النص المفهرس

صفحات 1-20

مِنْ رَوَائِع التفَاسِير
التُّكَتُ وَالْغُيُونَ
تَفْسِيرُ الْمَاو ◌َزْوِيْ
تصنيف
أي الحَسَنْ عَلَىّ بِرْ مُتَّمَدْ بَنْ حَبَيَبْ المَاوَرْدِيْ البَصْريّ
٣٦٤ _ ٤٥٠ هـ
الجزء الثّالثّ
رَاجَعَهُ وَعَلّقَ عَلَيْه
السيّبن عبد المقصود بن عَبدالرّحِيمْ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
مؤسسة الكتب الثقافية
بيروت - لبنان

مُلتزم الطّبْع وَالنشْرْ والتوزيع
دار الكتب العلمية
مؤسسة الكتب الثقافية
يطلب من: زَار ◌ِلكتبْ العِلمِيَّة بيروت- لبنان
حَرت: ١١/٩٤٢٤ تلكس: Nasher aizeste
هاتف: ٣٦٦١٣٥ - ٨١٥٥٧٣
مؤسسة الكتب الثقافية
الصّنَائع. بسنَاية الإتْحَاد الوطني. الطَّابق السَّابع شقّة ٧٨
هَانِفِ المكتب.
ص ت ٥١١٥ ١١٤ - برقياً، الكتبكو.
بيروت -لبنان

التِكَتُ وَالْغُيُونْ
تَفَسِيرُ المَاوَنَزِدَيْ

بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سورة يوسف الآية - ١ - ٣
تريبها
١٢
شُورَةُ يُوسُفَ
آياتها
مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة إلّ أربع آيات منها.
بِسمِ الهِ الرَحمَن الرَّحِيِ
الّرَتِلْكَ ءَايَتُّ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن
٢
كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ
٣
قوله عزوجل: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها الآيات المتقدم ذكرها في السورة التي قبلها.
الثاني: الآيات التي في هذه السورة، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تلك آيات
الكتاب المبين﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين.
الثالث: أن تلك الآيات إشارة إلى ما افتتحت به السورة من الحروف وأنها
علامات الكتاب العربي، قاله ابن بحر.
وفي قوله تعالى: ﴿الكتاب المبين﴾ ثلاثة تأويلات:
أحدها: المبین حلاله وحرامه، قاله مجاهد.
الثاني : المبين هداه ورشده، قاله قتادة.
الثالث: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف، قاله
معاذ (١).
(١) ولم يصح هذا الأثر عن معاذ رواه الطبري (١٥ /٥٠٥).

سورة يوسف الآية - ٤
قوله عز وجل ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربيا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إنا أنزلنا الكتاب قرآناً عربياً بلسان العرب، وهو قول الجمهور.
الثاني: إنا أنزلنا خبر يوسف قرآناً، أي مجموعاً عربياً أي يعرب عن المعاني
بفصيح من القصص وهو شاذ.
﴿لعلكم تعقلون﴾.
﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ أي نبين لك أحسن البيان، والقاصّ
الذي يأتي بالقصة (٢) على حقيقتها.
إِذْقَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَكَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ
لِ سَجِدِينَ
٤
قوله عز وجل: ﴿إِذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحَدَ عشر كوكباً والشمس
والقمر﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه رأى إخوته وأبويه ساجدين له فثنى ذكرهم، وعنى بأحد عشر
كوكباً إخوته وبالشمس أباه يعقوب، وبالقمر أمه راحيل رآهم له ساجدين، فعبر عنه
بما ذكره، قاله ابن عباس وقتادة.
ـف
الثاني: أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له فتأول الكواكب
إخوته، والشمس أباه، والقمر أمه، وهو قول الأكثرين. وقال ابن جريج: الشمس أمه
والقمر أبوه، لتأنيث الشمس وتذكير القمر.
وروى السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر (٣) قال: أتى رسول الله وَل
٤
= وفي سنده الوليد بن سلمة الفلسطيني وهو كذاب يضع الحديث على الثقات. راجع الميزان للذهبي
(٤٧١/٣) ولسان الميزان (٢٢٢/٦).
والحروف هي الطاء والظاء والضاد والصاد والعين والحاء. راجع روح المعاني (١٧١/١٢).
(٢) قال القرطبي رحمه الله (١١٨/٩) قال العلماء ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد
في وجوه مختلفة بألفاظ متباينة على درجات البلاغة وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها فلم يقدر مخالف
على معارضة ما تكرر ولا على معارضة غير المتكرّر.
(٣) رواه الطبري (٥٥٥/١٥) وفي سنده انقطاع بن جابر وعبد الرحمن بن سابط وفي سنده أيضاً الحكم بن
ظهير، وهو متروك قال الجوزجاني فيه: ساقط لميله وأعاجيب حديثه وهو صاحب حديث نجوم يوسف . =
٦

سورة يوسف الآية - ٥
رجلٌ من اليهود يقال له بستانة فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف
أنها ساجدة له ما أسماؤها، فسكت رسول الله صلى ولم يجب بشيء، فنزل عليه
جبریل بأسمائها قال فبعث رسول الله پڼ إلیه وقال ((أنت تؤمن إن أخبرتك بأسمائها))؟ فقال
نعم، فقال: ((جريان، والطارق والذيال وذو الكتفين وقابس والوثّاب والعمودان
والفليق والمصبح والضروح وذو الفرع والضياء والنور)) فقال اليهودي: بلى والله
إنها لأسماؤها.
وفي إعادة قوله ﴿رأیتهم لي ساجدين﴾ وجهان:
أحدهما: تأكيداً للأول لبعد ما بينها، قاله الزجاج.
الثاني: أن الأول رؤيته (٤) لهم والثاني رؤيته لسجودهم.
وفي قوله ﴿ساجدين﴾ وجهان :
أحدهما: أنه السجود المعهود في الصلاة إعظاماً لا عبادة.
الثاني: أنه رآهم خاضعين فجعل خضوعهم سجوداً، كقول الشاعر(٥):
ترى الأكم فيه سُجّداً للحوافر
٠٠٠
٠ ٠٠
٠٠٠
٠٠٠
قَالَ يَبُنَّلَا نَقْصُصْ رُءٌ يَاكَ عَلَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ والَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَنَ
لِلِّنِسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ
٥
رويتو
وقيل إنه كان له عند هذه الرؤيا سبع عشرة سنة، قال ابن عباس: رأى هذه
الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر، فلما قصها على يعقوب أشفق عليه من حسد
المیزان (٢٦٨/١) وبعد ما عرفت ما في سند الحدیث فالعجب من الحاکم رحمه الله کیف صححه وفیه
=
من سبق وقد نقل العلامة الألوسي في روح المعاني (١٧٩/١٢) عن أبي زرعة وابن الجوزي أنهما قالا
عن الحديث: منكر موضوع .. قلت: وضعف الحديث الحافظ ابن كثير في التفسير (٤٦٨/٢) ونقل
تضعیف ابن الجوزي له.
والحديث زاد السيوطي في الدر (٤ /٤٩٨، ٤٩٩) نسبته لسعيد بن منصور البزار وأبي يعلى وابن المنذر
وابن أبي حاتم والعقيلي وابن حبان في الضعفاء وأبي الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه وأبي نعيم
والبيهقي معاً في دلائل النبوة.
(٤) قال الفرّاء رحمه الله ((إنما قال رأيتهم)) على جمع ما يعقل لأن السجود مقل ما يعقل زاد المسير
(٤ / ١٨٠) وجامع البيان (٥٥٦/١٥).
(٥) هو زيد الخيل وما ذكر هنا عجز بيت صدره بجمع تضل البلق في هجراته.
٧

سورة يوسف الآية - ٦
إخوته فقال: يا بني هذه رؤيا الليل فلا يعول عليها، فلما خلا به ﴿قال يا بني (٦) لا
تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدوٍّ مبين﴾ .
وفي تسميته بیوسف قولان :
أحدهما: أنه اسم أعجمي .
الثاني: أنه عربي مشتق من الأسف، والأسف في اللغة الحزن.
وَكَذَلِكَ يَجْنَكِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَعَّءَالٍ يَعْقُوبَ كُمَا أَتَمَّهَـا عَلَى أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيهُ
مَكِيمٌو
قوله عز وجل : ﴿و كذلك يجتبيك ربك﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: بحسن الخلق والخُلق.
الثاني : بترك الإنتقام.
الثالث: بالنبوة، قاله الحسن.
﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: عبارة الرؤيا، قاله مجاهد.
الثاني : العلم والحكمة، قاله ابن زید.
الثالث: عواقب الأمور، ومنه قول الشاعر:
وللنوى قبل يوم البيْن تأويل
وللأحبة أيام تذكّرُها
﴿ویتم نعمته عليك﴾ فيه وجهان:
أحدهما: باختيارك للنبوة .
الثاني : بإعلاء كلمتك وتحقيق رؤياك، قاله مقاتل.
وفيه وجه ثالث: أن أخرج (٧) إخوته إليه حتى أنعم عليهم بعد إساءتهم إليه .
﴿وعلى آل يعقوب﴾ بأن جعل فيهم النبوة.
(٦) وهذا التصغير هنا يطلق عليه عند النحاة تصغير تحبيب. راجع روح المعاني (٢ /١٨٠).
(٧) كذا هنا وفي المطبوعة والصواب ((أحوج)) والتصويب من زاد المسير (١٨١/١) فإنه ذكر قول الماوردي
هناك.
٨

سورة يوسف الآية - ٧ - ١٠
﴿كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم واسحاق﴾ قال عكرمة: فنعمته على
إبراهيم أن أنجاه من النار، وعلى إسحاق (٨) أن أنجاه من الذبح.
لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ: مَايَتٌ لِلِسَّابِلِينَ ﴿ إِذْ قَالُواْلَيُوسُفُ وَأَخُوهُ
أُقْتُلُواْ يُوسُفَ
أَحَبُّ إِلَىَ أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّأَبَانَالَفِىِ ضَلٍ مُّبِينٍ شَـ
أَوِاَطْرَحُوهُ أَرْضَا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُفِ غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ
السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ
١٠
قوله عزوجل: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين﴾ في هذه الآيات
وجهان :
أحدهما: أنها عِبَرٌ للمعتبرين.
الثاني : زواجر للمتقين.
وفيها من يوسف وإخوته أربعة أقاويل :
أحدها: ما أظهره الله تعالى فيه من عواقب البغي عليه.
الثاني : صدق رؤياه وصحة تأويله.
الثالث: ضبط نفسه وقهر شهوته حتى سلم من المعصية وقام بحق الأمانة .
الرابع: الفرج بعد شدة الإياس. قال ابن عطاء: ما سمع سورة يوسف محزون
إلا استروح إليها.
قوله عزوجل: ﴿إذا قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا مِنّا﴾ وأخوه بنيامين وهما
أخوان لأب وأم، وكان يعقوب قد كلف بهما لموت أمهما وزاد في المراعاة لهما،
فذلك سبب حسدهم لهما، وكان شديد الحب ليوسف، فكان الحسد له أكثر، ثم
رأی الرؤیا فصار الحسد له أشد.
(٨) وهذا قول عكرمة لكن خالفه غيره والقول الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وأدلة ذلك كثيرة
وقد ذكر منها ابن القيم في مقدمة زاد المعاد للإمام السيوطي رحمه الله رسالة بعنوان ((القول الفصيح في
تعيين الذبيح)) ضمن رسائل الحاوي جمع فيها أدلة الفريقين ولعلنا نزيد الأمر وضوحاً في سورة
الصافات فإلى هناك والله المستعان .
٩

سورة يوسف الآية - ٧ - ١٠
﴿ونحن عصبة﴾ وفي العصبة أربعة أقاويل:
أحدها: أنها ستة أو سبعة، قاله سعيد بن جبير.
الثاني : أنها من عشرة إلى خمسة عشر، قاله مجاهد.
الثالث: من عشرة إلى أربعين، قاله قتادة.
الرابع: الجماعة، قاله عبد الرحمن بن زید.
﴿إِن أبانا لفي ضلال مبين﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها : لفي خطأ من رأيه، قاله ابن زید.
الثاني : لفي جور من فعله، قاله ابن كامل.
الثالث: لفي محبة (٩) ظاهرة، حكاه ابن جرير(١٠).
وإنما جعلوه في ضلال مبين لثلاثة أوجه:
أحدها: لأنه فضّل الصغير على الكبير.
الثاني : القليل على الكثير.
الثالث: من لا يراعي ما له على من يراعيه.
واختلف فيهم هل كانوا حينئذ بالغين؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا بالغين مؤمنين
ولم يكونوا أنبياء(١١) بعد لأنهم قالوا ﴿يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ وهذه
(٩) قال العلامة الألوسي رحمه الله (١٩٠/١٢) ((والذي ينبغي أن يعول عليه أنه عليه السلام إنما أحبه أكثر
منهم لما رأى فيه من مخايل الخير ما لم ير فيهم وزاد ذلك الحب بعد الرؤيا لتأكيدها تلك الأمارات
عنده ولا لوم على الوالد في تفضيله بعض ولده على بعض في المحبة لمثل ذلك وقد صرح غير واحد
أن المحبة ليست مما يدخل تحت وسع البشر والمرء معذور فیما لم يدخل تحته أ. هـ.
(١٠) جامع البيان (١٥ / ٥٦٣).
(١١) وهذا هو الصواب ولهذا قال العلامة الألوسي (١٨٤/١٢) والذي عليه الأكثرون سلفاً وخلفاً أنهم لم
يكونوا أنبياء أصلاً أما السلف فلم ينقل عن الصحابة منهم أنه قال بنبوتهم ولا يحفظ عن أحد من
التابعين أيضاً وأما أتباع التابعين فنقل عن ابن زيد أنه قال بنبوتهم وتابعه شرذمة قليلة وأما الخلف
فالمفسرون فرقة منهم من قال بقول ابن زيد كالبغوي ومنهم من بالغ في رده كالقرطبي وابن كثير ومنهم
من حكى القولين بلا ترجيح كابن الجوزي ومنهم من لم يتعرض للمسألة لكن ذكر ما يشعر بعدم كونهم
أنبياء كتفسيره الأسباط عن نبي من بني إسرائيل والمنزل إليهم بالمنزل الى أنبيائهم كابن الليث
السمرقندي والواحدي ومنهم من لم يذكر شيئاً من ذلك لكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب فحسبه ناس
قولاً بنبوتهم وليس نصاً فيه لاحتمال أنه يريد بالأولاد ذريته لا بنيه لِصلبه وذكر الشيخ ابن تيمية في مؤلف
له خاص في هذه المسألة ما ملخصه ((الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه =
١٠

سورة يوسف الآية - ٧ - ١٠
حالة لا تكون إلا من بالغ، وقال آخرون: بل كانوا غير بالغين لأنهم قالوا ﴿أرسله معنا
غداً نرتع ونلعب﴾ وإنما استغفروه بعد البلوغ.
قوله عزوجل : ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: اطرحوه أرضاً لتأكله السباع.
الثاني : ليبعد عن أبيه.
﴿یخل لکم وجه أبیکم وتكونوا من بعده قوماً صالحين﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أنهم أرادوا صلاح الدنيا لاصلاح الدين، قاله الحسن.
الثاني: أنهم أرادوا صلاح الدين بالتوبة، قاله السدي .
ويحتمل ثالثاً: أنهم أرادوا صلاح الأحوال بتسوية أبيهم بينهم من غير أثرة ولا
تفضيل. وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول
منهم.
قوله عزوجل: ﴿قال قائلٌ منهم لا تقتلوا يوسف﴾ اختلف في قائل هذا منهم
على ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنه روبيل وهو أكبر إخوة يوسف وابن خالته، قاله قتادة.
الثاني : أنه شمعون، قاله مجاهد.
الثالث: أنه يهوذا(١٢) ، قاله السدي.
﴿وألقُوه في غيابة الجُبِّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني قعر الجب وأسفله ..
الثاني: ظلمه الجب التي تغيّب عن الأبصار ما فيها، قاله الكلبي .
فكان رأس الجب ضيقاً وأسفله واسعاً.
أحدهما: لأنه يغيب فيه خبره. وفي تسميته
غيابة الجب﴾ وجهان :
الثاني: لأنه يغيب فيه أثره ، قال ابن أحمر(١٣):
= السلام ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا عن النبي وَ ل بل ولا عن أحد من اصحابه رضي الله تعالى
عنهم خبر بأن الله تعالى نبأهم ... اهـ. قلت وللسيوطي رحمه الله رسالة في ضمن رسائل الحاوي
تتعلق بهذا الموضوع فراجعها.
(١٢) قال الألوسي رحمه الله: ولعله الأصح (١٩٢/١٢).
(١٣) وهو عمرو بن أحمر الباهلي والبيت أورده الشوكاني في فتح القدير (٩/٣) والشطر الثاني فيه ((إلى ذا
كما قد غيبتني غيابياً ..
١١

سورة يوسف الآية - ١٢،١١
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثٍ إلى ذاك ما قد غيبتني غيابيا
وفي ﴿الجب﴾ قولان:
أحدهما: أنه اسم بئر في بيت المقدس، قاله قتادة.
الثاني: أنه بئر غير معينة، وإنما يختص بنوع من الآبار قال الأعشى(*):
ورقيت أسباب السماء بسلم
لئن كنت في جب ثمانين قامة
وفيما يسمى من الآبار جباً قولان:
أحدهما: أنه ما عظم من الآبار سواء كان فيه ماء أو لم يكن.
الثاني: أنه ما لا طيّ له من الآبار، قاله الزجاج، وقال: سميت جبًّا لأنها قطعت
من الأرض قطعاً ولم يحدث فيها غير القطع.
﴿يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾ معنى يلتقطه يأخذه، ومنه اللقطة لأنها
الضالة المأخوذة .
.
وفي ﴿السيارة﴾ قولان:
أحدهما: أنهم المسافرون سُموا بذلك لأنهم یسیرون.
الثاني : أنهم مارة الطريق، قاله الضحاك.
قَالُواْ يَكَأَبَانَا مَالَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّالَهُ لَنَصِحُونَ ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا
غَدًّا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّالَهُ لَحَفِظُونَ
١٢
قوله عز وجل: ﴿أرسله معنا غداً يرتع ويلعب﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: نلهو ونلعب، قاله الضحاك.
الثاني: نسعى وننشط، قاله قتادة.
الثالث: نتحارس فيحفظ بعضنا بعضاً ونلهو، قاله مجاهد.
الرابع: نرعی ونتصرف، قاله ابن زيد، ومنه قول الفرزدق.
راحت بمسلمة البغالُ مودعاً فارعي فزارة لا هناك المرتع
(*) ديوانه: ١٨٣.
١٢

سورة يوسف الآية - ١٣ - ١٥
الخامس: نطعم ونتنعم مأخوذ من الرتعة وهي سعة المطعم والمشرب، قاله
ابن شجرة وأنشد قول الشاعر (١٤):
وبعد عطائك المائة الرِّتاعا
أكُفراً بعد رَدّ الموت عنّي
أي الرائعة لكثرة المرعى.
ولم ينكر عليهم يعقوب عليه السلام اللعب لأنهم عنوا به ما كان مباحاً.
قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ
غَفِلُونَ ﴿ قَالُوْلَيِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ(@)
قوله عز وجل: ﴿قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخافُ أن يأكله الذئب وأنتم عنه
غافلون﴾ فيه قولان:
أحدهما: (١٥) أنه قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب، وخوفه
إنما كان من قتلهم له فکنی عنهم بالذئب مسايرة لهم، قال ابن عباس فسماهم ذئاباً.
والقول الثاني: ما خافهم عليه، ولو خافهم ما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب
لأنه أغلب ما يخاف منه من الصحاري .
وقال الكلبي: بل رأى في (١٦) منامه أن الذئب شَدّ على يوسف فلذلك خافه
عليه .
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُوْأَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَّبِّئَنَّهُم
١٥
بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
﴿وأوحينا إليه﴾ فيه وجهان:
:
(١٤) هو القطامي واسمه عمير بن شييم، والبيت في ديوانه: ٤١ .
(١٥) قال الألوسي رحمه الله في روح المعاني (١٩٥/١٢) ((وادعى بعضهم أنه عليه السلام ورى بالذئب.
واحد منهم فإنه عليه السلام أجل قدراً من أنه لا يعلم أن رؤياه تلك من أي أقسام الرؤيا هي فإن منها ما
يحتاج للتعبير ومنها ما لا يحتاج إليه والكامل يعرف ذلك.
(١٦) وقال العلامة الألوسي (١٩٥/١٢) وأنا لم أجد لرواية الرؤيا مطلقاً سنداً يعول عليه ولا حاجة بنا إلى
اختبارها لتكلف الكلام فيها .
١٣

سورة يوسف الآية - ١٦ - ١٨
أحدهما: يعني وألهمناه، كما قال تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن
أرضعيه﴾. [القصص: ٧].
الثاني: أن الله تعالى أوحى إليه وهو في الجب، قاله مجاهد وقتادة.
﴿لتنبئتهم بأمرهم هذا﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا، فعلى هذا يكون
الوحي بعد إلقائه في الجب تبشيراً له بالسلامة.
الثاني: أنه أوحى إليه بالذي يصنعون به، فعلى هذا يكون الوحي قبل إلقائه في
الجب إنذاراً له.
﴿وهم لا يشعرون﴾ فیه وجهان:
أحدهما: لا يشعرون بأنه أخوهم يوسف، قاله قتادة وابن جريج .
الثاني : لا يشعرون بوحي الله تعالى له بالنبوة، قاله ابن عباس ومجاهد.
وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءَ يَبْكُونَ ﴿ قَالُواْ يَتَبَانَآ إِنَاذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا
يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّتْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ
◌َوَجَآءُ و عَلَى قَمِيصِهِ، بِدَمِ كَذِدٍ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْأَنفُسُكُمْ أَمْرًّا فَصَبْرٌ
١٧
جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(
١٨
قوله عزوجل: ﴿قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق﴾ هو نفتعل من السباق وفيه أربعة
أوجه :
أحدها: معناه ننتصل، من السباق في الرمي، قاله الزجاج.
الثاني: أنهم أرادوا السبق بالسعي على أقدامهم.
الثالث: أنهم عنوا استباقهم في العمل الذي تشاغلوا به من الرعي
والاحتطاب ..
الرابع: أي نتصيد وأنهم يستبقون على اقتناص الصيد.
﴿وتركنا يوسف عند متاعنا﴾ يحتمل أن يعنوا بتركه عند متاعهم إظهار الشفقة
عليه، ويحتمل أن يعنوا حفظ رحالهم.
١٤

ـف الآية - ١٦ - ١٨
فأكله الذئب﴾ لما سمعوا أباهم يقول: وأخاف أن يأكله الذئب أخذوا ذلك
من فيه وتحرّموا به لأنه كان أظهر المخاوف علیه.
﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ أي بمصدق لنا.
﴿ولو كنا صادقين﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أنه لم یکن ذلك منهم تشکیکاً لأبيهم في صدقهم وإنما عنوا: ولو كنا
أهل صدق ما صدقتنا، قاله ابن جرير (١٧)
الثاني : معناه وإن كنا قد صدقنا، قاله ابن إسحاق.
قوله عزوجل: ﴿وجاءُوا على قميصه بدمٍ كذب﴾ قال مجاهد: كان دم سخلة.
وقال قتادة: كان دم ظبية .
قال الحسن: لما جاءُوا بقميص يوسف فلم ير يعقوب فيه شقاً قال: يا بني والله
ما عهدت الذئب حليماً أيأكل ابني ويبقي على قميصه. ومعنى قوله ﴿بدم كذب﴾ أي
مکذوب فيه، ولکن وصفه بالمصدر فصار تقديره بدم ذي كذب.
وقرأ الحسن (١٨) ﴿بدم كذب﴾ بالدال غير معجمة، ومعناه بدم متغير قاله
الشعبي .
وفي القميص ثلاث آيات (١٩): حين جاءُّوا عليه بدم كذب، وحين قُدَّ قميصه
من دُبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيراً.
﴿قال بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بل أمرتكم أنفسكم، قاله ابن عباس.
الثاني : بل زينت لكم أنفسكم أمراً، قاله قتادة.
وفي ردّ یعقوب علیھم وتکذیبہ لھم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه كان ذلك بوحي من الله تعالى إليه بعد فعلهم.
(١٧) جامع البيان (٥٧٨/١٥).
(١٨) وهي قراءة ابن عباس وابن العالية وفيها قراءة أخرى هكذا ((يدم كذباً)) وهي قراءة ابن أبي عبلة كما في
زاد المسير (١٩٣/٤).
(١٩) وقد تعقب هذا القول القرطبي رحمه الله (١٤٩/٩) وقال: ((وهذا مردود لأن القمصان مختلفة أي أنه كان
في كل حالة من الحالات قميص مختلف اهـ
قلت: وقول المؤلف في القميص .. الخ هو قول الشعبي رحمه الله ورواه الطبري (٥٨٢/١٥).
١٥

سورة يوسف الآية - ٢٠،١٩
الثاني : أنه كان عنده علم بذلك قدیم أطلعه الله عليه.
الثالث: أنه قال ذلك حدساً بصائب رأيه وصدق ظنه.
قال ترضية لنفسه ﴿فصبر جميل﴾ فاحتمل ما أمر به نفسه من الصبر وجهين:
أحدهما: الصبر على مقابلتهم على فعلهم فيكون هذا الصبر عفواً عن
مؤاخذتهم .
الثاني : أنه أمر نفسه بالصبر على ما ابتُلي به من فقد يوسف.
وفي قوله ﴿فصبر جميل﴾ وجهان (٢٠):
أحدهما: أنه بمعنى أن من الجميل أن أصبر.
الثاني : أنه أمر نفسه بصبر جميل.
وفي الصبر الجميل وجهان:
أحدهما: أنه الصبر الذي لا جزع فيه قاله مجاهد.
الثاني : أنه الصبر الذي لا شکوی فیه.
روى حباب بن أبي حبلة(١٠٨) قال: سئل رسول الله وَلله عن قوله تعالى ﴿فصبر
جمیل﴾ فقال: صبر لا شکوی فیه، ومن بث لم يصبر.
﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: والله المستعان على الصبر الجميل.
الثاني : والله المستعان على احتمال ما تصفون.
الثالث: يعني على ما تكذبون، قاله قتادة.
قال محمد بن إسحاق: ابتلى الله يعقوب في كبره، ويوسف في صغره لينظر
کیف عز مهما.
وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوْ وَارِدَهُمْ فَأَذْلَى دَلْوَةٌ قَالَ يَنْبُشْرَى هَذَا غُلَمٌ وَأَسَرُّوهُ
وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ نَخْسِ دَرَهِمَ
١٩
بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ
٢٠
(٢٠) كذا في المطبوعة والصواب حبان بن أبي حبل والتصويب من الطبري (٥٨٤/١٥) وهو حديث مرسل
كما قال الحافظ في تخريج الكشاف .
١٦

سورة يوسف الآية - ٢٠،١٩
قوله عزوجل: ﴿وجاءت سيارةٌ فأرسلوا واردهم﴾ وهو الذي يرد أمامهم الماء
ليستقي لهم. وذكر أصحاب التواريخ أنه مالك (٢١) بن ذعر بن حجر بن یکه بن
لخم.
﴿فأدلى دلوه﴾ أي أرسلها ليملأها، يقال أدلاها إذا أرسل الدلو ليملأها، ودلاها
إذا أخرجها ملأى.
قال قتادة: فتعلق يوسف عليه السلام بالدلو حين أرسلت. والبئر ببيت المقدس
معروف مكانها .
﴿قال يا بشری هذا غلام﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه ناداهم بالبشرى يبشرهم بغلام، قاله قتادة.
الثاني: أنه نادى أحدهم، كان اسمه بشرى فناداه باسمه يعلمه بالغلام، قاله
السدي .
﴿وأسرُّوه بضاعة﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن إخوة يوسف كانوا بقرب الجب فلما رأوا الوارد قد أخرجه قالوا هذا
عبدنا قد أوثقناه فباعوه وأسرّوا بيعه بثمن جعلوه بضاعة لهم، قاله ابن عباس.
الثاني: أن الواردين إلى الجُب أسرّوا ابتياعه عن باقي أصحابهم ليكون (٢٢)
بضاعة لهم كيلا يشركوهم فيه لرخصه وتواصوا أنه بضاعة استبضعوها من أهل الماء،
قاله مجاهد.
الثالث: أن الذين شروه أسرُّوا بيعه على الملك حتى لا يعلم به أصحابهم
وذكروا أنه بضاعة لهم.
وحكى (٢٣) جويبر عن الضحاك أنه ألقي في الجب وهو ابن ست سنين، وبقي
فيه إلى أن أخرجته السيارة منه ثلاثة أيام .
وقال الكلبي : ألقي فيه وهو ابن سبع عشرة سنة (٢٤) .
(٢١) وفي زاد المسير (١٩٤/٤) هو مالك بن ذعْر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم قاله أبو صالح عن
ابن عباس وقيل مجلث بني رعويل قاله وهب بن منبه.
(٢٢) ورجح هذا القول ابن جرير رحمه الله (٧/١٦).
(٢٣) وهو ضعيف كما سبق.
(٢٤) زدناها ليستقيم الكلام.
١٧

سورة يوسف الآية - ٢٠،١٩
قوله عزوجل: ﴿وشروه بثمن بخسٍ﴾ معنى شروه أي باعوه، ومنه قول ابن
مفرغ الحميري (٢٥).
وشريت برداً ليتني من بعدِ بُرْدٍ كنت هامه
واسم البيع والشراء يطلق على كل واحد من البائع والمشتري لأن كل واحد
منهما بائع لما في يده مشتر لما في يد صاحبه.
وفي بائعه قولان:
أحدهما: أنهم إخوته باعوه على السيارة حين أخرجوه من الجب فادعوه عبداً،
قاله ابن عباس والضحاك ومجاهد.
الثاني : أن السيارة باعوه عن ملك مصر، قاله الحسن وقتادة.
﴿بثمن بخس﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن البخس ها هنا الحرام، قاله الضحاك، قال ابن عطاء: لأنهم أوقعوا
البيع على نفس لا يجوز بيعها فكان ثمنه وإن جَلّ بخساً. وما هو وإن باعه أعداؤه
بأعجب منك في بيع نفسك بشهوةٍ ساعةٍ من معاصيك.
الثاني : أنه الظلم، قاله قتادة.
الثالث: أنه القليل، قاله مجاهد والشعبي .
﴿دراهم معدودة﴾ اختلف في قدرها على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه بيع بعشرين درهماً اقتسموها وكانوا عشرة فأخذ كل واحد منهم
درهمين، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة وعطية والسدي .
الثاني: باثنين وعشرين درهماً، كانوا أحد عشر فأخذ كل واحد درهمين، قاله
مجاهد.
الثالث: بأربعين درهما، قاله عكرمة وابن إسحاق. وكان السدي يقول: اشتروا
بها خفافاً ونِعالاً .
وفي قوله تعالى ﴿دراهم معدودة﴾ وجهان:
أحدهما: معدودة غير موزونة لزهدهم فيه .
الثاني: لأنها كانت أقل من أربعين درهماً، وكانوا لا يَزِنُون أقل من أربعين
(٢٥) واسمه يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري والبيت في طبقات فحول الشعراء ٥٥٥ والطبري (٨/١٦).
١٨

سورة يوسف الآية - ٢٢،٢١
درهماً، لأن أقل الوزن عندهم كان الأوقية، والأوقية أربعون درهماً.
﴿وکانوا فيه من الزاهدين﴾ وفي المعنيّ بهم قولان:
أحدهما: أنهم إخوة يوسف كانوا فيه من الزاهدين حين صنعوا به ما صنعوا.
الثاني : أن السيارة کانوا فيه من الزاهدين حين باعوه بما باعوه به.
وفي زهدهم فيه وجهان:
أحدهما: لعلمهم بأنه حرِّ لا يبتاع.
الثاني : أنه كان عندهم عبداً فخافوا أن يظهر عليه مالكوه فيأخذوه.
وفيه وجه ثالث: أنهم كانوا في ثمنه من الزاهدين لاختبارهم له وعلمهم
بفضله، وقال عكرمة أعتق يوسف حین بيع.
وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَنَّهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِتُعَلِّمَلُ مِنْ تَأْوِيلِ
اُلْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٢١
وَلَمَّابَلَغَ أَشُدَّهُوَءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
٢٢
قوله عز وجل: ﴿وقال الذي اشتراه (٢٦) من مصر﴾ وهو العزيز ملكها واسمه
إظفير بن رويجب.
﴿لامرأته﴾ واسمها راعيل بنت رعاييل، على ما ذكر ابن اسحاق.
وقال ابن عباس: اسمه قطفير وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ
الوليد بن الرّيان من العماليق.
قال مقاتل: وكان البائع له للملك مالك بن ذعر بعشرين ديناراً وزاده حُلة
ونعلین.
?
﴿أکرمي مثواه﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أجملي منزلته .
(٢٦) قال العلامة الألوسي رحمه الله (٢٠٦/١٢) هذا الشراء غير الشراء السابق الذي كان بثمن بخس
وزعم أثمادها ضعيف جداً وإلا لا یبقی لقوله «من مصر» کثیر جدوى.
١٩

سورة يوسف الآية - ٢٢،٢١
الثاني : أجلي منزلته، قال كثير:
إذا ما أطَلْنا عندها المكث مَّت
أريد ثواءً عندها وأظُنُّها
وإكرام مثواه بطيب طعامه ولين لباسه وتوطئة مبيته.
﴿عسى أن ينفعنا﴾ قيل: في ثمنه إن بعناه. ويحتمل: ينفعنا في الخدمة
والنيابة.
﴿أو نتخذه ولداً﴾ إن أعتقناه وتبنيناه.
قال عبد الله بن مسعود (٢٧): أحسن الناس في فراسة ثلاثة: العزيز في يوسف
حين قال لامرأته ﴿أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا﴾ وابنة شعيب (٢٨) في موسى حين
قالت لأبيها ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦] وأبو
بکر حین استخلف عمر (٢٩) .
﴿وكذلك مكّا لیوسف في الأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بإخراجه من الجب.
الثاني : باستخلاف الملك له.
﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ قد ذكرنا في تأويله وجهين.
﴿والله غالب على أمره﴾ فیه وجهان:
أحدهما: غالب على أمر يوسف حتى يبلغ فيه ما أراده له، قاله مقاتل.
الثاني : غالب على أمر نفسه فيما يريده، أن يقول له كن فيكون.
قوله عزوجل: ﴿ولما بلغ أشدَّه﴾ يعني منتهى شدته وقوة شبابه. وأما الأشدُّ ففيه
ستة أقاويل :
(٢٧) وفي نسخه أخرى للمخطوطة قال عبد الرحمن بن مسعود والصواب ما هنا كما في الطبري حيث أورد
قول عبد الله بن مسعود في (١٩/١٦).
أقول: ومع هذا فإن نسخة المخطوطة الأخرى ربما سقط منها أبو قبل عبد الرحمن فإن كنية ابن مسعود أبو
عبد الرحمن فلعل الناسخ قال ابو عبد الرحمن بن مسعود فسقط منها أبو والله أعلم.
(٢٨) وفي كونها ابنه نبي الله شعيب خلاف وقد بسط بعض علماء التفسير أقوالاً في هذا الموضوع فمنهم
من قال أن والد البنتين هو سيدنا شعيب النبي وهو الأصح ولكن البعض خالف وقال إنه غيره والله أعلم
بغیبه وأُحکم ورد الأمور إليه أسلم.
(٢٩) وتعقب العلامة أبو بكر بن العربي هذا القول الأخير وقال: ((إنما ولى الصديق عمر بالتجربة في الأعمال
والمواظبة على الصحبة وطولها)).
٢٠