النص المفهرس

صفحات 341-360

سورة التوبة الآية - ٦
﴿وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يطلبوا في كل مكان فيكون القتل إذا وجدوا، والطلب إذا بعدوا.
والثاني: أن يفعل بهم كل ما أرصده الله تعالى لهم فيما حكم به تعالى عليهم
من قتل أو استرقاق أو مفاداة أو منٌّ ليعتبر فيها فعل الأصلح منها.
ثم قال تعالى ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ أي أسلموا، لأن التوبة من الكفر تكون بالإسلام.
﴿ وَأَقَامُواْ الْصَلَاةَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أي اعترفوا بإقامتها، وهو مقتضى قول أبي حنيفة، لأنه لا يقتل تارك
الصلاة إذا اعترف بها .
الثاني: أنه أراد فعل الصلاة، وهو مقتضى قول مالك والشافعي، لأنهما
يقتلان تارك الصلاة وإن اعترف بها.
﴿وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾ يعني اعترفوا بها على الوجهين معاً، لأن تارك الزكاة لا يقتل
مع الاعتراف بها وتؤخذ من ماله(٣٩٦) جبراً، وهذا إجماع.
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ الَّهِ ثُمَّأَبِغْهُ
٦
مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ
قوله عز وجل ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ... ) الآية: وفي كلام الله
وجهان أي إن استأمنك فأمِّنه.
أحدهما: أنه عني سورة براءة خاصة ليعلم ما فيها من حكم المقيم على العهد
وحكم الناقض له والسيرة في المشركين والفرق بينهم وبين المنافقين.
الثاني : يعني القرآن کله، ليهتدي به من ضلاله ويرجع به عن كفره.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَتَهُ﴾ يعني إن أقام على الشرك وانقضت مدة الأمان.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: الرشد من الغيّ .
والثاني : استباحة رقابهم عند انقضاء مدة أمانهم.
(٣٩٦) لقوله في الحديث ((تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) رواه البخاري وغيره.
٣٤١

سورة التوبة الآية - ٧، ٨
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَ عِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدُ ثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا أُسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوْلَهُمَّ إِنَّاللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
٧
قوله عز وجل ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِيْنَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ... ) الآية. يحتمل
وجھین :
أحدهما: إذا لم يعطوا أماناً .
الثاني : إذا غدروا وقاتلوا.
وفي قوله ﴿إِلَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أربعة أقاويل:
أحدها: أنهم قوم من بني بكر بن كنانة، قاله ابن إسحاق.
والثاني : أنهم قریش، وهو قول ابن عباس.
والثالث: خزاعة، قاله مجاهد.
والرابع: بنو ضمرة، قاله الكلبي .
﴿فَمَا أَسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ يعني فما أقاموا على الوفاء بالعهد فأقيموا
عليه، فدل على أنهم إذا نقضوا العهد سقط أمانهم وحلّت دماؤهم.
ج
كَيْفَ وَ إِن يَظْهَرُ واْعَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ
وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ
٨
قوله عز وجل ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُ واْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني يقووا حتى يقدروا على الظفر
بكم. وفي الكلام محذوف وتقديره: كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم.
﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لا يخافوا، قاله السدي (٣٩٧).
الثاني: لا يراعوا (٣٩٨).
(٣٩٧) وقول السدي في الطبري (١٤ /١٤٧) قوله ((لا يرقبوا فيكم عهداً ولا قرابة ولا ميثاقاً».
(٣٩٨) وهو قول قطربكما في زاد المسير (٤٠١/٣). وزاد ابن الجوزي قولاً ثالثاً وهو لا يحفظوا ولم ينسبه لأحد)».
٣٤٢

سورة التوبة الآية - ٧، ٨
﴿إِلَّ وَلَ ذِمَّةً﴾ وفي الإلّ سبعة تأويلات.
أحدها: أنه العهد، وهو قول ابن زید.
والثاني : أنه اسم الله تعالى، قاله مجاهد. ويكون معناه لا يرقبون الله فيكم.
والثالث: أنه الحلف، وهو قول قتادة.
والرابع: أن الإل اليمين، والذمة العهد، قاله أبو عبيدة، ومنه قول ابن
مقبل (٣٩٩) :
أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإلَّ وأعراق الرَّحِم
والخامس: أنه الجوار، قاله الحسن.
والسادس: أنه القرابة، قاله ابن عباس والسدي، ومنه قول حسان (٤٠٠):
كإلى السّقْبِ من رَأل النعام
وأقسم إن إلَّك من قريش
والسابع: أن الإل العهد والعقد والميثاق واليمين، وأن الذمة في هذا الموضع
التذمم ممنلا عهد له، قاله بعض البصريين.
﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: الجوار، قاله ابن بحر.
الثاني: أنه التذمم ممن لا عهد له، قاله بعض البصريين.
والثالث: أنه العهد وهو قول أبي عبيدة.
﴿يُرْضُونَكُم بِأَقْوَاهِهِمْ وَتَأَبَى قُلُوبُهُمْ﴾ يختمل ثلاثة أوجه:
أحدها: يرضونكم بأفواههم في الوفاء وتأبى قلوبهم إلا الغدر.
والثاني: يرضونكم بأفواههم في الطاعة وتأبى قلوبهم إلا المعصية.
والثالث: يرضونكم بأفواههم في الوعد بالإيمان وتأبى قلوبهم إلا الشرك، لأن
النبي وق لقه لا يرضيه من المشركين إلا بالإيمان.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في نقض العهد وإن كان جميعهم بالشرك فاسقاً .
(٣٩٩) الطبري (١٤٨/١٤).
(٤٠٠) ديوانه (٤٠٧) واللسان (أل) والطبري (١٤٩/١٤) زاد المسير (٤٠٢/٣) والبيت في هذه المصادر
لعمرك إن إلك بدلاً من وأقسم.
٣٤٣

سورة التوبة الآية - ٩ - ١٢
والثاني: وأكثرهم فاسق في دينه وإن كان كل دينهم فسقاً .
أُشْتَرَوْأَِايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّ واْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
◌َ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُون: { فَإِن تَابُواْ
٩
وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينُ وَنُفَصِلُ اَلَيَتِ
١١
لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ
قوله عز وجل ﴿أَشْتَرَواْ بَايَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ في آيات الله تعالى ها هنا
وجهان :
أحدهما : حججه ودلائله.
والثاني: آيات الله التوراة التي فيها صفة رسول الله وَلته .
والثمن القليل: ما جعلوه من ذلك بدلاً. وفي صفته بالقليل وجهان:
أحدهما: لأنه حرام، والحرام قليل.
والثاني: لأنها من عروض الدنيا التي بقاؤها قليل.
وفيمن أريد بهذه الآية قولان:
أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، وهذا قول
مجاهد ومن زعم أن الآيات حجج الله تعالی.
والثاني : أنهم قوم من اليهود دخلوا في العهد ثم رجعوا عنه وهذا قول من زعم
أنها آيات التوراة.
﴿فَصَدُّواْ عَن سپيلِهِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: عن دين الله تعالى في المنع منه.
والثاني: عن طاعة الله في الوفاء بالعهد.
والثالث: عن قصد بيت الله حين أحصر بالحديبيّة.
وَإِن تَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِ هِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَائِلُواْ أَبِمَّةَ
اُلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
١٢
٣٤٤

سورة التوبة الآية - ١٣ - ١٥
قوله عز وجل ﴿وَإِنْ تُكَثُوَاْ أَيْمَانَهُمْ مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي نقضوا عهدهم الذي
عقدوه بأيمانهم.
﴿وَطَعَنُواْ فِي دِپنگمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: إظهار الذم له.
والثاني : إظهار الفساد فيه.
﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم رؤساء المشركين.
والثاني : أنهم زعماء قریش، قاله ابن عباس.
والثالث: أنهم الذين كانوا قد هموا بإخراج رسول الله ◌َالغير، قاله قتادة.
﴿إِنَّهُم لَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ قراءة الجمهور بفتح الألف، من اليمين لنقضهم إياها.
وقرأ ابن عامر (٤٠١): ﴿إِنَّهُم لَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ بكسر الألف(٤٠٢)، وهي قراءة الحسن.
وفيها إذا کسرت وجهان :
أحدهما: أنھم کفرة لا إیمان لهم.
والثاني : أنهم لا يعطون أماناً .
أَلَا تُقَتِلُونَ قَوْمَانَكَنُواْأَيْمَنَهُمْ وَهَقُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم
بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَّخْشَوْهُ إِن كُم
مُؤْمِنِينَ
١٣
قَتِلُوهُمْ يُعَذِّ بْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِ يكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ
قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمٌ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ
(٤٠١) المبسوط في القراءات ص ٢٢٥ .
(٤٠٢) قال أبو جعفر الطبري رحمه الله (١٤ /١٥٧) ((والصواب من القراءة في ذلك الذي لا أستجيز القراءة
بغيره قراءة من قرأ بفتح الألف دون كسرها لإجماع الحجة من القراء على القراءة به ورفض خلافه
ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله لا عهد لهم والأيمان التي هي بمعنى العهد لا تكون
إلا بفتح الألف لأنها جمع يمين كانت على عقد كان بين المتوادعين.
٣٤٥

سورة التوبة الآية - ١٥ - ١٨
عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ
وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌبِمَا
١٦
تَعْمَلُونَ
قوله عز وجل: ﴿ ... وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلَ الْمُؤْمِنِينَ
وَلِيجَةً﴾ فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنها الخيانة، قاله قتادة.
والثاني : أنهم البطانة، قاله قطرب ومقاتل، ومنه قول الشاعر:
وجعلت قومك دون ذاك وليجة ساقوا إليك الخير غير مشوب
والثالث: أنه الدخول في ولاية المشركين، من قولهم ولج فلان في كذا إذا
دخل فيه قال طرفة بن العبد(٤٠٣).
رأيت القوافي يتلجن موالجاً تضايق عنها أن تولجها الإبر
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اَللَّهِ شَهِدِينَ عَ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ
أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِي النَّارِهُمْ خَلِدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ
اُللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ
إِلَّا اللَّه فَعَسَىِّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ(
١٨
قوله عز وجل ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني المسجد
الحرام. وفیه وجهان:
أحدهما: ما كان لهم أن يعمروها بالكفر لأن مساجد الله تعالى تعمر بالإيمان.
والثاني : ما كان لهم أن يعمروه بالزيارة له والدخول إليه .
﴿شَاهِدِينَ عَلَىْ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن فيما يقولونه أو يفعلونه دليل على كفرهم كما يدل عليه إقرارهم،
(٤٠٣) ديوانه: ٤.
٣٤٦

سورة التوبة الآية - ١٥ - ١٨
فكأن ذلك منهم هو شهادتهم على أنفسهم، قاله الحسن.
والثاني: يعني شاهدين على رسول الله وَّر بالكفر لأنهم كذبوه وأكفروه وهو
من أنفسهم، قاله الكلبي .
والثالث: أن النصراني إذا سئل ما أنت؟ قال: نصراني، واليهودي إذا سئل
قال: يهودي، وعابد الوثن يقول: مشرك، وكان هؤلاء كفار وإن لم يقروا بالكفر، قاله
السدي .
ثم قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ في هذه المساجد
قولان :
أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة
أوجه :
أحدها: بالمحافظة على إقامة الصلاة.
والثاني : بترك الرياء.
والثالث: بالخشوع والإعراض عما ينهى .
والقول الثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات، فعلى هذا
عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه.
أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى .
والثاني : إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى .
والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى (٤٠٤).
﴿وَالْيَوْمِ آلْأَخِرِ وَأَقَامَ الْصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَىْ أُوْلَئِكَ أَنْ
يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ فیه وجهان:
(٤٠٤) ولا مانع من دخول هذه الصور كلها في عمارة المساجد قال العلامة الآلوسي (٦٥/١٠) .. والمراد
بعمارتها ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها بالفرش لا على وجه يشغل قلب المصلي
من الصور ولعل ما هو من جنس ما يخرج من الأرض كالقطن والحصر السامانية أولى من نحو الصوف
إذ قيل بكراهة الصلاة عليه وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها على ما نص عليه جمع
وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك وصيانتها عما لم تبن له في نظر الشارع
كحديث الدنيا ومن ذلك الغناء على مآذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي فيها هجر
القول .... الخ.
٣٤٧

سورة التوبة الآية - ١٩ - ٢٤
أحدهما: أنه قال ذلك لهم تحذيراً من فعل ما يخالف هدايتهم.
والثاني: أن كل ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة وإن كانت من غيره ترجياً، قاله ابن
عباس والسدي .
أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآَخِرِ
وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَ يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ (٥) الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ وا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ
أَيُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمِ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ
٢٠
وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَّبِرُونَ الْ
خَلِدِينَ فِيهَا أبدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُوَأَجْرٌ عَظِيمٌ لها
ج
٢١
فِيهَا نَعِيدٌ مُقِيمُ
قوله عز وجل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني
بعمارته السدانة والقيام به .
﴿كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الأُخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾
لأن قريشاً فضلت ذلك على الإيمان بالله، فرد الله تعالى ذلك عليهم وأعلمهم أنهما
لا یستویان، وأن ذلك مع الكفر محبط.
وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب، وهو صاحب
السقاية، وفي شيبة بن عثمان وهو صاحب السدانة وحاجب الكعبة أسرا يوم بدر فعيرا
بالمقام على الكفر بمكة وأغلظ لهما المهاجرون، فقالا نحن أفضل منكم أجراً
نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فنزل هذا فيهم.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَتَّخِذُ وَاْءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أَسْتَحَبُّواْ
اُلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنْ وَمَن يَنَوَلَّهُمْ مِّنْكُمْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
٢٢
قُلْ إِن كَانَ ءَابَآ ؤُّكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ
اقْتَرَ فْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُم
٣٤٨

سورة التوبة الآية - ٢٤ - ٢٧
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمَّيِّ وَاَللَّهُ
٢٤
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
قوله عز وجل ﴿قُلْ إِن كَانَءَآبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَاتُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ
وَأَمْوَالٌ اقْتَرَ فْتُمُوهَا﴾ يعني اكتسبتموها.
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ فيها وجهان :
أحدهما: أنها أموال التجارات إذا نقص سعرها وكسد سوقها.
والثاني : أنهن البنات الأيامى إذا كسدن عند آبائهن ولم يخطبن.
﴿وَمَسَاكِنْ تَرْضَونَهَا﴾ وهذا نزل في قوم أسلموا بمكة فأقاموا بها ولم يهاجروا
إشفاقاً على فراق ما ذكره الله تعالى ميلاً إليه وحبّاً له فذمهم الله تعالى على ذلك
وقال .
﴿ ... فَتَربَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ پامْرِهِ﴾ فیه وجهان :
أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد.
والثاني : حتى يأتي الله بأمره من عقوبة عاجلة أو آجلة، قاله الحسن.
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَّيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
فَلَمْتُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ
وَلَيْتُمْ قُدْبِرِينَ هَا ثُمَّأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ
جُنُودًا لَّمْتَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ *ثُمَّ
يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
قوله عز وجل ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ ... ) الآية. وفي السكينة
ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنها الرحمة، قاله علي بن عيسى .
والثاني: أنها الأمن والطمأنينة .
والثالث: أنها الوقار، قاله الحسن.
٣٤٩

سورة التوبة الآية - ٢٨، ٢٩
﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: الملائكة.
والثاني: أنه تكثيرهم في أعين أعدائهم، وهو محتمل.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: بالخوف والحذر.
والثاني : بالقتل والسبي .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن
قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
٢٨
شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
ج
وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ وَلَا يُحْرِّمُونَ مَاحَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ(
قوله عز وجل ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَ بِالْيَوْمِ آلآخِرِ﴾ فإن قيل: فأهل
الكتاب قد آمنوا بالله واليوم الآخر فكيف قال ذلك فيهم، ؟
ففيه جوابان :
أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه، فكانوا بترك
الإقرار بحقوقه کمن لا يقرّ به.
والثاني : أنه ذمّهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته، وهم في
الذم بالكفر کغيرهم .
﴿وَلَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه ما أمر الله سبحانه وتعالى بنسخه من شرائعهم.
والثاني: ما أحله لهم وحرمه عليهم.
﴿وَلاَ يَدِيْنُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ والحق هنا هو الله تعالى. وفي المراد بدينه في هذا
الموضع وجهان :
٣٥٠

سورة التوبة الآية - ٢٨، ٢٩
أحدهما: العمل بما في التوراة من اتباع الرسول، قاله الكلبي .
والثاني : الدخول في دين الإسلام لأنه ناسخ لما سواه من الأديان، وهو قول
الجمهور.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب.
الثاني: من الذين أوتوا الكتاب بين أظهرهم لأنهم في اتباعه كآبائهم.
﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: حتى يضمنوا الجزية وهو قول الشافعي لأنه يرى أن الجزية تجب
بالقضاء(٤٠٥) الحول وتؤخذ معه .
والثاني : حتى يدفعوا الجزية .
وفي الجزية وجهان :
أحدهما: أنها من الأسماء المجملة لا يوفق على علمها إلا بالبيان.
والثاني: أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خص
بالدلیل.
ثم قال تعالى ﴿عَنِ یَدٍ﴾ وفيه أربعة تأويلات:
أحدها: عن غنى وقدرة.
والثاني: أنها من عطاء لا يقابله جزاء، قاله أبو عبيدة.
والثالث: أن يروا أن لنا في أخذها منهم يداً عليهم بحقن دمائهم بها .
والرابع: يؤدونها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أن يكونوا قياماً والآخذ لها جالساً، قاله عكرمة.
والثاني : أن يمشوا بها وهم كارهون، قاله ابن عباس (٤٠٦).
والثالث: أن يكونوا أذلاء مقهورين، قاله الطبري (٤٠٧).
(٤٠٥) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب بانقضاء الحول والتصويب من زاد المسير (٤٢٢/٣).
والمعاني (٨٠/١٠) والكشاف (١٤٨/٢).
(٤٠٦) لکن قال الطبري رحمه الله (٢٠١/١٤). وقد روي عن ابن عباس من وجه فيه نظر.
(٤٠٧) جامع البيان (٢٠٠/١٤).
٣٥١

سورة التوبة الآية - ٣٠، ٣١
والرابع: أن دفعها هو الصَّغار بعينه.
والخامس: أن الصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام، قاله الشافعي .
وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبُْ اللَّهِ
ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهِقُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلٌ
قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ أَتَّخَذُوَ أْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ
أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ
إِلَهًا وَحِدَاً لَّا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٣١
قوله عز وجل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ﴾ الآية. أما قول اليهود ذلك فسببه
أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها،
ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم. فحزنوا لفقدها وسألوا الله تعالى ردها عليهم، فقذفها
الله في قلب عزير، فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن الله.
واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن ذلك کان قول جمیعھم، وهو مروي عن ابن عباس.
والثاني : أنه قول طائفة من سلفهم.
والثالث: أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله وله .
واختلف فیهم على قولين:
أحدهما: أنه فنحاص وحده، ذكر ذلك عبيد(٤٠٨) بن عمير وابن جريج .
والثاني: أنهم جماعة وهم سلام بن مشكم ونعمان(٤٠٩) بن أبي أوفى
وشاس(٤١٠) بن قيس ومالك بن الصيف، وهذا مروي عن ابن عباس(٤١١).
(٤٠٨) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب عبدالله بن عبيد بن عمير كما في الطبري (٢٠١/١٤).
(٤٠٩) كذا هنا وفي المطبوعة وفي الطبري (٢٠٢/١٤) ولكن في سيرة ابن هشام (٢١٩/٢) نعمان بن أوفى
أبو أنس ومحمود بن دحية .
(٤١٠) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب كما في الطبري (١٤ /٤٠٢) وسيرة ابن هشام (٢١٩/٢)
وشأش بالهمزة.
(٤١١) كما في الطبري (٢٠٢/١٤).
٣٥٢

سورة التوبة الآية - ٣٠، ٣١
فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟
قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره(٤١٢)، فلذلك أضيف إليهم
إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم .
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَىُّ الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ﴾ وهذا قول جميعهم. واختلف في سبب
قولهم لذلك على قولين:
أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله، تعالى الله عن
ذلك.
الثاني: أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى.
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَقْوَاهِهِمْ﴾ معنى ذلك: وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه: أنه
لا یقترن به دلیل ولا یعضده برهان، فصار قولاً لا یتجاوز الفم فلذلك خص به.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبل﴾ أي يشابهون، مأخوذ من قولهم امرأة
ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال(٤١٣). ومنه ما جاء في الحديث: ((أَجْرَأْ النَّاسِ
عَلَى اللَّهِ تَعَلَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ(٤١٤)) أي يشبهون به .
وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن
الملائكة بنات الله، قاله ابن عباس وقتادة.
والثاني: أن قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله،
قاله الطبري (٤١٥) .
والثالث: أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم، قاله الزجاج.
قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: معناه لعنهم الله، قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص(٤١٦):
(٤١٢) لأنهم سكتوا ورضوا واتبعوهم على هذا الباطل فكانوا شركاء معهم في الإثم والوزر سواء بسواء.
(٤١٣) وقيل هي التي لا ينبت لها ثدي كما قال الزجاج راجع زاد المسير (٤٢٥/٣).
(٤١٤) رواه بنحوه البخاري (٣١٥/١٠ -٣٢٧) وأحمد (٣٦/٦، ٨٢، ٣١٩) والنسائي (٢١٣/٨)
ولفظه أشد الناس عذاباً ومالك في الموطأ (٢ /٩٩٦، ٩٦٧).
(٤١٥) جامع البيان (١٤ /٢٠٥).
(٤١٦) وفي فتح القدير للشوكاني (٣٥٣/٢) نسبه لأبان بن تغلب.
٣٥٣

سورة التوبة الآية - ٣٠، ٣١
قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي
والثاني : معناه قتلهم الله، قاله بعض أهل العربية.
والثالث: أن الله تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في
مقابلة عصیانهم وكفرهم کأنه مقاتل لهم.
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب.
قوله عز وجل ﴿أَتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أما الأحبار
منهم العلماء، واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها .
وأما الرهبان فجمع راهب، مأخوذمن رهبة الله تعالى وخشيته، غير أنه صار
بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى.
وقوله ﴿أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه(٤١٧)
عليهم وتحليل ما يحلونه لهم، فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم
أرباب، وقد روي مثل ذلك عن النبي ◌َلَ(٤١٨).
(٤١٧) وقال الإمام الشوكاني في فتح القدير (٣٥٣/٢): وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد عن التقليد في دين الله وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب والسنة المطهرة فإن طاعة
المتمذهب لمن يقتدي بقوله من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به
حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وانبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون
الله للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا وهذا هو صنيع المقلدين
من هذه الأمة وهذا أشبه به من شبه البيضة بالبيضة والتمرة بالتمرة والماء بالماء. فيا عباد الله ويا أتباع
محمد بن عبدالله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانباً وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم
بهما وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وافاده ما فعلتم ...... إلى قوله ونصوص الكتاب والسنة تنادي
بأبلغ نداء وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه فاعرتموهما آذاناً صماً وقلوباً غلفا وأفهاماً مريضة
وعقولاً مهيضة وأذهاناً كليلة وخواطر عليلة ..... الخ قلت وهذا كلام رصين حقاً فرحم الله الشوكاني.
(٤١٨) كما في حديث عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي ◌َّرُ وفي عنقي صليب من ذهب
فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءه ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من
دون الله)) قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا
عليهم شيئاً حرموه» .
رواه الترمذي واللفظ له (٣٠٩٥) وابن جرير (١٠ /٨٠، ٨١) والبيهقي في السنن (١١٦/١٠) والمزي في
تهذيب الكمال (١٠٩٠/٢) وحسنه الألباني في غاية المرام (٦) وخرجه السيوطي في الدر (١٤) ونسبه
لغیر من سبق فراجعه.
٣٥٤
٠

سورة التوبة الآية - ٣٢، ٣٣
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأَبِىَ اللَّهِلَّ أَن يُتِمَ نُرَهُ وَلَوْ
كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
اُلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَؤْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
٣٣
قوله عز وجل ﴿يُرِ يدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ آللَّهِ بِأَنْوَاهِهِمْ﴾ وفي نوره قولان:
أحدهما: أنه القرآن والإسلام، قاله الحسن وقتادة.
والثاني : أنه آياته ودلائله لأنه يهتدى بها کما یهتدی بالأنوار.
وإنما خص ذلك بأفواههم لما ذكرنا أنه ليس يقترن بقولهم دليل.
﴿وَيَأْبَّى اللَّهُ إِلَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وليس يريد تمامه من نقصان لأن نوره لم يزل
تاماً . ويحتمل المراد به وجهین.
أحدهما : إظهار دلائله .
والثاني : معونة أنصاره.
قوله عز وجل ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ يعني محمداً وَل
أرسله الله إلی خلقه بالهدی ودین الحق.
وفيها أربعة تأويلات:
أحدها: أن الهدى البيان، ودين الحق الإسلام، قاله الضحاك.
والثاني : أن الهدى الدليل، ودين الحق المدلول عليه.
والثالث: معناه بالهدی إلی دین الحق.
والرابع: أن معناهما واحد وإنما جمع بينهما تأكيداً لتغاير اللفظين.
﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فيه ستة تأويلات:
أحدها: يعني عند نزول عيسى (٤١٩) عليه السلام فإنه لا يعبد الله تعالى إلّ
بالإسلام، قاله أبو هريرة.
(٤١٩) وذلك قبل قيام الساعة ليكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتكون الملة في عهده واحدة وهي
الإسلام ولا يقبل من النصارى إلا الإسلام وإلا فالسيف على رقابهم كما ثبت في الأحاديث
الصحيحة . .
*.
٣٥٥

سورة التوبة الآية - ٣٤
والثاني : معناه أن يعلمه شرائع الدين كله ويطلعه عليه، قاله ابن عباس.
والثالث: ليظهر دلائله وحججه، وقد فعل الله تعالى ذلك، وهذا قول كثير من
العلماء .
والرابع: ليظهره برغم المشركين من أهله.
والخامس: أنه وارد على سبب، وهو أنه كان لقريش رحلتان رحلة الصيف إلى
الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق فلما أسلموا انقطعت عنهم الرحلتان للمباينة
في الدين فذكروا ذلك للنبي ◌َ ◌ّ فأنزل الله تعالى عليه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
يعني في بلاد الرحلتين وقد أظهره الله تعالى فيهما.
والسادس: أن الظهور الاستعلاء، ودين الإسلام أعلى الأديان (٤٢٠) كلها وأكثرها
أهلاً، قد نصره الله بالبر والفاجر والمسلم والكافر. فروى الربيع بن أنس عن
الحسن(٤٢١) أن النبي ◌َ﴿ل قال ((إِنَّ اللَّهَ يُؤْيِّدُ دِينَهُ بِأَقْوَامٍ مَا لَهُم فِي الْآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ)).
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهُ وَالَّذِينَ يَكْتِزُونَ
(٤٢٠) وروي الإمام أحمد (١٠٤/٣) عن تميم الداري رضي الله عنهقال: سمعت رسول اللهێ یقول «ليبلغن
هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين يعز عزيز أو يذل
ذليل عزاً يعز به الإسلام وذلاً يذل به الكفر وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ١ وروى مسلم
(٢٢٣٠/٤) من عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله و لل يقول ((لا يذهب الليل والنهار حتى
تعبد اللات والعزی فقلت: يا رسول الله إن کنت لأظن حین أنزل الله «هو الذي أرسل رسولهبالهدی ودین
الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)). أن ذلك تاماً قال ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم
يبعث الله ريحاً طيبة ... )) الحديث ففي هذه الأحاديث بشارة طيبة لانتشار الإسلام على ربوع هذه
البسيطة وهذا يستلزم من المؤمنين أن يعودوا إلى كتاب ربهم ويعتصموا بهدي نبيهم وحثّد.
(٤٢١) وهو حديث مرسل هنا من مرسلات الحسن.
وقد ورد في البخاري (١٢٥/٦) ومسلم (رقم ١١١) من حديث أبي هريرة بلفظ ((إن الله ليؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر».
قال العلامة الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٣٥٦/٢): ((وقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من
علماء الإسلام لا يأتي عليه الحصر في كل زمان فالله المستعان أ. هـ قلت رحم الله الشوكاني فكيف لو
رأى حال علماء زماننا الآن رحمه الله وما يصنعون ويصدرون من فتاوى توافق هوى السلطان حيناً من
أجل دريهمات معدودة ومنصب زائل نسأل الله السلامة والعافية.
٣٥٦

سورة التوبة الآية - ٣٤، ٣٥
الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِجَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجَنُوْبَهُمْ
٣٤
٣٥
وَظُهُورُهُمِّهَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوْمَا كُمُ تَكْنِزُونَ
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنْوَاْ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونِ أَمْوَالَ
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ الآية: فيه قولان.
أحدهما: أنه أخذ الرشا في الحكم، قاله الحسن.
والثاني: أنه على العموم من أخذه بكل وجه(٤٢٢) محرم.
وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون،
وقد يطلق على أثمان المأكول اسم الأكل، كما قال الشاعر (٤٢٣):
ذر الآكلين الماء فما أرى ينالون خيراً بعد أكلهم الماء
أي ثمن الماء.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه منعهم من الحق في الحكم بقبول الرشا.
والثاني : أنه منعهم أهل دينهم من الدخول في الإسلام بإدخال الشبهة عليهم.
﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
آلِيمٍ﴾ وفي هذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقاويل:
٤
أحدها: أن الكنز كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدَّ زكاته، سواء كان مدفوناً أو
غير مدفون، قاله ابن عمر (٤٢٤) والسدي والشافعي والطبري (٤٢٥).
والثاني: أن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم، أديت منه الزكاة أم لم تؤد،
(٤٢٢) اللسان ((أكل)) ولم ينسبه لأحد وشطره الأول فيه.
....
((من الآكلين الماء ظلماً فما أرى.
(٤٢٣) وهو القول الراجح والصواب ورجحه الشوكاني (٣٥٦/٢).
(٤٢٤) رواه الطبري (٢١٧/١٤) وإسناده صحيح ورواه مالك في الموطأ بمعناه (٢٥٦/١).
(٤٢٥) جامع البيان (٢٢٣/١٤).
٣٥٧

سورة التوبة الآية - ٣٤، ٣٥
قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما
فوقها كنز.
والثالث: أن الكنز ما فضل من المال عن الحاجة إليه. روى عمرو بن مرة عن
سالمٍ بن أبي الجعد قال: لما نزل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ ... ) الآية. قال النبي ◌َّر: ((تبّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)) قال: فشق ذلك على
أصحاب رسول الله وَ ي﴿ وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر بن الخطاب: أنا أعلم
لكم ذلك، فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟
فقال ((لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ (٤٢٦)).
وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة (٤٢٧) صدي بن عجلان قال: مات
رجل من أهل الصفّة فوجد في مئزره دينار، فقال النبي وَلّ: ((كَيَّةٌ)) ثم مات آخر فوجد
في مئزره دیناران فقال النبي ێ: ﴿كَيَّتَانٍ»
والكنز في اللغة هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض سواء كان ظاهراً على
الأرض أو مدفوناً فيها، ومنه كنز البُرّ، قال الشاعر (٤٢٨):
لا دَرَّ دري إن أطعمت نازلهم قِرف الحتى وعندي البُرّ مكنوز
الحتى: سَويق المقل. يعني وعندي البُرّ مجموع(٤٢٩).
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فذكر
جنسين ثم قال ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ والهاء كناية ترجع إلى جنس واحد، ولم يقل: وَلاَ
يُنفِقُونَهَما لترجع الكناية إليهما.
(٤٢٦) قال الزمخشري في الكشاف (٢/ ١٥٠) ((وما روي عن علي رضي الله عنه أربعة آلاف فما دونها نفقة
فما زاد فهو كنز كلام في الأفضل)).
(٤٢٧) رواه الطبراني (رقم ١٦٦١)، (١٦٦٦٣) وأحمد (٢٧٨/٥) مرسلاً ثم رواه الطبراني (١٦٦٦٢) وأحمد
(٢٨٢/٥) موصولاً من حديث ثوبان والترمذي في كتاب التفسير بنحوه (٥٠٩٢) وقال: حديث حسن.
وفي سند الحديث انقطاع بين سالم بن أبي الجعد وثوبان فإن الأول لم يسمع من الثاني كما حكاه الترمذي
عن البخاري. وأما تحسين الترمذي للحديث فلعله لشواهده والله أعلم.
(٤٢٨) رواه الطبري رقم ١٦٦٦٤، ١٦٦٦ وأحمد (٢٥٢/٥، ٢٥٣) وفي سنده شهر بن حوشب وهو ضعيف
وقد وثق .
(٤٢٩) البيت للمنتحل الهذلي في اللسان ((كنز)).
٣٥٨

سورة التوبة الآية - ٣٦
فعن ذلك جوابان :
أحدهما: أن الكناية راجعة إلى الكنوز، وتقديره: ولا ينفقون الكنوز في سبيل
الله .
والثاني: أنه قال ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة الكلام على
اشتراكهما فيه، كما قال تعالى ﴿وَإِذَا رَأُوْأْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً اَنفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمَاً﴾
[الجمعة: ١١] ولم يقل إليهما، وكقول الشاعر (٤٣٠):
إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناً
ولم يقل یعاصيا.
ثم إن الله تعالى غلّظ حال الوعيد بما ذكره بعد هذا من قوله:
وَيَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا
مَا كَتَرْتُمْ لِنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ وإنما غلظه بهذا الوعيد لما في طباع
النفوس من الشح بالأموال ليسهل لهم تغليظ الوعيد إخراجها في الحقوق.
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِأَثْنَاعَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَتَظْلِمُواْ
فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ
كَافَّةً وَأَعْلَمُوَ أَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
٣٦
قوله عز وجل ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ يعني شهور السنة، وإنما
كانت اثني عشر شهراً لموافقة الأهلة ولنزول الشمس والقمر في اثني عشر برجاً
يجريان فيها على حساب متفق كما قال الله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾
[الرحمن: ٥].
﴿ ... مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ يعني أن من الاثني عشر شهراً أربعة حرم، يعني
(٤٣٠) هو حسان بن ثابت والبيت في ديوانه: ٤١٣، مجاز القرآن (٢٥٨/١)، الكامل (٧٩/٢)، والجمهرة
(٢٠٧/٢)، اللسان (شرخ).
٣٥٩

سورة التوبة الآية - ٣٧
بالحرم تعظيم انتهاك المحارم فيها، وهو ما رواه صدقة بن يسار عن ابن عمر قال (٤٣١):
خطب رسول الله وَ﴿ في حجة الوداع بمنى في وسط أيام التشريق فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ اليَومُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوْاتِ وَالأَرْضَ وَإِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورٍ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْراً مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، أَوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بَيْنَ جُمَادَىْ
وَشَعْبَانَ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرِّمُ)) .
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفي، قاله ابن قتيبة .
والثاني: يعني القضاء الحق المستقيم، قاله الكلبي.
﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: فلا تظلموها بمعاصي الله تعالى في الشهور الاثني عشر كلها، قاله
ابن عباس.
والثاني: فلا تظلموها بمعاصي الله في الأربعة الأشهر، قاله قتادة.
والثالث: فلا تظلموا أنفسكم في الأربعة الأشهر الحرم بإحلالها بعد تحريم الله
تعالی لها، قاله الحسن وابن إسحاق.
والرابع: فلا تظلموا فيها أنفسكم أي تتركوا فيها قتال عدوكم، قاله ابن بحر.
فإن قيل: فلم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟
قيل: ليكون كفهم فيها عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطئة
للنفس على فراقها مصلحة منه في عباده ولطفاً بهم.
إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا
وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُّوَاِئُواْ عِدَّةَ مَاحَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْمَا حَتَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ
لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ
٣٧
(٤٣١) رواه الطبري (٣٣٤/١٤).
وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي وهو منكر الحديث ضعيف جداً لكن الحديث ورد من رواية أبي
بكرة وهي في البخاري ومسلم.
٣٦٠