النص المفهرس
صفحات 441-460
سورة الأنبياء الآية - ٢١ - ٢٣ الثالث : أن الحق المواعظ والباطل المعاصي ، قاله بعض أهل الخواطر . ويحتمل رابعاً : أن الحق الإِسلام ، والباطل الشرك . ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : هالك ، قاله قتادة . الثاني : ذاهب ، قاله ابن شجرة . قوله عز وجل: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات :. أحدها : لا يملون ، قاله ابن زيد . الثاني : لا يعيون ، قاله قتادة . الثالث : لا يستنكفون ، قاله الكلبي . الرابع : لا ينقطعون ، مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإِعياء ، قال الشاعر(٧٣٥) : فبيض وأما جلدها فصليب بها جيف الحسرى فأما عظامها أَمِ أَتَّخَذُوَأْءَالِهَةٌ مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿ لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَّأَ لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلَ وَهُمْ يُسْتَلُونَ فَسُبْحَنَ اْللَّهِرَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ قوله تعالى: ﴿ أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةً مِّنَ الأَرْضِ ﴾ أي مما خلق في الأرض . ﴿ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : يخلقون ، قاله قطرب . الثاني : قاله مجاهد ، يحيون ، يعني الموتى، يقال : أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا ، مأخوذ من النشر بعد الطي ، قال الشاعر (٧٣٦): حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر (٧٣٥) هو علقمة بن عبدة التميمي والبيت في مختار الشعر الجاهلي (٢) والطبري ( ١٢/١٧ ). (٧٣٦) هو الأعشى الكبير والبيت في ديوانه: ٩٢ واللسان (( نشر)). ٤٤١ سورة الأنبياء الآية - ٢٤ - ٢٨ قوله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ﴾ يعني في السماء والأرض . ءَالِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : معناه سوى الله ، قاله الفراء . الثاني: أن ((إلا)) الواو، وتقديره : لو كان فيهما آلهة والله لفسدتا ، أي لهلكتا بالفساد فعلى الوجه الأول يكون المقصود به إبطال عبادة غيره لعجزه عن أن يكون إلهاً لعجزه عن قدرة الله ، وعلى الوجه الآخر يكون المقصود به إثبات وحدانية الله عن أن يكون له شريك يعارضه في ملكه . قوله عز وجل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : لا يسأل الخلق الخالق عن قضائه في خلقه ، وهو يسأل الخلق عن عملهم ، قاله ابن جريج . الثاني : لا يسأل عن فعله ، لأن كل فعله صواب وهو لا يريد عليه الثواب ، وهم يسألون عن أفعالهم ، لأنه قد يجوز أن تكون في غير صواب ، وقد لا يريدون بها الثواب إن كانت صواباً فلا تكون عبادة ، كما قال تعالى: ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ [الأحزاب: ٨]. الثالث : لا يُحْاسَب على أفعاله وهم يُحْاسَبُونَ على أفعالهم ، قاله ابن بحر . ويحتمل رابعاً : لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون على أفعالهم . أَمِ اتَّخَذُ واْمِن دُونِ ◌َاِهَةُّ قُلْ هَانُواْبُ هَنَّكُمْ هَذَا ذِكْرُمَن ◌َّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِ بَلْ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ ٢٤ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ فَهُمْ مَّعْرِضُونَ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَه إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّأْسُبْحَّهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون ◌َ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدٍ بِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ ٢٧ ٤٤٢ سورة الأنبياء الآية - ٢٨ - ٣٢ ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ ٢٨ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّمِينَ ٢٩ قوله تعالى : ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ فيه وجهان : أحدهما : هذا ذكر من معي بما يلزمهم من الحلال والحرام ، وذكر من قبلي ممن يخاطب من الأمم بالإِيمان ، وهلك بالشرك ، قاله قتادة . الثاني : ذكر من معي بإخلاص التوحيد في القرآن ، وذكر من قبلي في التوراة والإنجيل ، حكاه ابن عيسى . قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : ما بين أيديهم من أمر الآخرة ، وما خلفهم من أمر الدنيا ، قاله الكلبي . الثاني : ما قدموا وما أخروا من عملهم ، قاله ابن عباس . وفيه الثالث : ما قدموا : ما عملوا ، وما أخروا : يعني ما لم يعملوا ، قاله عطية . وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَىْ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ارتضى . الثاني : لا يشفعون يوم القيامة إلا لمن ارتضى . وفيه وجهان : أحدهما : لمن ارتضی عمله ، قاله ابن عيسى . الثاني : لمن رضي الله عنه ، قاله مجاهد . أَوَلَوْ يَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّالسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَثَرَتْقَا فَفَتَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا مِنَ اُلْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا ٣١ وَجَعَلْنَافِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٤٤٣ سورة الأنبياء الآية - ٣٣،٣٢ تَّحْفُوظَا وَهُمْ عَنْءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ ﴿ وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ الَتْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ ٣٣ وَالْقَمَرَّكُلُ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ قوله عز وجل: ﴿أَنَّ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتق الله بينهما بالهواء ، قاله ابن عباس(٧٣٧) . الثاني : أن السموات كانت مرتتقة مطبقة ففتقها الله سبع سموات وكانت الأرض كذلك ففتقها سبع أرضين ، قاله مجاهد . الثالث : أن السموات كانت رتقاً لا تمطر، والأرض كانت رتقاً لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر ، والأرض بالنبات ، قاله عكرمة ، وعطية ، وابن زيد . والرتق سدُّ، والفتق شق ، وهما ضدان ، قال عبد الرحمن بن حسان : ن سخط العداة وإرغامُها یھون علیھم إذا يغضبو ق ونقض الأمور وإبرامها ورتق الفتوق وفتق الرتو وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أن خلق كل شيء من الماء ، قاله قتادة . الثاني : حفظ حياة كل شيء حي بالماء ، قاله قتادة . الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي ، قاله قطرب . أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني أفلا يصدقون بما یشاهدون . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ والرواسي الجبال ، وفي تسميتها بذلك وجهان : (٧٣٧) وفي قول آخر لابن عباس أن السموات كانت رتقاً لا تمطر والأرض رتقاً لاتنبت ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات أورده في زاد المسير (٣٤٨/٥) ٤٤٤ سورة الأنبياء الآية - ٣٣،٣٢ أحدهما : لأنها رست في الأرض وثبتت، قال الشاعر: رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرعٌ لا يزال طويل الثاني : لأن الأرض بها رست وثبتت . وفي الرواسي من الجبال قولان : أحدهما : أنها الثوابت ، قاله قطرب . الثاني : أنها الثقال قاله الكلبي . أَن تَمِیدَ پهم ﴾ فیه وجهان . أحدهما : لئلا تزول بهم . الثاني : لئلا تضطرب بهم . والميد الإِضطراب . ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً ﴾ في الفجاج وجهان : أحدهما : أنها الأعلام التي يهتدى بها . الثاني : الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع بين جبلين . قال الكميت : تضيق بنا النجاح وهنّ فج ونجهل ماءها السلم الدفينا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ فیه وجهان : أحدهما : سبل الاعتبار ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم . الثاني : مسالك ليهتدوا بها إلى طرق بلادهم . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : محفوظاً من أن تسقط على الأرض . الثاني : محفوظاً من الشياطين ، قاله الفراء : الثالث : بمعنى مرفوعاً ، قاله مجاهد . ويحتمل رابعاً : محفوظاً من الشرك والمعاصي . قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٍّ في فَلَكٍ يَسْبحُون ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن الفلك السماء ، قاله السدي . ٤٤٥ سورة الأنبياء الآية - ٣٤، ٣٥ الثاني : أن القطب المستدير الدائر بما فيه من الشمس والقمر والنجوم ومنه سميت فلكة المغزل لاستدارتها ، قال الشاعر (٧٣٨): باتت تقاسي الفلك الدّوار حتى الصباح تعمل الأقتار وفي استدارة الفلك قولان : أحدهما : أنه كدوران الأكرة (٧٣٩). الثاني : كدوران الرحى قاله الحسن ، وابن جريج . واختلف في الفلك على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه السماء تدور بالشمس والقمر والنجوم . الثاني : أنه استدارة في السماء تدور فيها النجوم مع ثبوت السماء ، قاله قتادة . الثالث : أنها استدارة بين السماء والأرض تدور فيها النجوم ، قاله زيد بن أسلم . ﴿يَسْبَحُونَ﴾ وجهان: أحدهما : يجرون ، قاله مجاهد. الثاني : يدورون قاله ابن عباس ، فعلى الوجه الأول يكون الفلك مديرها ، وعلى الثاني تكون هي الدائرة في الفلك . كُلُّ نَفْسِ ٣٤ وَ مَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلُّدُّ أَفَإِيْن ◌ِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ ذَابِقَةُ الْمَوْتُ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّوَاَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرُجَعُونَ ٣٥ قوله عز وجل: ﴿وَتَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ فيها أربعة أوجه : أحدها : بالشدة والرخاء، قاله ابن عباس . الثاني : أن الشر : الفقر والمرض ، والخير الغنى والصحة ، قاله الضحاك . (٧٣٨) الطبري (٢٣/١٧) وفيه باتت تناجي . (٧٣٩) كذا هنا وفي المطبوعة . والاكراه هي الحفرة. قال محقق المطبوعة : ولعل المؤلف أراد البكرة وجمعها بكرات وهي ما يمر عليها الحبل لرفع الاثقال وحطها . ٤٤٦ سورة الأنبياء الآية - ٣٦ - ٤٠ الثالث : أن الشر : غلبة الهوى على النفس ، والخير : العصمة من المعاصي ، قاله التستري . الرابع : ما تحبون وما تكرهون . لنعلم شكركم لما تحبون ، وصبركم على ما تكرهون ، قاله ابن زید . ﴿ فِتْنَةً ﴾ فيه وجهان : أحدهما : اختباراً . الثاني : ابتلاء. وَإِذَا رَءَالَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّهُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِهُمْ كَفِرُونَ ٦ خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُؤْرِيِكُمْ ءَايَتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ◌ّ وَ يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ * لَوْيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُ واْحِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِ هِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ابَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتَهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَاهُمْ يُنْظَرُونَ قوله عز وجل : ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن المعنيّ بالإِنسان آدم ، فعلى هذا في قوله: ﴿مِنْ عَجَلٍ } ثلاثة تأويلات : أحدها : أي معجل قبل غروب الشمس من يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة ، قاله مجاهد والسدي . الثاني : أنه سأل ربه بعد إكمال صورته ونفخ الروح في عينيه ولسانه أن يعجل إتمام خلقه وإجراء الروح في جميع جسده ، قاله الكلبي . الثالث : أن معنى ﴿من عجل﴾ أي من طين، ومنه قول الشاعر(٧٤٠): . ثم ساق البيت. (٧٤٠) روح المعاني (١٧ /٤٩) وقال وأنشد أبو عبيدة لبعضهم . ٤٤٧ سورة الأنبياء الآية - ٤١ - ٤٣ والنخل ينبت بين الماء والعجل والنبع في الصخرة الصماء منبته والقول الثاني : أن المعنى بالإِنسان الناس كلهم ، فعلى هذا في قوله : ثلاثة تأويلات : من عجل ﴾ أحدها : يعني خلق الإِنسان عجولاً ، قاله قتادة . الثاني : خلقت العجلة في الإِنسان ، قاله ابن قتيبة . الثالث : يعني أنه خلق على حُب العجلة . والعجلة تقديم الشيء قبل وقته ، والسرعة تقديمه في أول أوقاته . وَلَقَدِ اُ سْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِالَتْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ﴿ أَمْلَهُمْءَالِهَةُ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَاهُم مِّنَّايُصْحَبُونَ ٤٣ قوله عز وجل : ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم .. ) الآية . أي يحفظكم ، قال ابن هرمة (٧٤١) : إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها ومخرج اللفظ مخرج الإستفهام ، والمراد به النفي ، تقديره : قل لا حافظ لكم بالليل والنهار من الرحمن . قوله تعالى: ﴿ .. وَلَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها : يجارون ، قاله ابن عباس . من قولهم : إن لك من فلان صاحباً ، أي مجيراً ، قال الشاعر(٧٤٢): ينادي بأعلى صوته متعوذاً ليصحب منها والرماح دواني الثاني : يحفظون ، قاله مجاهد . (٧٤١) هو إبراهيم بن هرمة. والبيت في اللسان (( كلأ)) والطبري (١٧ /٢٠) (٧٤٢) فتح القدير (٤٠٩/٣). ٤٤٨ سورة الأنبياء الآية - ٤٤ - ٥٠ الثالث : ينصرون ، وهو مأثور (٧٤٣). الرابع : ولا يصحبون من الله بخير ، قاله قتادة . بَلْ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَبَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا تَأْتِى اُلْأَرْضَ تَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيَّ وَلَا يَسْمَعُ الصُُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَايُنْذَرُونَ ﴿وَلَيْنِ مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ يَوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلِّمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِنْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَاحَسِبِينَ ٤٧ قوله تعالى: ﴿نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ فيه أربعة أوجه : أحدها : ننقصها من أطرافها عند الظهور عليها أرضاً بعد أرض وفتحها بلداً بعد بلد ، قاله الحسن . الثاني : بنقصان أهلها وقلة بركتها ، قاله ابن أبي طلحة . الثالث : بالقتل والسبي ، حكاه الكلبي . الرابع : بموت فقهائها وعلمائها ، قاله عطاء ، والضحاك . ويحتمل خامساً : بجور ولاتها وأمرائها . الَّذِينَ ٤٨ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءَ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ لـ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [®] وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَ أَلْنَهُ أَفَنْتُمْلَهُ مُنْكِرُونَ ٥٠ (٧٤٣) أي مأثور عن ابن عباس رواه الطبري (٣١/١٧) وزاد السيوطي في الدر (٨٣/١٥) نسبته لابن المنذر وقال الحافظ في الفتح (٤٣٦/٨) بعدما ساقه ورواه ابن المنذر (( منقطع)) ثم قال وهو قول مجاهد رواه الطبري ( ٣١/١٧). ٤٤٩ سورة الأنبياء الآية - ٥١ - ٥٩ قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْقُرْقَانَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : التوراة التي فرق فيها بين الحق والباطل ، قاله مجاهد ، وقتادة . الثاني : هو البرهان الذي فرق بين حق موسى وباطل فرعون ، قاله ابن زيد . الثالث : هو النصر والنجاة فنصر موسى وأشياعه ، وأهلك فرعون وأتباعه ، قاله الكلبي . وَلَقَدْءَانَيْنَا إِنَّرَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَلِمِينَ ﴾ إِذْقَالَ لِأَبِهِ قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابَآءَ نَالَا ٥٢ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّ أَنْتُمْ لَا عَلَكِفُونَ ( قَالَ لَقَدْكُمْ أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿﴿ قَالُواْ عَبِدِين ٥٣ أَجِئْتَنَاِاَ لْمِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِينَ [® قَالَ بَل رَّبُّكُمْرَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ اَلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُ مِنَ الشَِّهِدِينَ قوله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : رشْده : النبوة ، حكاه ابن عيسى . الثاني : هو أن هداه صغيراً ، قاله مجاهد ، وقتادة . ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ فیه وجهان : أحدهما : من قبل أن يرسل نبياً . الثاني : من قبل موسى وهارون . ﴿وَكُنَّا پِهِ عَالِمِينَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : عالمين أنه أهل لإِيتاء الرشد . الثاني : أنه يصلح للنبوة . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذَا إِلَّا وَاللَّهِ لَأَحِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُولُواْ مُدْبِرِينَ كَبِيرَ الَُّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴿ قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَاَِالِهَتِنَا إِنَّهُ ٤٥٠ سورة الأنبياء الآية - ٥٩ - ٦٣ قَالُواْ فَأَتُواْ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ قَالُوْسَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ ﴾ ◌ِهِ، عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴿ قَالُوَاْءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِنَا ◌َإِبْرَهِيهُ ٦٢ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً﴾ قراءة الجمهور بضم الجيم ، وقرأ الکسائي(٧٤٤) وحده بکسرها ، وفيه وجهان : أحدهما : حُطاماً ، قاله ابن عباس ، وهو تأويل من قرأ بالضم . الثاني : قِطعاً مقطوعة ، قال الضحاك : هو أن يأخذ من كل عضوين عضواً ويترك عضواً وهذا تأويل من قرأ بالكسر ، مأخوذ من الجذ وهو القطع ، قال الشاعر (٧٤٥) : جذَّذ الأصنام في محرابها ذاك في الله العلي المقتدر قَالُواْ فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ ﴾ أي بمرأى من الناس . لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : يشهدون عقابه ، قاله ابن عباس . الثاني : يشهدون عليه بما فعل ، لأنهم كرهوا أن يعاقبوه بغير بينة ، قاله الحسن ، وقتادة ، والسدي . الثالث : يشهدون بما يقول من حجة ، وما يقال له من جواب ، قاله ابن كامل . قوله تعالى : ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ الآية . فيه وجهان : أحدهما : بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم ، فجعل إضافة الفعل إليهم مشروطاً بنطقهم تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم . (٧٤٤) وكذا هي قراءة ابن محيصن (٤٣٦/٨) فتح الباري . (٧٤٥) فتح القدير (٤١٣/٣) ٤٥١ سورة الأنبياء الآية - ٦٤ - ٦٧ الثاني : أن هذا القول من إبراهيم سؤال إلزام خرج مخرج الخبر وليس بخبر ، ومعناه : أن من اعتقد أن هذه آلهة لزمه سؤالها ، فلعله فعله [ كبيرهم ] فيجيبه إن كان إلّهاً ناطقاً . ﴿إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ﴾ أي يخبرون ، كما قال الأحوص: وما الشعر إلا خطبةٌ من مؤلفٍ لمنطق حق أو لمنطق باطل فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن ٦٥ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَاهَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ ( دُونِ اللَّهِ مَالَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِأَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧ قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوّاْ إِلَىْ أَنفُسِهِمْ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن رجع بعضهم إلى بعض . الثاني : أن رجع كل واحد منهم إلى نفسه متفكراً فيما قاله إبراهيم ، فحاروا عما أرادوه من الجواب فأنطقهم الله تعالى الحق ﴿ فَقَالُوَأْ: إِنَّكم أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ يعني في سؤاله ، لأنها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها ، ولو صحبهم التوفيق لآمنوا مع هذا الجواب لظهور الحق فيه على ألسنتهم . ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءوسِهِمْ ﴾ فیه ثلاثة أوجه : أحدها : معناه أنهم رجعوا إلى شِركهم بعد اعترافهم بالحق . الثاني: يعني أنهم رجعوا إلى احتجاجهم على إبراهيم بقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هُؤْلاَءٍ يَنطِقُونَ ﴾. الثالث : أنهم نكسوا على رؤوسهم واحتمل ذلك منهم واحداً من أمرين : إما انكساراً بانقطاع حجتهم ، وإما فكراً في جوابهم فأنطقهم الله بعد ذلك بالحجة إذعاناً لها وإقراراً بها، بقولهم : ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هُؤُلاَءِ يَنطِقُونَ ﴾ فأجابهم إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة . ٤٥٢ سورة الأنبياء الآية - ٦٨ - ٧٠ قُلَنَا يَنَارُ كُوْنِى بَرّدًا ٦٨ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِنِ كُنُمْ فَعِلِينَ وَسَلَمًا عَلَى إِنْزَهِيمَ ﴾ وَأَدُوْيِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِنَ ٧٠ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُ واْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ وفي الذي أشار عليهم بذلك قولان : أحدهما : أنه رجل من أعراب فارس يعني أكراد فارس ، قاله ابن عمر ، ومجاهد . وابن جريج . الثاني : أنه هيزون (٧٤٦) فخسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . وقيل إن إبراهيم حين أوثق ليلقى في النار فقال : لا إلّه إلا أنت سبحانك رب العالمين ، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك . وقال عبد الله بن عمر (٧٤٧): كانت كلمة إبراهيم حين ألقي في النار : حسبي الله ونعم الوكيل . قال قتادة : فما أحرقت النار منه إلا وثاقه . قال ابن جريج : ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة . وقال كعب : لم يبق في الأرض يومئذ إلا من يطفىء عن إبراهيم النار ، إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه ، فلذلك أمر النبي وملي(٧٤٨) بقتلها. قال الكلبي : بنوا له أتوناً ألقوه فيه ، وأوقدوا عليه النار سبعة أيام ، ثم أطبقوه عليه وفتحوه من الغد ، فإذا هو عرق أبيض لم يحترق ، وبردت نار الأرض فما أنضجت يومئذ كراعاً . (٧٤٦) وفي الطبري (٤٣/١٧) هيزن (٧٤٧) ورد نحوه من حديث ابن عباس في قوله ((لعله كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل)) رواه البخاري (٢٢٩/٨) وأما أثر ابن عمر فقد رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر ولكن نسبته في الدر (٦٣٩/٥) إلى ابن عمرو . (٧٤٨) وذلك فيما رواه أحمد (٨٣/٦) والطبراني وأبو يعلى وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٦٣٨/٥) من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه به إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم. وله شاهد مرسل عن قتادة أخرجه عبد الرزاق في مصنفه كما في الدر (٦٣٩/٥). ٤٥٣ سورة الأنبياء الآ ية - ٧١ - ٧٥ قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ جعل الله فيها برداً يدفع حرها ، وحراً يدفع بردها ، فصارت سلاماً عليه . قال أبو العالية: ولو لم يقل ((سلاماً)) لكان بردها أشد عليه من حرها ، ولو لم يقل ((على إبراهيم)) لكان بردها باقياً على الأبد . وَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَافِيَهَا لِلْعَلَمِينَ إِ أَوَوَهَبْنَا لَهُ: ٧١ ◌َ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلًا جَعَلْنَا صَلِحِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُوْ لَنَا عَبِدِينَ ﴿ وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِالَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَبَِّثَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ ٧٤ وَأَدْخَلْتَهُ فِى رَحْمَيِّنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ٧٥ قوله تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً ﴾ قيل إن لوط كان ابن أخي إبراهيم فآمن به ، قال تعالى: ﴿فَأَمَنَ لَهُ لُوطُ ﴾ [العنكبوت: ٢٦] فلذلك نجاهما الله . إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [ فيه] ثلاثة أقاويل: أحدها : من أرض العراق إلى أرض الشام قاله قتادة ، وابن جريج . الثاني : إلى أرض بيت المقدس ، قاله أبو العوام . الثالث : إلی مکة،قاله ابن عباس . وفي بركتها ثلاثة أقاويل : أحدها : أن منها بعث الله أكثر الأنبياء . الثاني : لكثرة خصبها ونمو نباتها . الثالث : عذوبة مائها وتفرقه في الأرض منها . قال أبو العالية : ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس ، ثم يتفرق في الأرض . قال كعب الأحبار : والذي نفسي بيده إن العين التي بدارين لتخرج من تحت هذه الصخرة ، يعني عيناً في البحر . ٤٥٤ سورة الأنبياء الآ ية - ٧٧،٧٦ قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن النافلة الغنيمة ، قال لبيد (٧٤٩): الله نافلة الأفضل . الثاني : أن النافلة الابن ، حكاه السدي . الثالث : إنها الزيادة في العطاء . وفيما هو زيادة قولان : أحدهما : أن يعقوب هو النافلة ، لأنه دعا بالولد فزاده الله ولد الولد ، قاله ابن عباس وقتادة . الثاني : أن إسحاق ويعقوب هما جميعاً نافلة ، لأنهما زيادة على ما تقدم من النعمة عليه ، قاله مجاهد ، وعطاء . قوله وجل: ﴿وَلُوطَأَ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أنه القضاء بالحق بين الخصوم قاله ابن عيسى . (٧٥٠) الثاني : النبوة ، قاله . عِلْمَاً ﴾ يعني فهماً . ﴿ وَتَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيِ الَّتِي كَانَتْ تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ﴾ وهي قرية سدوم . وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان : أحدهما : اللواط . الثاني : الضراط ﴿ونجيناه﴾ قيل من قلب المدائن ورمي الحجارة. وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَا يَئِنَاْ إِنَهُمْ كَانُواْقَوْمَ سَوْءِ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٤٩) وفي اللسان نفل (( لله نافلة الأجل الأفضل)) (٧٥٠) وفي هذا الموضع اسم غير واضح . ٤٥٥ سورة الأنبياء الآية - ٧٨ - ٨٢ قوله تعالى : ﴿ وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ ﴾ يعني إذ دعانا على قومه من قبل إبراهيم . ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ ويحتمل وجهاً آخر إذ نجيناه من أذية قومه حين أغرقهم الله . ويحتمل ثالثاً : نجاته من مشاهدة المعاصي في الأرض بعد أن طهرها الله بالعذاب . وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا ﴾ فيه وجهان: أحدهما : نصرناه عليهم بإجابة دعائه فيهم . الثاني : معناه خلصناه منهم بسلامته دونهم . وَدَاوُ ودَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَزَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ (٧٨ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ ﴿ وَعَلَمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ نَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ ٨٠ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيَحَ عَاصِفَةً تَجْرِىِأَمْرٍِإِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَكُنَّابِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴿ وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌَ وَكُنَالَهُمْ حَفِظِينَ ٨٢ قوله عز وجل : ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ﴾ فيه قولان: أحدها : أنه كان زرعاً وقعت فيه الغنم ليلاً ، قاله قتادة . الثاني : كان كرماً نبتت عناقيده ، قاله ابن مسعود ، وشريح . إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ﴾ قال قتادة : النفش رعي الليل ، والهمل : رعي النهار ، قال الشاعر : متعلقة بأفناء البيوت نافشاً في عشا التراب ٤٥٦ سورة الأنبياء الآية - ٧٨ - ٨٢ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ وفي حكمهما قولان : أحدهما : أنه كان متفقاً لم يختلفا فيه ، لأن الله حين أثنى عليهما دل على إتفاقهما في الصواب ويحتمل قوله تبارك وتعالى : ﴿فَفَهَّمْنَاهَا ﴾ على أنه فضيلة له على داود لأنه أوتي الحكم في صغره ، وأوتي داود الحكم في كبره ، وإن اتفقا عليه ولم يختلفا فيه لأن الأنبياء معصومون من الغلط والخطأ لئلا يقع الشك في أمورهم وأحكامهم ، وهذا قول شاذ من المتكلمين . والقول الثاني : وهو قول الجمهور من العلماء والمفسرين أن حكمهما كان مختلفاً أصاب فيه سليمان ، وأخطأ داود ، فأما حكم داود فإنه قضى لصاحب الحرث ، وأما حكم سليمان فإنه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها ، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليأخذ بعمارته ، فإذا عاد في السنة المقبلة إلى مثل حاله ردّت الغنم إلى صاحبها ، وردّ الحرث إلى صاحبه ، حكاه ابن مسعود ، ومجاهد . فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به ، فقال الله تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ فجعل الحق معه وفي حكمه ، ولا يمتنع وجود الغلط (٧٥١) والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم . لكن لا يقرون عليه وإن أقر عليه غيرهم ، ليعود الله بالحقائق لهم دون خلقه ، ولذلك تسمى بالحق وتميز به عن الخلق . واختلف القائلون بهذا في حمله على العموم في جميع الأنبياء على قولين : أحدهما: أن نبينا محمداً وَلّ مخصوص منهم بجواز الخطأ عليهم دونه قاله أبو علي بن أبي هريرة رضي الله عنه ، وفرق بينه وبين غيره من جميع الأنبياء ، لأنه خاتم الأنبياء فلم يكن بعده من يستدرك غلطه ، ولذلك عصمه الله منه ، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء مَنْ يستدرك غلطه . والقول الثاني : أنه على العموم في جميع الأنبياء ، وأن نبينا وغيره من الأنبياء في تجويز الخطأ على سواء ، إلا أنهم لا يقرون على إمضائه ، فلم يعتبر فيه استدراك مَنْ بعدهم من الأنبياء ، فهذا رسول الله وَلل قد سألته امرأة عن العدة(٧٥٢)، (٧٥١) وهذا يصدر عن اجتهاد منهم صلوات الله وسلامه عليهم. (٧٥٢) رواه مالك (٥٩١/٢) وأبو داود (٢٣٠٠) والترمذي (١٢٠٤) وقال حسن صحيح وابن ماجه = ٤٥٧ سورة الأنبياء الآية - ٧٨ - ٨٢ فقال لها : ((اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ)) ثم قال: ((يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجْلَهُ)). وقال رجل (٧٥٣): أرأيتَ إن قُتِلتُ صابراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء ؟ فقال: (لَا )، ثم دعاه فقال: ((إِلَّ الدَّينُ كَمَا أُخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِ يلُ)). ولا يوجد منه إلّ ما جاز عليه . ثم قال تعالى: ﴿وَكُلُّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا ، ولكنه أثنى على سليمان على صوابه وعذر داود باجتهاده . فإن قيل : فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان ؟ فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإطلاق وکان ذلك منه على طريق الفتيا فذكره لهم ليلزمهم إياه ، فلما ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه . الثاني : أنه يجوز أن يكون الله أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك ، ولأجل النص الوارد بالوحي رأی أن ینقض اجتهاده ، لأن علی الحاکم أن ينقض حكمه بالاجتهاد إذا خالف نصاً . على أن العلماء قد اختلفوا في الأنبياء ، هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام ؟ فقالت طائفة يجوز لهم الاجتهاد لأمرين : أحدهما : أن الاجتهاد في الاجتهاد (٧٥٤) فضيلة، فلم يجز أن يحرمها الأنبياء . = (٢٠٣١) والدارمي (١٦٨/٢) وأحمد (٣٧٠/٦، ١٢٠) واللسان (١٩٩/٦) والشافعي في الرسالة (١٢١٤) والطيالسي (١٦٦٤) وابن حبان (١٣٣٢) وصححه والحاكم (٢٠٨/٢) وصححه ووافقه الذهبي وقال صاحب تخريج زاد المعاد (٦٧٦/٥) إسناده صحيح . (٧٥٣) طرف من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول اله ◌َّه قام فيهم فذكر لهم الجهاد في سبيل الله رواه مسلم الإِيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل فقال يا رسول الله .... الحديث فذكره (٣٧/٦، ٢٨) وأحمد (٢٩٧/٥، ٣٠٨) والنسائي (٦٢/٢) والدارمي (٢٧/٢) ومالك (٤٦١/٢) والبيهقي (٢٥/٩). (٧٥٤) لعله الأحكام والله أعلم . ٤٥٨ سورة الأنبياء الآية - ٧٨ - ٨٢ الثاني : أن الاجتهاد أقوى فكان أحبها ، وهم [ في ] التزام الحكم به أولى ، وهذا قول من جوز من الأنبياء وجود الغلط . وقال الآخرون : لا يجوز للأنبياء أن يجتهدوا في الأحكام ، لأن الاجتهاد إنما يلجأ إليه الحاكم لعدم النص ، والأنبياء لا يعدمون النص لنزول الوحي عليهم ، فلم يكن لهم الاجتهاد وهذا قول من قال بعصمة الأنبياء من الغلط والخطأ . فأما ما استقر عليه شرعنا فيما أفسدته البهائم من الزرع فقد روى سعيد بن المسيب أن ناقة (٧٥٥) البراء بن عازب دخلت حائطاً وأفسدته، فقضى النبي وَّر على أهل المواشي بحفظ مواشيهم ليلاً، وعلى أهل الحوائط بحفظ حوائطهم نهاراً ، فصار ما أفسدته البهائم بالليل مضموناً ، وما أفسدته نهاراً غير مضمون لأن حفظها شاق على أربابها ، ولا يشق عليهم حفظها نهاراً ، فصار الحفظ في الليل واجباً على أرباب المواشي فضمنوا ما أفسدته مواشيهم ، والحفظ في النهار واجباً على أرباب الزروع ، فلم يحكم لهم - مع تقصيرهم - بضمان زرعهم ، وهذا من أصح قضاء وأعدل حكم ، رفقاً بالفريقين ، وتسهيلاً على الطائفتين ، فليس ينافي هذا ما حكم داود [ به ] وسليمان عليهما السلام من أصل الضمان ، لأنهما حكما به في رعي الليل ، وإنما يخالف من صفته ، فإن الزرع في شرعنا مضمون لأنهما حكما بنقصانه من زائد وناقص ، ولا تعرض للبهائم المفسدة إذا وصل الضمان إلى المستحق . ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أنه أتى كل واحد منهما من الحكم والعلم مثل ما آتى الآخر وفي المراد بالحكم والعلم وجهان محتملان : أحدهما : أن الحكم القضاء ، والعلم الفتيا . والثاني : أن الحكم الإجتهاد ، والعلم النص . (٧٥٥) رواه أحمد (٢٩٥/٤) وأبو داود (٣٥٦٩ /٣٥٧٠) وابن ماجة (٧٣٣٢) والطبري (٥٣/١٧) من حديث حرام بن محيّصة عن أبيه . والمؤلف ذكره هنا من مرسل سعيد ولم نهتدٍ إلى تخريجه ولا إلى من وصله . ٤٥٩ . سورة الأنبياء الآ ية - ٧٨ - ٨٢ قوله عز وجل: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْبَالَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما : ذللنا . الثاني : ألهمنا . يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ وفي تسبيحها ثلاثة أوجه : أحدها : أن سيرها معه هو تسبيحها ، قاله ابن عيسى ، والتسبيح مأخوذ من السباحة . الثاني : أنها صلواتها معه ، قاله قتادة . الثالث : أنه تسبيح مسموع كان يفهمه ، وهذا قول يحيى بن سلام . قوله عز وجل : ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةً لَبُوسٍ ... ﴾ فيه وجهان : أحدهما : اللبوس الدرع الملبوس ، قاله قتادة . الثاني : أن جميع السلاح لبوس عند العرب . لِتُحْصِنكُم مِّن بأسِكُمْ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : من سلاحكم ، قاله ابن عباس . الثاني : حرب أعدائكم ، قاله الضحاك . قوله عز وجل : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ معناه وسخرنا لسليمان الريح ، والعصوف شدة حركتها والعصف التبن ، فسمي به شدة الريح لأنها تعصفه لشدة تکسیرها له . ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي أرض الشام ، وفي بركتها ثلاثة أقاويل : أحدها : بمن بعث فيها من الأنبياء . الثاني : أن مياه أنهار الأرض تجري منها . الثالث : بما أودعها الله من الخيرات ، قاله قتادة : ما نقص من الأرض زيد في أرض الشام ، وما نقص من الشام زيد في فلسطين ، وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر . ٤٦٠