النص المفهرس

صفحات 241-260

سورة الإسراء الآية - ٣٤، ٣٥
وفي إسرافه أربعة أوجه:
أحدها: أن يقتل غير قاتله، وهذا قول طلق بن حبيب.
الثاني : أن یمثل اذا اقتص، قاله ابن عباس.
الثالث: أن يقتل بعد أخذ الدية، قاله يحيى.
الرابع: أن يقتل جماعة بواحد، قاله سعيد بن جبير وداود.
﴿إنه كان متصوراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن الولي كان منصوراً بتمكينه من القود، قاله قتادة.
الثاني : أن المقتول كان منصوراً بقتل قاتله، قاله مجاهد.
وَلَ نَقْرَبُوْ مَالَ الْيَنِيِمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ
اُلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٢٨) وَأَوْفُواْالْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمٌ وَزِئُواْبِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِمِّ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
٣٥
قوله عزوجل: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلّ بالتي هي أحسن﴾ وإنما خص اليتيم
بالذكر لأنه إلى ذلك أحوج، والطمع في ماله أكثر. وفي قوله ﴿إلّ بالتي هي أحسن﴾
قولان :
أحدهما: حفظ أصوله وتثمیر فروعه، وهو محتمل.
الثاني : أن التي هي أحسن التجارة له بماله.
وحتى يَبْلُغَ أشدَّه﴾ وفي الأشد وجهان:
أحدهما: أنه القوة.
الثاني : المنتهى .
وفي زمانه ها هنا قولان :
أحدهما: ثماني عشرة سنة.
والثاني: الاحتلام مع سلامة العقل وإيناس الرشد(٤٠٣).
﴿وأوفوا بالعهد﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
(٤٠٣) راجع تفسير قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ .. الآية في سورة النساء.
٢٤١

سورة الإسراء الآية - ٣٦
أحدها: أنها العقود التي تنعقد بين متعاقدين يلزمهم الوفاء بها، وهذا قول
أبي (٤٠٤) جعفر الطبري.
الثاني: أنه العهد في الوصية بمال اليتيم يلزم الوفاء به .
الثالث: أنه كل ما أمر الله تعالى به أو نهى فهو من العهد الذي يلزم الوفاء
به (٤٠٥).
﴿إن العهد کان مسئولاً﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن العهد كان مطلوباً، قاله السدي.
الثاني: أن العهد كان مسئولا عنه الذي عهد به، فيكون ناقض العهد هو
المسئول.
الثالث: أن العهد نفسه هو المسئول بم نقضت، كما تُسأل الموءودة بأي ذنب
قتلت.
قوله عز وجل: ﴿ ... وزنُوا بالقسطاس المستقيم﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه القبان. قاله الحسن.
الثاني : أنه الميزان صغر أو كبر، وهذا قول الزجاج.
الثالث: هو العدل.
واختلف من قال بهذا على قولين :
أحدهما: أنه رومي، قاله مجاهد.
الثاني : أنه عربي مشتق من القسط، قاله ابن درستويه .
﴿ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أحسن باطناً فيكون الخير ما ظهر، وحسن التأويل ما بطن.
الثاني : أحسن عاقبة، تأويل الشيء عاقبته.
وَلَا نَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلٌَّّ إِنَّالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا
٣٦
(٤٠٤) جامع البيان (٨٤/١٥).
(٤٠٥) وهذا القول أرجح لأنه أعم فيدخل فيه العهد بين الله وعباده وبين العباد وبعضهم من شراء وبيع وعقود
ونكاح وأمانة وغير ذلك.
٢٤٢

سورة الإسراء الآية - ٣٦
قوله عز وجل : ﴿ولا تقف ما ليس لك به عِلْمٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: معناه لا تقل ما ليس لك به علم فلا تقل رأيت، ولم تر، ولا سمعت،
ولم تسمع، ولا علمت ولم تعلم (٤٠٦). وهذا قول قتادة.
الثاني: معناه ولا ترم أحد بما ليس لك به علم، وهذا قول ابن عباس. ومنه
قول النبي ويلي: (٤٠٧) ((نحن بني النضر بن كنانة لا نقْفُو أمنا ولا ننتفي من أبينا)).
الثالث: أنه من القيافة وهو اتباع الأثر، وكأنه يتبع قفا المتقدم، قال
الشاعر (٤٠٨):
بِهِنَّ الْحَيَاءُ لا يُشِعْنَ النَّقَافِيَا
ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العَرَانِينِ سَاكِنْ
أي التقاذف.
﴿إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسئولاً﴾ یحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد لأنه يعمل
بها إلى الطاعة والمعصية.
الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد تُسأل عن الإنسان ليكونوا شهوداً عليه، وله،
بما فعل من طاعة وما ارتكب من معصية. ويجوز أن يقال أولئك لغير الناس، كما قال
جرير (٤٠٩) :
(٤٠٦)، قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٢٢٧/٣) ((إن هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما
ليس بعلم ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام وبخبر الواحد والعمل
بالشهادة والاجتهاد في القبلة وفي جزاء الصيد ونحو ذلك ... إلى أن قال .. وأما التوثب على الرأي
مع وجود الدليل في الكتاب والسنة ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا
النهي دخولاً أولياً لأنه محض رأي في شرع الله وبالناس عن غنى بكتاب الله سبحانه وبسنة رسوله ويتر)»
اهـ.
(٤٠٧) رواه ابن ماجه (٢٦/٢) وأحمد (٢١١/٥، ٢١٢) والطيالسي (١٠٤٩) واللفظ الآتي له من حديث
الأشعث بن قيس قال قلت يا رسول الله إنا نزعم أنامنكم أو أنكم منا فقال رسول الله و # نحن بنو النضر
ابن كنانة لا ننتفي من أبينا ولا نقفو أمنا فقال الأشعث لا أجد أحداً أو أوتى بأحد نفى قريشاً من كنانة إلا
جلدته الحد؟ قال العلامة البوصيري في الزوائد عن إسناد ابن ماجه هذا إسناد صحيح رجاله ثقات لأن
عقيل بن طلحة وثقه ابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد على شرط
مسلم .
(٤٠٨) هو النابغة الجعدي والبيت في مجاز القرآن (٣٧٩/١) واللسان (قفو) والطبري (٧٨/١٥).
(٤٠٩) ديوانه: ٥٥١، والطبري (٨٧/١٥) والنقائض (٢٥٦/١) والقرطبي (٢٦٠/١٠).
٢٤٣

سورة الإسراء الآية - ٣٧ - ٤١
والْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ
ثُمّ المنازِلِ بَعْدَ منزِلِةِ اللُّوی
كُلُّ
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ®
ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَرَبِّكَ مَكْرُوهًا
٣٨
قوله عز وجل: ﴿ولا تمش في الأرض مَرَحاً﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: أن المرح شدة الفرح بالباطل.
الثاني : أنه الخيلاء في المشي، قاله قتادة.
الثالث: أنه البطر والأشر.
الرابع: أنه تجاوز الإنسان قدره.
الخامس: التكبر في المشي.
﴿إنّك لن تخرِقَ الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إنك لن تخرق الأرض من تحت قدمك ولن تبلغ الجبال طولاً
بتطاولك زجراً له عن تجاوزه الذي لا يدرك به غرضاً.
الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى له، ومعناه كما أنك لن تخرق الأرض في
مشيك، ولن تبلغ الجبال طولاً فإنك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك، إياساً له من
بلوغ إرادته.
ذَلِكَ مِمَّا أَوْ حَىَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ
مَلُومَّا مَّدْ خُورًا (٦) أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَئِكَةِ إِنََّ إِنَّكُمْ
لَنَقُولُونَ قَوْلًاً عَظِيمَالِثْلَ وَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْإِلَّا نُفُورًا
٤١
قوله عز وجل: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن﴾ فيه وجهان:
أحدهما: كررنا في هذا القرآن من المواعظ والأمثال.
الثاني : غايرنا بين المواعظ باختلاف أنواعها .
﴿لیذکر وا﴾ فيه وجهان :
أحدهما: ليذكروا الأدلة.
٢٤٤

سورة الإسراء الآية - ٤٢ - ٤٥
الثاني : ليهتدوا إلى الحق.
﴿وما يزيدهم الا نفوراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: نفوراً عن الحق والاتباع له.
الثاني: عن النظر والاعتبار. وفي الكلام مضمر محذوف، وتقديره ولقد صرفنا
الأمثال في هذا القرآن.
قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُزْ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بَنَغَوْإِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا
سُبْحَنَهُوَتَعَلَى
٤٢
عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَا كَبِيرًا
قوله عزوجل: ﴿قل لو كان مَعَهُ آلهةٌ كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش
سبيلاً﴾ فیه وجهان:
أحدهما: لطلبوا إلیه طريقاً يتصلون به لأنهم شركاء؛ قاله سعيد بن جبير.
الثاني : ليتقربوا إليه لأنهم دونه، قاله قتادة.
تُسَيِّعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحْدِهِ وَلَكِن
وَإِذَا قَرَأَتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ
لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )
قوله عزوجل: ﴿وإن من شيءٍ إلّ يُسَبِّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ فيه
ثلاثة أقاويل:
أحدها: وإن من شيء من الأحياء الا يسبح بحمده، فأما ما ليس بحي فلا، قاله
الحسن.
الثاني: إن جميع المخلوقات تسبح له من حي وغير حي حتى صرير
الباب (٤١٠)، قاله إبراهيم.
الثالث: أن تسبيح ذلك ما يظهر فيه من لطيف صنعته وبديع قدرته الذي يعجز
الخلق عن مثله فيوجب ذلك على من رآه تسبيح الله وتقديسه، كما قال الشاعر:
وتَسْتَقِرُّ حَشَا الرَّائِي بِإِرْعَادِ
تُلْقِي بِتَسْبِيحَةٍ مِنْ حَيْثُمَا انْصَرَفَتْ
فَكُلُّ أَكْنَافِها وَجْهُ لِمِرْصَادِ
كَأَنَّمَا خُلِقتْ مِن قِشْرٍ لُؤْلُؤةٍ
(٤١٠) وتسبيح كل شيء بحسبه وهو تسبيح حقيقي لا نفقه كما قال ربنا.
٢٤٥

سورة الإسراء الآية - ٤٥ - ٤٨
٤٥
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ
وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا
يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَى أَدْ بَرِهِمْ
نُفُورًا
٤٦
قوله عزوجل: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة
حجاباً مستوراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أي جعلنا القرآن حجاباً ليسترك عنهم إذا قرأته.
الثاني: جعلنا القرآن حجاباً يسترهم عن سماعه إذا جهرت به. فعلى هذا فيه
ثلاثة أوجه :
أحدها: أنهم لإعراضهم عن قراءتك كمن بينك وبينهم حجاباً في عدم
رؤيتك. قاله الحسن.
والثاني: أن الحجاب المستور أن طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه، قاله
قتادة.
الثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يؤذونه في الليل إذا قرأ، فحال الله بينه وبينهم
من الأذى، قاله الزجاج.
﴿مستوراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن الحجاب مستور عنکم لا ترونه.
الثاني: أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه، ویکون مستور بمعنی ساتر، وقيل
إنها نزلت في بني عبد الدار.
◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْيَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْهُمْ نَجْوَىَ إِذْ يَقُولُ الَِّمُونَ إِن تَشَِّعُونَ
إِلََّ رَجُلًا مَّسْحُورًا (٦َ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلًا
قوله عزوجل: ﴿نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى﴾
في هذه النجوی قولان :
أحدهما: أنه ما تشاوروا عليه في أمر النبي ﴿ ﴿ في دار الندوة.
٢٤٦

سورة الإسراء الآية - ٤٩ - ٥٢
الثاني: أن هذا في جماعة من قريش منهم الوليد بن المغيرة كانوا يتناجون بما
ينفّرون به الناس عن اتباعه وَّر. قال قتادة: وكانت نجواهم أنه مجنون، وأنه ساحر،
وأنه يأتي بأساطير الأولين.
﴿إِذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجُلًا مسحوراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه سحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك تنفيراً عنه.
الثاني : ان معنی مسحور مخدوع، قاله مجاهد.
الثالث: معناه أن له سحراً، أي رئة، يأكل ويشرب فهو مثلکم وليس بملك،
قاله أبو عبيدة، ومنه قول لبيد (٤١١):
عَصَافِيرُ مِنْ هذَا الْأَنَامِ الْمُسَخَّرِ
فَإِنْ تَسْأَلِيْنَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنّنَا
قُلْ كُنُواْحِجَارَةً
٤
وَقَالُواْلَعِ ذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُقَنَا أَمِنَا لَمَبْعُوتُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ®
أَوْ حَدِيدًا (٥) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُ ورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِدُ نَاقُلِ الَّذِى
فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوَّقُلْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَرِيبًا ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَقُلُونَ إِن ◌َّبِئْتُمْ إِلَّا
قَلِيلًا
٥٢
قوله عز وجل: ﴿وقالوا أئِذا كُنّا عظاماً ورفاتاً﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: أن الرفات التراب، قاله الكلبي والفراء.
الثاني: أنه ما أرفت من العظام مثل الفتات، قاله أبو عبيدة، قال الراجز:
صُمَّ الصَّفَا رَفَتَ عَنْهَا أَصْلُهُ
قوله عزوجل : ﴿قل كونوا حجارةً أو حديداً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: معناه إن عجبتم من إنشاء الله تعالى لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم
حجارة أو حديداً إن قدرتم، قاله (٤١٢) أبو جعفر الطبري.
(٤١١) اللسان: سحر، ديوانه ٥٦، مجاز القرآن (٣٨١/١)، البيان والتبيين (١٨٩/١)، الطبري (٩٦/١٥)،
القرطبي (٣٧٣/١٠) الحيوان (٣٢٩/٥).
(٤١٢) جامع البيان (٩٧/١٥).
٢٤٧

سورة الإسراء الآية - ٤٩ - ٥٢
الثاني: معناه أنكم: لو كنتم حجارة أو حديداً لم تفوتوا الله تعالى إذا أرادكم
إلا أنه أخرجه مخرج الأمر لأنه أبلغ من الإلزام، قاله علي بن عيسى .
الثالث: معناه لو كنتم حجارة أو حديداً لأماتكم الله ثم أحياكم.
﴿أو خَلْقاً ممّا یکبر في صدوركم﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أنه عنى بذلك السموات والأرض والجبال لعظمها في النفوس، قاله
مجاهد .
الثاني: أنه أراد الموت لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه وقد قال
أمية بن أبي الصلت:
وللموت خلق للنفوس فظيعُ
نادوا إلّههمُ ليسرع خلقهم
وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص.
الثالث: أنه أراد البعث لأنه كان أكبر شيء في صدورهم قاله الكلبي .
الرابع: ما يكبر في صدوركم من جميع ما استعظمتموه من خلق الله تعالى،
فإن الله يميتكم ثم يحييكم ثم يبعثكم، قاله قتادة (٤١٣).
﴿ ... فسينغضون إليك رءُوسَهُم﴾ قال ابن عباس وقتادة، أي يحركون
رؤوسهم استهزاء وتكذيباً، قال الشاعر (٤١٤):
قلت لها صلي فقالت مِضٍّ وحركت لي رأسها بالنغضِ
قوله عزوجل: ﴿يَوْمَ يدعوكم فتستجيبون بحمده﴾ في قوله تعالى يدعوكم
قولان :
أحدهما: أنه نداء كلام يسمعه جميع الناس يدعوهم الله بالخروج فيه إلى
أرض المحشر.
الثاني: أنها الصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض
القيامة .
(٤١٣) فائدة: قال العلامة ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير (٤٤/٥) فإن قيل كيف قيل لهم ﴿كونوا حجارة
أو حديداً﴾ وهم لا يقدرون على ذلك ففيه جوابان أحدهما: إن قدرتم على تغيّر حالاتكم فكونوا حجارة أو
أشدّ منها فإنا نميتكم وننفّذ أحكامنا فيكم ومثل هذا قولك للرجل اصعد إلى السماء فإني لاحقك
والثاني تصوروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها فإنَّا سنبيدكم.
(٤١٤) اللسان (مضض).
٢٤٨

سورة الإسراء الآية - ٥٣، ٥٤
وفي قوله : ﴿فتستجيبون بحمده﴾ أربعة أوجه:
أحدها: فتستجيبون حامدين لله تعالى بألسنتكم.
الثاني : فتستجيبون على ما يقتضي حمد الله من أفعالكم.
الثالث: معناه فستقومون من قبوركم بحمد الله لا بحمد أنفسكم.
الرابع: فتستجیبون بأمره، قاله سفیان وابن جريج .
﴿وتظنون إن لبثتم إلّ قليلاً﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: إن لبثتم إلا قليلاً في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة، قاله الحسن.
الثاني : معناه الاحتقار لأمر الدنيا حين عاينوا يوم القيامة، قاله قتادة.
الثالث: أنهم لما يرون من سرعة الرجوع يظنون قلة اللبث في القبور.
الرابع: أنهم بين النفختين يرفع عنهم العذاب فلا يعذبون، وبينهما أربعون
سنة فيرونها لاستراحتهم قليلة؛ قاله الكلبي .
الخامس: أنه لقرب الوقت، كما قال الحسن كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم
نزل.
وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْالَّتِى هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّالشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ
٥٣
لِلْإِنِسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا
قوله عزوجل: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه تصديق النبي # فيما جاء به.
﴿إِنّ الشیطان ینزغُ بينهم﴾ في تكذيبه.
الثاني : أنه امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه، قاله الحسن.
الثالث: أنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابع: أن يرد خيراً على من شتمه.
وقيل إنها نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد شتمه رجل من بعض
كفار قريش، فهم به عمر، فأنزل الله تعالى فيه ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي
أحسن﴾.
رَّبِّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْإِن يَشَأْيَرْ حَمْكُمْأَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَّكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
٢٤٩

سورة الإسراء الآية - ٥٤ - ٥٧
﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السَّمَلَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ التَّبَِّنَ عَلَى بَعْضِّ
٥٤
وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
قوله عزوجل: ﴿إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إن یشأ يرحمكم بالهداية أو يعذبكم بالإضلال.
الثاني: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أعدائكم أو يعذبكم بتسلطهم عليكم،
قاله الكلبي .
الثالث: إن يشأ يرحمكم بالتوبة أو يعذبكم بالإقامة (٤١٥)، قاله الحسن.
﴿وما أرسلناك علیھم وکيلاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ما وكلناك أن تمنعهم من الكفر بالله سبحانه، وتجبرهم على الإيمان
به .
الثاني: ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم، قاله الكلبي، قال الشاعر:
بِرَدِّ الأمور الماضيات وكيلُ (٤١٦)
ذكرت أبا أرْوَى فَبِتَّ كأنني
وكيل : أي کفیل.
قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
٥٠
٥٧
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا
قوله عز وجل: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغُون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقْرَبُ﴾
الآية فيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها نزلت في نفر من الجن كان يعبدهم قوم من الإنس، فأسلم الجن
ابتغاء الوسيلة عند ربهم، وبقي الإنس على كفرهم؛ قاله عبد الله بن مسعود(٤١٧).
(٤١٥) أي بالإقامة والإصرار عليها.
(٤١٦) أورده في فتح القدير (٢٣٥/٣).
(٤١٧) قال الشوكاني رحمه الله (٢٣٧/٣) ((وهذا رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها =
٢٥٠

سورة الإسراء الآية - ٥٤ - ٥٧
الثاني: أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائل من العرب، وهذا مروي عن ابن
مسعود أيضاً.
الثالث: هم وعيسى وأَمُّهُ، قاله ابن عباس ومجاهد(*). وهم المعنيّون بقوله
تعالى ﴿قلِ ادعُوا الذين زعمتم مِن دونه﴾.
وتفسيرها أن قوله تعالى ﴿أولئك الذين يدعون﴾ یحتمل وجهين:
أحدهما: يدعون الله تعالی لأنفسهم.
الثاني : يدعون عباد الله الى طاعته.
وقوله تعالى: ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة) وهي القربة، وينبني تأويلها على
احتمال الوجهين في الدعاء.
فإن قيل إنه الدعاء لأنفسهم كان معناه يتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء إلى ما
سألوا.
وإن قيل دعاء عباد الله إلى طاعته كان معناه أنهم يتوسلون لمن دعوه إلى
مغفرته .
﴿أيهم أقرَبُ﴾ تأويله على الوجه الأول: أيهم أقرب في الإجابة. وتأويله على
الوجه الثاني: أيهم أقرب إلى الطاعة .
﴿ویرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: أن يكون هذا الرجاء والخوف في الدنيا.
الثاني: أن يكونا في الآخرة.
فإن قيل إنه في الدنيا احتمل وجهين:
أحدهما: أن رجاء الرحمة التوفيق والهداية، وخوف العذاب شدة البلاء (٤١٨).
= صور الملائكة وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ابن مريم وعزير فأمر الله سبحانه
رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لهم أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله وقيل أراد
بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب وإنما خصصت الآية عن ذكرنا لقوله ﴿يبتغون إلى
ربهم الوسيلة﴾ فإن هذا لا يليق بالجمادات اهـ قلت وروى البخاري في صحيحه (٣٠١/٨) ومسلم
(٤٣٢/٤) عن ابن مسعود الاثر في ذلك فراجعه.
(*) وفي نسخة للمخطوطة : قاله الحسن ومجاهد.
(٤١٨)) لم يذكر الوجه الثاني فتنبه.
٢٥١

سورة الإسراء الآية - ٥٨ - ٦٠
وإن قيل إن ذلك في الآخرة احتمل وجهین:
أحدهما: أن رجاء الرحمة دوام النعم وخوف عذاب النار.
الثاني : أن رجاء الرحمة العفو، وخوف العذاب مناقشة الحساب.
ويحتمل هذا الرجاء والخوف وجهين :
أحدهما: أن يكون لأنفسهم إذا قيل إن أصل الدعاء كان لهم.
الثاني: لطاعة الله تعالى إذا قيل إن الدعاء كان لغيرهم. ولا يمتنع أن يكون
علی عمومه في أنفسهم وفیمن دعوه.
قال سهل بن عبدالله: الرجاء والخوف ميزانان على الإنسان فإذا استويا
استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر.
قال رسول الله وَلخير (٤١٩) ((لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا)).
وَإِن مِّنِ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا
شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا (٢٦) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّ أَنْ
كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَمُواْ بِهَا وَمَانُرْسِلُ بِلْآَيَتِ
إِلَّا تَخْوِيفًا
٥٩
قوله عزوجل: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الآيات معجزات الرسل جعلها الله تعالى من دلائل الإنذار تخويفاً
للمكذبین.
الثاني: أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي.
الثالث: أنها تقلُّبُ الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهُّل ثم إلى مشيب،
لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك، وهذا قول أحمد بن حنبل رحمه الله.
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَِّي أَرَيْنَكَ إِلَّفِتْنَةٌ
٦٠
لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ وَتُحَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلَّأَ طُغْيَنًا كَبِيرًا
(٤١٩) هذا الحديث لم أظفر به مرفوعاً ولكن ظفرت به من قول مطر الوراق كما في حلية الأولياء لأبي نعيم
(٢٠٨/٢)(٧٦/٣).
٢٥٢

سورة الإسراء الآية - ٥٨ - ٦٠
قوله عز وجل: ﴿وإذ قلنا لك إنّ ربّك أحاط بالناس﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: معناه أحاطت بالناس قدرته فهم في قبضته، قاله مجاهد وابن أبي
نجیح .
الثاني: أحاط علمه بالناس، قاله الكلبي .
الثالث: أنه عصمك من الناس أن يقتلوك حتى تبلغ رسالة ربك، قاله الحسن
وعروة وقتادة.
﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّ فتنة للناس﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها رؤيا عينٍ ليلة (٤٢٠) الإسراء به من مكة إلى بيت المقدس، قاله ابن
عباس والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد،
وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي ◌ّر أنه أسري به .
الثاني: أنها رؤيا نوم رأى فيها أنه يدخل مكة، فعجل النبي ومطهر قبل الوقت يوم
الحديبية، فرجع فقال ناس قد كان قال إنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم، وهذا
مروي عن ابن عباس أيضاً.
الثالث: أنها رؤيا منام رأى فيها قوماً يعلون على منابره ينزون نزو القردة،
فساءه، وهذا قول سهل بن سعد(٤٢١). وقيل إنه ما استجمع ضاحكاً حتى مات دولية
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ فيها أربعة أقاويل:
أحدها: أنها شجرة الزقوم طعام الأثيم (٤٢٢)، وقال الحسن ومجاهد وقتادة
والضحاك وسعيد بن جبير وطاووس وابن زيد. وكانت فتنتهم بها قول أبي جهل
وأشياعه: النار تأكل الشجر فكيف تنبتها.
(٤٢٠) وهذا القول هو الراجح رجحه ابن جرير (١١٣/١٥) وغيره.
(٤٢١) ولم يصح هذا الأثر وسنده ضعيف جداً (١١٢/١٥، ١١٣) ففي سنده محمد بن الحسن بن زياد وهو
متروك وكذا شيخه عبد المهيمن بن عباس بن سهل ضعيف جداً وضعّف الأثر الشوكاني في فتح القدير
(٢٣٨/٣).
(٤٢٢) وقد نقل الشوكاني في فتح القدير (٢٤٠/٣) عن ابن كثير إجماع أهل التأويل على ذلك فلا اعتبار
بغيرهم معهم وقال الحافظ في الفتح (٣٩٩/٨) وهذا هو الصحيح ذكره ابن أبي حاتم عن بضعة عشر
نفساً من التابعين ا هـ قلت وساق ابن جرير الإجماع فيه (١١٥/١٥).
٢٥٣

سورة الإسراء الآية - ٦١، ٦٢
الثاني: هي الكشوت (٤٢٣) التي تلتوي على الشجر، قاله ابن عباس (٤٢٤) .
الثالث: أنهم اليهود تظاهروا على رسول الله وَلي مع الأحزاب، قاله ابن بحر.
الرابع: أن النبي ◌ّ ر رأى في منامه قوماً يصعدون المنابر، فشق عليه، فأنزل
الله تعالى ﴿والشجرة الملعونة في القرآن) قاله سعيد بن المسيب.
والشجرة كناية عن المرأة، والجماعة أولاد المرأة كالأغصان الشجر.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أُسْجُدُ واْ لِأَّدَمَ فَسَجَدُ وَأْإِلَّ إِبْلِيسَ قَالَءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ
طِينًا ﴿ قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
٦٢
قوله عز وجل: ﴿ ... لأحتنكن ذُرِّيته إلّ قليلاً﴾ فيه ستة تأويلات:
أحدها: معناه لأستولین علیهم بالغلبة، قاله ابن عباس.
الثاني : معناه لأضلنهم بالإغواء.
الثالث: لأستأصلنهم بالإغواء.
الرابع: لأستميلنهم، قاله الأخفش.
الخامس: لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحنكها إذا شد فيه حبل
يجذبها وهو افتعال من الحنك إشارة الى حنك الدابة.
السادس: معناه لأقطعنهم إلى المعاصي، قال الشاعر (٤٢٥):
أشْكو إليك سَنَةً قد أجحفت جهْداً إلى جهدٍ بنا وأضعفت
واحتنكَتْ أَمْوالُنا واجتلفت.
(٤٢٣) كذا هنا وفي المطبوعة والصواب الكشوث والتصويب من الطبري (١١٥/١٥) وزاد المسير (٥٦/٥)
وقد مر تفسير هذه الشجرة في سورة إبراهيم.
(٤٢٤) قال الآلوسي (١٠٦/١٥) والمعول عليه عند الجمهور رواية الصحيح عن الحبر. قلت يعني قول ابن
عباس وهو القول الأول.
(٤٢٥) والراجز هو عطاء بن أسيد والبيت من ملحق ديوان العجاج ص ٦٥ والبيتان الأولان.
نشكو إليك سنة قد جلفت
أموالنا من أصلها وجرفت
ومجاز القرآن (٣٨٤/١) والطبري (١١٦/١٥).
وأورده في روح المعاني (١١٠/١٥) وفيه اجلفت بدلاً من اجتلفت ووقع في الرجز تحريف في فتح
القدير للشوكاني (٢٤١/٣) فتنبه .
٢٥٤

سورة الإسراء الآية - ٦٣ - ٦٥
قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَّوْفُورَالْ وَأَسْتَفْزِزْ
مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى
اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمّ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا (٢) إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
٦٥
قوله عزوجل: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: واستخف، وهذا قول الكلبي والفراء.
الثاني : واستجهل.
الثالث: واستذل من استطعت، قاله مجاهد.
﴿بصوتك﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه صوت الغناء واللهو، قاله مجاهد.
الثاني : أنه صوت المزمار، قاله الضحاك.
الثالث: بدعائك إلى معصية الله تعالی وطاعتك، قاله ابن عباس.
﴿وأجلب عليهم بخيلك ورجَلِكِ﴾ والجلب هو السوْق بجلبه من السائق، وفي
المثل: إذا لم تغلب فأجلب.
وقوله ﴿بخيلك ورجلك﴾ أي بكل راكب وماشٍ في معاصي الله تعالى.
﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ أما مشاركتهم في الأموال ففيها أربعة أوجه:
أحدها: أنها الأموال التي أصابوها من غير حلها، قاله مجاهد.
الثاني: أنها الأموال التي أنفقوها في معاصي الله تعالى، قاله الحسن.
الثالث: ما كانوا يحرّمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قاله ابن
عباس.
الرابع: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، قاله الضحاك.
وأما مشاركتهم في الأولاد ففيها أربعة أوجه:
أحدها: أنهم أولاد الزنى، قاله مجاهد.
الثاني : أنه قتل الموؤودة من أولادهم، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه صبغة أولادهم في الكفر حتى هوّدوهم ونصّروهم، قاله قتادة.
٢٥٥

سورة الإسراء الآية - ٦٦ - ٦٩
الرابع: أنه تسمية أولادهم عبيد آلهتهم كعبد شمس وعبد العزَّى وعبد اللات،
رواه أبو صالح عن ابن عباس.
تَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِّ إِنَُّ كَانَ
٦٦
بِكُمْ رَحِيمًا ®
قوله عزوجل: ﴿ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر﴾ معناه يجريها
ويسيرها، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، قال الشاعر(٤٢٦):
سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت
يا أيها الراكب المزجي مطيتُه
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِنَُّ قَّ تَخَّكُمْ إِلَى الْبَرِ أَ غْرَضْتُمْ وَكَانَ
الْإِنسَنُ كَفُورًا(٦)
قوله عزوجل: ﴿وإذا مَسّكم الضُّرُّ في البحر ضَلَّ من تدعون إلا إياه﴾ فيه
وجهان :
أحدهما: بطل من تدعون سواه، كما قال تعالى ﴿أَضلَّ أعمالهم﴾
[محمد: ١] أي أبطلها .
الثاني: معناه غاب من تدعون (٤٢٧) كما قال تعالى ﴿أَئِذَاضَلَلْنا في الأرض﴾
[السجدة: ١٠] أي غِبْنَا.
أَفَأَ مِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُ واْلَكُمـ
وَكِيلًا (هـ) أَمْأَ مِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ
(٤٢٦) هو رویشد بن كثير الطائي (اللسان) صوت.
(٤٢٧) ومن اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة أثبت لي وجود الله ولا تذكر لي الجوهر والعرض فقال له
هل ركبت البحر؟ قال نعم قال فهل عصفت الريح قال نعم قال فهل أشرفت بك السفينة على الغرق قال
نعم قال فهل يئست من نفع من في السفينة ونحوهم من المخلوقين بك وإنجائهم مما أنت فيه إياك قال
نعم قال فهل بقي قلبك متعلقاً بشيء غير أولئك قال نعم قال ذلك هو الله عز وجل راجع روح المعاني
(١١٥/١٥).
٢٥٦

سورة الإسراء الآية - ٧٠،٦٩
الرِّيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّلَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا
قوله عز وجل : ﴿أنأمنتم أن يخسف بكم جانب البرِّ ﴾ یحتمل وجهین:
أحدهما: يريد بعض البر وهو موضع حلولهم منه، فسماه جانبه لأنه يصير بعد
الخسف جانباً.
الثاني: أنهم كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البر، وكانوا فيه آمنين من
أهوال البحر فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر.
﴿أُو يُرْسِلَ علیکم حاصباً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني حجارة من السماء، قاله قتادة ..
الثاني: إن الحاصب الريح العاصف سميت بذلك لأنها تحصب أي ترمي
بالحصباء. والقاصف الريح التي تقصف الشجر، قاله الفراء وابن قتيبة .
وقال غيرهما أن العاصف المهلكة في البر، والقاصف المغرقة في البحر.
وَلَقَدْكَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ وَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّيِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
٧٠
قوله تعالى: ﴿ولقد كَرّمنا بني آدَم .. ﴾ فيه سبعة أوجه:
أحدها: يعني كرمناهم بإنعامنا عليهم.
الثاني: كرمناهم بأن جعلنا لهم عقولاً وتمييزاً.
الثالث: بأن جعلنا منهم خير أمة أخرجت للناس.
الرابع: بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم، وغيرهم يتناوله
بفمه، قاله الكلبي ومقاتل.
الخامس: كرمناهم بالأمر والنهي .
السادس: كرمناهم بالكلام والخط.
السابع: كرمناهم بأن سخرنا جميع الخلق لهم (٤٢٨)
(٤٢٨) وقيل كرمنا الرجال باللحى والنساء بالذوائب وفيها غير ذلك راجع زاد المسير (٦٣،٦٢/٥) وقال
الشوكاني (٢٤٤/٣) ولا مانع من حمل التكريم المذكور في الآية على جميع هذه الأشياء وأعظم ==
٢٥٧

سورة الإسراء الآية - ٧٢،٧١
﴿ ... ورزقناهُمْ من الطيبات﴾ فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: ما أحله الله لهم.
الثاني : ما استطابوا أكله وشربه .
الثالث: أنه کسب العامل إذا نفع، قاله سهل بن عبد الله.
﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: بالغلبة والاستيلاء.
الثاني : بالثواب والجزاء.
الثالث: بالحفظ والتمييز.
الرابع: بإصابة الفراسة.
يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أَنَسٍ بِمَمٍِ فَمَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَكَبِكَ يَقْرَءُونَ
كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٨) وَمَن كَانَ فِى هَذِهِ: أَعْمَى فَهُوَ فِ اْلْآخِرَةِ
أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
٧٢
قوله عزوجل : ﴿يوم ندعوا كل أناسٍ بإمامِهمْ﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: بنبِّهم، قاله مجاهد.
الثاني : بکتابهم الذي أنزل عليهم أوامر الله ونواهيه، قاله ابن زید.
الثالث: بدینهم، ويشبه أن يكون قول قتادة.
الرابع: يكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر، قاله ابن عباس.
الخامس: بمن كانوا يأتمرون به في الدنيا فيتبعونه في خير أو شر، أو على
حق، أو باطل، وهو معنى قول أبي عبيدة.
قوله عز وجل: ﴿ومن كان في هذه أعمى .. ﴾ يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن الطاعة ﴿فهو في الآخرة أعمى﴾ عن
الثواب .
= خصال التكريم العقل فإن به تسلطوا على سائر الحيوانات وميزوا بين الحسن والقيح وتوسعوا في
· المطاعم والمشارب وكسبوا الأموال التي تسببوا بها الى تحصيل أمور لا يقدر عليها الحيوان وبه قدروا
على تحصيل الأبنية التي تمنعهم مما يخافون وعلى تحصيل الأكسية التي تقيهم الحر والبرد اهـ.
٢٥٨

سورة الإسراء الآية - ٧٣ - ٧٥
الثاني: ومن كان في الدنيا أعمى عن الاعتبار ﴿فهو في الآخرة أعمى﴾ عن
الاعتذار.
الثالث: ومن كان في الدنيا أعمى عن الحق ﴿فهو في الآخرة أعمى﴾ عن
الجنة .
الرابع: ومن كان في تدبير دنياه أعمى فهو في تدبير آخرته أعمى (٤٢٩) ﴿وأضل
سبيلاً﴾.
وَإِن كَادُواْلَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَ إِذَا لَّا تَّخَذُوَ
إِذَا
VE
خَلِيلًا ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْنَكَ لَقَذْكِدَتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
لَّأَذَقْتَكَ ضِعُفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًاً
٧٥
قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره﴾ فيه
قولان :
أحدهما: ما روى سعيد بن جبير أن النبي (٣٠٪) * * * كان يستلم الحجر في طوافه
فمنعته قريش وقالوا لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا فحدث نفسه وقال: ((ما عليّ أن
ألَمَّ بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره)) فأبى الله تعالى وأنزل
عليه هذه الآية، قاله مجاهد وقتادة.
الثاني: ما روى ابن عباس (٤٣١) أن ثقيفاً قالوا للنبي وكله: أجِّلْنا سنة حتى نأخذ
(٤٢٩) فائدة: قال ابن الجوزي رحمه الله (٦٦/٥) فإن قيل لم قال ﴿فهو في الآخرة أعمى) ولم يقل أشد
عمى لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة والزرقة والعرب تقول ما أشد سواد زيد وما أبين زرقة عمرو وقلما
يقولون ما أسود زيداً وما أزرق عمراً ..
فالجواب أن المراد بالعمى عمى القلب وذلك يزداد ويحدث منه شيء بعد شيء فيخالف الخلقة اللازمة
التي لا تزيد نحو عمى العين والبياض والحمرة ذكره ابن الأنباري.
(٤٣٠) وهذا الخبر باطل إذ كيف يظن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هم بمس أصنام المشركين.
(٤٣١) ولم يصح هذا الخبر عن ابن عباس فقد رواه ابن جرير (١٣٠/١٥) وإسناده مسلسل بالضعفاء. ولهذا
قال ابن الجوزي تعقيباً على القول الأول والثاني هنا (٦٨/٦٧/٥) وهذا باطل لا يجوز أن يظن برسول
الله ◌َ﴿ ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة
أنهم رووا عنه راجع روح المعاني (١٢٨/١٥).
٢٥٩

سورة الإسراء الآية - ٧٣ - ٧٥
ما نُهدي لآلهتنا، فإذا أخذناه كسرنا آلهتنا وأسلمْنا، فهمّ رسول الله وَّر أن يطيعهم،
فأنزل الله هذه الآية.
﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: لتدّعي علينا غير وحينا.
الثاني : لتعتدي في أوامرنا.
﴿وإذاً لاتخذوك خليلاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: صديقاً، مأخوذ من الخُلة بالضم وهي الصداقة لممالأته لهم.
الثاني: فقيراً، مأخوذ من الخلة بالفتح وهي الفقر لحاجته إليهم.
قوله عز وجل : ﴿إِذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ فيه قولان:
أحدهما: لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، قاله ابن عباس
ومجاهد وقتادة والضحاك.
الثاني: لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، حكاه
الطبري (٤٣٢):
وفي المراد بالضِّعف ها هنا وجهان:
أحدهما: النصيب، ومنه قوله تعالى ﴿لكل ضِعفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي
نصیب .
الثاني : مثلان، وذلك لأن ذنبك أعظم.
وفيه وجه ثالث: أن الضعف هو العذاب يسمى ضعف لتضاعف ألمه، قاله
أبان بن تغلب وأنشد قول الشاعر (٤٣٣):
لمقتل مالكٍ إذا بان مني
أبيتُ الليل في ضعفٍ أليم
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ويتلقى: ((اللهم لا تكلني إلى نفسي
طرفة عين)) (٤٣٤).
(٤٣٢) جامع البيان (١٢ /١٣٢).
(٤٣٣) أورده في روح المعاني (١٢٩/١٥).
(٤٣٤) هذا الأثر مرسل من مرسلات قتادة.
٢٦٠