النص المفهرس
صفحات 281-300
سورة الإسراء الآية - ١٠٧ - ١١١ الثاني : ما قاله ابن عباس أنه کان النبي پ# ساجداً يدعو ((يا رحمن يا رحيم))، فقال المشركون هذا يزعم أن له إلهاً واحداً وهو يدعو مثنى، فنزلت الآية. ﴿ولا تجهر بصوتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه عنى بالصلاة الدعاء، ومعنى ذلك ولا تجهر بدعائك ولا تخافت به، وهذا قول عائشة رضي الله عنها ومكحول. قال إبراهيم: لينتهين أقوام يشخصون بأبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم. الثاني : أنه عنى بذلك الصلاة المشروعة، واختلف قائلو ذلك فيما نهى عنه من الجهر بها والمخافتة فيها على خمسة أقاويل : أحدها: أنه نهى عن الجهر بالقراءة فيها لأن رسول الله صل# بمكة كان يجهر بالقراءة جهراً شديداً، فكان إذا سمعه المشركون سبّوه، فنهاه الله تعالى عن شدة الجهر، وأن لا يخافت بها حتى لا يسمعه أصحابه، ويبتغي بين ذلك سبيلاً، قاله ابن عباس (٤٦٨). الثاني: أنه نهى عن الجهر بالقراءة في جميعها وعن الإسرار بها في جميعها وأن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار. الثالث: أنه نهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة، قاله ابن سيرين. الرابع: أنه نهي عن الجهر بفعل الصلاة لأنه كان يجهر بصلاته، بمكة فتؤذيه قريش، فخافت بها واستسر، فأمره الله ألّ يجهر بها كما كان، ولا يخافت بها كما صار، ويبتغي بين ذلك سبيلاً، قاله عكرمة. الخامس: يعني لا تجهر بصلاتك تحسنها مرائياً بها في العلانية، ولا تخافت بها تسيئها في السريرة، قال الحسن: تحسّن علانيتها وتسيء سريرتها. وقيل: لا تصلّها رياءً ولا تتركها حياء. والأول أظهر. روي أن أبا بكر الصديق.(٤٦٩) كان إذا صلى خفض من صوته فقال له النبي وَلقر ((لم تفعل هذا؟)) قال: أناجي ربي وقد علم حاجتي، فقال وَّ أحسنت. وكان (٤٦٨) رواه البخاري (٤٠٤/٨) وأحمد (٢١٥/١) والطبري (١٨٤/١٥). (٤٦٩) رواه ابن جرير (١٨٦/١٥) وزاد في الدر (٣٥٠/٥) نسبته لسعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان وابن المنذر وفيه قال ابن سيرين نبئت أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا قرأ .. الحديث، وهو منقطع کما تری بین ابن سیرین وأبي بكر. ٢٨١ سورة الإسراء الآية - ١٠٧ - ١١١ عمر بن الخطاب يرفع صوته فقال له النبي ويعليه: لم تفعل هذا؟ فقال أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال النبي ◌ُ ◌ّلتر: أحسنت. فلما نزلت هذه الآية قال لأبي بكر: ارفع شيئا، وقال لعمر: أخفض شيئاً. قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أمره بالحمد لتنزيه الله تعالى عن الولد. الثاني : لبطلان ما قرنه المشركون به من الولد. ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ لأنه واحد لا شريك له في ملك ولا عبادة. ﴿ولم یکن له وليُّ من الذل﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لم يحالف أحداً. الثاني : لا يبتغي نصر أحد. الثالث: لم يكن له وليٌّ من اليهود والنصارى لأنهم أذل الناس، قاله الكلبي. ﴿و کبره تكبيراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: صِفه بأنه أكبر من كل شيء. الثاني : كبّره تكبيراً عن كل ما لا يجوز في صفته. الثالث: عظّمْه تعظيماً والله أعلم. ٢٨٢ سورة الكهف الآية - ١ - ٥ قريببهـ ١٨ سُورَةُ الكَهْفِ آياتها مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها وهي قوله تعالى ﴿واصبر نفسك﴾ [الكهف: ٢٨]. بِسْمِ اللهِ الرَّحْضِ الرَّحِيةِ اْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِالْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عَوَجً ﴿ فَيَّمَا لَّهُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّهُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا حَسَنَّالْ مَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًّا ﴿ وَمُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا ٤ مَّالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِلَّبَبِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِ هِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلََّ كَذِبًا قوله عزوجل: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ يعني على محمد القرآن، فتمدح بإنزاله لأنه أنعم عليه خصوصاً، وعلى الخلق عموماً. ﴿ولم يجعل له عوجاً﴾ في ﴿عوجاً﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني مختلفاً، قاله مقاتل، ومنه قول الشاعر: أدوم بودي للصديق تكرُّماً ولا خير فيمن كان في الود أعوجا الثاني : یعني مخلوقاً، قاله ابن عباس . الثالث: أنه العدول عن الحق الى الباطل، وعن الاستقامة إلى الفساد، وهو قول علي بن عيسى . ٢٨٣ سورة الكهف الآية - ٦ - ٨ والفرق بين العوج بالكسر والعوج بالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين وفي الطريق وفيما ليس بقائم منتصب، والعوج بفتح العين ما كان في القناة والخشبة وفيما كان قائماً منتصباً. فيه ثلاثة تأويلات : أحدها: أنه المستقيم المعتدل، وهذا قول ابن عباس والضحاك. الثاني: أنه قيم على سائر كتب الله تعالى يصدقها وينفي الباطل عنها. الثالث: أنه المعتمد عليه والمرجوع إليه كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها، وفيه تقديم وتأخير في قول الجميع وتقديره: أنزل الكتاب على عبده قيماً ولم يجعل له عوجاً ولكن جعله قيماً. ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه عذاب الاستئصال في الدنيا. الثاني : أنه عذاب جهنم في الآخرة. فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىّ ءَاثَرِهِمْ إِ لَّمْيُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْأَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [®) وَإِنَّالَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدً اجُزًا ٨ قوله عزوجل : ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم﴾ فیه وجهان: أحدهما: قاتل نفسك، ومنه قول ذي الرُّمَّةِ (٤٧٠): ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه بشيء نحتَهُ عن يديك المقادِرُ الثاني : أن الباخع المتحسر الأسف، قاله ابن بحر. ﴿على آثارهم﴾ فیه وجهان: أحدهما: على آثار كفرهم. الثاني : بعد موتهم. (٤٧٠) ديوانه ٣٣٨، مجاز القرآن (٣٩٣/١) اللسان بخع، الطبري ١٩٤/١٥ القرطبي (٣٤٨/١٠) فتح الباري (٣٠٨/٨). ٢٨٤ سورة الکھف الآ ية - ٦ - ٨ ﴿إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً﴾ يريد إن لم يؤمن كفار قريش بهذا الحديث يعني القرآن . ﴿أسفاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي غضباً، قاله قتادة. الثاني : جزعاً، قاله مجاهد. الثالث: أنه غمّاً، قاله السدي . الرابع: حزناً، قاله الحسن، وقد قال الشاعر(٤٧١): أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما تضُمُّ إلى كشحيه كفّاً مخضبًا قوله عز وجل: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها الأشجار والأنهار التي زين الله الأرض بها، قاله مقاتل. الثاني: أنهم الرجال لأنهم زينة الأرض، قاله الكلبي. الثالث: أنهم الأنبياء والعلماء(٤٧٢)، قاله القاسم. الرابع: أن كل ما على الأرض زينة لها، قاله مجاهد (٤٧٣). الخامس: أن معنى ﴿زينة لها﴾ أي شهوات لأهلها تزين في أعينهم وأنفسهم. ﴿لنبلوهم أيهم أحْسَنُ عملًا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أيهم أحسن إعراضاً عنها وتركاً لها، قاله ابن عطاء. الثاني: أيهم أحسن توكلاً علينا فيها، قاله سهل بن عبدالله . الثالث: أيهم أصفى قلباً وأهدى سمتاً. ويحتمل رابعاً: لنختبرهم أيهم أكثر اعتباراً بها. (٤٧١) هو الأعشى الكبير والبيت في ديوانه ١١٥ واللسان أسف. (٤٧٢) قال العلامة الآلوسي (٢٠٦/١٥) روح المعاني ((الظاهر عموم جميع ما لا يغفل أي سواء كان حيواناً أو نباتاً أو معدناً أي جعلنا جميع ما عليها من غير ذوي العقول. وقال ابن الجوزي في زاد المسير (١٠٦/٥) عن قول مجاهد)» وقول مجاهد أعم يدخل فيه النبات والماء والمعادن وغير ذلك. (٤٧٣) فائدة: قال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير (١٠٦/٥) ((فإن قيل ترى بعض ما على الأرض سمجاً وليس بزينة فالجواب أنا إن قلنا إن المراد به شيء مخصوص فالمعنى أنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها فخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص وإن قلنا هم الرجال أو العلماء قلنا فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم وإن قلنا النبات والشجر فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية وإن قلنا إنه عام في كل ما عليها فلكونه دالاً على خالقه فكان زينة الأرض من هذه الجهة . ٢٨٥ سورة الكهف الآية - ٩ - ١٢ ويحتمل خامساً: لنختبرهم في تجافي الحرام منها. قوله عزوجل: ﴿وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً﴾ في الصعيد ثلاثة أقاویل : أحدها: الأرض المستوية، قاله الأخفش ومقاتل. الثاني: هو وجه الأرض لصعوده، قاله ابن قتيبة. الثالث: أنه التراب، قاله أبان بن تغلب. وفي الجُرُز أربعة أوجه: أحدها: بلقعاً، قاله مجاهد. الثاني: ملساء، وهو قول مقاتل. الثالث: محصورة، وهو قول ابن بحر. الرابع: أنها اليابسة التي لا نبات بها ولا زرع قال الراجز (٤٧٤): قد جرفتهن السُّنون الأجراز إِذْ أُوی أَمْ حَسِبْتَ أَنَّأَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَجَبًا لو اٌلْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاءَائِنَا مِن ◌َّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ١٠ فَضَرَ بْنَا عَلَىَءَاذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(٩) ثُرَّبَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوْ أَمَدًا ١٢ قوله عزوجل: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً﴾ أما الكهف فهو غار في الجبل الذي أوى إليه القوم. وأما الرقيم ففيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه اسم القرية التي (٤٧٥) كانوا منها، قاله ابن عباس. الثاني : أنه اسم الجبل، قاله الحسن. الثالث: أنه اسم الوادي، قاله الضحاك. قال عطية العوفي (٤٧٦): هو واد (٤٧٤) الطبري (١٩٧/١٥) ومجاز القرآن (٣٩٤/١) واللسان جرز وهو غير منسوب في هذه المصادر. (٤٧٥) قال الحافظ في الفتح (٤٠٧/٨) وقد روى ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قال ما كنت أعرف الرقيم ثم سألت عنه فقيل لي هي القرية التي خرجوا منها وإسناده ضعيف. (٤٧٦) وقد روي مثله عن ابن عباس بسند ضعيف رواه الطبري (١٩٨/١٥) كما في الفتح (٥٠٣/٦) قلت وسنده مسلسل بالضعفاء. ٢٨٦ سورة الكهف الآية - ٩ - ١٢ بالشام نحو إبلة (٤٧٧) وقد روي أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف ميرم (٤٧٨) واسم المدينة أفسوس، واسم الملك وفيانوس (٤٧٩). الرابع: أنه اسم كلبهم. قاله سعيد بن جبير، وقيل هو اسم لكل كهف. الخامس: أن الرقيم الكتاب الذي كتب فيه شأنهم، قاله مجاهد. مأخوذ من الرقم في الثوب. وقيل كان الكتاب لوحاً من رصاص(٤٨٠) على باب الكهف، وقيل في خزائن الملوك لعجيب أمرهم. السادس: الرقيم الدواة بالرومية، قاله أبو صالح. السابع: أن الرقيم قوم من أهل الشراة كانت حالهم مثل (٤٨١) حال أصحاب الكهف، قاله سعيد بن جبير. ﴿کانوا مِنْ آیاتنا عجباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه ما حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجباً لولا أن أخبرناك وأوحينا إليك. الثاني : معناه أحسبت أنهم أعجب آياتنا وليسوا بأعجب خلقنا، قاله مجاهد. قوله عزوجل: ﴿إذا أوى الفتية إلى الكهف﴾ اختلف في سبب إيوائهم إليه على قولین : . أحدهما: أنهم قوم هربوا بدينهم إلى الكهف، قاله الحسن. ﴿فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمْرِنا رشداً﴾ (٤٨٢) الثاني: أنهم أبناء عظماء وأشراف خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال أسَنُهم: إني أجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً یجده، إن ربي رب السموات والأرض، ﴿فقالوا﴾ جميعاً ﴿ربُّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه (٤٧٧) وفي مكان الكهف أقوال أخرى راجعها في الفتح (٥٠٣/٦). (٤٧٨) وفي الطبري (١٩٩/١٥) ((حيزم)). (٤٧٩) وفي زاد المسير (١٢١/٥) ((دقسوس)). (٤٨٠) وفي الطبري (٢٠١/١٥) ((دقینوس» وفي الفتح (٥٠٥/٦) دقیانوس. (٤٨١) وذكره البخاري معلقاً (٤٠٧/٨) وقال الحافظ وصله عبد بن حميد من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير مطولاً وقد لخصته في أحاديث الأنبياء وإسناده على شرط البخاري. (٤٨٢) قال الحافظ في الفتح (٦ /٥٠٤) ((وليس كذلك بل السياق يقضي أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم والله أعلم». ٢٨٧ ٠ سورة الكهف الآية - ٩ - ١٢ إلهاً لقد قلنا إِذاً شَطَطَا﴾ ثم دخلوا الكهف فلبثوا فيه ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعاً، قاله مجاهد . قال ابن قتيبة: هم أبناء الروم دخلوا الكهف قبل عيسى، وضرب الله تعالى على آذانهم فيه، فلما بعث الله عيسى أخبر بخبرهم، ثم بعثهم الله تعالى بعد عيسى في الفترة التي بينه وبين النبي وَلير (٤٨٣). وفي ﴿شططاً﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: كذباً، قاله قتادة. الثاني: غلوّاً، قاله الأخفش. الثالث: جوراً، قاله الضحاك. قوله عزوجل: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً﴾ والضرب على الآذان هو المنع من الاستماع، فدل بهذا على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً، ﴿سنين عدداً﴾ فيه وجهان : أحدهما: إحصاء. الثاني : سنين كاملة ليس فيها شهور ولا أيام. وإنما ضرب الله تعالى (٤٨٤) على آذانهم وإن لم يكن ذلك من أسباب النوم لئلا يسمعوا ما يوقظهم من نومهم. قوله عزوجل: ﴿ثم بعثناهم) الآية. يعني بالبعث إيقاظهم من رقدتهم. ﴿النِعلَم﴾ أي لننظر ﴿أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عدداً، قاله مجاهد. الثاني : أجلاً، قاله مقاتل. الثالث: الغاية، قاله قطرب. وفي الحزبين أربعة أقاويل: (٤٨٣) وقد ورد حديث بسند واه أنهم يحجون مع عيسى ابن مريم وورد آخر بسند ضعيف أنهم أعوان المهدي راجع الفتح (٦ / ٥٠٤). (٤٨٤) راجع تفصيل قصتهم في زاد المسير (١٠٩/٥ -١١٣) والطبري (٢٠٠/١٥ - ٢٠٥) وخير سند للقصة ما رواه عبد بن حميد بسند صحيح عن ابن عباس كما أشار الحافظ إلى ذلك في الفتح (٦ /٥٠٥). ٢٨٨ سورة الكهف الآية - ١٣ - ١٦ أحدها: أن الحزبين هما المختلفان في أمرهم من قوم الفتية، قاله مجاهد. الثاني: أن أحد الحزبين الفتية، والثاني من حضرهم من أهل ذلك الزمان. الثالث: أن أحد الحزبين مؤمنون، والآخر كفار. الرابع: أن أحد الحزبين الله تعالى، والآخر الخلق، وتقديره: أنتم أعلم أم الله. ◌َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَ هُمْ بِآلْحَقِّ إِنَهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَى (® وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْرَبُّنَارَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَأْ مِن أَهَؤُلَاءِ قَوْمُنَا أَتَخَذُ واْ مِن دُونِهِءَالِهَةَ ١٤ دُونِهِ إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطَالِ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِنِّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِ بَا ١٥ وَإِذِاعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْرَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَبِىْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ١٦ قوله عزوجل: ﴿وربطنا على قلوبهم .. ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ثبتناها. الثاني: ألهمناها صبراً، قاله اليزيدي. خ ... لقد قلنا إذاً شططاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: غُلُواً. الثاني: تباعداً. قوله تعالى: ﴿ ... لولا يأتون عليهم بسلطان بيّنٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بحجة بينة، قاله مقاتل. الثاني : بعذر بيّن، قاله قتادة. الثالث: بكتاب بيّن، قاله الكلبي. قوله تعالى: ﴿ ... ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: سعة. الثاني : معاشاً. ٢٨٩ سورة الكهف الآية - ١٧ ويحتمل ثالثاً: يعني خلاصاً، ويقرأ ﴿مِرْفقاً﴾ بكسر الميم وفتح (٤٨٥) الفاء ﴿وَمَرفِقاً﴾ بفتح الميم وكسر الفاء، والفرق بينهما أنه بكسر الميم وفتح الفاء إذا وصل إليك من غيرك، وبفتح الميم وكسر الفاء إذا وصل منك إلى غيرك. ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَبَت تَّفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُوَلِيًّا قُرْشِدًا قوله عزوجل: ﴿وترى الشمس إذا طَلَعَتْ تزاور عن كهفهم ذاتَ اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعرض عنه فلا تصيبه . الثاني : تميل عن كهفهم ذات اليمين. ﴿وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معنى تقرضهم تحاذيهم، والقرض المحاذاة، قاله الكسائي والفراء. الثاني: معناه تقطعهم ذات الشمال أي أنها تجوزهم منحرفة عنهم، من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته . الثالث: معناه تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها، مأخوذ من قرض الدراهم التي ترد لأنهم كانوا في مكان موحش، وقيل لأنه لم يكن عليهم سقف يظلهم ولو طلعت عليهم لأحرقتهم. وفي انحرافها عنهم في الطلوع والغروب قولان: أحدهما: لأن كهفهم كان بإزاء بنات نعش فلذلك كانت الشمس لا تصيبه في وقت الشروق ولا في وقت الغروب، قاله مقاتل. الثاني: أن الله تعالى صرف الشمس عنهم لتبقى أجسامهم وتكون عبرة لمن یشاهدهم أو يتصل به خبرهم (٤٨٦). (٤٨٥) وهي قراءة الجمهور والقراءة الثانية التي ذكرها المؤلف هي قراءة نافع وابن عامر. زاد المسير (١١٦/٥). (٤٨٦) ومن الغرائب ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ونقله الحافظ في الفتح (٥٠٥/٦) عن شهر بن = ٢٩٠ سورة الكهف الآية - ١٨ ﴿وهم في فجوة منه﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني في فضاء منه، قاله قتادة. الثاني : داخل منه، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنه المكان الموحش. الرابع: أنه ناحية متسعة، قاله الأخفش، ومنه قول الشاعر: ونحن ملأنا كلَّ وادٍ وفجوةٍ رجالاً وخيلا غير ميلٍ ولا عُزْلِ وَتَحْسَبُّهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَتُقَلُّهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِّ وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِّ لَوِأَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَّهُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعُبًا ١٨ قوله عز وجل: ﴿وتحسبهم أيقاظاً وهم رقودٌ﴾ الأيقاظ: المنتبهون. قال الراجز (٤٨٧): قد وجدوا إخوانهم أيقاظا والسيف غياظ لهم غياظا والرقود: النيام. قيل إن أعينهم كانت مفتوحة ويتنفسون ولا يتكلمون. ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ يعني تقلب النيام لأنهم لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض لطول مكثهم. وقيل إنهم كانوا يقلبون في كل عام مرتين، ستة أشهر على جنب. وستة أشهر على جنبٍ آخر، قاله ابن عباس. قال مجاهد: إنما قلبوا تسع سنين بعد ثلاثمائة (٤٨٨) سنة لم يقلبوا فيها. وفيما تحسبهم من أجله أيقاظاً وهم رقود قولان: أحدهما: لانفتاح أعينهم. الثاني : لتقليبهم ذات اليمين وذات الشمال. = حوشب قال كان لي صاحب قوي النفس فمر بالكهف فأراد أن يدخل فنهي فأبى فأشرف عليهم فأبيضت عيناه وتغير شعره. (٤٨٧) هو العجاج والبيت في ديوانه ٨١ - ٨٢ ومجاز القرآن (٣٩٧/١) والطبري (٢١٣/١٥). (٤٨٨) وقد وردت تقديرات أخرى راجعها في روح المعاني (٢٢٥/١٥) وقال الآلوسي عقبها: ((وتعقب الإمام ذلك بأن هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها لفظ القرآن لا يدل عليها وما جاء فيها خبر صحيح اهـ. ٢٩١ سورة الكهف الآية - ١٨ ﴿و کلبهم باسطٌ ذِراعيه بالوصيد﴾ في ﴿كلبهم﴾ قولان: أحدهما: أنه كلب من الكلاب كان معهم، وهو قول الجمهور (٤٨٩) . وقيل إن اسمه کان حمران. الثاني: أنه إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم، وقيل بل كان راعياً. وفي ﴿الوصید﴾ خمسة تأويلات: أحدها: أنه العتبة (٤٩٠). الثاني : انه الفناء قاله ابن عباس. الثالث: أنه الحظير، حكاه اليزيدي . الرابع: أن الوصيد والصعيد التراب (٤٩١)، قاله سعيد بن جبير. الخامس: أنه الباب، قاله عطية، وقال الشاعر (٤٩٢): بأرض فضاءً لا يُسَدَّ وَصيدها عليٍّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكَرٍ وحكى جرير بن عبيد أنه كان كلباً ربيباً صغيراً. قال محمد بن إسحاق كان أصفر اللون. ﴿لو اطلعت عليهم لوليت منهم فِراراً ولملِئت منهم رُعباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لطول أظفارهم وشعورهم يأخذه(٤٩٣) الرعب منهم فزعاً. (٤٨٩) وهو الصواب من القولين وظاهر القرآن يدل عليه كما في روح المعاني (٢٢٥/١٥) وقال ((وأبعد من هذا من زعم من ذهب إلى أنه رجل طباخ لهم تبعهم أو أحدهم وقعد على الباب طليعة لهم نعم حكى أبو عمرو الزاهد غلام ثعلب أنه قرىء ((وكالئهم)) بهمزة مضمومة بدل الباء وألف بعد الكاف من كلا إذا حفظ ولا يبعد فيه أن يراد الرجل الربيئة لكن ظاهر القراءة المتواترة يقتضي إرادة الكلب المعروف منه أيضاً وإطلاق ذلك عليه لحفظه ما استحفظ عليه وواسقه إياه وقيل في هذه القراءة أنها تفسير أو تحریف». (٤٩٠) وتعقب هذا القول بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب فتح القدير (٢٧٥/٣). (٤٩١) قال العلامة الآلوسي في روح المعاني (٢٢٦/١٥) ((ولیس بذاك)» قلت وقد روى مثله عن ابن عباس لكن بسند ضعيف اخرجه الطبري (٩٤/١٠) والأولى تفسير الوصيد بالفناء كما هو منقول عن أكثر المفسرين وأهل اللغة راجع زاد المسير ١١٩/٥). (٤٩٢) هو عبيد بن وهب العبسي والبيت في غريب القرآن (٢٦٥) والبحر المحيط (٩٣/٦) والقرطبي (٣٧٣،٣٥١/١٠)، روح المعاني (٢٢٦/١٥). (٤٩٣) وتعقب الشوكاني هذا القول في فتح القدير (٢٧٥/٣) بقوله ((ويدفعه قوله تعالى ﴿لبثنايوماً أو بعض. يوم﴾ فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئاً ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل على طول المدة أ. هـ. ٢٩٢ سورة الكهف الآية - ٢٠،١٩ الثاني: لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة التي ترد عنهم الأبصار لئلا يصل إليهم أحد حتی یبلغ الکتاب فیھم أجله. حکی سعید بن جبير عن ابن عباس قال: غزوت مع معاوية رضي الله عنه في بحر الروم فانتهينا إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية أريد أن أدخل عليهم فأنظر إليهم، فقلت ليس هذا لك فقد منعه الله من هو خير منك، قال تعالى ﴿لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً﴾ الآية. فأرسل جماعة إليهم دخلوا الكهف أرسل الله عليهم ريحاً أخرجتهم. وقيل إن هذه المعجزة من قومهم کانت لنبي قيل إنه كان أحدهم وهو الرئيس الذي اتبعوه وآمنوا به. وَكَذَلِكَ بَعَتْنَهُمْ لِيَتَسَآءَ لُوْبَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوْلَبِثْنَا يَوْمًا أَوْبَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْأَيُهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًا ﴿٩َهَ إِنَهُمْ إِن يَظْهَرُ واْعَلَيْكُمْيَرْجُمُوَكُمْ أَوْيُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوْاْإِذَا أَبَدًا قوله عزوجل: ﴿وكذلك بعثناهم﴾ يعني به إيقاظهم من نومهم. قال مقاتل: وأنام الله كلبهم معهم. ﴿ليتساءلوا بينهم قال قائلٌ منهم كم لبثتم﴾ ليعلموا قدر نومهم. ﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ كان السائل منهم أحدهم، والمجيب له غيره، فقال لبثنا يوما لأنه أطول مدة النوم المعهود، فلما رأى الشمس لم تغرب قال ﴿أو بعض يوم﴾ لأنهم أنيموا أول النهار ونبهوا آخره. ﴿قالوا ربُّكم أعلمُ بما لبثتم﴾ وفي قائله قولان. ٢٩٣ سورة الكهف الآية - ٢٠،١٩ أحدهما: أنه حكاية عن الله تعالى أنه أعلم بمدة لبثهم. الثاني: أنه قول كبيرهم مكسلمينا حين رأى الفتية مختلفين فيه فقال ﴿ربكم أعلم بما لبثتم﴾ فنطق بالصواب ورد الأمر إلى الله عالمه، وهذا قول ابن عباس. ﴿فابعثوا أحدكم (٤٩٤) بورقكم هذه الى المدينة﴾ قرىء بكسر الراء (٤٩٥) وبتسكينها، (٤٩٦) وهو في القراءتين جميعاً الدراهم، وأما الورَق بفتح الراء فهي الإبل والغنم، قال الشاعر: إياك أدعو فتقبل مَلَقي كَفِّرْ خطاياي وثمِّرْ ورقي يعني إبله وغنمه . ﴿فلينظر أيها أزكى طعاماً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أيها أكثر طعاماً، وهذا قول عكرمة. الثاني: أيها أحل طعاماً (٤٩٧) وهذا قول قتادة. الثالث: أطيب طعاماً، قاله الكلبي. الرابع: أرخص طعاماً. ﴿فليأتکم برزق منه﴾ فیه وجهان: أحدهما: بما ترزقون أكله. الثاني : بما يحل لكم أكله. ﴿وليتلطف ... ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وليسترخص. الثاني: وليتلطف في إخفاء أمركم. وهذا يدل على جواز اشتراك الجماعة في طعامهم وإن كان بعضهم أكثر أكلاً وهي المناهدة، وكانت مستقبحة في الجاهلية (٤٩٤) فائدة: قال ابن الأنباري انما قال ((أحدكم)) ولم يقل واحدكم لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم فإن العرب تقول رأيت أحد القوم ولا يقولون: رأيت واحد القوم إلا إذا أرادوا المعظّم فأراد بأحدهم بعضهم ولم يُرد شریفهم ا هـ زاد المسير (١٢١/٥). (٤٩٥) وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم. زاد المسير (١٢١/٥). (٤٩٦) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وأبي بكر عن عاصم زاد المسير (١٢١/٥) وذكر فيها قراءات أخرى راجع فتح القدير (٢٧٥/٣). (٤٩٧) وذلك لأن أهل المدينة على عهدهم على ما قيل كانوا يذبحون للطواغيت على ما جاء عن ابن عباس وقيل إنهم كانوا يذبحون للخنازير وقيل إن أكثر أموالهم كانت مغصوبة راجع روح المعاني (٢٣٠/١٥). ٢٩٤ سورة الكهف الآية - ٢١ فجاء الشرع بإباحتها . قوله عز وجل: ﴿إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يرجموكم بأيديهم استنكاراً لكم، قاله الحسن. الثاني : بألسنتهم غيبة لكم وشتماً، قاله ابن جريج. الثالث: يقتلوكم. والرجم القتل لأنه أحد أسبابه. ﴿أو یعیدوکم في ملتهم﴾ يعني في كفرهم. ﴿ولن تفلحوا إذاً أبداً﴾ إن أعادوكم في ملتهم. وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوْ اْ أَنَّ وَعْدَالَلَّهِ حَقٌّ وَأَنَ السَّاعَةَ لَرَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَّنَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمِّ فَقَالُوْآبَنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَتَّارَتُهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ( ٢١ قوله عز وجل : ﴿و کذلك أعثرنا عليهم﴾ فیه وجهان: أحدهما: أظهرنا أهل بلدهم عليهم. الثاني: أطلعنا برحمتنا إليهم. ﴿وليعلموا أنّ وعْدَ اللهِ حقًّ ... ﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: ليعلم أهل بلدهم أن وعد الله حق في قيام الساعة وإعادة الخلق أحياء، لأن من أنامهم كالموتى هذه المدة الخارجة عن العادة ثم أيقظهم أحياء قادر على إحياء من أماته وأقبره. الثاني : معناه ليرى أهل الكهف بعد علمهم أن وعد الله حق في إعادتهم. ﴿إِذ يتنازعون بينهم أمرهم﴾ ذلك أنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها وطعام، استنكروا شخصه واستنكرت ورقه لبعد العهد فحمل إلى الملك وكان صالحاً قد آمن ومن معه، فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك فقد كنت أدعو الله أن يريناهم، وسأل الفتى فأخبره فانطلق والناس معه إليهم، فلما دنوا من أهل الكهف وسمع الفتية كلامهم خافوهم ووصى بعضهم بعضاً بدينهم فلما دخلوا عليهم أماتهم الله ميتة الحق، فحينئذ كان التنازع الذي ذكره الله تعالى فيهم. ٢٩٥ سورة الکھف الآية - ٢٢ وفي تنازعهم قولان: أحدهما: أنهم تنازعوا هل هم أحياء أم موتی ؛ الثاني: أنهم تنازعوا بعد العلم بموتهم هل يبنون عليهم بنياناً يعرفون به أم يتخذون عليهم مسجداً (٤٩٨). وقيل: إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب، فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود فدعْنا. سَيَقُولُونَ ثَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَحْمًا بِالْغَيْسِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَاِسُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبٍِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَا رِفِهِمْ إِلَّ مِرَاءَ ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (٤٩٨) المسجد له في الإسلام مكانة عظمى فهو المعبد الذي يرتاده المسلمون كل المسلمين من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين كانوا يدينون بدين الإسلام لأن كل الأنبياء كانوا مسلمين وأتباعهم الذين اتبعوهم بالحق كانوا مسلمين وكانت الصلاة لا تجوز في شرائع الأنبياء السالفين إلا في المساجد وكانوا كلهم يتجهون في صلاتهم إلى الكعبة والصحابة في مكة اتجهوا إلى الكعبة ولما هاجروا إلى المدينة ولحكمة يقتضيها ربنا أمروا بالتوجه إلى البيت المقدس سبعة عشر شهراً ثم أمر بالتحول إلى جهة الكعبة زادها الله شرفاً ولم يتخذ نبيّ من الأنبياء كنيسة على الإطلاق وإن الكنيسة هي من صنع النصارى الذين حرفوا شريعة سيدنا عيسى عليه السلام وقد زعم البعض ممن ينتسبون إلى العلم محاباة للنصارى بأن الكنيسة هي بيت الله فهذا ضلال. فالمساجد لها تعظيم في قلوب المسلمين قال رسول الله #: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة يا رسول الله قال المساجد وقال تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. لذا فإن المسجد له حرمته في قلب المسلم فلا يجوز أن يدخله حائض ولا جنب ولا نفساء ولا يلتفت إلى قول بعض من ينتسب إلى العلم زوراً بأنه يجوز للجنب أن يدخل المسجد فهذا باطل وقد روى أبو داود أن رسول الله و # قال: ((إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). فمن استخف بالمسجد أو سخر به أو ألحق به ما يشعر الاستخفاق فقد ضل. ولا يجوز تصغير إسم المسجد وكذلك يحرم فيه إضاءة الشموع لغير منفعة معتبرة وأفضل مساجد الدنيا ثلاثة المسجد الحرام في مكة والحرم النبوي الشريف والمسجد الأقصى والصلاة في هذه المساجد الثلاثة فيها من الأجر والثواب ما ليس في غيرها فلا تشد الرحال من أجل الصلاة إلا لها. ٢٩٦ سورة الكهف الآية - ٢٢ قوله عزوجل: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ فأدخل الواو على انقطاع القصة لأن الخبر قد تم. ﴿قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل﴾ في المختلفين في عددهم قولان: أحدهما: أنهم أهل المدينة قبل الظهور عليهم. الثاني : أنهم أهل الكتاب بعد طول العهد بهم. وقوله تعالى: ﴿رجماً بالغيب﴾ قال قتادة قذفاً بالظن، قال زهير (٤٩٩): وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّم(٥٠١) وقال ابن عباس(٥٠٠): أنا من القليل الذي استثنى الله تعالى: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق: كانوا ثمانية، وجعلا قوله تعالى: ﴿وثامنهم کلبهم﴾ أي صاحب كلبهم. وکتب قومهم أسماءهم حین غابوا، فلما بان أمرهم کتبت أسماؤهم على باب الكهف. قال ابن جريج: أسماؤهم مكسلمينا(٥٠٢) ويمليخا وهو الذي مضى بالورق يشتري به الطعام، ومطرونس(٥٠٣)، ومحسيميلنينا، وكشوطوش، وبطلنوس (٥٠٤) ویوطونس وبیرونس. (٤٩٩) شرح المعلقات السبع لأبي بكر الأنباري، ديوانه: ١٨ والطبري ٢٢٦/١٥ والقرطبي (٣٨٣/١٠) اللسان رجم. (٥٠٠) أخرجه الطبراني عن ابن عباس كما في الدرر (٣٧٥/٥) وصححه السيوطي. (٥٠١) قال الحافظ ابن كثير (٧٨/٣) يقول تعالى خبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف فحكى ثلاثة أقوال ... ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله ﴿وثامنهم كلبهم﴾ فدل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمراهـ. (٥٠٢) قال القرطبي (١٠ /٣٦٠) وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية والسند في معرفتها واه ((قلت ولكن صحح السيوطي سند الأثر الوارد عن ابن عباس وكذا ابن حجر في الفتح. نعم هناك اختلاف كثير في ضبط الأسماء كما قال الحافظ في الفتح بحيث لا يقع الوثوق بضبطها . (٥٠٣) وفي الطبري (٢٠١/١٥) مرطوس)). (٥٠٤) وفي الطبري (٢٠١/١٥) (دينموس)) بدلاً من ((بطلنوس)). وقد ظن بعضهم أن أسماء أهل الكهف لها أسرار في دفع البلاء والمرض والصداع .. الخ وحفظ المال اعتماداً على ما ورد عن ابن عباس ولم يصح هذا الأثر وقد أبطله غاية الإبطال العلامة الآلوسي رحمه الله فراجع ما كتب حوله في روح المعاني (٣٤٧/١٥). ٢٩٧ سورة الكهف الآية - ٢٤،٢٣ قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا وكان أسنهم وكان صاحب غنم. وفلا تمار فيهم إلّ مراءً ظاهراً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم، قاله مجاهد. الثاني: حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم، فلا تسألني عن إظهار غيره، قاله قتادة . الثالث: إلا مِراء ظاهراً يعني بحجة واضحة وخبر صادق، قاله علي بن عیسی . الرابع: لا تجادل فيهم أحداً ألا أن تحدثهم به حديثاً، قاله ابن عباس. الخامس: هو أن تشهد الناس عليهم. ﴿ولا تستفت فیھم منهم أحداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا تستفت يا محمد فيهم أحداً من أهل الكتاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة . الثاني : أنه خطاب للنبي ێ ونهي لأمته. وَلَا نَقُولَنَّ ◌ِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّأَ (٣) إِلَّا أَن يَشَآءَ اللَّهَ وَاذْكُرُ رَّبَّكَ ٢٤ إِذَانَسِيتٌّ وَقُلْ عَسَمَّ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبٍِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَارَشَدًا قوله عز وجل: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعلٌ ذلك غداً﴾ ﴿إلا أن يشاء الله﴾ قال الأخفش: فيه إضمار وتقديره: إلا أن تقول إن شاء الله، وهذا وإن كان أمراً فهو على وجه التأديب والإرشاد أن لا تعزم على أمر إلا أن تقرنه بمشيئة الله(٥٠٥) تعالى لأمرین: أحدهما: أن العزم ربما صد عنه بمانع فيصير في وعده مخلفاً وفي قوله كاذباً، قال موسى عليه السلام ﴿ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ [الكهف: ٧٠] ولم يصبر ولم یکن كاذباً لوجود الاستثناء في كلامه. الثاني: إذعاناً لقدرة الله تعالى، وإنه مدبر في أفعاله بمعونة الله وقدرته. (٥٠٥) وفي هذه الآية رد على القدرية . ٢٩٨ سورة الكهف الآية - ٢٦،٢٥ الثالث: يختص بيمينه إن حلف وهو سقوط الكفارة عنه إذا حنث (٥٠٦). ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنك إذا نسيت الشيء فاذكر الله ليذكرك إياه، فإن فعل فقد أراد منك ما ذكرك، وإلا فسيدلك على ما هو أرشد لك مما نسيته، قاله بعض المتكلمين. الثاني: واذكر ربك إذا غضبت (٥٠٧)، قاله عكرمة، ليزول عنك الغضب عند ذكره. الثالث: واذكر ربك إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله في يمينك. وفي الذکر المأمور به قولان: أحدهما: أنه ما ذكره في بقية الآية ﴿وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً﴾. الثاني : أنه قول إن شاء الله الذي کان نسیه عند يمينه. واختلفوا في ثبوت الاستثناء بعد اليمين على خمسة أقاويل: أحدها: أنه يصح الاستثناء بها إلى سنة، فيكون كالاستثناء بها مع اليمين في سقوط الكفارة ولا يصح بعد السنة، قاله ابن عباس. الثاني: يصح الاستثناء بها في مجلس يمينه، ولا يصح بعد فراقه، قاله الحسن وعطاء. الثالث: يصح الاستثناء بها ما لم يأخذ في كلام غيره. الرابع: يصح الاستثناء بها مع قرب الزمان، ولا يصح مع بعده. الخامس: أنه لا يصح الاستثناء بها إلا متصلاً بيمينه وهو الظاهر من مذهب مالك والشافعي رحمهما الله. وَلَبِثُوْ فِ كَهْفِهِمْ ثَلَثَ مِاْتَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُ وَأْتِسْعًا لَهَاقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئُوأَ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ مَالَهُممِّن دُونِهِ مِن وَلٍِ وَلَا يُشْرِكُ فِىِ حُكْمِهِ: أَحَدًا ! ٢ (٥٠٦) لاحظ أن المؤلف هنا أورد ثلاثة أمور بينما نص في الابتداء على أمرين فلعله أراد ثلاثة أمور. (٥٠٧) قال ابن الأنباري عن قول عكرمة ((وليس ببعيد لأن الغضب ينتج النسيان)). زاد المسير (١٢٨/٥). ٢٩٩ سورة الكهف الآية - ٢٧، ٢٨ قوله عزوجل: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً﴾ في قراءة ابن مسعود قالوا لبثوا في کھفهم. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا قول اليهود، وقيل بل نصارى نجران أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فرد الله تعالى عليهم قولهم وقال لنبيه ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾. والقول الثاني: أن هذا إخبار من الله تعالى بهذا العدد عن مدة بقائهم في الکهف من حین دخلوه إلی أن ماتوا فیه . ﴿وازدادوا تسعاً﴾ هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية. ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما لبثوا بعد مدتهم إلى نزول القرآن فيهم. الثاني: الله أعلم بما لبثوا في الكهف وهي المدة التي ذكرها عن اليهود إذ ذكروا زيادة ونقصاناً. قوله عز وجل : ﴿ ... أبصر به واسمع﴾ فیه تأويلان: أحدهما: أن الله أبصر وأسمع، أي أبصر، بما قال وأسمع لما قالوا. الثاني : معناه أبصرهم وأسمعهم ما قال الله فيهم. ﴿ما لهم من دونه من وليّ﴾ فیه وجهان: أحدهما: من ناصر. الثاني : من مانع. ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا يشرك في علم غيبه أحداً. الثاني : أنه لم يجعل لأحد أن يحكم بغير حكمه فيصير شريكاً له في حكمه. وَأَتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَن ◌َجِدَ مِن دُونِهِ. مُلْتَحَدًا ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ. عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا ٢٨ ٣٠٠