النص المفهرس

صفحات 301-320

سورة الكهف الآية - ٢٨،٢٧
قوله تعالى: ﴿ ... ولن تجد من دونه مُلتحدا﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: ملجأ، قاله مجاهد، قال الشاعر:
لا تحفيا يا أخانا من مودّتنا فما لنا عنك في الأقوام مُلتحد
الثاني: مهرباً، قاله قطرب، قال الشاعر(٥٠٨):
يا لهف نفسي ولهفُ غير مغنيةٍ عني وما مِنْ قضاء الله ملتحدُ
الثالث: معدلاً، قاله الأخفش.
الرابع: ولياً، قاله قتادة. ومعانيها متقاربة .
قوله عز وجل: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: یریدون تعظيمه.
الثاني: يريدون طاعته. قال قتادة(٥٠٩): نزلت هذه الآية على النبي ◌َّخ
بالمدينة فلما نزلت عليه قال: ((الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر
معهم)).
﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يدعونه رغبة ورهبة.
الثاني : أنهم المحافظون على صلاة الجماعة، قاله الحسن.
الثالث: أنها الصلاة المكتوبة ، قاله ابن عباس ومجاهد.
ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ليستفتحوا يومهم
بالدعاء رغبة في التوفيق، ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة.
﴿یریدون وجهه﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما : بدعائهم.
الثاني: بعمل نهارهم. وخص النهار بذلك دون الليل لأن عمل النهار إذا كان
لله تعالی فعمل اللیل أولی أن یکون له.
﴿ولا تعد عيناك عنهم .. ﴾ فيه وجهان:
(٥٠٨) روح المعاني (٢٥٧/١٥) والبيت لخصيب العمري.
(٥٠٩) هذا أثر مرسل رواه الطبري (٢٣٥/١٥) بسنده عن قتادة قال ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال نبي
٣٠١

سورة الكهف الآية - ٢٩
أحدهما: ولا تتجاوزهم بالنظر إلى غيرهم من أهل الدنيا طلباً لزينتها، حكاه
اليزيدي .
الثاني: ما حكاه ابن جريج أن عيينة بن حصن قال للنبي وّر قبل أن يسلم: لقد
آذاني ريح سلمان الفارسي وأصحابه فاجعل لنا مجلساً منك لا يجامعونا فيه، واجعل
لهم مجلساً لا نجامعهم فیه، فنزلت.
﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً﴾
قوله ﴿أغفلنا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: جعلناه غافلاً عن ذكرنا.
الثاني : وجدناه غافلاً عن ذكرنا.
وفي هذه الغفلة لأصحاب الخواطر ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها إبطال الوقت بالبطالة، قاله سهل بن عبد الله.
الثاني: أنها طول الأمل.
الثالث: أنها ما يورث الغفلة.
﴿واتبع هواه﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في شهواته وأفعاله.
الثاني : في سؤاله وطلبه التمييز عن غيره.
﴿وکان أمرُه فُرُطاً﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: ضيقاً، وهو قول مجاهد.
الثاني: متروكاً، قاله الفراء.
الثالث: ندماً، قاله ابن قتيبة.
الرابع: سرفاً وإفراطاً، قاله مقاتل.
الخامس: سريعاً. قاله ابن بحر. يقال أفرط إذا أسرف وفرط إذا قصر.
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْ مِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلظَّلِينَ نَارًا
أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِ قُهَاً وَ إِن يَسْتَغِيثُوْيُغَانُواْ بِمَآءِ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ
الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا.
٢٩
٣٠٢

سورة الكهف الآية - ٢٩
قوله عز وجل: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ هذا
وإن كان خارجاً مخرج التخيير فهو على وجه التهديد والوعيد، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم لا ينفعون الله بإيمانهم ولا يضرونه بكفرهم.
الثاني : فمن شاء الجنة فليؤمن، ومن شاء النار فليكفر، قاله ابن عباس.
الثالث: فمن شاء فليعرِّض نفسه للجنة بالإيمان، ومن شاء فليعرض نفسه للنار
بالكفر.
٠
﴿إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن سرادقها حائط من النار يطيف بهم، قاله ابن عباس.
الثاني: هو دخانها ولهيبها قبل وصولهم إليها، وهو الذي قال الله تعالى فيه
﴿إلى ظلِّ ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]
قاله قتادة .
الثالث: أنه البحر المحيط بالدنيا. روى يعلى بن أمية (٥١٠) قال: قال رسول الله وَال
((البحر هو جهنم)) ثم تلا ﴿ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ ثم قال ((والله لا أدخلها أبداً ما
دمت حياً ولا يصيبني منها قطرة)) والسرادق فارسي معرب، وأصله سرادر.
﴿وإن يستغيثوا يُغَاثوا بماءٍ كالمهل ... ﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: أنه القيح والدم، قاله مجاهد.
الثاني : دردي الزیت، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه كل شيء أذیب حتى انماع؛ قاله ابن مسعود.
الرابع: هو الذي قد انتهى حره، قاله سعيد بن جبير، قال الشاعر:
شاب بالماء منه مهلاً كريهاً ثم علّ المتون بعد النهال
وجعل ذلك إغاثة لاقترانه بذكر الاستغاثة .
﴿ ... بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ في المرتفق أربعة تأويلات:
أحدها: معناه مجتمعاً، قاله مجاهد، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة.
(٥١٠) رواه ابن جرير (٢٣٩/١٥) وأحمد (٢٢٣/٤). والحاكم (٥٦٩/٤) وصححه ووافقه الذهبي.
وزاد السيوطي في الدر (٨٤/٥) نسبته لابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث
والبخاري في التاريخ .
٣٠٣

سورة الكهف الآية - ٣١،٣٠
الثاني: منزلاً قاله الكلبي، مأخوذ من الارتفاق.
الثالث: أنه من الرفق.
الرابع: أنه من المتكأ مضاف إلى المرفق، ومنه قول أبي ذؤيب(٥١١):
نامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ الليْلَ مُرْتَفِقاً كَأَنَّ عَيْنِي فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّ لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
٣٠
أُوْلَكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن تَخْنِهِمُ الْأَنْهُ يُحَلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ
وَيَلْبَسُونَ ثَِابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَكِنَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِّ نِعْمَ الثَّوَبُ
٠٩//
وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
قوله عزوجل: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجْر من أحسن
عملًا﴾ روى البراء بن عازب(٥١٢) أن أعرابياً قام إلى رسول الله وَلي في حجة الوداع
فقال: إني رجل متعلم فأخبرني عن هذه الآية ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾
الآية فقال رسول الله ويلفي ((يا أعرابي ما أنت منهم بيعيد ولا هم ببعيد منك، هم هؤلاء
الأربعة الذين هم وقوف، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية
نزلت فیهم» .
قوله عز وجل: ﴿ ... ويلبسون ثياباً خُضْراً مِن سندس وإستبرق﴾ أما
السندس: ففيه قولان:
أحدهما: أنه من ألطف من الديباج، قاله الكلبي .
الثاني : ما رَقَّ من الديباج، واحده سندسة، قاله ابن قتيبة.
وفي الاستبرق قولان:
أحدهما: أنه ما غلظ من الديباج، قاله ابن قتيبة، وهو فارسي معرب، أصله
استبره وهو الشديد، وقد قال المرقش (٥١٣):
(٥١١) ديوان الهذليين (١٠٤/١) وشرح أشعار الهذليين (١٢٠/١) مجاز القرآن (٤٠٠/١) والطبري
(٢٤١/١٥) والقرطبي (٣٩٥/١٠) الكشاف (٢٨٣/٢) اللسان صوب، شواهد المغني (٧٢).
(٥١٢) ولم اهتد إلى تخريجه ولكن قد ورد في فضائل الخلفاء الأربعة أحاديث كثيرة منها أحاديث صحيحة انظر
على سبيل المثال السنة لابن أبي عاصم (٥٣٩/٢ - ٥٥١) وكذلك في مجمع الزوائد (٥١/٩ - ٦٠).
(٥١٣) الطبري (٢٤٣/١٥) ولم ينسبه، وفي فتح القدير (٢٨٣/٣) اقتصر على الشطر الثاني منه.
٣٠٤

سورة الكهف الآية - ٣٢ - ٣٦
تراهُنَّ يَلبسْنَ المشاعِرَ مرة وإِسْتَبْرَقَ الديباج طوراً لباسُها
الثاني : أنه الحرير المنسوج بالذهب، قاله ابن بحر.
﴿متكئين فيها على الأرائك﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها الحجال، قاله الزجاج.
الثاني: أنها الفُرُش في الحجال.
الثالث: أنها السرر في الحجال، وقد قال الشاعر (٥١٤):
خدوداً جفت في السير حتى كأنما يباشرْن بالمعزاء مَسَّ الأرائكِ
، وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا زَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْنَهَ بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنَابَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٦) كِلْنَا الْجَّنَيْنِءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا
خِلَلَهُمَا نَهَرَا [٣] وَكَانَ لَهُ نَّمَرٌ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ مُحَاوِرُهُ ، أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا
وَدَخَلَ جَنَّتَهُوَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَهَذِهِةٍ
٣٤
وَأَعَزُّنَفَرًّا
أَبَدًا ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِنِ زُدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرًامِّنْهَا
مُنقَلَبًا
قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين﴾ الجنة: البستان، فإذا
جمع العنب والنخل وكان تحتها زرع فهي أجمل الجنان وأجداها نفعاً، لثمر أعاليها
وزرع أسافلها، وهو معنى قوله ﴿وجعلنا بينهما زرعاً﴾.
﴿كلتا الجَنتين آتت أكُلها﴾ أي ثمرها وزرعها، وسماه أكُلًا لأنه مأكول.
﴿ولم تظلم منه شيئاً﴾ أي استكمل جميع ثمارها وزرعها.
﴿وفجرنا خِلالهما نهراً﴾ يعني أن فيهما أنهاراً من الماء، فيكون ثمرها
وزرعها بدوام الماء فيهما أوفى وأروى، وهذه غاية الصفات فيما يجدي ويغل.
وفي ضرب المثل في هاتين الجنتين قولان:
أحدهما: ما حكاه مقاتل بن سليمان أنه إخبار الله تعالى عن أخوين كانا في
(٥١٤) هو ذو الرمة والبيت في ديوانه: ٤٢٢ والطبري (٢٤٣/١٥).
٣٠٥

سورة الكهف الآية - ٣٢ - ٣٦
بني إسرائيل ورثا عن أبيهما مالاً جزيلاً، قال ابن عباس ثمانية آلاف دينار. فأخذ
أحدهما حقه وهو مؤمن فتقرب به إلى الله تعالى، وأخذ الآخر حقه منه وهو كافر
فتملك به ضياعاً منها هاتان الجنتان، ولم يتقرب إلى الله تعالى بشيء منه، فكان من
حاله ما ذكره الله من بعد، فجعله الله تعالى مثلاً لهذه الأمة ..
والقول الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال.
متقدمة، ليزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، وجعله زجراً وإنذاراً.
قوله عزوجل: ﴿وكان له ثمرٌ﴾ قرأ عاصم بفتح الثاء(٥١٥) والميم، وقرأ أبو عمرو
بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ الباقون ثُمُر بضم الثاء والميم. وفي اختلاف هاتين
القراءتين بالضم والفتح قولان:
أحدهما: معناهما واحد، فعلى هذا فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه الذهب والفضة، قاله قتادة، لأنها أموال مثمرة.
الثاني: أنه المال الكثير من صنوف الأموال، قاله ابن عباس، لأن تثميره أكثر.
الثالث: أنه الأصل الذي له نماء، قاله ابن زيد، لأن في النماء تثميراً.
والقول الثاني: أن معناهما بالضم وبالفتح مختلف، فعلى هذا في الفرق
بينهما، أربعة أوجه:
أحدها: أنه بالفتح جمع ثمرة، وبالضم جمع ثمار.
الثاني : أنه بالفتح ثمار النخيل خاصة، وبالضم جميع الأموال، قاله ابن بحر.
الثالث: أنه بالفتح ما كان ثماره من أصله، وبالضم ما كان ثماره من غيره.
الرابع: أن الثمر بالضم الأصل، وبالفتح الفرع، قاله ابن زيد.
وفي هذا الثمر المذکور قولان:
أحدهما: أنه ثمر الجنتين المتقدم ذکرهما، وهو قول الجمهور.
الثاني: أنه ثمر ملكه من غير جنتيه، وأصله كان لغيره كما يملك الناس ثماراً لا
يملكون أصولها، قاله ابن عباس، ليجتمع في ملكه ثمار أمواله وثمار غير أمواله
فیکون أعم مِلکا.
﴿فقال لصاحبه﴾ يعني لأخيه المسلم الذي صرف ماله في القُرب طلباً للثواب
(٥١٥) راجع زاد المسير (١٤٠/٥، ١٤١).
٣٠٦

سورة الكهف الآية - ٣٧ - ٤١
في الآخرة، وصرف هذا الكافر ماله فيما استبقاه للدنيا والمكاثرة.
﴿وهو يحاوره﴾ أي يناظره. وفيما يحاوره فيه وجهان:
أحدهما: في الإيمان والكفر.
الثاني: في طلب الدنيا وطلب الآخرة، فجرى بينهما ما قصه الله تعالى من
قولهما.
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ, وَهُوَيُحَاوِرُهُ أَ كَفَرَتَ بِالَّذِى خَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَ مِنْ تُطْفَةٍ ثُمَّسَوَِّكَ
رَجُلً الَكِنَا هُوَ اللّهُ رَبِ وَلَ أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ
قُلْتَ مَاشَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّ ◌ِلَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدَّالثَّافَعَسَى رَبِىّ
أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًامِّنْ جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا
زَلَقَّالْ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا
٤١٠
قوله تعالى: ﴿فعسی رہّي أن يؤتين خيراً مِنْ جنتك﴾ فيه وجهان:
أحدهما : خيراً من جنتك في الدنيا فأساويك فيها.
الثاني: وهو الأشهر خيراً من جنتك في الآخرة، فأكون أفضل منك فيها.
﴿ويرسل عليها حُسْباناً من السماء﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: يعني عذاباً، قاله ابن عباس وقتادة.
الثاني: ناراً.
الثالث: جراداً.
الرابع: عذاب حساب بما كسبت يداك، قاله الزجاج، لأنه جزاء الآخرة
والجزاء من الله تعالى بحساب.
الخامس: أنه المرامي الكثيرة، قاله الأخفش وأصله الحساب وهي السهام التي
يرمى بها في طلق واحد، وكان من رَمي الأساورة.
﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾ يعني أرضاً بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها
قدم، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض.
﴿أو يصبح ماؤها غوراً﴾ يعني ويصبح ماؤها غوراً، فأقام أو مقام الواو.
و﴿غوراً﴾ يعني غائراً ذاهباً فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كان فيها.
٣٠٧

سورة الكهف الآية - ٤٢ - ٤٤
فلن تستطيع له طلباً﴾ ويحتمل وجهين:
أحدهما: فلن تستطيع رد الماء الغائر.
الثاني: فلن تستطيع طلب غيره بدلاً منه وإلى هذا الحد انتهت مناظرة أخيه
وإنذاره .
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَعَ يُقَلِمُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنَفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ
◌ََّنِى لَمْ ◌ُشْرِكِ بِرَبِ أَحَدًا [ْ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ فِتَّةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا
٤٣
٤٤
جور ردود:
هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ نَّوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا
قوله عز وجل: ﴿وأحيط بثمرٍهٍ﴾ أي أهلك ماله، وهذا أول ما حقق الله به إنذار
أخيه .
﴿فأصبح یقلب کفیه على ما أنفق فيها﴾ ويحتمل وجهين :
أحدهما: يقلب كفيه ندماً على ما أنفق فيها وأسفاً على ما تلف.
الثاني : يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق وهلك، لأن الملك قد يعبر عنه
بالید، من قولهم في يده مال، أي في ملكه.
﴿وهي خاويةٌ على عروشِها﴾ أي منقلبة على عاليها فجمع عليه بين هلاك
الأصل والثمر، وهذا من أعظم الجوائح مقابلة على بغيه.
قوله عز وجل : ﴿ولم تكنْ له فئة ينصر ونه من دون الله﴾ فیه وجهان.
أحدهما: أن الفئة الجند، قاله الكلبي .
الثاني : العشيرة، قاله مجاهد.
﴿وما كان منتصراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وما كان ممتنعاً، قاله قتادة.
الثاني : وما كان مسترداً بدل ما ذهب منه.
قال ابن عباس: هما الرجلان ذكرهما الله تعالى في سورة الصافات حيث
يقول :
﴿إني كان لي قرين﴾ إلى قوله ﴿في سواء الجحيم) وهذا مثل قيل إنه ضرب
لسلمان وخباب وصهيب مع أشراف قريش من المشركين.
٣٠٨

سورة الكهف الآية - ٤٥، ٤٦
قوله تعالى: ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾ يعني القيامة. وفيه أربعة أوجه:
أحدها: أنهم يتولون الله تعالى في القيامة فلا يبقى مؤمن ولا كافر إلا تولاه،
قاله الكلبي .
الثاني: أن الله تعالى يتولى جزاءهم، قاله مقاتل.
الثالث: أن الولاية مصدر الولاء فكأنهم جميعاً يعترفون بأن الله تعالى هو
الوليّ قاله الأخفش.
الرابع: أن الولاية النصر، قاله اليزيدي .
وفي الفرق بين الولاية بفتح الواو وبين الولاية بكسرها وجهان:
أحدهما: أنها بفتح الواو: للخالق، وبكسرها: للمخلوقين، قاله أبو عبيدة.
الثاني: أنها بالفتح في الدين، وبكسرها في السلطان.
وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ
اُلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرََّجُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا (٥َّ الْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِالدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيُ عِندَ رَبِّكَ تَوَابًا وَخَيْرُ
أَمَلًا
قوله عزوجل: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط
به نباتُ الأرض﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: أن الماء اختلط بالنبات حين استوى.
الثاني: أن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء حتى نما.
﴿فأصبح هشيماً تذروهُ الرياحُ﴾ يعني بامتناع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازاً
لدلالة الكلام عليه، والهشيم ما تفتت بعد اليبس من أوراق الشجر والزرع، قال الشاعر:
فأصبحت نّماً أجسادهم يشبهها من رآها الهشيما
واختلف في المقصود بضرب هذا المثل على قولين:
أحدهما: أن الله تعالى ضربه مثلاً للدنيا ليدل به على زوالها بعد حسنها
وابتهاجها :
٣٠٩

سورة الكهف الآية - ٤٥، ٤٦
الثاني: أن الله تعالى ضربه مثلاً لأحوال أهل الدنيا أن مع كل نعمة نقمة ومع
كل فرحة ترحة .
قوله عزوجل: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ لأن في المال جمالاً ونفعاً
وفي ﴿البنين) قوة ودفعاً فصارا زينة الحياة الدنيا.
﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخيرٌ أملًا﴾ فيها أربعة تأويلات:
أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس (٥١٦) وسعيد بن جبير.
الثاني : أنها الأعمال الصالحة، قاله ابن زید.
الثالث: هي الكلام الطيب. وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وقاله عطية
العوفي .
الرابع: هو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول، ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم، قاله عثمان بن عفان(٥١٧) رضي الله عنه.
وروى أبو هريرة(٥١٨) رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه ◌َلتر: ((سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات)).
وفي ﴿الصالحات﴾ وجهان :
أحدهما: أنها بمعنى الصالحين لأن الصالح هو فاعل الصلاح.
الثاني: أنها بمعنى النافعات فعبر عن المنفعة بالصلاح لأن المنفعة مصلحة.
وروي عن النبي (٥١٩) وَ لّ أنه قال: ((لما عُرج بي إلى السماء أريت إبراهيم
(٥١٦) رواه الطبري (١٦٥/١٥) وزاد ابن الجوزي في زاد المسير (١٤٩/٥) وقال: وبه قال ابن مسعود
ومسروق وإِبراهيم .
(٥١٧) الطبري (٢٥٤/١٥) وزاد السيوطي في الدر (٣٩٨/٥) نسبته لابن المنذر وأحمد قال الشوكاني
(٢٩٠/٣) ((والظاهر أن الباقيات الصالحات كل عمل خير فلا وجه لقصرها على الصلاة كما قال البعض
ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قال بعض آخر ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار
السبب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وبهذا تعرف ان تفسير الباقيات الصالحات في
الأحاديث مما سيأتي لا ينافي هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها اهـ. قلت وقد اختار القول
بالعموم ابن جرير (٢٥٦/١٥).
(٥١٨) رواه الطبري (٢٢٥/١٥) وذكر السيوطي في الدر (٣٩٦/٥) روايات له متقاربة من حديث أبي هريرة.
(٥١٩) رواه الطبري (٢٥٥/١٥) من حديث أبي أيوب الأنصاري وبنحوه رواه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث
ابن مسعود وقال حسن غريب.
٣١٠

سورة الكهف الآية - ٤٧ - ٤٩
فقال: مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقلت
وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)).
﴿خير عند ربك ثواباً﴾(٥٢٠) يعني في الآخرة، ﴿وخير أملاً﴾ يعني عند نفسك
في الدنيا، ويكون معنى قوله ﴿وخيرٌ أملاً﴾ يعني أصدق أملًا، لأن من الأمل كواذب
وهذا أمل لا يكذب.
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَرِزَةً وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدَّالْثَّوَ عُرِضُواْ
عَلَى رَبِّكَ صَفَّ لَقَدْ جِثْتُمُونَ كَمَا خَلَقْ نَكُمْ أَوَّلَ مَرَّبَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن ◌َّجْعَلَ لَكُم مَوْعِدًا
(٤٨
أَ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّافِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَئِنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَ كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ
حَاضِرَ أُ وَلَا يَظْلِوُرَبُّكَ أَحَدًا
٤٩
قوله عزوجل : ﴿ویوم نُسَيِّر الجبال﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يسيرها من السير حتى تنتقل عن مكانها لما فيه من ظهور الآية وعظم
الإعتبار.
الثاني: يسيرها أي يقللها حتى يصير كثيرها قليلاً يسيراً.
الثالث: بأن يجعلها هباء منثوراً (٥٢١).
﴿وترى الأرض بارزة﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أنه بروز ما في بطنها من الأموات بخروجهم من قبورهم(٥٢٢).
الثاني : أنها فضاء لا يسترها جبل ولا نبات.
﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾ فيه ثلاثة تأويلات.
(٥٢٠) وللعلامة الحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل بني كيكلدي العلائي الدمشقي جزء في تفسير
الباقيات الصالحات وفضلها فراجعه فإنه اشتمل على فوائد ممتعة .
(٥٢١) قال العلامة الآلوسي في روح المعاني (٢٨٨/١٥) وقد ذكر بعض المحققين أخذاً من الآيات أنه أولاً
تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجوثم تسقط فتصير كثيباً مهيلاً ثم هباءاً منثوراً.
(٥٢٢) قال الآلوسي (٢٨٨/١٥) ((وهو خلاف الظاهر)) وقال العلامة ابن الجوزي في زاد المسير (١٥٠/٥)
عن القول الثاني وهو قول الأكثرين.
٣١١

سورة الكهف الآية - ٤٧ - ٤٩
أحدها: يعني فلم نخلف منهم أحداً، قاله ابن قتيبة، قال ومنه سمي الغدير لأنه
ما تخلفه(٥٢٣) السيول .
الثاني: فلم نستخلف منهم أحداً، قاله الكلبي .
الثالث: معناه فلم نترك منهم أحداً، حكاه مقاتل.
قوله عزوجل: ﴿وعُرِضوا على ربِّك صَفّاً﴾ قيل إنهم يُعرضون صفاً بعد صف
كالصفوف في الصلاة، وقيل إنهم يحشرون عراة حفاة غرلاً، فقالت(٥٢٤) عائشة
رضي الله عنها فما يحتشمون يومئذ؟ فقال النبي ◌َّة ((﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن
يغنيه﴾)) [عبس: ٣٧].
قوله عز وجل : ﴿ووضع الکتابُ﴾ فیه وجهان:
أحدهما : أنها كتب الأعمال(٥٢٥) في أيدي العباد، قاله مقاتل.
الثاني: أنه وضع الحساب، قاله الكلبي، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم
يحاسبون على أعمالهم المكتوبة .
﴿فترى المجرمين مشفقين مما فيه﴾ لأنه أحصاه الله ونسوه.
﴿ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلّ أحصاها﴾.
وفي الصغيرة (٥٢٦)تأويلان:
أحدهما: أنه الضحك، قاله ابن عباس
الثاني: أنها صغائر الذنوب التي تغفر باجتناب كبائرها.
.
(٥٢٧)
(٥٢٣) كذا في المطبوعة وهو خطأ فاحش والصواب لأنه ماءً تخلفه السيول والتصويب من زاد المسير
(١٩١/٥) وروح المعاني (٢٨٩/١٥).
(٥٢٤) رواه البخاري (٣٣٤/١١) ومسلم (٢٨٥٩) والنسائي (١١٤/٤) وأحمد (٢٢٣/١).
(٥٢٥) وهو القول الصواب واختاره ابن جرير وغيره ويدل عليه قوله ﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
إلا أحصاها﴾ وقوله ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ وكان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول:
ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر فنسأل الله الحساب اليسير والستر في الدنيا والآخرة.
(٥٢٦) وقد فصل ابن الجوزي رحمه الله هنا في معنى الكبيرة والصغيرة المراد في الآية فراجعه (١٥٣/٥)
زاد المسير.
(٥٢٧) قال العلامة الآلوسي (٢٩١/١٥) ((وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس
رضي الله عنه أنه قال في الآية الصغيرة التبسم والاستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك وعلى هذا
يحمل إطلاق ابن مردويه في الآية عنه رضي الله تعالى عنه تفسير الصغيرة بالتبسم والكبيرة بالضحك
ويندفع استشكال بعض الفضلاء ذلك ويعلم من أن الضحك على الناس من الذنوب».
٣١٢

سورة الکھف الآية - ٥٠
وأما الكبيرة(٥٢٨) ففيها قولان:
أحدهما: ما جاء النص بتحريمه .
الثاني: ما قرن بالوعيد والحَدِّ .
ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الصغيرة الشهوة، والكبيرة العمل.
قال قتادة: اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلماً، وإياكم والمحقرات
من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتی تهلكه.
﴿ووجَدوا ما عَملوا حاضِراً﴾ يحتمل تأويلين:
أحدهما: ووجدوا إحصاء ما عملوا حاضراً في الكتاب.
الثاني: ووجدوا جزاء ما عملوا عاجلاً في القيامة .
﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ يعني من طائع في نقصان ثوابه، أو عاص في زيادة
عقابه .
وَإِذْقُلْنَا لِلْمَئِكَةِ اسْجُدُ واْ لِأَّدَمَ فَسَجَدُ وَأْإِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
رَيِِّعُ أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلَِّمِينَ
أَ
بَدَلَا
قوله عزوجل: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من
الجنّ﴾ فیه ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنه كان من الجن على ما ذكره الله تعالى. ومنع قائل هذا بعد ذلك أن
یکون من الملائكة لأمرين :
أحدهما: أن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم.
الثاني: أن الملائكة رسل الله سبحانه ولا يجوز عليهم الكفر، وإبليس قد
كفر، قال الحسن (٥٢٩): ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن
كما أن آدم أصل الإنس.
(٥٢٨) وقد تقدم في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سیآتكم﴾
الآية معنى الكبيرة وأمثلة منها.
(٥٢٩) تقدم قول الحسن في سورة البقرة والحجر عن أصل إبلیس ورواه ابن جرير عنه وصححه ابن كثير.
٣١٣

سورة الكهف الآية - ٥١
الثاني: أنه من الملائكة، ومن قالوا بهذا اختلفوا في معنى قوله تعالى ﴿كان
من الجن﴾ على ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما قاله قتادة أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجن.
الثاني: ما قاله ابن عباس، أنه كان من الملائكة من خزان الجنة ومدبر أمر
السماء الدنيا فلذلك قيل من الجن لخزانة الجنة، كما يقال مكي وبصري.
الثالث: أن الجن سبط من الملائكة (٥٣٠) خلقوا من نار وإبليس منهم، وخلف
سائر الملائكة من نور، قاله سعيد بن جبير، قاله الحسن: خلق إبليس من نار وإلى
النار يعود.
الثالث: أن إبليس لم يكن من الإنس ولا من الجن(٥٣١)، ولكن كان من
الجان، وقد مضى من ذكره واشتقاق اسمه ما أغنى .
﴿ففسق عن أمر ربه ... ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أن الفسق الاتساع ومعناه اتسع في محارم الله تعالى.
الثاني: أن الفسق الخروج أي خرج من طاعة ربه، من قولهم فسقت الرطبة إذا
خرجت من قشرها، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من حجرها قال رؤية بن
العجاج (٥٣٢):
يهوين من نجدٍ وغورٍ غائرا فواسقاً عن قصدها جوائرا
وفي قوله تعالى: ﴿ ... بئس للظالمين بدلاً﴾ وجهان:
أحدهما: بئس ما استبدلوا بطاعة الله طاعة إبليس، قاله قتادة.
الثاني : بئس ما استبدلوا بالجنة النار.
مَّا أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَاخَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ
اٌلْمُضِلِّينَ عَضْدًا
(٥٣٠) لكن الحديث الوارد الصحيح يقول ((خلقت الملائكة من نور وهذا المعنى عام لم يأت ما يخصه
والأولى أن يقال إن ابليس دخل معهم في الصورة والخطاب وخرج منهم بجنسه)» وهو قول شيخ الاسلام
ابن تيمية رحمه الله كما في الفتاوى.
(٥٣١) وقد تعقب هذا القول راجع سورة الحجر آية ٢٧ .
(٥٣٢) ديوانه: ١٩٠ اللسان فسق مجاز القرآن (٤٠٦/١) الطبري (٢٦١/١٥) روح المعاني (٢٩٣/١٥).
٣١٤

سورة الكهف الآية - ٥١
قوله عز وجل: ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما : ما أشهدت إبليس وذريته.
الثاني : ما أشهدت جميع الخلق خلق السموات والأرض.
وفیه وجهان :
أحدهما: ما أشهدتهم إياها استعانة بهم في خلقها.
الثاني : ما أشهدتهم خلقها فيعلموا من قدرتي ما لا يكفرون معه.
ويحتمل ثالثاً: ما أشهدتهم خلقها فيحيطون علماً بغيبها لاختصاص الله بعلم
الغيب دونه خلقه.
﴿ولا خلق أنفسهم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: ما استعنت ببعضهم على خلق بعض.
الثاني : ما أشهدت بعضهم خلق بعض.
ويحتمل ثالثاً: ما أعلمتم خلق أنفسهم (٣٣°) فكيف يعلمون خلق غيرهم.
﴿وما كنت متخذ المضلین عضدا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: يعني أولياء.
الثاني: أعواناً(٥٣٤)، ووجدته منقولاً عن الكلبي.
وفيما أراد أنه لم يتخذهم فيه أعواناً وجهان:
أحدهما: أعواناً في خلق السموات والأرض.
الثاني: أعواناً لعبدة الأوثان، قاله الكلبي .
(٥٣٣) وهذه الآية من أكبر الأدلة بل من الصادعات الرادعات لكل من أصابته عدوى وهوس نظرية تشالز
دارون التي تمحض عنها بأن الإنسان أصله قرد ولقد انتشرت هذه النظرية في مدارسنا وجامعاتنا انتشار
النار في الهشيم ويدرسها قوم هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وبعضهم والعياذ بالله يشرحها على أنها
حقيقة مسلّم بها ونسي هؤلاء أو تناسوا قول الله تعالى ﴿ولقد كرمنا بني آدم). والتكريم يقتضي رفعه عن
هذه الحيوانات في المراتب الخلقية والعقلية والبدنية وكذلك قوله ﴿الذي خلقك فَسَوَاك فعدلك في
أي صورة ما شاء ركبك) وكذلك قوله ((وصوركم فأحسن صوركم) وقوله ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن
تقویم».
ألا تدل هذه الآيات وغيرها كثير وكثير وكذا الأحاديث الواردة في خلق الإنسان ألا يدل هذا كله على
إبطال هذه النظرية التي قالها هذا اليهودي قاتله الله))؟
(٥٣٤) وهو قول قتادة رواه الطبري (٢٦٣/١٥).
٣١٥

سورة الكهف الآية - ٥٢، ٥٣
وفي هؤلاء المضلين قولان (٥٣٥).
أحدهما: إبليس وذريته.
الثاني : كل مضل من الخلائق كلهم.
قال بعض السلف: إذا كان ذنب المرء من قبل الشهوة فارْجُه، وإذا كان من
قبل الكبر فلا ترْجه، لأن إبليس كان ذنبه من قبل الكبر فلم تقبل توبته، وكان ذنب آدم
من قبل الشهوة فتاب الله عليه. وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا المعنى فقال:
فَرَجُّ الفتى للتُّقى رَجّه
إذا ما الفتى طاح في غيّه
ـريق ثم يعود إلى نهجه
فقد يغلط الركب نهج الطـ
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْيَسْتَجِيبُوالَهُمْ وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُم مَّوْبِقًا (٨٦) وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَهُم ◌ُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُ واْعَنْهَا
مَصْرِفًا @
قوله عزوجل: ﴿ ... وجعلنا بينهم موبقاً﴾ فيه ستة أقاويل:
أحدها: مجلساً، قاله الربيع.
الثاني: مهلكاً، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك، قال الشاعر:
من عثرةٍ إن تؤاخذني بها أبق
استغفر الله أعمالي التي سلفت
أي أهلك، ومثله قول زهیر:
ومن يشتري حسن الثناء بماله
يصن عرضَه من كل شنعاء موبق
قال الفراء: جعل تواصلهم في الدنيا مهلكاً في الآخرة.
الثالث: موعداً، قاله أبو عبيدة.
الرابع: عداوة، قاله الحسن.
الخامس: أنه واد في جهنم، قاله أنس بن مالك.
(٥٣٥) راجع روح المعاني فقد توسع في ذلك (٢٩٦/١٥ - ٢٩٧): وقال ((واستدل بها (أي بالآية) على أنه
لا ينبغي الاستعانة بالكافر. في أمور الدين كجهاد الكفار وقتال أهل البغي كما ذهب اليه بعض الائمة
ولبعضهم في ذلك تفصيل وأما الإستعانة بهم في أمور الدنيا فالذي يظهر أنه لا بأس بها سواء كانت في
أمر ممتهن كنزح الكنف أو غيره .... الخ.
٣١٦

سورة الكهف الآية - ٥٤
السادس: أنه واد يفصل بين الجنة والنار، حكاه بعض المتأخرين.
قوله عزوجل : ﴿ورأى المجرمون النّار﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: أنهم عاينوا في المحشر.
الثاني: أنهم علموا بها عند العرض.
﴿فظنّوا أنهم مُواقعوها﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنهم أمّلوا العفو قبل دخولها فلذلك ظنوا أنهم مواقعوها.
الثاني: علموا أنهم مواقعوها لأنهم قد حصلوا في دار اليقين وقد يعبر عن العلم
بالظن لأن الظن مقدمة العلم.
﴿ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ملجأ، قاله الكلبي .
الثاني: معدلاً ينصرفون إليه، قاله ابن قتيبة، ومنه قول أبي كبير الهذلي (٥٣٦):
أزهير هل عن شيبةٍ من مصرِفٍ أم لا خلود لباذل متكلفٍ
وفي المراد وجهان :
أحدهما: ولم يجد المشركون عن النار مصرفاً.
الثاني: ولم تجد الأصنام مصرفاً للنار عن المشركين.
وَلَقَدْ صَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ
شَىْءٍ جَدَلًا
٥٤
قوله تعالى: ﴿ولقد صرَّفنا في هذا القرآن للناس من كلِّ مثَل﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ما ذكره لهم من العبر في القرون الخالية.
الثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية. فيكون على الوجه الأول جزاء،
وعلى الثاني بياناً.
﴿وکان الإنسان أكثر شيءٍ جدلاً﴾ یحتمل وجهين:
أحدهما: عناداً، وهو مقتضى الوجه الأول.
(٥٣٦) ديوان الهذليين: ١٠٤ مجاز القرآن (٤٠٧/١) الطبري (٢٢٦/١٥) روح المعاني (٢٩٩/١٥) ووقع
فیه تحریف والکشاف (٣٩٤/٢).
٣١٧

سورة الكهف الآية - ٥٦،٥٥
الثاني: حجاجاً وهو مقتضى القول الثاني.
روي أن النبي وَلي(٥٣٧) دخل على عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان
فقال: ((الصلاة، ألا تصليان؟ فقال علي رضي الله عنه: إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء
أن يبعثها بعثها، فانصرف النبي و له وهو يقول﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾
[الكهف: ٥٤].
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْجَاءَ هُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمْ
أَوَمَا تُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلََّ مُبَشِّرِينَ
٥٥
سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا لـ
وَمُنذِرِينَّ وَمُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْبِالْبَطِلِ لِيُدْ حِضُوْبِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُ وَأْءَيَتِى
٥٦
وَمَا أُنْذِرُ واْهُوَا!
قوله عز وجل: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهُدى﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وما منع الناس أنفسهم أن يؤمنوا.
الثاني: ما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا.
وفي هذا الهدي وجهان :
أحدهما: حجج الله الدالة على وحدانيته ووجوب طاعته.
الثاني: رسول الله وَلقر المبعوث لهداية الخلق.
﴿إلّا أن تأتيهم سنةُ الأولين﴾ أي عادة الأولين في عذاب الإستئصال.
﴿أو يأتيهم العذاب قبلاً﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿قُبُلًا﴾ بضم
القاف(٥٣٨) والباء وفيه وجهان:
أحدهما: تجاه، قاله مجاهد.
الثاني : أنه جمع قبيل معناه ضروب العذاب.
ويحتمل ثالثاً: أن يريد: من أمامهم مستقبلاً لهم فيشتد عليهم هول مشاهدته.
(٥٣٧) رواه البخاري (٤٠٨/٨) ومسلم (٧٧٥) والنسائي (٣، ٢٠٦،٢٠٥) وزاد السيوطي في الدر
(٥ /٤٠٦) نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥٣٨) انظر زاد المسير (١٥٨/٥) الحجة في القراءات ٤٢٠.
٣١٨

سورة الكهف الآية - ٥٧ - ٥٩
وقرأ الباقون قِبَلًا (٥٣٩) بكسر القاف، وفيه وجهان:
أحدهما: مقابلة.
الثاني : معاينة.
ويحتمل ثالثاً: من قبل الله تعالى بعذاب من السماء، لا من قبل المخلوقين،
لأنه يعم ولا يبقى فهو أشد وأعظم.
قوله عزوجل: ﴿ .. ليُدحضوا به الحقَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ليذهبوا به الحق، ويزيلوه، قاله الأخفش.
الثاني: ليبطلوا به القرآن ويبدلوه، قاله الكلبي .
الثالث: ليهلكوا به الحق. والداحض الهالك، مأخوذ من الدحض وهو
الموضع المزلق من الأرض الذي لا يثبت عليه خف ولا حافر ولا قدم، قال
الشاعر(٥٤٠):
ردَّيت ونجّى اليشكري حِذارُه وحادَ كما حادَ البعير عن الدحض
واتخدوا آياتي وما أنذروا هُزُ واً﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الآية البرهان، وما أنذروا القرآن.
الثاني: الآيات القرآن وما أنذروا الناس.
ويحتمل قوله : ﴿هزواً﴾ وجھین:
أحدهما: لعباً.
الثاني: باطلاً.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ بَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ ءَاذَاِمْ وَقْرًا وَ إِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ
أَوَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُوْالرَّحْمَةِ لَوْيُؤَاخِذُ هُمْ بِمَا كَسَبُوْلَعَجَّلَ لَهُم
٥٧
إذَا أَبَدًا
الْعَذَابَّ بَل لَّهُمْ قَوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُ واْ مِن دُونِهِ مَوْيِلًا (٨) وَتِلْكَ الْقُرَىّ
(٥٣٩) انظر زاد المسير (١٥٨/٥) الحجة في القراءات ٤٢٠.
(٥٤٠) قيل هو طرفة بن العبد والبيت في اللسان (دحض) وأساس البلاغة (دحض) الطبري (٢٦٨/١٥) ومجاز
القرآن (٤٠٨/١).
٣١٩

سورة الكهف الآية - ٥٩
أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُوْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا
٥٩
قوله عز وجل : ﴿و رُبكَ الغفور﴾ یعني للذنوب وهذا يختص به أهل الإيمان دون
الكفرة (٥٤١)
﴿ذو الرّحمة ... ﴾ فيها أربعة أوجه:
أحدها: ذو العفو.
الثاني: ذو الثواب، وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان (٥٤٢) دون
الكفرة .
الثالث: ذو النعمة.
الرابع: ذو الهدى، وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان وأهل الكفر لأنه
ینعم في الدنیا علی الکافر کإنعامه على المؤمن، وقد أوضح هداه للكافر کما أوضحه
للمؤمن، وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر.
﴿بل لهم موعدٌ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أجل مقدر يؤخرون إليه.
الثانى : جزاء واجب يحاسبون عليه .
﴿لن يجدوا مِن دونه مَوْئلاً﴾ فيه أربعة تأويلات:
أحدها: ملجأ، قاله ابن عباس وابن زيد.
الثاني: محرزاً، قاله مجاهد.
الثالث: ولياً، قاله قتادة.
الرابع: منجى، قاله أبو عبيدة. قال والعرب تقول: لا وألَت نفسه، أي لا
نجت، ومنه قول الشاعر (٥٤٣):
لا وألت نفسك خلّيْتها للعامريّين ولم تُكْلَمِ
قوله عز وجل: ﴿وتلك القُری أهلكناهم لما ظلموا﴾ فیه وجهان:
(٥٤١) بدليل قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا يهديهم طريقاً﴾ سورة النساء.
(٥٤٢) بدليل قوله تعالى ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ سورة الأعراف.
(٥٤٣) اللسان (وأل) والطبري (٢٦٩/١٥) والقرطبي (٨/١١) زاد المسير (١٦٠/٥) فتح القدير (٢٩٦/٣)
فتح الباري (٤٠٦/٨).
٣٢٠