّّتَ والْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِئَةَ
الْأَخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه ((أولئك الغرانيق العلا.
وأن شفاعتهن لترتجى)) ثم ختم السورة وسجد. وسجد معه المسلمون
والمشركون ورفع الوليد بن المغيره تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا
يقدر على السجود، ورضي بذلك كفار قريش، وسمع بذلك من هاجر الأرض
الحبشة. فأنكر جبريل على النبي وَلّ ما قرأه، وشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَ نَبِيِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي
أُمْنِيَّتِهِ ﴾ .
قوله تعالى : ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً ﴾ فيه وجهان :
أولهما : محنة .
الثاني : اختباراً .
لَّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ أي نفاق .
وَاَلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يعني المشركين .
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ نَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : لفي ضلال طويل ، قاله السدي .
الثاني : لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة ، قاله يحيى بن سلام .
وَلَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْنَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْيَأْنِيَهُمْ
الْمُلْكُ يَوْمَيٍِ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ
عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ فِىِ جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ وَكَذَّبُواْ
بِشَايَئِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٥٧
= بجهد جهيد ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الآيات فقد قال سبحانه في وصف القرآن ﴿لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ اهـ. انظر التأويل الصحيح للآية في
تفسير الطبري (١٧ /١٩٠) وقد جمع العلامة الألباني طرق القصة وتكلم عليها تفصيلياً في رسالة
بعنوان ((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق))، فراجعها.
٣٦

سورة الحج الآية - ٥٨ - ٦٠
وَلَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ﴾ يعني في شك ﴿مِّنْهُ﴾ من القرآن
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : ساعة القيامة على من يقوم عليه من المشركين ، قاله الحسن .
الثاني : ساعة موتهم .
أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يوم القيامة ، قاله عكرمة ، والضحاك .
الثاني : يوم بدر ، قاله مجاهد ، وقتادة .
وفي العقيم وجهان :
أحدهما : أنه الشديد ، قاله الحسن .
الثاني : أنه الذي ليس له مثيل ولا عديل . قال يحيى بن سلام : لقتال
الملائكة فيه .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون العقيم هو الذي يجدب الأرض ويقطع النسل .
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْمَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ
لَيُدْخِلَنَّهُم
/٥
رِزْقَا حَسَنَّأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَبْرُ الَّزِقِينَ لإ
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ
٥٩
مُدْ خَلَّا يَرْضَوْنَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَتَّهُ اللَّهُ إِنَ اللَّهَ لَعَفُؤُ
غَفُورُ
٦٠
قوله تعالى : ﴿ذُلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ﴾ الآية ، فيها قولان :
أحدهما : أنها نزلت في قوم من مشركي قريش لقوا قوماً من المسلمين
لليلتين بقيتا من المحرم فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر
الحرام فأبوا فأظفر الله المسلمين فنزل ذلك فيهم ، حكاه النقاش .
الثاني : أنها في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد
فعاقبهم رسول الله وَ لّر بمثله فنزل ذلك فيهم ، حكاه ابن عيسى. ونصر الله في
٣٧

سورة الحج الآية - ٦١ - ٧٠
الدنيا بالغلبة والقهر ، وفي الآخرة بالحجة والبرهان .
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَيُولِيعُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِيُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَأَنَّ
اللَّهَ سَمِيْعُ بَصِيرٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَننَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَبَّ مَا يَدْعُونَ مِن
دُونِهِ، هُوَالْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ ثَلَوْتَرَأَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيْرٌ لَلَّهُ
مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
٦٤
أَوْتَرَ أَنَّاللَّهَ سَخَّرَ لَكُمَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَبُمْسِكُ
٦٥
السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَبِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
وَهُوَ الَّذِىّ أَخْيَاكُمْ ثُمَّيُمِئُكُمْ ثُمَّ ◌ُحِكُمْإِنَّالْإِنِسَنَ لَكَ فُورُ
قوله تعالى: ﴿ ذُلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الحق اسم من أسمائه تعالى ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه ذو الحق ، قاله ابن عيسى .
الثالث : معناه أن عبادته حق وهو معنى قول السدي .
﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ فيه قولان .
أحدهما : الأوثان ، قاله الحسن .
الثاني : إبليس ، قاله قتادة .
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكَّا هُمْ نَاسِكُوَةٌ فَلَا ◌ُنَزِعُنَّكَ فِ آلْأَمْيِّ وَدْعُ إِلَى
رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ ﴿ وَإِن جَدَلُوَكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
.
◌َ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَاَ كُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥) أَلَمْـ
١٨
تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
٣٨

سورة الحج الآية - ٧٠ - ٧٤
} وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًّا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ.
اللَّهِ يَسِيرٌ!
٧٠
عِلْمٌ وَمَا لِلَّلِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٨) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَمِنَتِ تَعْرِفُ فِىِ
وُجُوهِالَّذِينَ كَفَرُوْلْمُنكَرْبَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ
عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا قُلْ أَفَأُنُبِشْكُمْ بِشَرِّيِّنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَيْسَ الْمَصِيُ الثَّ
قوله تعالى: ﴿ مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه العيد ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : أنها المواضع المعتادة لمناسك الحج والعمرة ، قاله الفراء .
الثالث : المذبح ، قاله الضحاك .
الرابع : المنسك الْمُتَعَبد والنسك العِبَادَة ومنه سمي العَابِدُ ناسكاً ، قاله
الحسن .
يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِلَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ، وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا
(® مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ
يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
٧٤
قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ لأن حجج الله عليهم
بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم : فإن قيل فأين المثل المضروب ؟ ففيه
وجهان :
أحدهما : أنه ليس هنا مثل ومعنى الكلام أنهم ضربوا لله مثلاً في عبادته
غيره ، قاله الأخفش .
الثاني : أنه ضرب مثلهم كمن عبد من لا يخلق ذباباً ، قاله ابن قتيبة .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الَّلهِ ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه :
١
٣٩

سورة الحج الآية - ٧٥
أحدها : أنهم الأوثان الذين عبدوهم من دون الله .
الثاني : أنهم السادة الذين صَرَفُوهُم عن طاعة الله .
الثالث : أنهم الشياطين الذين حملوهم على معصية الله .
﴿ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ ﴾ ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق
المنشىء دون المخلوق المنشأ ، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه
واستقذاره وكثرته ، وسُمِّ ذباباً لأنه يُذَبُّ احتقاراً واستقذاراً .
وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : إفساده لثمارهم وطعامهم حتى يسلبهم إياها .
والثاني : أَلَّمُهُ في قرض أبدانهم ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان
وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة
معبودين وأرباباً مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .
ثم قال : ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون عائداً إلى العَابِد والمَعْبُود ، فيكون في معناه وجهان :
أحدهما : أن يكون عائداً إلى العابد والمعبود .
الثاني : قهر العابد والمعبود .
والاحتمال الثاني : أن يكون عائداً للسالب فيكون في معناه وجهان :
أحدهما : ضعف للسالب عن القدرة والمسلوب عن النُّصْرَة .
الثاني : ضعف السالب بالمهانة والمسلوب بالاستكانة .
﴿ مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ فيه ثلاث تأويلات :
أحدها : ما عظموه حق عظمته ، قاله الفراء .
الثاني : ما عرفوه حق معرفته ، قاله الأخفش .
الثالث : ما وصفوه حق صفته ، قاله قطرب . قال ابن عباس : نزلت في
يهود المدينة حين قالوا استراح الله في يوم السبت .
اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
٤٠