النص المفهرس

صفحات 61-80

سورة یوسف الآية - ٧٠ - ٧٢
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا
اُلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ ﴿ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴾قَالُواْ
نَفَقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ، حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ()
قوله عز وجل: ﴿فلما جهزهم بجهازهم﴾ وهو كيل الطعام لهم بعد إكرامهم
وإعطائه بعيراً لأخيهم مثل ما أعطاهم.
﴿جعل السقاية في رحل أخيه﴾ والسقاية والصواع واحد. قال ابن عباس.
وكل شيء يشرب فيه فهو صواع، قال الشاعر (١١٧):
نشرب الخمر بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا
قال قتادة: وكان إناء المتك(١١٨) الذي يشرب فيه.
واختلف في جنسه، فقال عكرمة كان من فضة، وقال عبد الرحمن بن زيد: كان
من ذهب(١١٩)، وبه كال طعامهم مبالغة في إكرامهم.
وقال السدي: هو المكوك العادي الذي يلتقي طرفاه.
﴿ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون﴾ أي نادى مناد فسمى النداء أذاناً لأنه
إعلام كالأذان .
وفي ﴿العير﴾ وجهان:
أحدهما: أنها الرفقة .
الثاني: أنها الإبل المرحولة المركوبة، قاله أبو عبيدة.
فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يجعل السقاية في رحل أخيه ليسرقهم وهم
برآء، وهذه معصية؟
قيل عن هذه أربعة أجوبة :
أحدها: أنها معصية فعلها الكيال ولم يأمر بها يوسف.
(١١٧) تقدم تخريجه.
(١١٨) كذا في المطبوعة والصواب الملك والتصويب من الطبري (١٧٢/١٦).
(١١٩) ولا طائل تحت هذا الخلاف فضلاً عن ذكره.
٦١

سورة يوسف الآ ية - ٧٠ - ٧٢
الثاني : أن المنادي الذي كال حين فقد السقاية ظن أنهم سرقوها ولم يعلم بما
فعله يوسف، فلم يكن عاصياً.
الثالث: أن النداء كان بأمر يوسف، وعنى بذلك سرقتهم ليوسف من أبيه،
وذلك صدق.
الرابع: أنها كانت خطيئة من قبل يوسف فعاقبه الله عليها بأن قال القوم ﴿إن
يسرق فقد سرق أخّ له من قبل﴾ يعنون يوسف (١٢٠). وذهب بعض من يقول بغوامض
المعاني إلى أن معنى قوله ﴿إنكم لسارقون﴾ أي لعاقون لأبيكم في أمر أخيكم حيث
أخذتموه منه وخنتموه فیه.
قوله عز وجل: ﴿قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون﴾ لأنهم استنكروا ما قذفوا به
مع ثقتهم بأنفسهم فاستفهموا استفهام المبهوت.
﴿قالوا نفقد صواع الملك﴾ والصواع واحد وحكى غالب الليثي عن يحيى بن
يعمر أنه كان يقرأ صوغ الملك بالغين معجمة، مأخوذ من الصياغة لأنه مصوغ من
فضة أو ذهب وقيل من نحاس.
﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وهذه جعالة بذلت للواجد . .
وفي حمل البعير وجهان:
أحدهما: حمل جمل ، وهو قول الجمهور.
الثاني: حمل حمار(١٢١)، وهو لغة، قاله مجاهد.
واختلف في هذا البذل على قولين:
أحدهما: أن المنادي بذله عن نفسه لأنه قال ﴿وأنابه زعيم﴾ أي كفيل ضامن.
فإن قيل: فكيف ضمن حمل بعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح؟
قیل عنه جوابان :
أحدهما: أن حمل البعير قد كان عندهم معلوماً كالسوق فصح ضمانه.
(١٢٠) وقد يقال إن هذا الفعل من وحي الله تعالى وتدبيره ويدل عليه قوله تعالى ﴿کذلك کدنا ليوسف ما كان
ليأخذ أخاه في دين الملك ..... ) الآية.
(١٢١) ونقل الألوسي رحمه الله في روح المعاني (١٢/١٣) أن هذا القول في اللغة عده بعضهم شاذاً.
٦٢

سورة يوسف الآ ية - ٧٣ - ٧٦
الثاني: أنها جعالة وقد أجاز بعض الفقهاء فيها في الجهالة، ما لم يُجزْه في
غيرها كما أجاز فيها ضمان ما لم يلزم، وإن منع منه في غيرها.
قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِّمْتُم مَّاجِئْنَا لِنُفْسِدَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ
(٧٣
قَالُواْفَمَا جَزَّؤُهُ إِن كُنتُمْ كَذِبِينَ ﴿ََّقَالُواْجَزَّؤُهُ مَن وُجِدَ فِ رَحْلِهِ،فَهُوَ
فَبَدَأَ بِأَوْيِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءٍ أَخِيهِ ثُمَ
(٧٥
جَزَّؤُ كَذَلِكَ نَجْزِى اَلظَّلِينَ
اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءٍ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ
فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِدِى
عِلَمٍ عَلِيمٌ
٧٦
قوله عز وجل: ﴿قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض﴾ أي لنسرق،
لأن السرقة من الفساد في الأرض. وإنما قالوا ذلك لهم لأنهم قد كانوا عرفوهم
بالصلاح والعفاف. وقيل لأنهم ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، ومن يؤد
الأمانة في غائب لا يقدم على سرقة مال حاضر.
﴿وما كنا سارقین﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: ما كنا سارقين من غيركم فنسرق منكم.
والثاني: ما كنا سارقين لأمانتكم فنسرق غير أمانتكم. وهذا أشبه لأنهم أضافوا
بذلك إلى عملهم.
قوله عز وجل: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين﴾ أي ما عقوبة من سرق منكم
إن كنتم كاذبين في أنكم لم تسرقوا منا.
﴿قالوا جزاؤه مَن وُجِدَ في رحلِه فهو جزاؤه﴾ أي جزاء من سرق إن يُسْترق.
﴿كذلك نِجزي الظالمين﴾ أي كذلك نفعل بالظالمين إذا سرقوا وكان هذا من
دين يعقوب .
﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاءِ أخيه﴾ لتزول الريبة من قلوبهم لو بدىء بوعاء أخيه.
﴿ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾ قيل عنى السقاية فلذلك أنّث، وقيل عنى
الصاع، وهو يذكر ويؤنث في قول الزجاج.
٦٣

سورة يوسف الآ ية - ٧٧
﴿كذلك کدنا ليوسف﴾ فيه وجهان:
أحدهما: صنعنا ليوسف قاله الضحاك.
والثاني : دبّرنا ليوسف(١٢٢) ، قاله ابن عيسى .
﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: في سلطان الملك، قاله ابن عباس.
والثاني : في قضاء الملك، قاله قتادة.
والثالث: في عادة الملك، قال ابن عيسى: ولم يكن في دين الملك استرقاق
من سرق. قال الضحاك: وإنما كان يضاعف عليه الغرم.
﴿إلا أن يشاء الله﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إلا أن يشاء الله أن يُسْتَرق من سرق.
والثاني: إلا أن يشاء الله أن يجعل ليوسف عذراً فيما فعل.
قَالُواْإِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَُّ مِن قَبْلُ فَأَسَتَّهَا يُوسُفُ فِنَفْسِهِ،
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا نَصِفُونَ
قوله عز وجل : ﴿قالوا إن يسرق فقد سَرَق أخ له من قبلُ﴾ يعنون يوسف. وفي
هذا القول منهم وجهان :
أحدهما: أنه عقوبة ليوسف أجراها الله تعالى على ألسنتهم، قاله عكرمة.
والثاني: ليتبرأوا بذلك من فعله لأنه ليس من أمهم وأنه إن سرق فقد جذبه
عِرق أخيه السارق لأن في الاشتراك في الأنساب تشاكلاً في الأخلاق.
وفي السرقة التي نسبوا يوسف إليها خمسة أقاويل :
أحدها: أنه سرق صنماً كان لجده إلى أمه من فضة وذهب، وكسره وألقاه في
الطريق فعيّروه بذلك، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
(١٢٢) كثير من العلماء والأئمة كتبوا في موضوع الحيل وحكمها الشرعي ومن أهم من ألف في هذا الموضوع
الإمام محمد بن الحسن الشيباني .
٦٤

سورة يوسف الآية - ٧٧
الثاني: كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه، فعيّروه بذلك، قاله
عطية العوفي .
الثالث: أنه كان يسرق من طعام المائدة للمساکین، حكاه ابن عيسى .
الرابع: أن عمته وكانت أكبر ولد إسحاق وإليها صارت منطقة إسحاق لأنها
كانت في الكبير من ولده، وكانت تكفل يوسف، فلما أراد يعقوب أخذه منها جعلت
المنطقة، واتهمته فأخذتها منه، فصارت في حكمهم أحق به، فكان ذلك منها لشدة
میلها وحبها له، قاله مجاهد.
الخامس: أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قاله الحسن.
﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه أسر في نفسه قولهم ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ قاله
ابن شجرة وعلي بن عيسى .
الثاني: أسر في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرٌ مكاناً .. ) الآية، قاله ابن عباس وابن إسحاق.
وفي قوله: ﴿قال أنتم شر مكاناً﴾ وجهان:
أحدهما: أنتم شر منزلة عند الله ممن نسبتموه إلى هذه السرقة.
الثاني : أنتم شر صنعاً لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم.
وفي قوله تعالى: ﴿والله أعلم بما تصفون﴾ تأويلان:
أحدهما: بما تقولون، قاله مجاهد.
الثاني : بما تكذبون، قاله قتادة.
وحكى بعض المفسرين أنهم لما دخلوا عليه دعا بالصواع فنقره ثم أدناه من أذنه
ثم قال: إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلاً وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم
فِعْتموه، فلما سمعها بنيامين قام وسجد ليوسف وقال أيها الملك سلْ صواعك هذا
عن أخي أحيّ هو أم هالك؟ فنقره، ثم قال: هو حي وسوف تراه. قال: فاصنع بي ما
شئت، فإنه إن علم بي سينقذني. قال: فدخل يوسف فبكى ثم توضأ وخرج، فقال
بنيامين: افقر(١٢٣) صواعك ليخبرك بالذي سرقه فجعله في رحلي، فنقره، فقال:
(١٢٣) كذا في المطبوعة والصواب انقر لدلالة سياق الكلام عليه .
٦٥

سورة یوسف الآية - ٧٨ - ٨١
صواعي هذا غضبان وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من
کنت(١٢٤) .
قَالُوْيَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّلَهُ أَبَا شَيْخَاكِبِيْرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّانَرَتِكَ
مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّ مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ,
٧٩
إِنَّا إِذَا أَظَلِمُونَ
قوله عز وجل: ﴿ ... يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً﴾ لكن قالوا ذلك ترقيقاً
واستعطافاً وفي قولهم ﴿كبيراً﴾ وجهان:
أحدهما: كبير السن.
الثاني : كبير القدر لأن كبر السن معروف من حال الشيخ.
﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ أي عبداً بدله.
﴿إنا نراك من المحسنين﴾ فیه وجهان:
أحدهما: نراك من المحسنين في هذا إن فعلت، قاله ابن إسحاق.
الثاني: نراك من المحسنين فيما كنت تفعله بنا من إكرامنا وتوفية كيلنا
وبضاعتنا .
ويحتمل ثالثاً: إنا نراك من العادلين، لأن العادل محسن.
فأجابهم يوسف عن هذا ﴿قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وَجدْنا متاعنا عنده إنَّا
إذاً لظالمون﴾ إن أخذنا بريئاً بسقيم، وفيه وجه ثان: إنا إذاً لظالمون عندكم إذا حكمنا
عليكم بغير حكم أبيكم أن من سرق استُرِقّ.
فَلَمَّا أُسْتَيْئَسُوْ مِنْهُ خَلَصُوْ نَجِيَّاً قَالَ كَبِيُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوْ أَنَّ أَبَاكُمْ
قَدْأَ خَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَطْتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَعَ
اٌلْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُلِىّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴿أَرْجِعُواْ إِلَىّ
(١٢٤) هذا الكلام من قول السدي رحمه الله ورواه مطولاً الطبري عنه (٢٠٠/١٦) وهذا السياق من
الإسرائیلیات کما لا يخفى .
٦٦

سورة یوسف الآية - ٨٢،٨١
أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَبَانَآ إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّبِمَا عَلِّمْنَا وَمَا
كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ ﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّافِهَا وَالْعِيرَ الَّتِىّ
أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَدِ قُونَ
٨٢
قوله عز وجل: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ أي يئسوا من رد أخيهم عليهم.
الثاني: استيقنوا أنه لا يرد عليهم، قاله أبو عبيدة وأنشد قول الشاعر(١٢٥):
ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
أقول لها بالشعب إذ يأسرونني
﴿خلصوا نجيّاً﴾ أي خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يختلط بهم
غيرهم.
﴿قال کبيرهم﴾ فیه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه عنى كبيرهم في العقل والعلم وهو شمعون الذي كان قد ارتهن
یوسف عنده حین رجع إخوته إلى أبيهم، قاله مجاهد.
الثاني: أنه عنى كبيرهم في السن وهو روبيل ابن خالة يوسف، قاله قتادة.
الثالث: أنه عنى كبيرهم في الرأي والتمييز وهو يهوذا، قاله مجاهد.
﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله﴾ يعني عند إيفاد ابنه هذا
معكم .
﴿ومن قبل ما فرَّطتم في يوسف﴾ أي ضيعتموه.
﴿فلن أبرح الأرض﴾ يعني أرض مصر.
حتى يأذن لي أبي﴾ يعني بالرجوع.
﴿أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ فيه قولان:
أحدهما: يعني أو يقضي الله لي بالخروج منها، وهو قول الجمهور.
الثاني: أو يحكم الله لي بالسيف والمحاربة لأنهم هموا بذلك، قاله أبو صالح.
قوله عزوجل : ﴿ارجعوا إلی ابیکم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق﴾ وقرأ ابن عباس
(١٢٥) هو سحيم بن وثيل والبيت في اللسان ((يأس)) والشطر الثاني فيه.
ألم تيئسوا أني ابن فارس لازم.
٦٧

سورة يوسف الآ ية - ٨٣ - ٨٥
﴿سُرِقٍ﴾ بضم السين وكسر الراء(١٢٦) وتشديدها.
﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ فيها وجهان:
أحدهما: وما شهدنا عندك بأن ابنك سرق إلا بما علمنا من وجود السرقة في
رحله، قاله ابن إسحاق.
الثاني: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يُسترقّ إلا بما علمنا من دينك، قاله
ابن زید.
﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ فیه وجهان:
أحدهما: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، قاله قتادة.
الثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسترقّ، وهو قول مجاهد.
قوله عز وجل: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها) وهي مصر، والمعنى واسأل أهل
القرية فحذف ذكر الأهل إيجازاً، لأن الحال تشهد به.
﴿والعير التي أقبلنا فيها﴾ وفي ﴿العير﴾ وجهان:
أحدهما: أنها القافلة، وقافلة الإبل تسمى عيراً على التشبيه.
الثاني: الحمير (١٢٧)، قاله مجاهد، والمعنى أهل العير.
وقيل فيه وجه ثالث: أنهم أرادوا من أبيهم يعقوب أن يسأل القرية وإن كانت
جماداً، أو نفس العير وإن كانت حيواناً بهيماً لأنه نبي، والأنبياء قد سخر لهم الجماد
والحيوان بما يحدث فيهم من المعرفة إعجازاً لأنبيائه، فأحالوه على سؤال القرية
والعير ليكون أوضح برهاناً (١٢٨).
﴿وإنا لصادقون﴾ أي يستشهدون بصدقنا أن ابنك سرق.
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ
جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ بَّكَأَ سَفَى عَلَى
قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُأْ
٨٤
يُوسُفَ وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَكَظِيمٌ
(١٢٦) وكذا الضحاك وابن أبي سريح عن الكسائي راجع زاد المسير (٢٦٧/٤).
(١٢٧) سبق التعليق على مثل هذا.
(١٢٨) قال العلامة الألوسي في روح المعاني (٣٨/١٣) ((ولا يخفى أن مثل هذا لا يقي من ارتكاب مجاز نعم
هو معنى لطيف بيد أن الجمهور على خلافه وما أكثرهم على اعتبار مجاز الحذف.
٦٨

سورة یوسف الآية - ٨٦،٨٥
تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْتَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوْبَتّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
٨٥
٨٦
قوله عزوجل: ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بل سهلت.
الثاني: بل زينت لكم أنفسكم أمراً في قولكم إن ابني سرق وهو لا يسرق،
وإنما ذاك لأمر يريده الله تعالى.
﴿فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً﴾ يعني بيوسف وأخيه المأخوذ
في السرقة وأخيه المتخلف معه فهم ثلاثة.
﴿إنه هو العليم الحكيم﴾ يعني العليم بأمركم، الحكيم في قضائه بما ذكرتم.
قوله عزوجل:﴿وتولَّى عنهم وقال يا أسفَی على يوسف﴾ فيه وجهان:
أحدهما: معناه واجزعاه قاله مجاهد، ومنه قول كثير (١٢٩):
فيا أسفا للقلب كيف انصرافُه وللنفس لما سليت فتسلّتِ
الثاني: معناه يا جزعاه، قاله ابن عباس. قال حسان بن ثابت يرثي رسول
الله مات:
فیا أسفا ما وارت الأرض واستوت
عليه وما تحت السلام المنضد
وفي هذا القول وجهان:
أحدهما: أنه أراد به الشكوى إلى الله تعالى ولم يرد به الشكوى منه رغباً إلى
الله تعالی فی کشف بلائه.
الثاني : أنه أراد به الدعاء، وفيه قولان:
أحدهما: مضمر وتقديره يا رب ارحم أسفي على يوسف (١٣٠).
وابيضت عيناه من الحزن﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه ضعف بصره لبیاض حصل فيه من كثرة بكائه.
(١٢٩) أورده هنا في فتح القدير (٤٨/٣).
(١٣٠) لم يذكر هنا الوجه الثاني فتنبه.
٦٩

سورة يوسف الآية - ٨٥، ٨٦
الثاني : أنه ذهب بصره(١٣١)، قاله مجاهد.
﴿فهو كظيم﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه الكمد، قاله الضحاك.
الثاني : أنه الذي لا يتكلم، قاله ابن زید.
الثالث: أنه المقهور، قاله ابن عباس، قال الشاعر(١٣٢):
فإن أك كاظماً لمصاب شاسٍ فإني اليوم منطلق لساني
والرابع: أنه المخفي لحزنه، قاله مجاهد وقتادة، مأخوذ من كظم الغيظ وهو
إخفاؤه، قال الشاعر:
والقوم من خوفِ المنايا كظم
فحضضت قومي واحتسبت قتالهم
قوله عز وجل: ﴿قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة
معناه لا تزال تذكر يوسف، قال أوس بن حجر(١٣٣):
فما فتئت خيل تثوبُ وتدّعي ويلحقُ منها لاحق وتقطّعُ
أي فما زالت. وقال مجاهد: تفتأ بمعنی تفتر.
﴿حتى تكون حرضاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يعني هرماً، قاله الحسن.
والثاني : دنفاً من المرض، وهو ما دون الموت، قاله ابن عباس ومجاهد.
والثالث: أنه الفاسد العقل، قاله محمد بن إسحاق. وأصل الحرض فساد
الجسم والعقل من مرض أو عشق، قال العرجي (١٣٤).
إني امرؤلجّ بي حُبُّ فأحرضني حتى بَليتُ وحتى شفّني السقم
﴿أو تكون من الهالكين﴾ يعني ميتاً من الميتين، قاله الجميع.
(١٣١) تقدم الكلام عن حكم العمى بالنسبة للأنبياء.
(١٣٢) أورده في فتح القدير (٤٨/٣) ولم ينسبه.
(١٣٣) ديوانه: ١٧، المعاني الكبير (١٠٠٢)، الطبري (٢٢١/١٦)، مجاز القرآن (٣١٦/١)، جمهرة أشعار
العرب (٢٨٧/٣).
(١٣٤) ديوانه: ٥، مجاز القرآن ٣١٧، اللسان (حرض) الطبري (٢٢٢/١٦)، الاشتقاق ٤٨، السمط ٤٢٢،
القرطبي (٢٥٠/٩) والعرجي هو عبدالله بن عمر بن عبدالله العرجي.
٧٠

سورة يوسف الآية - ٨٧
فإن قيل: فكيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكاً متمكناً بمصر، وأبوه
بحرّان من أرض الجزيرة؟ وهلا عجّل استدعاءه ولم يتعلل بشيء بعد شيء؟
قيل يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون فعل ذلك عن أمر الله تعالى، ابتلاء له لمصلحة علمها فيه
لأنه نبيّ مأمور (١٣٥) .
الثاني : أنه بلي بالسجن، فأحب بعد فراقه أن يبلو نفسه بالصبر.
الثالث: أن في مفاجأة السرور خطراً وأحب أن يروض نفسه بالتدريج (١٣٦).
الرابع: لئلا يتصور الملك الأكبر فاقة أهله بتعجيل استدعائهم حين ملك.
قوله عزوجل: ﴿قال إنما أشكو بَنِّي وحزني إلى الله﴾ في بثي وجهان:
أحدهما: همّي، قاله ابن عباس.
الثاني: حاجتي، حكاه ابن جرير (١٣٧). والبث تفريق الهم بإظهار ما في
النفس. وإنما شكا ما في نفسه فجعله بثاً وهو مبثوث.
﴿وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: أعلم أن رؤیا یوسف صادقة، وأني ساجد له، قاله ابن عباس.
والثاني: أنه أحست نفسه حين أخبروه فدعا الملك وقال: لعله يوسف، وقال لا
يكون في الأرض صدّيق إلا نبي، قاله السدّي .
وسبب قول يعقوب ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ ما حكي أن رجلاً دخل
عليه فقال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه: یا
يعقوب تشكوني؟ فقال: خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وكان بعد ذلك يقول ﴿إنما
أشكو بثي وحزني إلى الله﴾.
يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُوْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْشَسُواْ مِن رَّوْجِاللَّهِ إِنَّهُ لَا
(١٣٥) قال ابن الجوزي عن هذا القول في زاد المسير (٢٧٥/٤) ((وهو الأظهر)).
(١٣٦) جامع البيان (٢٢٦/١٦) حكاه ابن جرير عن الحسن.
(١٣٧) هذه الحكاية ذكرها حبيب ابن أبي ثابت كما في الطبري (٢٢٨/١٦) وبمثلها عن ثور بن يزيد
(٢٢٨/١٦).
٧١

سورة يوسف الآية - ٨٨،٨٧
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا
يَأْيْشَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِإِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ
اَلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَالضُّرُ وَجِثْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَنَةٍ فَأَوْفٍ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ
عَلَيْنَاْ إِنَّاللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ لَا
قوله عز وجل: ﴿ ... اذهبوا فتحسَّسُوا مِن يوسُفَ وأخيه﴾ أي استعلموا وتعرّفوا،
ومنه قول عديّ بن زید :
وإن مرضت فلا تحسِسْك عُوّادِي
فإن حبيت فلا أحسسك في بلدي
وأصله طلب الشيء بالحس .
﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: من فرج الله، قاله محمد بن إسحاق.
والثاني: من رحمة الله، قاله قتادة. وهو مأخوذ من الريح التي بالنفع. وإنما
قال يعقوب ذلك لأنه تنبّه على يوسف برد البضاعة واحتباس أخيه وإظهار الكرامة ولما
حكي أن يعقوب سأل ملك الموت هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا .
قوله عزوجل: ﴿فلمّا دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مَسّنا وأهلنا الضر﴾ وهذا مِن
ألطف ترفيق وأبلغ استعطاف. وفي قصدهم بذلك قولان:
أحدهما: بأن يرد أخاهم عليهم، قاله ابن جرير (١٣٨).
والثاني: توفية كيلهم والمحاباة لهم، قاله علي بن عيسى.
﴿وجئنا ببضاعةٍ مزجاةٍ﴾ وأصل الإزجاء السَوْق بالدفع، وفيه قول الشاعر
عدي بن الرقاع(١٣٩) .
تزجي أُغَنّ كأن إبرَة روقِهِ
قلمٌ أصاب من الدواة مدادها
وفي بضاعتهم هذه خمسة أقاويل :
أحدها: أنها كانت دراهم، قاله ابن عباس.
(١٣٨) جامع البيان (٢٣٤/١٦).
(١٣٩) اللسان ((زجا)) والشطر الأول منه:
تزجي أغن کأنه ابره ورقه.
٧٢

سورة يوسف الآية - ٨٨،٨٧
الثاني : متاع الأعراب، صوف وسمن، قاله عبدالله بن الحارث.
الثالث: الحبة الخضراء وصنوبر، قاله أبو صالح .
الرابع: سويق المقل (١٤٠). قاله الضحاك.
الخامس: خلق الحبْل (١٤١) والغرارة، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وفي المزجاة ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنها الرديئة، قاله ابن عباس.
والثاني: الكاسدة، قاله الضحاك.
الثالث: القليلة، قاله مجاهد. قال ابن إسحاق: وهي التي لا تبلغ قدر الحاجة
ومنه قول الراعي (١٤٢):
وحاجة غير مزجاة من الحاج
ومرسل برسول غير متهم
وقال الكلبي: هي كلمة من لغة العجم، وقال الهيثمي: من لغة القبط.
﴿فأوف لنا الکیل﴾ فيه قولان:
أحدهما: الکیل الذي كان قد کاله لأخيهم، وهو قول ابن جريج .
الثاني : مثل كيلهم الأول لأن بضاعتهم الثانية أقل، قاله السدي.
﴿وتصدق علينا﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدهما: معناه تفضل علينا بما بين الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير
والسدي والحسن، وذلك لأن الصدقة تحرم على جميع الأنبياء (١٤٣).
الثاني: تصدق علينا بالزيادة على حقنا، قاله سفيان بن عيينة. قال مجاهد:
ولم تحرم الصدقة إلا على محمد بَلٍ وحده (١٤٤).
الثالث: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج، وكره للرجل أن يقول
في دعائه: اللهم تصدّق عَليّ، لأن الصدقة لمن يبتغي الثواب.
(١٤٠) السويق هو طعام يتخذ من دقيق الشعير أو الحنطة المقلو.
(١٤١) الخلق: البالي والغزارة بكسر الغين: الجوالق.
(١٤٢) اللسان ((زجا)).
(١٤٣) هذا بناء على القول القائل بأن أخوة يوسف كانوا أنبياء.
(١٤٤) وحكاه عن ابن عيينة أيضاً أبو سليمان الدمشقي وأبو يعلى بن الفراء.
كما في زاد المسير (٢٧٩/٤).
٧٣

سورة يوسف الآية - ٨٩ - ٩٢
الرابع: معناه تجوّز عنا، قاله ابن شجرة وابن زيد واستشهد بقول الشاعر:
تصدّق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري لياليا
قَالَ هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَهِلُونَ ﴾ قَالُواْ أَعِنَّكَ
لَأَنْتَ يُوسُفٌ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
] قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ
وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَ إِن كُنَّا لَخَطِينَ
(١) قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ
اُلْيَوْمِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمَّ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
٩٢
قوله عزوجل: ﴿قال هَلْ علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه﴾ معنى قوله ﴿هل
علمتم ما فعلتم﴾ أي قد علمتم، كقوله تعالى ﴿هل أتى على الإنسان حين من
الدهر﴾ أي قد أتى .
قال ابن إسحاق: ذكر لنا أنهم لما قالوا ﴿مسّنا وأهلنا الضر﴾ رحمهم ورقَّ
لهم، فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ وعَدَّدَ عليهم ما صنعوا بهما.
﴿إذ أنتم جاهلون﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني جهل الصغر.
الثاني : جهل المعاصي .
الثالث: الجهل بعواقب أفعالهم. فحينئذ عرفوه.
﴿قالوا أثنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي﴾ وحكى الضحاك في قراءة
عبدالله: وهذا أخي وبيني وبينه قربی .
﴿قد مَنّ الله علينا﴾ يعني بالسلامة ثم بالكرامة، ويحتمل بالإجتماع بعد طول
الفرقة.
﴿إنه منْ یتق ویصبرْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: يتقي الزنى ويصبر على العزوبة، قاله إبراهيم.
٧٤

سورة يوسف الآية - ٨٩ - ٩٢
الثاني: يتقي الله تعالى ويصبر على بلواه. وهو محتمل (١٤٥).
﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) فيه قولان:
أحدهما: في الدنيا.
الثاني: في الآخرة.
قوله عزوجل: ﴿قالوا تالله لقد آثرك اللهُ علينا﴾ مأخوذ من الإيثار، وهو إرادة
تفضيل أحد النفسين على الآخر، قال الشاعر(١٤٦):
والله أسماك سُمَّا مباركاً آثرك الله به إيثارَكاً
﴿وإن کنا لخاطئين﴾ أي فيما صنعوا بیوسف، وفيه قولان:
أحدهما: آثمين.
الثاني: مخطئين. والفرق بين الخاطىء والمخطىء أن الخاطىء آثم.
فإن قيل: فقد كانوا عند فعلهم ذلك به صغاراً ترفع عنهم الخطايا.
قيل لما كبروا واستداموا إخفاء ما صنعوا صاروا حينئذ خاطئين.
قوله عز وجل : ﴿قال لا تثريب عليكم﴾ فيه قولان أربعة تأويلات:
أحدها: لا تغيير عليكم، وهو قول سفيان بن عيينة.
الثاني : لا تأنیب فیما صنعتم، قاله ابن إسحاق.
الثالث: لا إباء عليكم في قولكم، قاله مجاهد.
الرابع: لا عقاب عليكم وقال الشاعر(١٤٧):
فعفوت عنهم عفو غير مثربٍ وتركتهم لعقاب يومٍ سرمد
﴿الیوم يغفر الله لكم﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: لتوبتهم بالاعتراف والندم.
الثاني: لإحلاله لهم بالعفو عنهم.
﴿وهو أرحم الراحمين﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: في صنعه بي حين جعلني ملكاً.
(١٤٥) وهذا القول أعم وأشمل والله أعلم.
(١٤٦) اللسان ((سما)) ولم ينسبه في اللسان.
(١٤٧) هو بشر وقيل تبع والبيت في اللسان ((يثرب)).
٧٥

سورة يوسف الآية - ٩٣ - ٩٥
الثاني : في عفوه عنكم عما تقدم من ذنبكم.
أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيُ قَالَـ أَبُوهُمْ إِنِّ لَأَجِدُرِيحَ
أَجْمَعِينَ
१०
أَقَالُوْتَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ!
٩٤
يُوسُفَ لَوْلَا أَن تَفَنِّدُونِ
قوله عزوجل: ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً﴾ (١٤٨) وفيه
وجهان :
أحدهما: مستبصراً بأمري لأنه إذا شم ريح القميص عرفني .
الثاني: بصيراً من العمى فذاك من أحد الآيات الثلاث في قميص يوسف بعد
الدم الكذب وقدّه من دُبُره. وفيه وجه آخر لأنه قميص إبراهيم (١٤٩) أنزل عليه من الجنة
لما ألقي في النار، فصار لإسحاق ثم ليعقوب، ثم ليوسف فخلص به من الجب وحازه
حتى ألقاه أخوه على وجه أبيه فارتد بصيراً، ولم يعلم بما سبق من سلامة إبراهيم من
النار ويوسف من الجب أن يعقوب يرجع به بصيراً.
قال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره ..
وكان الذي حمل قميصه يهوذا بن يعقوب، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه
قميصك بدم کذب فأحزنته فأنا الآن أحمل قمیصك لأسرّه ولیعود إليه بصره فحمله،
حکاه السدي .
﴿وأتوني بأهلكم أجمعين﴾ لتتخذوا مِصرَ داراً. قال مسروق فكانوا ثلاثة
وتسعين بين رجل وامرأة.
قوله عزوجل: ﴿ولمّا فصلت العير﴾ أي خرجت من مصر منطلقة إلى الشام.
﴿قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف﴾ فيها قولان:
أحدهما: أنها أمارات شاهدة وعلامات قوي ظنه بها، فكانت هي الريح التي
(١٤٨) وقد استشكل بعضهم ما قطع به يوسف من كونه قال يأت بصيراً.
والجواب أن ذلك كان بالوحي إليه كما قال مجاهد ونقله في زاد المسير (٢٨٣/٤).
(١٤٩) وهذا القول يحتاج إلى نقل بسند صحيح مرفوع أو في حكمه.
٧٦

سورة يوسف الآية - ٩٣ - ٩٥
وجدها ليوسف، مأخوذ من قولهم تنسمت رائحة كذا وكذا إذا قرب منك ما ظننت أنه
سیکون.
والقول الثاني: وهو قول الجمهور أنه شم ريح يوسف التي عرفها. قال
جعفر بن محمد رضي الله عنه: وهي ريح الصبا. ثم اعتذر فقال (١٥٠):
﴿لولا أن تفندّون﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: لولا أن تسفهون، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه قول النابغة
الذبياني :
إلا سليمان إذ قال المليكُ له قم في البرية فاجددها عن الفنّد
أي عن السفة .
الثاني: معناه لولا أن تكذبون، قاله سعيد بن جبير والضحاك، ومنه قول
الشاعر:
هل في افتخار الكريم من أود أم هل لقول الصديق من فند
أي من كذب.
الثالث: لولا أن تضعّفون، قاله ابن إسحاق. والتفنيد: تضعيف الرأي، ومنه
قول الشاعر (١٥١):
يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي
فليس مافات من أمري بمردود
وكان قول هذا لأولاد بنيه، لغيبة بنيه عنه، فدل هذا على أن الجدَّ أَبُ.
الرابع : لولا أن تلوموني، قاله ابن بحر.
ومنه قول جرير (١٥٢):
يا عاذليَّ دعا الملامة واقصِرا طال الهوى وأطلْتُّما التفنيدا
واختلفوا في المسافة التي وجد ريح قميصه منها على ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنه وجدها من مسافة عشرة أيام. قاله أبو الهذيل.
(١٥٠) والبيت من معلقة النابغة ديوان ص ٢٠.
(١٥١) هو هاني بن شكيم العدوي والبيت في مجاز القرآن (٣١٨/١)، الطبري (٥٩/١٣) والقرطبي
(٢٦٠/٩).
(١٥٢) ديوانه: ١٦٩. الطبري (٢٥٦/١٦).
٧٧

سورة يوسف الآية - ٩٦ - ٩٨
الثاني : من مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس.
الثالث: من مسيرة ستة أيام، قاله مجاهد. وكان يعقوب بأرض كنعان ويوسف
بمصر وبينهما ثمانون فرسخاً، قاله قتادة.
قوله عز وجل: ﴿قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) فيه أربعة تأويلات:
أحدها: أي في خطئك القدیم، قاله ابن عباس وابن زيد.
الثاني : في جنونك القديم، قاله سعيد بن جبير. قال الحسن: وهذا عقوق.
الثالث: في محبتك القديمة، قاله قتادة وسفيان .
الرابع: في شقائك القدیم، قاله مقاتل، ومنه قول لبيد :
ے
بحطمة والمنى طرف الضَّلال
تمنى أن تلاقي آل سلمى
وفي قائل ذلك قولان:
أحدهما: بنوه، ولم يقصدوا بذلك ذماً فيأثموا.
والثاني : بنو نبيه وكانوا صغاراً.
فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنّ
قَالُواْ يَتَأَبَانَا أَسْتَغْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا
أَعْلَمُ مِنَ اُللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ لَِّّ
خَاطِئِينَ ﴾ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
/٩
قوله عز وجل: ﴿فلما أن جاء البشير﴾ وفي قولان:
أحدهما: شمعون، قاله الضحاك.
الثاني : يهوذا. سمي بذلك لأنه أتاه ببشارة.
ألقاه على وجهه﴾ يعني ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب.
﴿فارتدَّ بصيراً﴾ أي رجع بصيراً، وفيه وجهان:
أحدهما: بصيراً بخبر يوسف.
الثاني : بصيراً من العمى.
﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: إني أعلم من صحة رؤيا يوسف ما لا تعلمون.
٧٨

سورة يوسف الآية - ٩٦ - ٩٨
الثاني: إني أعلم من قول ملك الموت أنه لم يقبض روح يوسف ما لا
تعلمون.
الثالث: إني أعلم من بلوى الأنبياء بالمحن ونزول العراج ونيل الثواب ما لا
تعلمون .
قوله عزوجل: ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا﴾ وإنما سألوه ذلك لأمرين:
أحدهما: أنهم أدخلوا عليه من آلام الحزن ما لا يسقط المأثم عنه إلا بإجلاله.
الثاني: أنه نبيُّ تجاب دعوته ويعطى مسألته، فروى ابن وهب عن الليث بن
سعد أن يعقوب وإخوة يوسف قاموا عشرين سنة يطلبون التوبة فيما فعل إخوة يوسف
بيوسف لا يقبل ذلك منهم حتى لقي جبريل يعقوب فعلمه هذا الدعاء: يا رجاء
المؤمنين لا تخيب رجائي، ويا غوث المؤمنين أغثني، ويا عَوْن المؤمنين أعني،
ويا مجيب التّوابين (١٥٣) تُبْ عليَّ فاستجيب لهم.
فإن قيل قد تقدمت المغفرة لهم بقول يوسف من قبل ﴿لا تثريب عليكم)
الآية، فلمَ سألوا أباهم أن يستغفر لهم؟
فعن ذلك ثلاثة أجوبة(١٥٤):
أحدها: لأن لفظ يوسف عن مستقبل صار وعداً، ولم يكن عن ماض فيكون
خبراً.
الثاني: أن ما تقدم من يوسف كان مغفرة في حقه، ثم سألوا أباهم أن يستغفر
لهم في حق نفسه .
الثالث: أنهم علموا نبوة أبيهم فوثقوا بإجابته، ولم يعلموا نبوة أخيهم فلم يثقوا
بإجابته .
قوله عز وجل: ﴿قال سوف أستغفر لكم ربي﴾ وفي تأخيره الاستغفار لهم
وجهان :
أحدهما: أنه أخره دفعاً عن التعجيل ووعداً من بعد، فلذلك قال عطاء: طلب
(١٥٣) رواه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر (٤ /٥٨٧) وقوله في الحديث هنا ((يا مجيب التوابين)) ورد في
نسخة أخرى للمحفوظة يا حبيب .. وهو الصواب كما في الدر.
(١٥٤) قال الامام الشوكاني في فتح القدير (٥٤٠/٣) معقباً على قول عطاء ((أقول في هذا الكلام نظر فإنهم =
٧٩

سورة يوسف الآية - ٩٦ - ٩٨
الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف: ﴿لا تثريب
علیکم اليوم﴾ وإلی قول يعقوب: ﴿سوف استغفر لكم ربي﴾.
الثاني: أنه أخّره انتظاراً لوقت الإجابة وتوقعاً لزمان الطلب.
وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها: عند صلاة الليل، قاله عمرو بن قیس.
الثاني: إلى السحر، قاله ابن مسعود وابن عمر. روى أنس بن مالك عن
النبي وَلي أنه قال: ((أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب)) (١٥٥).
الثالث: إلى ليلة الجمعة قاله ابن عباس ورواه عن النبي وَّيو(١٥٦) مرفوعاً .
وإنما سألوه الاستغفار لهم وإن كان المستحق في ذنوبهم التوبة منها دون
الاستغفار لهم ثلاثة أمور:
أحدها : للتبرك بدعائه واستغفاره .
الثاني : طلباً لاستعطافه ورضاه.
الثالث: لحذرهم من البلوى والامتحان في الدنيا.
طلبوا من يوسف أن يعفوا عنهم بقولهم لقد آثرك الله علينا فقال لا تثريب عليكم اليوم لأن مقصودهم
=
صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى
الله عز وجل وبين المقامين فرق فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم ولا سيما إذا ما
تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الاجابة فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول)) اهـ.
(١٥٥) لكن رواه ابو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ومث له سئل لم أخر يعقوب بنيه
من الاستغفار قال أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب الدر المنثور (٥٨٤/٤) أما حديث أنس
فلم أظفر عمن خرجه والله اعلم.
(١٥٦) رواه ابن جرير (٢٦٢/١٦) من الحاكم وصححه على شرط الشيخين ولم يخرجاه والترمذي (٣٥٧٠)
مطولاً من حديث علي مرفوعاً وقال هذا (٣١٦/١) حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث
الوليد بن مسلم اهـ قلت وفي سنده سليمان بن عبد الرحمن التميمي وهو ثقة لكنه حدث بالمناكير
ولهذا قال الحافظ الذهبي متعقباً لتصحيح الحاكم، هذا حديث منكر شاذ أضاف أن يكون موضوعاً وقد
حيرني والله جودة إسناده.
قلت وقول الذهبي منكر شاذ يقصد المسند ولا يلزم من جودة الاسناد صحة المتن كما هو معلوم عند أهل
الفقه وقال الحافظ ابن كثير (٢ /٤٩٠) هذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والله اعلم راجع ما كتب
في حاشية الطبري .
٨٠