النص المفهرس

صفحات 421-440

سورة طه الآية - ٩٥ - ٩٨
أحدها : ليسر إليه نزول الألواح عليه ، لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة
وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوبة ، فقال له هارون : لا تأخذ بلحيتي ولا
برأسي ليشتبه سراره على بني إسرائيل .
الثاني : فعل ذلك لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل إلى بني إسرائيل فيما
فعلوه من أمر العجل ، ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء .
الثالث: وهو الأشبه - أنه فعل ذلك لإِمساكه عن الإِنكار على بني إسرائيل
الذين عبدوا العجل ومقامه بينهم على معاصيهم .
إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَائِيلَ﴾ وهذا جواب هارون عن
قوله : ﴿ أَفَعَصَيْتَ أُمْرِي ) وفيه وجهان :
أحدهما : فرقت بينهم بما وقع من اختلاف معتقدهم .
الثاني: [فرقت ] بينهم بقتال مَنْ عَبَدَ العجل منهم .
وقيل : إنهم عبدوه جميعاً إلا اثني عشر ألفاً بقوا مع هارون لم يعبدوه .
﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : لم تعمل بوصيتي ، قاله مقاتل .
الثاني : لم تنتظر عهدي ، قاله أبو عبيدة .
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُ واْبِهِ، فَقَبَضْتُ
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ
قَالَ
٩٦
قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى
صِے
فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوْةِ أَنْ تَقُولَ لَامِسَاسٌِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ،
وَأَنْظُرْ إِلَ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِمَا لَّمُحَرِّقَتَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِ اَلْيَدِّ
نَسْفًا ﴿ إِنَّهَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَالِهَا
قوله عز وجل: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴾ الخطب ما يحدث من الأمور
الجليلة التي يخاطب عليها ، قال الشاعر (٧١٦):
(٧١٦) هو المرقش الأصغر.
٤٢١

سورة طه الآية - ٩٩ - ١٠١
كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَاقَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا [® مَّنْ
أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا تَ خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حِملًا
١٠١
آذنت جارتي بوشك رحيل بكرا جاهرت بخطب جليل
وفي السامري قولان :
أحدهما : أنه كان رجلاً من أهل كرمان ، تبع موسى من بني إسرائيل ، قاله
الطبري ، وكان إسمه موسى بن ظفر .
وفي تسميته بالسامري قولان :
أحدهما : أنه كان من قبيلة يقال لها سامرة ، قاله قتادة .
الثاني : لأنه كان من قرية تسمى سامرة .
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَنْصُرُوا بِهِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : نظرت ما لم ينظروه ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : بما لم يفطنوا له ، قاله مقاتل .
وفي بصرت وأبصرت وجهان :
أحدهما : أنَّ معناهما واحد .
الثاني : أن معناهما مختلف ، فأبصرت بمعنى نظرت ، وبَصُرت بمعنى
فطنت .
﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً ﴾ قرأه الجماعة بالضاد المعجمة ، وقرأ الحسن بصاد غير
معجمة (٧١٧)، والفرق بينهما أن القبضة بالضاد المعجمة ، بجميع الكف ، وبصاد
غير معجمة : بأطراف الأصابع ﴿ مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما: أن الرسول جبريل .
= والبيت من قصيدة له في شرح المفضليات لأبي بكر الأنباري ص ٤٤٦.
(٧١٧) راجع زاد المسير (٣١٨/٥) والطبري (٢٠٦/١٦).
٤٢٢

سورة طه الآية - ٩٩ - ١٠١
وفي معرفته قولان :
أحدهما : لأنه رآه يوم فلق البحر فعرفه .
الثاني : أن حين ولدته أمه [ جعلته في غار ] - حذراً عليه من فرعون حين
كان يقتل بني إسرائيل وكان جبريل يغذوه صغيراً لأجل البلوى ، فعرفه حين كبر ،
فأخذ قبضة تراب من حافر فرسه وشدها في ثوبه ﴿ فَبَذْتُهَا ﴾ يعني فألقيتها ، وفيه
وجهان :
أحدهما : أنه ألقاها فيما سبكه من الحلي بصياغة العجل حتى خار بعد
صياغته .
الثاني : أنه ألقاها في جوف العجل بعد صياغته حتى ظهر خواره ، فهذا
تفسيره على قول من جعل الرسول جبريل .
والقول الثاني : أن الرسول موسى ، وأن أثره شريعته التي شرعها وسنته التي
سنها، وأن قوله : ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ﴾ أي طرحت شريعة
موسی ونبذت سنته ، ثم اتخذت العجل جسداً له خوار .
وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : حدثتني نفسي ، قاله ابن زيد .
الثاني : زينت لي نفسي ، قاله الأخفش .
قوله عز وجل : ﴿ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ فيهِ
قولان :
أحدهما : أن قوله : ﴿فَأَذْهَبْ﴾ وعيد من موسى، ولذا [فإن] السامري
خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع ، لا يجد أحداً من الناس
يمسه ، حتى صار كالقائل لا مساس ، لبعده عن الناس وبعد الناس منه .
حمال رایات بها قنعاسا
قالت الشاعرة(٧١٨):
حتى يقول الأزد لا مساسا
(٧١٨) فتح القدير (٣٨٣/٣) وفيه قناعاً وهو محرف .
٤٢٣

سورة طه الآية - ١٠٢ - ١٠٤
القول الثاني : أن هذا القول من موسى [ كان ] تحريماً للسامري ، وأن
موسى أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه ، فكان لا يَمَسُّ وَلَا يُمَسُّ ، قال
الشاعر(٧١٩) :
ألا لا يريد السامري مساسا
تمیم کرهط السامري وقوله
أي لا يُخَالِطُونَ وَلَا يُخَالُطُون .
﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : في الإِمهال لن يقدم .
الثاني : في العذاب لن يؤخر .
قوله عز وجل : ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أحاط بكل شيء حتى لم يخرج شيء من علمه .
الثاني : وسع كل شيء علماً حتى لم يخل شيء عن علمه به .
يَوْم ◌ُفَعُ فِ الصُّورِ وَتَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَبِذٍ زُرْقًا (٣) يَتَخَفَتُونَ بَلْنَهُمْ إِن
لَّقْتُمْ إِلَّا عَشْرًا لَ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنَِّئْتُمْ
إِلَّايَوْمًا
١٠٤
قوله عز وجل : ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ﴾ فيه ستة أقاويل :
أحدها : عُمياً ، قاله الفراء .
الثاني : عطاشاً قد أزرقت عيونهم من شدة العطش ، قاله الأزهري .
الثالث : تشويه خَلْقِهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم .
الرابع : أنه الطمع الكاذب إذ تعقبته الخيبة ، وهو نوع من العذاب .
الخامس : أن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف ، قال
الشاعر(٧٢٠):
(٧١٩) روح المعاني (١٦ /٢٥٦) ولم ينسبه .
. (٧٢٠) روح المعاني (٢٦٠/١٦) وفتح القدير (٣٨٦/٣) وفي المصدر الأول وقع الشطر الثاني في
البيت:
ألا كل ضبي من اللوم أزرق
٤٢٤

سورة طه الآية - ١٠٥ - ١٠٨
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر كما كل ضبي مِن اللؤم أزرق
قوله عز وجل : ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي يتسارُّون بينهم ، من قوله تعالى:
وَلَ تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي لا تُسرّ بها.
إن ◌َّبِثْتُمْ إِلَّ عَشْراً ﴾ العشر على طريق التقليل دون التحديد وفيه وجهان :
أحدهما : إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً، لما شاهدوا من سرعة القيامة ، قاله
الحسن .
الثاني : إن لبثتم في قبوركم إلّ عشراً لما ساواه(*) من سرعة الجزاء .
قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : نحن أعلم بما يقولونه مما يتخافتون به بينهم .
الثاني : نحن أعلم بما يجري بينهم من القول في مدد ما لبثوا .
﴿ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أوفرهم عقلاً .
الثاني : أكبرهم سداداً .
﴿ إِن ◌َّبِثْتُمْ إِلَّ يَوْماً ﴾ لأنه كان عنده أقصر زماناً وأقل لبثاً ، ثم فيه وجهان :
أحدهما : لبثهم في الدنيا .
الثاني : لبثهم في القبور .
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِنَسْفًا
فَيَذَرُهَاقَاعَا صَفْصَفًا
١٠٥
١٠٦
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّاعِىَ لَ عَوَجَ لَهُ وَ خَشَعَتِ
لَا تَرَى فِيَهَا عِوَ جًا وَلَا أَمْتَّا لَّ
اُلْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّهَمْسَالْهِ
(١٠٨
قوله عز وجل ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها كما يذري
الطعام .
(*) هكذا في الأصول ولعلها شاهدوه أو رأوه .
٤٢٥

سورة طه الآية - ١٠٥ - ١٠٨
الثاني : تصير كالهباء .
فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ في القاع ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الموضع المستوي الذي لا نبات فيه ، قاله ابن عباس ،
ومجاهد ، وابن زيد .
الثاني : الأرض الملساء .
الثالث : مستنقع الماء ، قاله الفراء .
وفي الصفصف وجهان :
أحدهما : أنه ما لا نبات فيه ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه المكان المستوي ، كأنه قال على صف واحد في استوائه ، قاله
مجاهد .
﴿لَّ تَرَىْ فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتَأَ ﴾ فيه خمسة أقاويل :
أحدها : عوجاً يعني وادياً ، ولا أمتاً يعني رابية ، قاله ابن عباس .
الثاني : عوجاً يعني صدعاً ، ولا أمتاً يعني أكمة، قاله الحسن .
الثالث : عوجاً يعني ميلاً . ولا أمتاً يعني أثراً، وهو مروي عن ابن عباس .
الرابع : الأمت الجذب والانثناء ، ومنه قول الشاعر(٧٢١):
ما في انطلاق سیره من أمت
قاله قتادة.
الخامس : الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ، ويدق في مكان ،
حكاه الصولي ، فيكون الأمت من الصعود والارتفاع .
قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمْنِ﴾ قال ابن عباس : أي خضعت
بالسكون ، قال الشاعر(٧٢٢):
(٧٢١) هو العجاج.
والبيت في اللسان ((أمت)) والطبري (١٦ / ٢١٣) وفيه (( ما في انجذاب بدلاً ما في انطلاق)).
(٧٢٢) تقدم تخريج هذا البيت .
٤٢٦

سورة طه الآية - ١٠٩ - ١١٢
سور المدينة والجبال الخشع
لما آتی خبر الزبير تصدعت
﴿ إِلَّ هَمْساً﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الصوت الخفي ، قاله مجاهد .
الثاني : تحريك الشفة واللسان ، وقرأ أَبيّ : فلا ينطقون إلا همساً.
الثالث : نقل الأقدام ، قال ابن زيد ، قال الراجز (٧٢٣):
وهن یمشین بنا هَمِیسا
يعني أصوات أخفاف الإِبل في سيرها .
يَوْمَيِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِينَ لَهُالرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا (٢٦) يَعْلَمُ مَابَيْنَ
أَيْدٍ ◌ِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا (٣)﴾ وَعَنَتِ الْوُجُوهُلِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [٨] وَمَن يَعْمَلُ مِنَ الصَِّحَتِ وَهُوَ مُؤْصِرُ فَلَا
يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا !
قوله عز وجل : ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ﴾ فيه خمسة أوجه :
أحدها : أي ذلت ، قاله ابن عباس .
الثاني : خشعت ، قاله مجاهد ، والفرق بين الذل والخشوع - وإن تقارب
معناهما - هو أنّ الذل أن يكون ذليل النفس ، والخشوع: أن يتذلل لذي طاعة .
قال أمية بن الصلت(٧٢٤):
١
وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكورا
الثالث : عملت ، قاله الكلبي .
الرابع : استسلمت ، قاله عطية العوفي .
(٧٢٣) روح المعاني (٢٦٤/١٦) فتح القدير (٣٨٧/٣) الطبري (٢١٤/١٦) اللسان ((همس)).
(٧٢٤) وله بيت آخر ولفظه:
مليك على عرش السماء مهيمن
لعزته تعنو الوجوه وتسجد
فتح القدير (٣٨٧/٣).
٤٢٧

سورة طه الآية - ١١٤،١١٣
الخامس : أنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود ، قاله طلق بن
حبيب .
الْقُّومِ ﴾ فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه القائم على كل نفس بما كسبت ، قاله الحسن .
الثاني : القائم بتدبير الخلق .
الثالث : الدائم الذي لا يزول ولا يبيد .
: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ يعني شركاً .
قوله تعالى: ﴿ فَلَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾ فيه وجهان :
أحدهما : فلا يخاف الظلم بالزيادة في سيئاته ، ولا هضماً بالنقصان من
حسناته ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة .
الثاني : لا يخاف ظلماً بأن لا يجزى بعمله ، ولا هضماً بالانتقاص من
حقه ، قاله ابن زيد ، والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله ،
[ والهضم ] المنع من بعضه ، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه ، قال المتوكل
الليثي (٧٢٥):
إن الأذلة واللئام لمعشر مولاهم المتهضم المظلوم
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَافِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْيُحْدِثُ لَمْ
ذِكْرً ا فَتَعَلَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ
وَحْيٌُ وَقُل رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا!
(١١٤
قوله تعالى : ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : حذراً ، قاله قتادة .
الثاني : شرفاً لإِيمانهم ، قاله الضحاك .
الثالث : ذكراً يعتبرون به .
(٧٢٥) روح المعاني (١٦ /٢٦٦).
٤٢٨

سورة طه الآية - ١١٥ - ١٢١
، وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرءَانِ ﴾ الآية . فيه ثلاثة أقاويل :
قوله تعالى : ﴿
أحدها : لا تسأل إنزاله قبل أن يقضى ، أي يأتيك وحيه .
الثاني : لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله ، قاله عطية .
الثالث : لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه ، لأنه كان يعجل
بتلاوته(٧٢٦) قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه خوف نسيانه ، قاله الكلبي .
وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : زدني أدباً في دينك ، لأن ما يحتاج إليه من علم دينه لنفسه أو لأمته
لا يجوز أن يؤخره الله عنده حتی یلتمسه منه .
الثاني : زدني صبراً على طاعتك وجهاد أعدائك ، لأن الصبر يسهل بوجود
العلم .
الثالث : زدني علماً بقصص أنبيائك ومنازل أوليائك .
الرابع : زدني علماً بحال أمتي وما تكون عليه من بعدي .
ووجدت للكلبي جواباً .
خامساً : معناه: ﴿ وَقُل رَّبِّ زَدْنِي عِلْماً﴾ لأنه كلما ازداد من نزول القرآن
عليه ازداد علماً به .
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا (١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ
فَقُلْنَا يَّعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوَّلَّكَ
اسْجُدُ واْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى
وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىِ ﴿ إِنَّلَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى
أَوَ أَنَّكَ لَا تَظْمَؤُ أُفِيهَا وَلَا تَضْحَى [﴾ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَنُ قَالَ
١١٨
يَعَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى ◌َ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا
(٧٢٦) وهو قول ابن عباس في الصحيح أن رسول الله 18 كان يعالج من الوحي شدة فكان مما يحرك به
لسانه فأنزل الله تعالى ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾.
٤٢٩

سورة طه الآية - ١٢١ - ١٢٦
سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىّءَآدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
(١٢٢)
ثُمَّأَجْنَهُ رَبُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
١٢١
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىْ ءَادَمَ ... ) فيه تأويلان :
أحدهما : يعني فترك أمر ربه ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه نسي من النسيان والسهو، قال ابن عباس : إنما أخذ الإِنسان
من أنه عهد إليه فنسي .
﴿ ... وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : صبراً ، قاله قتادة .
الثاني : حفظاً قاله عطية .
الثالث : ثباتاً . قال أبو أمامة: لو قرنت أعمال بني آدم بحلم آدم لرجح
حلمه على حلمهم ، وقد قال الله : ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
الرابع : عزماً في العودة إلى الذنب ثانياً .
قوله عز وجل : ﴿ فَلَ يُخْرِ جَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ يعني أنت وزوجك
لأنهما في استواء العلة واحد . ولم يقل : فتشقيا لأمرين :
أحدهما : لأنه المخاطب دونها .
الثاني : لأنه الكادّ عليها والكاسب لها ، فكان بالشقاء أخص .
قَالَ أَهْبِطَامِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (٦) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ
مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَحَشَرْتَفِّ أَعْمَى
حسىے
قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نَسَى
١٢٥
وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا!
قوله تعالى: ﴿ فَمَنٍ أَتََّعَ هُدَايَ﴾ وعمل بما فيه ﴿ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ﴾
لا يضل في الدنيا ولا يشقى .
٤٣٠

سورة طه الآية - ١٢٧ - ١٣٠
قال ابن عباس : ضمن الله لمن يقرأ القرآن ويعمل بما فيه ألّ يضل في الدنيا
ولا يشقى في الآخرة .
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ فيه أربع تأويلات :
أحدها : كسباً حراماً ، قاله عكرمة .
الثاني : أن يكون عيشه منغَّصاً بأن ينفق من لا يوقن بالخلف ، قاله ابن
عباس .
الثالث : أنه عذاب القبر ، قاله أبو سعيد الخدري وابن مسعود وقد رفعه أبو
هريرة (٧٢٧) عن النبي ◌َّر.
الرابع : أنه الطعام الضريع والزقوم في جهنم ، قاله الحسن ، وقتادة ، وابن
زيد . والضنك في كلامهم : الضيق قال ، عنترة(٧٢٨):
إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
ويحتمل خامساً : أن يكسب دون كفايته .
﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أعمى في حال ، وبصير في حال .
الثاني : أعمى عن الحجة ، قاله مجاهد .
الثالث : أعمى عن وجهات الخير لا يهتدي لشيء منها .
وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنَ بِئَايَتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُ وَأَبْقَ(٦) أَفَلَمْ
يَهْدِ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَكِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ
النُّهَى: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى (٤٦) فَأَصْبِرْ عَلَى
(٧٢٧) رواه ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر (٦٠٨/٥) وقال
الحافظ ابن كثير (١٦٩/٣) بعد ما ساقه من رواية البزار إسناد جيد.
(٧٢٨) والبيت:
إِنْ يُلْحَقُوا أكْرُرْ وإن يُسْتَلْحَمُوا
أشدُدْ وإنْ يُلقوا بِضَنْكٍ أنزل
مجاز القرآن (٣٢/٢) والطبري (٢٢٥/١٦) والقرطبي (٢٥٨/١١) مختار الشعر الجاهلي
(٢٨٨/١) وزاد المسير (٣٣١/٥) فتح القدير (٣٩١/٣).
٤٣١

سورة طه الآية - ١٣٠
مَايَقُولُونَ وَسَيِّحْ بَحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْءَانَآٍ أَلَّيْلِ
فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِلَعَلَّكَ تَرْضَى
١٣
قوله عز وجل : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : بأن جعل الجزاء يوم القيامة ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : بتأخیرهم إلى يوم بدر .
لَكان لزاماً ﴾ فیه وجهان .
أحدهما : لكان عذاباً لازماً .
الثاني : لكان قضاء ، قاله الأخفش .
وَأَجَلٌ مُسَمّىٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : يوم بدر .
والثاني : يوم القيامة ، قاله قتادة . وقال في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره:
ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً .
قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ يعني من الإِيذاء والافتراء.
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ قبل طلوع الشمس
صلاة الفجر ، وقبل غروبها صلاة العصر .
وَمِنْ ءَانَاءِ اللَّيْلِ .
... ﴾ ساعاته، وأحدها إنىَّ، وفيه وجهان :
أحدهما : هي صلاة الليل كله ، قاله ابن عباس .
الثاني : هي صلاة المغرب والعشاء والآخرة .
... أَطْرَافِ النَّهَارِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : صلاة الفجر لأنها آخر النصف الأول ، وأول النصف الثاني ، قاله
قتادة .
الثاني : أنها صلاة التطوع ، قاله الحسن .
٤٣٢

سورة طه الآية - ١٣١، ١٣٢
لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ أي تعطى، وقرأ عاصم والكسائي (٧٢٩) ﴿ تُرضى ﴾ بضم
التاء يعني لعل الله يرضيك بكرامته ، وقيل بالشفاعة .
وَلاَ تَمُدَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِ أَزْ وَجَا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْمَوْالدُّنْيَالِنَفْسِهُمْ فِيْهِ وَرِزْقُ
رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى: ﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا تَسْتَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَزْزُقُكْ
وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى
١٣٢
قوله عز وجل : ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ) فيه وجهان :
أحدهما : أنه أراد بمد العين النظر .
الثاني : أراد به الأسف .
أَزْ وَاجاً﴾ أي أشكالاً ، مأخوذ من المزاوجة .
زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال قتادة : زينة الحياة الدنيا .
﴿ لِنَفْتِنَّهُمْ فِيهِ ﴾ يعني فيما متعناهم به من هذه الزهرة ، وفيه وجهان :
أحدهما : لنفتنهم أي لنعذبهم به ، قاله ابن بحر .
الثاني : لنميلهم عن مصالحهم وهو محتمل .
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه القناعة بما يملكه والزهد فيما لا يملكه .
الثاني : وثواب ربك في الآخرة خير وأبقى مما متعنا به هؤلاء في الدنيا .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون الحلال المُبْقِي خيراً من الكثير المُطْغِي .
وسبب نزولها ما رواه أبو رافع (٧٣٠) أن النبي ◌َّ استلف من يهودي طعاماً
فأبى أن يسلفه إلا برهن ، فحزن وقال: ((إني لأمين في السماء وأمين في الأرض ،
أحمل درعي إليه ))، فنزلت هذه الآية .
(٧٢٩) زاد المسير (٣٣٤/٥) الحجة في القراءات ص ٤٦٤، السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ٤٢٥ .
(٧٣٠) رواه الطبري (٢٣٥/١٦) وزاد السيوطي في الدر (٦١٢/٥) نسبته لابن أبي شيبة واسحاق بن راهويه
والبزار وابي يعلى والبن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق وابن القيم في
المعرفة .
٤٣٣

سورة طه الآية - ١٣٣ - ١٣٥
وروى أنه لما نزلت هذه الآية (٧٣١) أمر رسول الله وسلّ مناديه فنادى : من لم
يتأدب بأدب الله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات .
قوله عز وجل: ﴿وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه أراد أهله المناسبين له .
والثاني : أنه أراد جميع من اتبعه وآمن به ، لأنهم يحلون بالطاعة له محل
أهله .
: وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ أي اصبر على فعلها وعلى أمرهم بها .
وَلَا نَسْأَلُكَ رِزْقً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ هذا وإن كان خطاباً للنبيِنَّ فالمراد به
جميع الخلق أنه تعالى يرزقهم ولا يسترزقهم ، وينفعهم ولا ينتفع بهم ، فكان ذلك
أبلغ في الامتنان عليهم .
وَالْعَاقِبَةُ لِلَّقْوَى﴾ أي وحسن العاقبة لأهل التقوى .
وَقَالُوْلَوْلَا يَأْتِيْنَا بِكَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيْنَهُ مَا فِى الضُّحُفِ اَلْأُولَى لِ
(١٣٣)
وَلَوْأَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْرَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ
ءَايَئِنِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْرَىْ ﴿ قُلْ كُلٌ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوْفَسَتَعْلَمُونَ
مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ أُهْتَدَى
١٣٥
قُلْ كُلِّ مُتَرَبِّصٌ ﴾ أي منتظر ، ويحتمل وجهين .
أحدهما : منتظر النصر على صاحبه .
الثاني : ظهور الحق في عمله .
فَتَرَبَّصُواْ ﴾ وهذا تهدید .
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : فستعلمون بالنصر من أهدى إلى دين الحق .
الثاني : فستعلمون يوم القيامة من أهدى إلى طريق الجنة . والله أعلم ..
(٧٣١) لم أهتد إلى تخريجه ولعله لم يصح فقد صدره المؤلف هنا بصيغة التمريض المشعر بالضعف.
٤٣٤

سورة الأنبياء الآية - ١ - ٦
تريبها
◌ُورَةُ الأَنْبِيَاءُ
آياتها
١١٢
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْضَ الزَحِيِ
أَقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ
مِّن رَّبِّهِم ◌ُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ لَ هِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَىَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
أَقَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الْأَبَلْ قَالُواْ
٣
أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلٍ آَفْتَرَنَهُ بَلْ هُوَشَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
مَآءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
٦
قوله عز وجل : ﴿ أَقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ أي اقترب منهم ، وفيه قولان :
أحدهما : قرب وقت عذابهم ، يعني أهل مكة ، لأنهم استبطؤواْ ما وُعِدوا به
من العذاب تكذيباً ، فكان قتلهم يوم بدر ، قاله الضحاك .
الثاني : قرب وقت حسابهم وهو قيام الساعة .
وفي قربه وجهان :
أحدهما : لا بُد آت ، وكل آت قريب .
الثاني : لأن الزمان لكثرة ما مضى وقلة ما بقي قريب .
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِ ضُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
٤٣٥

سورة الأنبياء الآية - ١ - ٦
أحدهما : في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة .
الثاني : في غفلة بالضلال ، معرضون عن الهدى .
قوله تعالى: ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ التنزيل مبتدأ (٧٣٢) التلاوة
لنزوله سورة بعد سورة ، وآية بعد آية ، كما كان ينزله الله عليه في وقت بعد
وقت .
﴿إِلَّ أَسْتَمَعُوهُ ﴾ أي استمعوا تنزيله فتركوا قبوله .
وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أي يلهون .
الثاني : يشتغلون . فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين .
أحدهما : بلذاتهم .
الثاني : بسماع ما يتلى عليهم .
وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يشتغلون به وجهين :
أحدهما : بالدنيا، لأنها لعب كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ
وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠].
الثاني : يتشاغلون بالقَدْحِ فيه والاعتراض عليه .
قال الحسن : كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل .
قوله عز وجل : ﴿لَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : يعني غافله باللهو عن الذكر ، قاله قتادة .
الثاني : مشغلة بالباطل عن الحق ، قاله ابن شجرة ، ومنه قول امرىء
القيس (٧٣٣) :
(٧٣٢) هذا التفسير من الإِمام الماوردي يدل على أنه لم يكن معتزلياً كما قال بعضهم فقد تابع المؤلف
هنا أهل السنة والجماعة وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق .
(٧٣٣) بيت من معلقته المشهورة التي أولها :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وهي في ديوانه : ١
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
٤٣٦

سورة الأنبياء الآية - ١ - ٦
فألهيتها عن ذي تمائم محولٍ
فمثلك حبلی قد طرقت ومرضع
أي شغلتها عن ولدها .
ولبعض أصحاب الخواطر وجه ثالث : أنها غافلة عما يراد بها ومنها.
وَأَسَرُّ واْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَّمُواْ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : ذكره ابن كامل أنهم أخفوا كلامهم الذي يتناجون به ، قاله
الكلبي .
الثاني : يعني أنهم أظهروه وأعلنوه ، وأسروا من الأضداد المستعملة وإن كان
الأظهر في حقيقتها أن تستعمل في الإِخفاء دون الإظهار إلا بدليل .
﴿ هَلْ هُذَآَ إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ إنكاراً منهم لتميزه عنهم بالنبوة .
أَفْتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ويحتمل وجهين :
أحدهما : أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر .
الثاني : أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق .
قوله تعالى: ﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاتُ أَحْلَامٍ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أهاويل أحلام رآها في المنام ، قاله مجاهد ..
الثاني : تخاليط أحلام رآها في المنام ، قاله قتادة ، ومنه قول الشاعر :
كضغت حلمٍغُرَّ منه حالمه (٧٣٤)
الثالث : أنه ما لم يكن له تأويل ، قاله اليزيدي .
وفي الأحلام تأويلان :
أحدهما : ما لم يكن له تأويل ولا تفسير ، قاله الأخفش .
الثاني : إنها الرؤيا الكاذبة ، قاله ابن قتيبة ، ومنه قول الشاعر :
ترقوق للساري وأضغاث حالم
أحاديث طسم أو سراب بقدفَدٍ
= مختار الشعر الجاهلي ص ٢٥
شرح المعلقات لأبي بكر الأنباري ص
الطبري ( ١٧/ ١١٤ )
(٧٣٤) تقدم هذا البيت في سورة يوسف فراجعه هناك .
٤٣٧

سورة الأنبياء الآية - ٧ - ١٥
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّ رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ
◌َ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًّا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ شَّاثُمَ ◌ّصَدَقْنَهُمُ
الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
٩
رورودرر
قوله عز وجل : ﴿فَاسْأَلُوْاْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية . فيهم ثلاثة أوجه :
أحدها : أهل التوراة والإنجيل ، قاله الحسن ، وقتادة .
الثاني : أنهم علماء المسلمين ، قاله علي رضي الله عنه .
الثالث : مؤمنو أهل الكتاب ، قاله ابن شجرة .
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً ... ) الآية . فيه وجهان :
أحدهما : معناه وما جعلنا الأنبياء قبلك أجساداً لا يأكلون الطعام ولا يموتون
فنجعلك كذلك، وذلك لقولهم: ﴿مَا هذا إلَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] قاله ابن قتيبة .
الثاني : إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ، فلذلك
جعلناك جسداً مثلهم ، قاله قتادة .
قال الكلبي : أو الجسد هو الجسد(*) الذي فيه الروح ويأكل ويشرب ، فعلى
مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسماً . وقال مجاهد : الجسد ما
لا يأكل ولا يشرب ، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفساً .
لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبَافِيهِ ذِكْرُ كُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ
كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَبَعْدَ هَا قَوْمَاءَاخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُوْبَأَسَنَا إِذَا هُم
مِنْهَرَكُضُونَ ﴿ لَا تَرْكُضُوْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُشَْلُونَ ﴿ قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ ﴿ فَمَازَالَتْ تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى
١٥
جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ
(*) هكذا في الأصل وفي تفسير القرطبي نقلاً عن المؤلف : الجسد هو المتجسد .
٤٣٨

سورة الأنبياء الآية - ٧ - ١٥
قوله تعالى : ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ الآية . فيه خمسة
تأويلات :
أحدها : فيه حدیثکم، قاله مجاهد.
الثاني : مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم ، قاله سفيان .
الثالث : شرفكم إن تمسكتم به وعملتم بما فيه ، قاله ابن عيسى .
الرابع : ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم .
الخامس : العمل بما فيه حياتكم ، قاله سهل بن عبد الله .
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسُواْ بَأَسَنَا ﴾ أي عاينواْ عذابنا .
﴿ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : من القرية .
الثاني : من العذاب ، والركض : الإِسراع .
قوله تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُواْ وَارْ جِعُوّاْ إِلَىْ مَآ أَتْرِ فْتُمْ فِيهِ﴾ أي نعمكم، والمترف
المنعم .
لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لعلكم تسألون عن دنياكم شيئاً ، استهزاء بهم ، قاله قتادة .
الثاني : لعلكم تقنعون بالمسألة ، قاله مجاهد .
الثالث : لتسألوا عما كنتم تعملون ، قاله ابن بحر .
قوله تعالى : ﴿فَمَا زَالَتِ تُلْكَ دَعْوَاهُمْ ﴾ يعني ما تقدم ذكره من قولهم ﴿ يا
ويلنا إنا كنا ظالمين ﴾ .
حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : بالعذاب ، قاله الحسن .
الثاني : بالسيف ، قال مجاهد : حتى قتلهم بختنصر .
والحصيد قطع الاستئصال كحصاد الزرع . والخمود : الهمود كخمود النار
٤٣٩

سورة الأنبياء الآية - ١٦ - ٢٠
إذا أطفئت ، فشبه خمود الحياة بخمود النار ، كما يقال لمن مات قد طفىء تشبيهاً
بانطفاء النار .
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ ﴿لَوْأَرَدْنَا أَنْ تَتَّخِذَلَهَو ◌َلَّأَ تَّخَذْنَهُ
مِن ◌َّدُنَّا إِن كُنَا فَعِلِينَ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ ﴿ وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِنْدَهُ.
لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (٦) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
٢٠
لَا يَفْتُرُونَ
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها : ولداً، قاله الحسن .
الثاني : أن اللهو النساء ، قاله مجاهد . وقال قتادة : اللهو بلغة أهل اليمن
المرأة . قال ابن جريج : لأنهم قالوا : مريم صاحبته وعيسى ولده .
الثالث : أنه اللهو الذي هو داعي الهوى ونازع الشهوة ، كما قال الشاعر :
ويلعينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داعٍ لبيب غير غافلٍ
لَأَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّاً﴾ أي من عندنا إن كنا فاعلين. قال ابن جريج:
لاتخذنا نساء وولداً من أهل السماء وما اتخذنا من أهل الأرض .
{ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ فيه وجهان:
أحدهما : وما كنا فاعلين ، قاله ابن جريج .
الثاني : أنه جاء بمعنى الشرط ، وتقدير الكلام لو كنا لاتخذناه بحيث لا
يصل علمه إليكم .
قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الحق الكلام المتبوع ، والباطل المدفوع . ومعنى يدمغه أي
یذهبه ویهلکه کالمشجوج تکون دامغة في أم رأسه تؤدي لهلاكه .
الثاني : أن الحق القرآن ، والباطل إبليس .
٤٤٠