النص المفهرس
صفحات 341-360
سورة الكهف الآية - ٩٥، ٩٦
أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمَا (٥َّءَاتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدٌ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَّيْنِ قَالَ
9
أَنفُخُوَ حَتَّإِذَا جَعَلَهُ نَارً قَالَ ءَانُونِيِّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا
قوله عزوجل: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالفتح قرأ ابن كثير وأبو عمرو
وعاصم في رواية حفص. وقرأ الباقون بين السُّدين (٦٨٩) بالضم، واختلف فيهما على
قولین.
أحدهما :أنهما لغتان معناهما واحد.
الثاني : أن معناهما مختلف.
وفي الفرق بينهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أن السد بالضم من فعل الله عز وجل وبالفتح من فعل الآدميين.
الثاني: أنه بالضم الاسم، وبالفتح المصدر، قاله ابن عباس وقتادة
والضحاك . والسدان جبلان، قيل إنه جعل الروم بينهما. وفي موضعهما قولان:
أحدهما: فيما بين إرمينية وأذربيجان.
الثاني: في متقطع الترك مما يلي المشرق.
﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي من دون السدین،
وفي ﴿يَفْقَهُونَ﴾ قراءتان :
إحداهما: بفتح الياء والقاف يعني أنهم لا يفهمون كلام غيرهم.
والقراءة الثانية: بضم الياء وكسر القاف، أي لا يفهم كلامهم غيرهم.
قوله عز وجل: ﴿قَالُواْ يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
وهما من ولد (٥٩٠) يافث بن نوح، واسمهما مأخوذ من أجت النار إذا تأججت، ومنه
قول جرير:
(٦٨٩) زاد المسير (١٩٠/٥) الحجة في القراءات ص ٤٣٢.
(٥٩٠) قال الألوسي (٣٨/١٦) .. ونقل النووي في فتاواه القول بأنهم أولاد آدم عليه السلام من غير حواء
عن جماهير العلماء، اهـ.
قلت: وهذا القول هو قول كعب الأحبار (( قال الحافظ في الفتح (١٠٧/١٣) ولم يرد ذلك عن أحد
من السلف إلا عن كعب الأحبار ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح عليه السلام ونوح من ذرية
حواء قطعاً)).
٣٤١
سورة الكهف الآية - ٩٥، ٩٦
وأيام أتين على المطايا كأن سمومهن أجيج نارٍ
واسمها في الصحف الأولى ياطغ وماطغ. وكان أبو سعيد الخدري يقول أن
النبيِ وَ﴿ قال: ((لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ منهُمْ حَتَّى يُولَدُ لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ)) (٥٩١).
واختلف في تكلیفهم على قولين:
أحدهما: أنهم مكلفون لتمييزهم.
الثاني: أنهم غير مكلفين لأنهم لو كلفوا لما جاز ألّ تبلغهم دعوة الإسلام.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىْ أَن تَجْعَلَ بَيْثَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ قرأ حمزة
والكسائي(٥٩٢): ﴿خراجاً﴾ وقرأ الباقون ﴿خرجاً﴾ وفي اختلاف القراءتين ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الخراج الغلة، والخرج الأجرة.
الثاني: أن الخراج اسم لما يخرج من الأرض، والخرج ما يؤخذ عن الرقاب،
قاله أبو عمرو بن العلاء.
الثالث: أن الخرج ما يؤخذ دفعة، والخراج ثابت مأخوذ في كل سنة، قاله
ثعلب.
قوله عز وجل: ﴿قَالَ مَا مَكِّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرُ﴾ يعني خير من الأجر الذي تبذلونه لي .
﴿فَاعِینُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: بآلة، قاله الكلبي.
الثاني : برجال، قاله مقاتل.
﴿أَجْعَلْبَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدماً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه الحجاب الشديد.
الثاني : أنه السد المتراكب بعضه على بعض فهو أكبر من السد.
﴿ءَاتُونِي زُبرَ الحَدِيدِ﴾ فیه ثلاثة أقاويل:
أحدها : أنها قطع الحديد، قاله ابن عباس ومجاهد.
(٥٩١) رواه الطبري (٢٢/١٦) عن ابن عباس قال: كان أبو سعيد الخدري يقول: إن نبي الله وَلقر قال: لا
يموت رجل منهم حتى يولد له ... الحديث ولكن سنده مسلسل بالضعفاء .
وله طريق أخرى عن حذيفة مطولاً أورده السيوطي في الدر (٤٥٧/٥) ونسبه لابن أبي حاتم وابن
مردويه وابن عدي وابن عساكر وابن النجار ولم يصح فرائحة الإسرائيليات تفوح منه .
(٥٩٢) حجة القراءات ص ٤٣٢ زاد المسير (١٩١/٥).
٣٤٢
سورة الكهف الآية - ٩٥، ٩٦
الثاني : أنه فلق الحديد، قاله قتادة.
الثالث: أنه الحديد المجتمع، ومنه الزَّبور لاجتماع حروفه في الكتابة، قال تبع
اليماني :
ولقد صبرت ليعلموه وحولهم زبر الحديد عشيةً ونهاراً
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَىْ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: الصدفان:
جبلان، قال عمرو بن شاش :
توقد مثل مصباح الظلام
كلا الصدفين ينفذه سناها
وفيهما وجهان :
أحدهما: أن كل واحد منهما محاذ لصاحبه، مأخوذ من المصادفة في اللقاء،
قاله الأزهري .
الثاني : قاله ابن عيسى ، هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه
قد صدف عنه .
ثم فيه وجهان :
أحدهما : أن الصدفين اسم لرأسي الجبلين .
الثاني : اسم لما بين الجبلين .
ومعنى قوله: ﴿سَاوَىْ بَيْنَ الصَّدَقَيْنِ﴾ أي بما جعل بينهما حتى وارى
رؤوسهما وسوّى بينهما .
قَالَ آنفُخُوا ﴾ يعني أي في نار الحديد .
حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً ﴾ يعني ليناً كالنار في الحر واللهب .
قَالَ ءَاتُونِيَ أَفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن القطر النحاس ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك .
الثاني : أنه الرصاص حكاه ابن الأنباري .
الثالث : أنه الصفر المذاب ، قاله مقاتل ، ومنه قول الحطيئة :
وألقى في مراجل من حديد قدور الصُّفر ليس من البُرام
٣٤٣
سورة الكهف الآية - ٩٧ - ٩٩
الرابع : أنه الحديد المذاب ، قاله أبو عبيدة وأنشد (٥٩٣):
خُساماً كلون الملح صار حدیده
حراراً من أقطار الحديد المثقب
وكان حجارته الحديد وطينه النحاس .
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِ فَإِذَا
فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أَسَتَطَاهُوْ لَهُ نَقْبًا
٩٨
جَاءَ وَعْدُرَبِى جَعَلَهُذَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبٍِ حَقًّا
{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوج فِى
/٠٠٠٠١/٧
بَعْضِ وَتُفِيخَ فِ الصُّورِ لَتَعْنَهُمْ جَمْعَام
قوله عز وجل : ﴿ فَمَا أَسْطَاعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوه. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُواْ
لَهُ نَقْباً﴾ يعني من أسفله، قاله قتادة، وقيل إن السد وراء بحر الروم بين جبلين
هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط . وقيل : ارتفاع السد مقدار مائتي ذراع ،
وعرضه نحو خمسين ذراعاً وأنه من حديد شبه المصمت .
ورُوي أن رجلاً قال لرسول الله وَيَ (٥٩٤): إِنِّي رَأَيتُ السَّدَّ ((قَالَ: انعَتَهُ)):
قَالَ: هُوَ كَالبَرَدِ المُحَبَّر، طَرِيقُهُ سَودَاءُ وَطَرِيقُه حَمْرَاءُ، ((قَالَ قَدْ رَأَيْتَهُ)).
قوله عز وجل : ﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِن رَّبِّي ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن عمله رحمة من الله تعالى لعباده.
الثاني : أن قدرته على عمله رحمة من الله تعالى له .
(٥٩٣) مجاز القرآن (٤١٥/١١) والطبري (٢٦/١٦) وفيه الحديد المنعت.
(٥٩٤) رواه الطبري (٢٣/١٦) وسنده ضعيف فإنه مرسل بل معضل حيث قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال يا
.
نبي الله ...
وقد رواه ابن مردويه عن أبي بكر الشفى أن رجلاً قال: يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج ...
الحدیث أورده في الدر (٤٥٨/٥).
خبر قتادة رواه البخاري معلقاً وجزم به (٣٨٦/٦) قال الحافظ: وصله ابن أبي عمر من طريق سعيد
ابن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة ثم قال الحافظ: ورواه الطبراني من طريق سعيد بن
بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة .... فذكر نحوه وزاد فيه زيادة منكرة . أهـ.
قلت: وهي من تخاليط سعيد بن بشير فإنه صاحب مناكير .
ثم قال الحافظ وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكر ورجل رأى السد
فساقه مطولاً .
٣٤٤
سورة الكهف الآية - ٩٧ - ٩٩
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال ابن مسعود : وذلك يكون بعد قتل
عيسى عليه السلام الدجال في حديث مرفوع. وروي أن النبي ◌َّ قال (٥٩٥):
((إِنَّهُم يَدْأَبُونَ فِي حَفْرِ هِم نَهَارُهُم حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا وَكَادُواْ يُبْصِرُونَ شُعَاعَ الشَّمْسِ
قَالُوا نَرْجِعُ غَداً فَنَحْفُرُ بَقِيَّتَهُ، فَيَعُودُونَ مِنَ الغَدِ وَقَدِ اسْتَوَى كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قَالُواْ: غَدَأَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَنْقُبُ بَقِيَّتَهُ ، فَيَرْجِعُونَ إِلَيهِ فَيَنْقُبُونَهُ بِإِذِنِ
اللَّهِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ مِن حُصُونِهِم، ثُمَّ يَرْمُونَ نبلاً إِلَى السَّمَاءِ فَيَرْجِعُ
إِلَيْهِمْ فِيهَا أَمْثَالُ الدِّمَاءِ ، فَيَقُولُونَ قَدْ ظَفَرْنَا عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَقَهَرْنَا أَهْلَ
السَّمَاءِ ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالَى عَلَيْهِم مَّا يَهْلِكُهُم)).
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يوم القيامة ، قاله ابن بحر .
الثاني : هو الأجل الذي يخرجون فيه .
جَعَلَهُ دَكََّءَ ﴾ يعني السد ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أرضاً ، قاله قطرب .
الثاني : قطعاً ، قاله الكلبي .
الثالث : هدماً حتى اندك بالأرض فاستوى معها ، قاله الأخفش ، ومنه قول
الأغلب (٥٩٦):
هل غير غادٍ دك غاراً فانهدم
قوله عز وجل : ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم القوم الذين ذكرهم ذو القرنين يوم فتح السد يموج بعضهم في
بعض .
(٥٩٥) رواه أحمد (٥١٠/٢ - ٥١١) والترمذي (١٤٤/٢) وحسنه وابن ماجة (٤٠٨٠) وابن حبان
(١٩٠٨) والحاكم (٤٨٨/٤) وصححه ووافقه الذهبي وابن جرير (٢١/١٦) وزاد السيوطي في
الدر (٤٥٨/٥) نسبته لابن مردويه والبيهقي في البعث . قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله
ثقات . وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة . رقم ١٧٣٢ وقال: له شاهد من حديث أبي سعيد ثم
أحال عليه رقم ١٧٩٣ وصححه .
(٥٩٦) فتح القدير (٣١٣/٣).
٣٤٥
سورة الكهف الآية - ١٠٠ - ١٠٢
الثاني : الكفار في يوم القيامة يموج بعضهم في بعض .
الثالث : أنهم الإِنس والجن عند فتح السد .
وفيه وجهان :
أحدهما : يختلط بعضهم ببعض .
الثاني : يدفع بعضهم بعضاً ، مأخوذ من موج البحر .
وَعَرَضْنَاجَهَتَّمَ يَوَمَيِذٍلِّلْكَفِرِينَ عَرْضًا (٢٦) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمُهُمْ فِغِطَآءٍعَنذِكْرِى
وَكَانُوْلَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (٢) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ أَنْ يَتَّخِذُواْعِبَادِى مِنْ دُونِّ
أَوْلِيَ إِنَّا أَعْنَدْنَا جَهَم ◌ِلَّكَفِنَ نُلاً
٠٢
قوله عز وجل : ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي﴾ يحتمل
وجهين :
أحدهما : أن الضلال كالمغطي لأعينهم عن تَذَكَّر الانتقام .
الثاني : أنهم غفلوا عن الاعتبار بقدرته الموجبة لذكره .
وَكَانُوا لَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أن المراد بالسمع ها هنا العقل (٥٩٧)، ومعناه لا يعقلون.
الثاني: أنه معمول على ظاهره في سمع الآذان.
وفيه وجهان :
أحدهما: لا يستطيعونه استثقالاً .
الثاني: مقتاً.
قوله عز وجل : ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أن النزل الطعام ، فجعل جهنم طعاماً لهم ، قاله قتادة .
الثاني : أنه المنزل ، قاله الزجاج .
(٥٩٧) أي سماع القبول والاستجابة لأنهم قد يكونون صحاح الأسماع والأبصار لكن لا تغني عنهم شيئاً
صم بكم عمي عن دعوة الحق ومنهج الرسل ..
٣٤٦
سورة الكهف الآية - ١٠٣ - ١٠٦
قُلْ هَلْ نُلِّئَُّ بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا (٤) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَّوَةِالدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا (٤) أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْبِتَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ، فَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا
تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا (٣٦) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَّخَذُوْ ءَايَتِى وَرُسُلِىِ
١٢٠٦
هُزُوًّا!
قوله عز وجل: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾ فيهم خمسة أقاويل :
أحدها : أنهم القسيسون والرهبان ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
الثاني : أنهم الكتابيون اليهود والنصارى ، قاله سعد بن أبي وقاص .
الثالث : هم أهل حروراء من الخوارج ، وهذا مروي عن علي رضي الله
عنه .
الرابع : هم أهل الأهواء .
الخامس : أنهم من يصطنع المعروف ويمن عليه .
ويحتمل سادساً : أنهم المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم .
ويحتمل سابعاً : أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة (٥٩٨).
قوله تعالى: ﴿ ... فَلَا تُقِيمُ لهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها : لهوانهم على الله تعالى بمعاصيهم التي ارتكبوها يصيرون محقورين
لا وزن لهم .
الثاني : أنهم لخفتهم بالجهل وطيشهم بالسفه صاروا كمن لا وزن لهم .
الثالث : أن المعاصي تذهب بوزنهم حتى لا يوازنوا من خفتهم شيئاً .
روي عن كعب أنه قال : يجاء بالرجل يوم القيامة (٥٩٩) فيوزن بالحبة فلا
(٥٩٨) قال العلامة الشوكاني (٣١٦/٣): والأولى حمل الآية على العموم لكل من اتصف بتلك الصفات
المذكورة .
(٥٩٩) وقد جاء هذا المعنى مرفوعاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري (٣٢٤/٨) ومسلم
(٢١٤٧/٤) ولفظه ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال:
اقرأوا إن شئتم ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾.
٣٤٧
سورة الكهف الآية - ١٠٨،١٠٧
يزنها ، ويوزن بجناح البعوضة فلا يزنها ، ثم قرأ: ﴿ فَلَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾.
الرابع : أن حسناتهم تُحْبَط بالكفر فتبقى سيئاتهم ، فيكون الوزن عليهم لا
لهم .
إِنَّالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ كَانَتْ لَمُمْ جَنَّكُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلً
لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا
١٠٨
خَالِدِينَ فِيهَا
١٠٧
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُم جَنَّاتُ
الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ في ﴿الْفِرْدَوْسِ ﴾ خمسة أقاويل :
أحدها : أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها ، قاله قتادة .
الثاني : أنه أعلى الجنة وأحسنها ، رواه ضمرة (٦٠٠) مرفوعاً.
الثالث : أنه البستان بالرومية ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان ، قاله الزجاج .
الخامس : أنه البستان الذي فيه الأعناب ، قاله كعب .
واختلف في لفظه على أربعة أقاويل :
أحدها : أنه عربي وقد ذكرته العرب في شعرها ، قاله ثعلب .
الثاني : أنه بالرومية ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه بالنبطية فرداساً ، قاله السدي .
الرابع : بالسريانية ، قاله أبو صالح .
(٦٠٠) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب سمرة والتصويب من الطبري وغيره وحديث سمرة رواه
الطبري (٣٨/١٦) والطبراني في الكبير (٦٨٨٦٠،٦٨٨٥) من طريق الحسن عن سمرة ولفظه
الفردوس من ربوة الجنة هي أوسطها وأحسنها)) وفي اللفظ الآخر ((الفردوس هي أعلى الجنة وأحسنها
وأرفعها )) وفي سند اللفظ الأول الوليد بن مسلم وهو مدلس مشهور وقد عنعن وفي سند اللفظ الثاني
إسماعيل بن مسلم - وهو - ضعيف - وفي سماع الحسن من سمرة خلاف مشهور.
قال الهيثمي رحمه الله في مجمع الزوائد (٣٩٨١٠): رواه الطبراني والبزار باختصار وزاد فيه ((فإذا سألتم
الله تعالى فاسألوه الفردوس)» وأحد أسانيد الطبراني رجاله وثقوا وفي بعضهم ضعف .
٣٤٨
سورة الكهف الآية - ١١٠،١٠٩
قوله عز وجل : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي متحولاً وفيه ثلاثة
أوجه :
أحدها : بدلاً ، قاله الضحاك .
الثاني : تحويلاً ، قاله مقاتل .
الثالث : حيلة ، أي لا يحتالون منزلاً غيرها .
وقيل إنه يقول أولهم دخولاً إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل
مني ، ويقول آخرهم دخولاً إنما أخرني الله لأنه ليس أحد أعطاه الله مثل ما
أعطاني .
قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادَالْكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ اُلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْجِثْنَا
بِمِثْلِهِ، مَدَدًا
١٠٩
قوله عز وجل : ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتٍ رَبِّي﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها : أنه وعد بالثواب لمن أطاعه ، ووعيد بالعقاب لمن عصاه ، قاله ابن
بحر ومثله ﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾ .
الثاني : أنه العلم بالقرآن ، قاله مجاهد.
الثالث : وهذا إنما قاله الله تعالى تبعيداً على خلقه أن يُحصوا أفعاله
ومعلوماته ، وإن كانت عنده ثابتة محصية .
قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَى أَنََّا إِلَهُكُمْإِلَهٌ وٌَِ فَ كَانَ يَرَجُوْ لِقَّآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ
١١٠
عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدَاً
قوله عز وجل: ﴿ ... فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً ﴾ فيه
ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني فمن كان يخاف لقاء ربه ، قاله مقاتل ، وقطرب .
الثاني : من كان يأمل لقاء ربه .
الثالث : من كان يصدّق بلقاء ربه ، قاله الكلبي .
٣٤٩
سورة الكهف الآية - ١١٠،١٠٩
وفي لقاء ربه وجهان :
أحدهما : معناه لقاء ثواب ربه ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : من كان يرجو لقاء ربه إقراراً منه بالبعث إليه والوقوف بين يديه .
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الخالص من الرياء ، قاله ذو النون المصري .
الثاني : أن يلقى الله به فلا يستحي منه ، قاله يحيى بن معاذ .
الثالث : أن يجتنب المعاصي ويعمل بالطاعات .
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن الشرك بعبادته الكفر ، ومعناه لا يُعْبَد معه غيرُه ، قاله الحسن .
الثاني : أنه الرياء ، ومعناه ولا يرائي بعمله أحداً ، قاله سعيد بن جبير ،
ومجاهد .
روي عن النبي ◌ََّ(٦٠١) أنه قال: ((أَخْوَفُ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ
وَالشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ)) قيل: أتشرك أمتك بعدك؟ قال: ((لَاَ ، أَمَّا أَنَّهُم لَا يَعْبُدونَ
شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلَ حَجِراً وَلاَ وَثَنَاً وَلَكِنْهُمْ يُرَاءُونَ بِعَمَلِهِم))، فقيل: يا رسول الله
وذلك شرك؟ فقال: ((نَعَم)). قيل: وما الشهوة الخفية، قال: ((يُصْبِحُ أَحَدُهُم
صَائِماً فَتَعْرِضُ لَهُ الشَّهْوَةُ مِن شَهَواتِ الدُّنْيَا فَيُفْطِرَ لَهَا وَيَتْرُلَكَ صَوْمَهُ)).
وحكى الكلبي ومقاتل : أن هذه الآية نزلت في جندب بن زهير العامري أتى
رسول اللّه وَليّ فقال له: إنا لنعمل العمل نريد به وجه الله فيثنى به علينا فيعجبنا ،
وأني لأصلي الصلاة فأطولها رجاء أن يثنى بها عليّ، فقال رسول الله وَاير (٦٠٢): ((إِنَّ
(٦٠١) رواه أحمد (١٢٤/٤) والحاكم (٤/ ٣٣٠) من حدیث شداد بن أوس وزاد في الدر (٤٧١/٥)
نسبته لابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي وقال الحاكم: صحيح الاسناد. وقال المنذري في الترغيب
والترهيب (٣٦/١) تعقيباً على كلام الحاكم ((كيف وعن الواحد بن زياد الزاهد متروك ورواه ابن
ماجه مختصراً من رواية رواد بن الجراح عن عامر بن عبد الله عن الحسن بن ذكوان عن عبادة بن
يونس .... ثم قال المنذري وعامر بن عبد الله لا يعرف وقال الحافظ ابن كثير (١٠٩/٣): وعبادة
فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر آ هـ ويعني عنه أحاديث كثيرة في الترهيب من الرياء راجعها في
الترغيب والترهيب (٢٩/١ - ٣٩) والدر المنثور (٤٧٠/٥ - ٤٧٥).
(٦٠٢) وقد ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه مسلم (٢٩٨٥) ولفظه ((أنا أغنى الشركاء عن =
٣٥٠
سورة الكهف الآية - ١١٠،١٠٩
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا خَيرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشَرَكَتِي فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لِي أَحَداً مِن خَلْقِي
تَرَكْتُهُ وذُلِكَ الشَّرِيكَ)) ونزلت فيه هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَّ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ فتلاها عليه رسول الله وَه، وقيل (٦٠٣)
إنها آخر آية نزلت من القرآن .
= الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو الذي أشرك)) وما حكاه المؤلف هنا عن
مقاتل والكلبي أخرجه الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس .
(٦٠٣) القائل هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه رواه الطبري (٤٠/١٦) لكن الحافظ ابن كثير رحمه
الله قال (١١٠/٣): وهذا أثر مشكل فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية ولعل معاوية
أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها بل هي مثبتة محكمة فاشتبه ذلك على بعض الرواة
فروى بالمعنى على ما فهمه والله أعلم ..
وقال العلامة الألوسي (٥٥/١٦) على أثر معاوية ((وفيه كلام والحق خلافه والله تعالى أعلم)) وقال
القرطبي (٧٢/١١): لكن المشهور أن آخر آية هي قوله تعالى ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت.
عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ إلا أن يقال إن هذه آخر آية نزلت بمكة لأن الكهف كلها مكية
باتفاق آهـ.
٣٥١
سورة مريم الآية - ١ - ٦
ـيبه
١٩
سُورَةُ فِرْسَ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَحِيةِ
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرَبَّا ﴿ إِذْنَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ
كَهِيعَصّ
خَفِيًّا ؟قَالَ رَبٍ إِنِّ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ
◌ِدُ عَئِكَ رَبِّ شَقِيًّا (١) وَ إِنِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ آَمْرَأَتِى
يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ
٥
عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا
٦
رَبِّرَضِيًّا
قوله تعالى: ﴿ گھیعص ﴾ فیه ستة أقاویل :
أحدها : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : أنه اسم من أسماء الله ، قاله علي كرم الله وجهه .
الثالث : أنه استفتاح السورة ، قاله زيد بن أسلم .
الرابع : أنه اسم السورة ، قاله الحسن .
الخامس : أنه من حروف الجُمل (٦٠٤) تفسير لا إله إلا الله ، لأن الكاف
(٦٠٤) راجع ما كتب حول أوائل السورة في سورة البقرة وأزيد هنا فأقول قال الشوكاني رحمه الله في فتح
القدير (٣٠٤/٣) وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح .
مرفوعاً في ذلك شيء ومن روى عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روى عن غيره ما يخالفه وقد =
٣٥٢
سورة مريم الآية - ١ - ٦
عشرون والهاء خمسة والياء عشرة والعين سبعون والصاد تسعون . كذلك عدد
حروف لا إله إلا الله ، حكاه أبان بن تغلب .
السادس : أنها حروف أسماء الله .
فأما الكاف فقد اختلفوا فيها من أي اسم هي على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من كبير ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها من كاف ، قاله الضحاك .
الثالث : أنها من كريم ، قاله ابن جبير .
وأما الهاء فإنها من هادٍ عند جميعهم .
وأما الياء ففيها أربعة أقاويل :
أحدها : أنها من یمن ، قاله ابن عباس .
الثاني : من حکیم قاله ابن جبير .
الثالث : أنها من یاسین حكاه سالم .
الرابع : أنها من يا للنداء وفيه على هذا وجهان :
أحدهما : يا من يجيب من دعاه ولا يخيب من رجاه لما تعقبه من دعاء
زكريا .
الثاني : يا من يجير ولا يجار عليه ، قاله الربيع بن أنس .
وأما العين ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من عزيز ، قاله ابن جبير .
الثاني : أنها من عالم، قاله ابن عباس .
الثالث : من عدل ، قاله الضحاك.
وأما الصاد فإنها من صادق في قول جميعهم فهذا بيان للقول السادس .
ويحتمل سابعاً : أنها حروف من كلام أغمضت معانيه ونبه على مراده فيه
يحتمل أن يكون : كفى وهدى من لا يعص فتكون الكاف من كفى والهاء من هدى
= يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المخالفة. المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة
بل الحق الوقف ورد العلم في مثلها إلى الله سبحانه .
٣٥٣
سورة مريم الآية - ١ - ٦
والباقي حروف يعصى لأن ترك المعاصي يبعث على امتثال الأوامر واجتناب
النواهي ، فصار تركها كافياً من العقاب وهادياً إلى الثواب وهذا أوجز وأعجز من كل
كلام موجز لأنه قد جمع في حروف كلمة معاني كلام مبسوط وتعليل أحكام
وشروط .
ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال :
﴿ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا﴾ فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سألِه
فاحتمل وجهين :
أحدهما : أنه رحمه بإجابته له .
الثاني : أنه إجابة لرحمته له .
قوله تعالى: ﴿ .... نِدَآءَ خَفِيّاً﴾ [ فيه قولان ](٦٠٥).
أحدهما : قاله ابن جريج ، سراً لا رياء فيه . قال قتادة إن الله يعلم القلب
النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه .
الثاني : قاله مقاتل ، إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به ، فيقولون انظروا إلى هذا
الشیخ يسأل الولد .
ويحتمل ثالثاً : أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإجابة للسنة الواردة
فيه : إن الذي تدعونه ليس بأصم(٦٠٦) .
قوله تعالى: ﴿ ... إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف وفي ذكره وهن
العظم دون اللحم وجهان :
أحدهما : أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى .
الثاني : أنه اشتكى ضعف البطش ، والبطش إنما يكون بالعظم دون
اللحم .
(٦٠٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦٠٦) جزء من حديث لأبي موسى الأشعري مرفوعاً .
رواه البخاري (٩٤/٦) ومسلم (٢٥٧٦/٤).
٣٥٤
سورة مريم الآية - ١ - ٦
وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ هذا من أحسن الاستعارة لأنه قد ينشر فيه الشيب
كما ينشر في الحطب شعاع النار .
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ أي خائباً، أي كنت لا تخيبني إذا دعوتك
ولا تحرمني إذا سألتك .
قوله تعالى : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ .... ﴾ فيهم أربعة أقاويل :
أحدها : العصبة ، قاله مجاهد وأبو صالح .
الثاني : الكلالة ، قاله ابن عباس .
الثالث : الأولياء أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي قال لبيد :
ومولى قد دفعت الضيم عنه وقد أمسى بمنزلةِ المُضیمِ
الرابع : بنو العم لأنهم كانوا شرار بني إسرائيل .
وسموا موالي لأنهم يلونه في النسب لعدم الصلب .
وفيما خافهم عليه قولان :
أحدهما : أنه خافهم على الفساد في الأرض .
الثاني : أنه خافهم على نفسه في حياته وعلى أشيائه بعد موته . ويجوز أن
يكون خافهم على تبديل الدين وتغييره . روى كثير بن كلثمة أنه سمعٌ علي بن
الحسين عليهما السلام يقرأ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ﴾ بالتشديد بمعنى قلّت(٦٠٧).
وفي قوله : ﴿ مِن وَرَآءِي ﴾ وجهان :
أحدهما : من قدامي وهو قول الأخفش .
الثاني : بعد موتي ، قاله مقاتل .
قوله تعالى: ﴿ .. فَهَبْ لِي مِن لَّدنكَ وَلِيَّّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾
فيه أربعة أوجه :
أحدها : يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة (٦٠٨)، قاله أبو صالح.
(٦٠٧) ففي زاد المسير (٢٠٨/٥) وعلى هذا يكون المعنى أنه خاف على علمه ونبوته ألا يُورث فيموت
العلم .
(٦٠٨) والصحيح أنه لم يرد وراثة المال لما صح عن رسول الله : ﴿ ((لا نورث ما تركنا صدقة)) رواه البخاري
. (٤/١٢) ومسلم (١٣٧٩/٣) إنما أراد وراثة العلم والنبوة .
٣٥٥
سورة مريم الآية - ٧
الثاني : يرثني ويرث من آل يعقوب العلم والنبوة ، قاله الحسن .
الثالث : يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق ، قاله عطاء .
الرابع : يرثني العلم ويرث من آل يعقوب الملك (٦٠٩)، قاله ابن عباس .
فأجابه الله إلى وراثة العلم ويرث من آل يعقوب الملك ، قاله ابن عباس . فأجابه
الله إلى وراثة العلم ولم يجبه إلى وراثة الملك . قال الكلبي : وكان آل يعقوب
أخواله وهو يعقوب بن ماثان وكان فيهم الملك ، وكان زكريا من ولد هارون بن
عمران أخي موسى . قال مقاتل ويعقوب بن ماثان هو أخو عمران أبي مريم لأن
يعقوب وعمران إبنا ماثان، فروى قتادة أن النبي ◌َ﴿ قال: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيًّا مَا
كَانَ عَلَيهِ مِن وَرِثَتِهِ ))(٦١٠) .
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : مرضياً في أخلاقه وأفعاله .
الثاني : راضياً بقضائك وقدرك .
ويحتمل ثالثاً : أن يريد نبياً .
يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ اسْمُهُ يَحْيِى لَمْ تَجْعَل لَُّ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
٧
قوله تعالى: ﴿ يَا زَكَرِيًّا إِنَّا تُبَشِّرُكَ بِغُلَامِ أَسْمُهُ يَحْيَى﴾ فتضمنت هذه
البشرى ثلاثة أشياء :
أحدها : إجابة دعائه وهي كرامة .
الثاني : إعطاؤه الولد وهو قوة .
الثالث : أن يفرد بتسميته . فدل ذلك على أمرين :
أحدهما: اختصاصه به .
الثاني : على اصطفائه له . قال مقاتل سماه يحيى لأنه صبي بين أب شيخ
وأم عجوز .
(٦٠٩) وهذا القول ذهب إليه أكثر المفسرين راجع فتح القدير (٣٢٢/٣).
(٦١٠) رواه الطبري (٤٨/١٦) بسنده عن قتادة وهو مرسل من مرسلات قتادة لأنه قال ذكر لنا أن نبي الله الخوي
كان إذا قرأ هذه الآية» ..
٣٥٦
سورة مريم الآية - ٩،٨
لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِیًَّ ﴾ فیه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أي لم تلد مثله العواقر ، قاله ابن عباس . فيكون المعنى لم نجعل
له مثلاً ولا نظيراً .
الثاني : أنه لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً ، قاله مجاهد .
الثالث : أي لم يسم قبله باسمه أحد(٦١١)، قاله قتادة .
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ اُلْكِبَرِ
قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبِّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْ تَكُ
عِبَّا ه
شَيْئًا
قوله تعالى: ﴿ ... أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَمْ ﴾ أي ولد.
﴿ وَكَانَتِ أمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ أي لا تلد وفي تسميتها عاقراً وجهان :
أحدهما : لأنها تصير إذا لم تلد كأنها تعقر النسل أي تقطعه .
الثاني : لأن في رحمها عقراً يفسد المني ، ولم يقل ذلك عن شك بعد
الوحي ولكن على وجه الاستخبار : أتعيدنا شابين ؟ أو ترزقنا الولد شيخين ؟
﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيّاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني سناً، قاله قتادة .
الثاني : أنه نحول العظم ، قاله ابن جريج .
الثالث : أنه الذي غيره طول الزمان إلى الييس والجفاف ، قاله ابن عيسى
قال الشاعر(٦١٢):
إنما يعذر الوليد ولا يعذر
من كان في الزمان عتياً
قال قتادة : كان له بضع وسبعون سنة وقال مقاتل خمس وتسعون سنة . وقرأ
(٦١١) فائدة: قال ابن الجوزي رحمه الله (٢١٠/٥) فإن اعترض معترض فقال ما وجه المدخّة باسم لم
يسم به أحد قبله ونرى كثيراً من الأسماء لم يُسبق إإليها. فالجواب إن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولَّى
تسميته ولم يكل ذلك إلى أبويه فسماه باسم لم يسبق إليه .
(٦١٢) فتح القدير (٣٢٣/٣).
٣٥٧
سورة مريم الآية - ١١،١٠
ابن عباس (٦١٣): ﴿عِيسِيّاً﴾ وهي كذلك في مصحف أبي من قولهم للشيخ إذا كبر :
قد عسا وعتا ومعناهما واحد .
قَالَ رَبِّ أُجْعَل لّءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلََّثُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا
١١
(١٠
تَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِحُواْبُكْرَةً وَعَشِيًّالَ
قوله تعالى: ﴿ ... أَجْعَل لِّي ءَايَةً﴾ أي علامة وفيها وجهان :
أحدهما : أنه سأل الله آية تدله على البشرى بيحيى منه لا من الشيطان لأن
إبليس أوهمه ذلك ، قاله الضحاك .
الثاني : سأله آية تدله على أن امرأته قد حملت .
قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه اعتقل لسانه ثلاثاً من غير مرض وكان إذا أراد أن يذكر الله
انطلق لسانه وإذا أراد أن يكلم الناس اعتقل ، وكانت هذه الآية ، قاله ابن عباس .
الثاني : اعتقل من غير خرس ، قاله قتادة والسدي .
سَوِيّاً ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما : صحيحاً من غير خرس ، قاله قتادة .
الثاني : ثلاث ليال متتابعات ، قاله عطية ، فيكون السوي على الوجه الأول
راجعاً إلى لسانه ، وعلى الثاني إلى الليالي .
قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِمِحْرَابِ ﴾ قال ابن جريج أشرف على
قومه من المحراب . وفي ﴿اُلْمِحْرَابِ﴾ وجهان :
أحدهما : أنهمصلاة،قاله ابن زيد .
الثاني : أنه الشخص المنصوب للتوجه إليه في الصلاة .
وفي تسميته محراباً (٦١٤) وجهان :
(٦١٣) وهي قراءة مجاهد كما في زاد المسير (٢١١/٥).
(٦١٤) قال الألوسي (٧١/١٦) واطلاق المحراب على المعروف اليوم في المساجد لذلك وهو محدث لم =
٣٥٨
سورة مريم الآية - ١٢ - ١٥
أحدهما : أنه للتوجه إليه في صلاته كالمُحَارِب للشيطان في صلاته .
الثاني : أنه مأخوذ من منزل الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله فكأن
الملائكة تحارب عن المصلي ذباً عنه ومنعاً منه .
فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أوصى إليهم ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : أشار إليهم بيده ، قاله الكلبي .
الثالث : كتب على الأرض . والوحي في كلام العرب الكتابة ومنه قول
جرير :
كأن أخا اليهود يخط وحياً بكافٍ من منازلها ولام
أَنَ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ أي صلوا بكرة وعشياً، قاله الحسن وقتادة ، وقيل
للصلاة تسبيح لما فيها من التسبيح .
يَلْيَحْيِى خُذِ اُلْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١) وَحَنَانًا مِن لَُّنَا وَزَكَوَّةٌ
وَكَانَ تَقِيًّا ﴿ وَبَرَّا بِوَ لِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (٥) وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ
١٥
وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
قوله تعالى : ﴿يَا يَحْنَىْ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ وفي قائله قولان :
أحدهما : أنه قول زكريا ليحيى حين نشأ .
الثاني : قول الله ليحيى حين بلغ .
وفي هذا ﴿ اَلْكِتَابَ ﴾ قولان :
أحدهما : صحف إبراهيم .
الثاني : التوراة .
بِقُوَّةٍ ﴾ فیه وجهان
أحدهما : بجد واجتهاد ، قاله مجاهد .
= يكن على عهد رسول الله ﴿ وقد ألف الجلال السيوطي في ذلك رسالة صغيرة سماها اعلام الأديب
بحدوث بدعة المحاريب ..
٣٥٩
سورة مريم الآية - ١٢ - ١٥
الثاني : العمل بما فيه من أمر والكف عما فيه من نهي، قاله زيد بن
أسلم.
﴿وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكُمَ صَبِيّاً﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : اللب ، قاله الحسن .
الثاني : الفهم ، قاله مقاتل .
الثالث : الأحكام والمعرفة بها(٦١٥).
الرابع : الحكمة .
قال معمر : إن الصبيان قالوا ليحيى إذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقت ،
فأنزل الله ﴿وءاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قاله مقاتل وكان ابن ثلاث سنين .
قوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ فيه ستة تأويلات :
أحدها : رحمة من عندنا ، قاله ابن عباس وقتادة ، ومنه قول الشاعر (٦١٦):
حنانيكَ بعض الشر أهون من بعض
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
أي رحمتك وإحسانك .
الثاني : تعطفاً ، قاله مجاهد .
الثالث : محبة ، قاله عكرمة .
الرابع : بركة ، قاله ابن جبير .
الخامس : تعظيماً .
السادس : يعني آتينا تحنناً على العباد .
ويحتمل سابعاً : أن يكون معناه رفقاً ليستعطف به القلوب وتسرع إليه الإِجابة
وَزَكَاةً ﴾ فيها هنا ثلاثة تأويلات:
أحدها : أنها العمل الصالح الزاكي ، قاله ابن جريج .
الثاني : زكيناه بحسن الثناء كما يزكي الشهود إنساناً .
(٦١٥) هنا بياض في الأصل أ.
(٦١٦) هو طرفة بن العبد والبيت في ديوانه: ٢٠٨ ومجاز القرآن (٢/٢) وجمهرة أشعار العرب
(٤٤٩/٣) والطبري (٣٨/١٦) روح المعاني (٧٢/١٦) اللسان (حنن) والكامل ٣٤٨.
٣٦٠