النص المفهرس

صفحات 301-320

سورة الأنفال الآية - ١١ - ١٤
﴿وَيُنِتَ پِهِ آلأقدام﴾ فيه قولان :.
أحدهما: بالصبر الذي أفرغه الله تعالى حتى يثبتوا لعدوهم، قاله أبو عبيدة.
والثاني: تلبيد الرمل بالمطر الذي لا يثبت عليه قدم، وهو قول ابن عباس،
ومجاهد، والضحاك.
قوله عز وجل: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ معناه معينكم (٣٣٨)
ويحتمل أن يكون معناه إني معكم في نصرة الرسول، فتكون الملائكة لتثبيت المؤمنين،
والله تعالى متولي النصر بما ألقاه من الرعب في قلوب المشركين.
﴿فَتَبْتُوا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: فثبوتهم بحضوركم معهم في الحرب.
والثاني : بقتالکم معهم يوم بدر، قاله الحسن.
والثالث: بإخبارهم أنه لا بأس عليهم من عدوهم.
﴿سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُ وا الرُّعْبَ﴾ يعني الخوف، ويحتمل أحد وجهين:
إما أن يكون إلقاء الرعب بتخاذلهم، وإما أن يكون بتكثير المسلمين في أعينهم.
وفي ذلك وجهان :
أحدهما: أنه قال ذلك للملائكة معونة لهم.
والثاني : أنه قال ذلك لهم ليثبتوا به الذين آمنوا.
﴿فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: فاضربوا الأعناق، وفوق صلة زائدة (٣٣٩) في الكلام، قاله عطية
والضحاك.
وقد روى المسعودي (٣٤٠) عن القاسم قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ
لأِعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ بِضَرْبِ آلْأَعْنَاقِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ)).
والثاني : معناه واضربوا الرؤوس فوق الأعناق، قاله عكرمة.
(٣٣٨) وهو أحد أنواع المعية الخاصة وهي هنامعية النصر والتأييد وهي خاصة لأوليائه من المؤمنين.
(٣٣٩) لكن نقل الشوكاني في فتح القدير (٢٩١/٣) عن محمد بن يزيد قوله .. هذا خطأ لأن فوق يفيد معنى لا
يجوز زيادتها ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها أهـ.
(٣٤٠) رواه الطبري (٢٩/١٣) وهو حديث معضل.
٣٠١

سورة الأنفال الآية - ١٥، ١٦
والثالث: فاضربوا على الأعناق.
والرابع: فاضربوا على الأعناق (٣٤١).
والخامس: فاضربوا فوق جلدة الأعناق.
٣١٫٠٠
﴿وَأَضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَتَانٍ﴾ يعني المفاصل من أطراف الأيدي والأرجل
والبنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَرْبَارَ
١٥
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَ هُ إِلََّ مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَفِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِْسَ أْصِيرُ﴾
قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ والزحف:
الدنو قليلاً قليلاً ..
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَنْيَارَ﴾ يعني بالهزيمة منهم والانصراف عنهم. وفيه قولان:
أحدهما: أن هذا على العموم في تحريم الهزيمة بعد لقاء العدو.
والثاني: مخصوص وهو أن الله تعالى أوجب في أول الإسلام على كل رجل
من المسلمين أن يقف بإزاء عشرة من المشركين لا يحل له بعد اللقاء أن ينهزم عنهم
وذلك بقوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مَاتَتَيْنٍ وَإِن يَكُن مِّنْكُم
مَّاثَةٌ يَغْلِيُواْ أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] وفيه وجهان:
أحدهما: لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليهم من الإسلام.
الثاني: لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليهم من القتال.
ثم نسخ ذلك عنهم بعد كثرتهم واشتداد شوكتهم فأوجب الله تعالى على كل
رجل لاقى المشركين محارباً أن يقف بإزاء رجلين بعد أن كان عليه أن يقف بإزاء
عشرة تخفيفاً ورخصة وذلك بقوله تعالى: ﴿اَلأَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم
ضَعْفاً﴾
(٣٤١) وإذا كان القول الرابع هكذا فهو كالقول الثالث تماماً ولعل القول الرابع يقصد به المؤلف رحمه الله
الضرب على المذابح (أي أماكن الذبح) وهي في أعالي الأعناق والله أعلم.
٠ ٣٠٢

سورة الأنفال الآية - ١٥، ١٦
قريء بضم الضاد (٣٤٢) وفتحها، وفي اختلاف القراءتين وجهان:
أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الفراء.
والثاني : معناهما مختلف.
وفي اختلافهما وجهان :
أحدهما: أنها بالفتح: الضعف في الأموال، وبالضم: الضعف في الأحوال.
الثاني: أنها بالفتح: الضعف في النيات، وبالضم: الضعف في الأبدان. وقيل
بعکس الوجھین في الوجهین.
ثم قال: ﴿فَإِنِ يَكُن مِّنْكُم مَّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مَاتَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفَ يَغْلُبُواْ
اَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فیه تأويلان:
أحدهما: مع الصابرين على القتال في معونتهم على أعدائهم.
الثاني: مع الصابرين على الطاعة في قبول عملهم وإجزال ثوابهم، فصار حتماً
على من لاقى عدوه من المشركين زحفاً أن لا ينهزم مع القوة على المصابرة حتى
يقضي الله من أحره ما شاء، فلما الهزيمة مع العجز عن المصابرة فإن قاتله أكثر من
مثليه جاز أن يُولي عنهم منهزماً، وإن قاتله مثلاه فمن دون حرم عليه أن يولّي عنهم
منهزماً إلا على صفتين: إما أن يتحرف لقتال وهو أن يهرب ليطلب، ويفر ليكر فإن
الحرب كرٌ وفّرً، وهرب وطلب، وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى ليقاتل معها، قربت الفئة
أو بعدت، وذلك ظاهر في قوله تعالى :
﴿وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ
اللَّهِ﴾ أي صار بالمكان الذي يحق عليه غضب الله، مأخوذ من المبوأ وهو المكان.
ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه أن هذاعلى العموم (٣٤٣)، محكوم به في
کل مسلم لاقی عدواً، وبه قال عبدالله بن عباس.
(٣٤٢) وهي قراءة بضم الضاد وفتح العين وهي قراءة ابن جعفر هكذا ((وعلم أن فيكم ضعفاء)) على وزن فُعلاء
جمع ضعيف المبسوط ص ٢٢٢ وزاد المسير (٣٧٩/٣).
(٣٤٣) قال أبو جعفر الطبري (٤٤٠/٣)«وأولى التأويلين في هذه الآية بالصواب عندي قول من قال حكمها
محكم [أي غير منسوخة] وأنها نزلت في أهل بدر وحكمها ثابت في جميع المؤمنين وأن الله حرم على
المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كان
٣٠٣

سورة الأنفال الآية - ١٧، ١٨
وحكي عن الحسن، وقتادة، والضحاك: أن ذلك خاص في أهل بدر، وبه قال
أبو حنيفة.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَفَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ
وَلِيُسْلِىَ اْلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴿ ذَلِكُمْ
وَأَنَّ اللَّهُ مُوهِنٌ كَيْدِ الْكَفِرِينَ
١٨
قوله عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم.
والثاني: ولكن الله قتلهم بمعونته لكم حين ألقى في قلوبهم الرعب وفي
قلوبكم النصر.
وفيه وجه ثالث قاله ابن بحر: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم.
وقيل لم تقتلوهم بقوتكم وسلاحكم ولكن الله قتلهم بخذلانهم وقبض
أرماحهم (٣٤٤).
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىْ﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: ما حكاه ابن عباس، وعرة، والسدي: أن النبي (٣٤٥) وَ الر قبض يوم بدر
قبضة من تراب رماهم بها وقال: ((شَاهَتِ الْوُجُوهُ)) أي قبحت ومنه قول الحطيئة (٣٤٦):
فقُبح من وجهٍ وقبح حامله.
أرى لي وجهاً شوه الله خلقه ..
فألقى اللَّه تعالى القبضة في أبصارهم حتى شغلتهم بأنفسهم وأظفر الله
المسلمين بهم، فهو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
الثاني : معناه وما ظفرت إذ رميت ولكن الله أظفرك، قاله أبو عبيدة.
الإسلام وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزماً بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية
بهما فقد استوجب من الله وعيده إلا أن يتفضل عليه بعفوه.
(٣٤٤) كذا هنا وفي المطبوعة وهو خطأ والصواب أرواحهم والله أعلم.
(٣٤٥) وقال الشوكاني في فتح القدير (٢٩٤/٢) ((وهو الصحيح)) يعني من القول ورواه الطبري من رواية
السدي (١٣ / ٤٤٥).
(٣٤٦) ديوانه :
٣٠٤

سورة الأنفال الآية - ١٩
الثالث: وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ولكن الله ملأ
قلوبهم رعباً .
والقول الرابع: أنه أراد رمى أصحابه بالسهم فأصاب رميهم(*).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني بما أرسله من الريح المعينة لسهامهم
حتى سددت وأصابت. والمراد بالرمي الإصابة لأن معنى الرمي محمول على الإصابة،
فإن لم يصب قيل رمى فأخطأ. وإذا قيل مطلقاً: قد رمى، لم يعقل منه إلا الإصابة،
ألا تری إلی قول امرىء القيس :
فرماها في فرائصها.
فاستغنى بذكر الرمي عن وصفه بالإصابة .
وقال ذو الرمة في الرأي (٣٤٧):
فانصاع والويل هجيراه والحربُ
رمى فأخطأ والأقدار غالبةٌ ..
قوله عز وجل: ﴿وَلَيْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاَءَ حَسَناً﴾ قال أصحاب الخواطر:
البلاء الحسن ما يورثك الرضا به والصبر عليه.
وقال المفسرون: البلاء الحسن ها هنا النعمة بالظفر والغنيمة.
إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُّ وَ إِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَ إِن تَعُودُواْ
١٩
نَعُدُّ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِتَشُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
قوله عز وجل ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: إن تستنصروا الله، فالفتح النصر، فقد جاءكم فضل الله بنصرنا،
حكاه ابن الأنباري .
والثاني: معناه إن تستنصروا الله، والفتح النصر، فقد جاءكم نصر الله لنا
عليكم. وفي هذا الخطاب قولان.
أحدهما: أنه خطاب للمشركين لأنهم استنصروا يوم بدر بأن قالوا: اللهم
أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه، فنصر الله تعالى نبيه والمسلمين عليهم.
(*) بياض في الأصل مقدار ثلاث كلمات.
(٣٤٧) اللسان (هجر) والشطر الثاني فيه فانصعن والويل هجَّيراه والحرب.
٣٠٥

سورة الأنفال الآية - ٢٠ - ٢٣
ثم قال ﴿وَإِن تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لأن الاستنصار كان عليهم لا لهم. ﴿وَإِن
تعُودُواْ نَعُدْ﴾ فیه وجهان :
أحدهما: وإن تعودوا إلى مثل هذا التكذيب نعد إلى مثل هذا التصديق.
والثاني: وإن تعودوا إلى مثل هذا الاستفتاح نعد إلى مثل هذا النصر.
والقول الثاني : أنه خطاب للمؤمنين نصرهم الله تعالى يوم بدر حين استنصروه
﴿وَإِن تَنْتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يعني عما فعلتموه في الأسرى والغنيمة. ﴿وإن تَعودوا
نعد﴾ فیه وجهان :
أحدهما: وإن تعودوا إلى الطمع نعد إلى المؤاخذة.
الثاني: وإن تعودوا إلى مثل ما كان منكم في الأسرى والغنيمة نعد إلى الإنكار
عليكم .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
٢٠
وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْسَمِعْنَاوَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (® إِنَّ شَرَّ ◌ُلدَّوَآتِ
عِندَ اللّهِاَلْضُ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرَالَّأَسْمَعَهُمَّ
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْقَّهُمْ مُعْرِضُونَ
٢٣
قوله عز وجل: ﴿إِنَّشَرَّ الدَّوَابِ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أما الدواب
فاسم لكل ما دب على الأرض من حيوانها لدبيبه عليها مشياً، وكان بالخيل أخص.
والمراد بِشَرِّ الدواب الكفار لأنهم شر ما دبّ على الأرض من الحيوان.
ثم قال: ﴿الصُّمُّ﴾ لأنهم لا يسمعون الوعظ. ﴿الْبُكْمُ﴾ والأبكم هو المخلوق
أخرس، وإنما وصفهم بالبكم لأنهم لا يقرون بالله تعالى ولا بلوازم طاعته .
﴿اَلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ يحتمل وجهين.
أحدهما: لا يعقلون عن الله تعالى أمره ونهيه .
والثاني : لا يعتبرون اعتبار العقلاء.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار.
قوله عز وجل: ﴿وَلَو عَلِمَ الَّلهُ فِيهِم خَيْراً﴾ يحتمل وجهين:
٣٠٦

سورة الأنفال الآية - ٢٤
أحدهما : اهتداء.
الثاني : إصغاء.
﴿لَاسَمْعَهُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدهما: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماعَ تفهيم وتعليم، قاله ابن جريج
وابن زید.
الثاني: لأسمعهم كلام الذين طلبوا إحياءهم من قصي بن كلاب وغيره
يشهدون بنبوتك قاله بعض المتأخرين.
والثالث: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه، قاله الزجاج.
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: ولو أسمعهم الحجج والمواعظ لأعرضوا عن الإصغاء والتفهم.
والثاني: ولو أجابهم إلى ما اقترحوه لأعرضوا عن التصديق.
◌َُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُوْلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَ عَكُمْ لِمَا يُحِكُمْوَأَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهٍُ إِلَيْهِ تَحْشَرُونَ
٢٤
قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ يعني أجيبوا الله
والرسول قال كعب بن سعد الغنوي (٣٤٨) .
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
وإجابة الله تعالى هي طاعة أمره، وإنما خرجت عن هذا اللفظ لأنها في مقابلة
الدعاء إليها فصارت إجابة لها.
﴿إِذَا دَعُم لِمَا يُخْبِيكُمْ﴾ فيه سبعة أقاويل:
أحدها: إذا دعاكم إلى الإيمان، قاله السدي.
والثاني : إذا دعاكم إلى الحق، قاله مجاهد.
والثالث: إذا دعاكم إلى ما في القرآن، قاله قتادة.
والرابع: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو، قاله ابن إسحاق.
(٣٤٨) فتح القدير (٢٩٩/٢).
٣٠٧

سورة الأنفال الآية - ٢٤
والخامس: إذا دعاكم إلى ما فيه دوام حياتكم في الآخرة، ذكره علي بن
عیسى .
والسادس: إذا دعاكم إلى ما فيه إحياء أمركم في الدنيا، قاله الفراء.
والسابع: أنه على عموم الدعاء فيما أمرهم به.
روى العلاء بن عبد الرحمن (٣٤٩) عن أبيه عن أبي هريرة قال: مر سول الله وَالم
على أُبيّ وهو قائم يصلي فصرخ به قال ((يَا أُبيّ))، قال فعجل في صلاته، ثم جاء،
فقال رسول الله وَلَ «مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟)) قال: يا رسول الله كنت
أصلي، فقال ((أَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ ﴿اسْتَجْيُوالِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَائِمْ لِمَا
يُخْپِيكُمْ﴾ قال بلى يا رسول الله، لا أعود(٣٥٠).
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ الَّلهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فيه لأهل التأويل سبعة أقاويل:
أحدها: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر، قاله ابن عباس
وسعيد بن جبير والضحاك.
والثاني : يحول بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل، قاله مجاهد.
والثالث: يحول بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه، قاله
السدي .
والرابع: معناه أنه قريب من قلبه يحول بينه وبين أن يخفى عليه شيء من سره
أو جهره فصار أقرب إليه من حبل الوريد، وهذا تحذير شديد، قاله قتادة.
والخامس: معناه يفرق بين المرء وقلبه بالموت فلا يقدر على استدراك فائت.
ذكره علي بن عيسى .
والسادس: يحول بين المرء وما يتمناه بقلبه من البقاء وطول العمر والظفر
والنصر، حكاه ابن الأنباري .
(٣٤٩) رواه الطبري (٤٦٧/١٣) واللفظ له وأحمد (٤١٣/٤١٢/٢) والترمذي (٣٠٣٦) وصححه وللحديث
روايات أخرى راجعها في الفتح (١١٩/٨ - ٢٣١).
(٣٥٠) قال العلامة الشوكاني (٢٩٩/٢).
((ويستدل بهذه الآية على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام
الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائناً ما كان ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال وفي هذه الآية
الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة وترك الاعتداد بالرأي وعدم الاعتداد بما يخالف ما في
الكتاب والسنة كائناً ما كان.
٣٠٨

سورة الأنفال الآية - ٢٥، ٢٦
والسابع: يحول بين المرء وما يوقعه في قلبه من رعب وخوف أو قوة وأمن،
فيأمن المؤمن من خوفه، ويخاف الكافر عذابه.
وَأَتَّقُواْفِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهُ
شَدِيدُ الْعِقَابِ
٢٥
قوله عز وجل: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَا تُصِيَيْنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ فيها أربعة
أقاویل :
أحدها: أنه المنكر، أمر الله تعالى المؤمنين ألا يقروه بين أظهرهم فيعمهم
العذاب قاله ابن عباس.
والثاني: أنها الفتنة بالأموال والأولاد كما قال تعالى ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمَ وَأَوْلَادُكُم
فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] قاله عبدالله بن مسعود.
والثالث: أن الفتنة ها هنا البلية التي يبلى الإنسان بها، قاله الحسن.
والرابع أنها نزلت في النكاح بغير وليّ، قاله بشر بن الحارث (٣٥١).
ويحتمل خامساً: أنها إظهار البدع.
وفي قوله تعالى: ﴿لَ تُصِيَبِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وجهان:
أحدهما: لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا.
الثاني: لا يصيبن عقابُ الفتنة، فتكون لأهل الجرائم عقوبة، ولأهل الصلاح
ابتلاء.
وفيه وجه ثالث: أنه دعاء للمؤمن أن لا تصيبه فتنة، قاله الأخفش.
وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيْبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
قوله عز وجل: ﴿وَأَذْكُرُ واْ إِذْ أَنْتُم قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يريد بذلك
قلتهم إذ كانوا بمكة وذلتهم باستضعاف قريش لهم.
وفي هذا القول وجهان :
(٣٥١) هو بشر بن الحارث الزاهد المعروف بالحافي كان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد وأخباره كثيرة .
وشمائله في التقشف والزهد والورع شهيرة له ترجمة في تهذيب التهذيب (٣٨٩/١، ٣٩٠).
٣٠٩

سورة الأنفال الآية - ٢٧، ٢٨
أحدهما: أن الله ذكّرهم بذلك نعمه عليهم.
والثاني : الإخبار بصدق وعده لهم.
﴿َتَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: يعني بالناس كفار قريش، قاله عكرمة وقتادة.
والثاني : فارس والروم، قاله وهب بن منبه.
ثم بیّن ما أنعم به عليهم فقال ﴿قََاوَاكُمْ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: أي جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين.
والثاني: فآواكم بالهجرة إلى المدينة، قاله السدي.
﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ أي قواكم بنصره لكم على أعدائكم يوم بدر.
﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّاتِ﴾ يعني من الحلال، وفيه قولان:
أحدهما: ما مكنكم فيه من الخيرات.
والثاني : ما أباحكم من الغنائم، قاله السدي .
وقال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في المهاجرين خاصة بعد بدر.
◌َيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْأَمَنَّتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (هـ
قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: لا تخونوا الله سبحانه والرسول عليه السلام كما صنع المنافقون في
خيانتهم، قاله الحسن والسدي .
والثاني: لا تخونوا الله والرسول فيما جعله لعباده من أموالكم.
ويحتمل ثالثاً: أن خيانة الله بمعصية رسوله، وخيانة الرسول، بمعصية كلماته.
﴿وَتَخُونُواْ أُمَانَاتِكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: فيما أخذتموه من الغنيمة أن تحضروه إلى المغنم.
الثاني: فيما ائتمن (٣٥٢) الله العباد عليه من الفرائض والأحكام أن تؤدوها بحقها
ولا تخونوها بترکھا .
(٣٥٢) وقد جمعنا في شرح الأمان وصورها رسالة خاصة بعنوان طلب الإعانة في شرح حديث الأمانة يسر الله
طبعها .
٣١٠

سورة الأنفال الآية - ٢٩
والثالث: أنه على العموم في كل أمانة أن تؤدى ولا تخان.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: وأنتم تعلمون أنها أمانة من غير شبهة،
والثاني : وأنتم تعلمون ما في الخيانة من المأثم بخلاف من جهل.
قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابَة بن عبد المنذر أرسله رسول
الله عليه إلى بني قريظة لينزلوا على حكم سعد فاستشاروه وكان قد أحرز أولاده وأمواله
عندهم فأشار عليهم أن لا يفعلوا وأومأ بيده إلى حلقه أنه الذبح، فأنزل الله تعالى فيه
هذه الآية إلى قوله :
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يحتمل
وجھین :
أحدهما: أن ما عند الله تعالى من الأجر خير من الأموال والأولاد.
والثاني: أن ما عند الله تعالى من أجر الحسنة التي يجازي عليها بعشر أمثالها
أكثر من عقوبة السيئة التي لا يجازي عليها إلا بمثلها .
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْوَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ فيه أربعة
تأويلات:
أحدها: معنى فرقاناً أي هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل، قاله
ابن زید وابن إسحاق.
والثاني: يعني مخرجاً في الدنيا والآخرة، قاله مجاهد.
والثالث: يعني نجاة، قاله السدي .
والرابع: فتحاً ونصراً، قاله الفراء.
ويحتمل خامساً: يفرق بينكم وبين الكافر في الآخرة.
٣١١

سورة الأنفال الآية - ٣٠ - ٣٣
وَإِذْ يَمْكُرُبِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَ أَوْيُخْرِجُوَةٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ
اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
قوله عز وجل ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾
وذلك أن قريشاً تآمروا في دار الندوة على رسول الله وي ليه فقال عمرو بن هشام: قيدوه
واحبسوه في بيت نتربص به ريب المنون. وقال أبو البختري: أخرجوه عنكم على بعير
مطرود تستريحوا منه ومن أذاه لكم. قال أبو جهل: ما هذا برأي ولكن اقتلوه وليجتمع
عليه من كل قبيلة رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فترضى حينئذ بنو هاشم
بالدية. فأوحى الله عز وجل بذلك إلى نبيه وَه فخرج إلى الغار مع أبي بكر رضي
الله عنه ثم هاجر منه إلى المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة.
فهذا بيان قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوكَ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: ليثبتوك في الوثاق، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة.
والثاني : ليثبتوك في الحبس، قاله عطاء وعبد الله بن كثير والسدي.
والثالث: معنى يثبتوك أي يخرجوك، كما يقال قد أثبته في الحرب إذا أخرجته،
قاله بعض المتأخرین.
﴿أُوْ يُخْرِ جُوا﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أو يخرجوك من مكة إلى طرف من أطراف الأرض كالنفي .
والثاني: أو يخرجوك على بعير مطرود حتى تهلك، أو يأخذك بعض العرب
فتقتلك فتريحهم منك، قاله الفراء.
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْقَدْ سَمِعْنَا لَوْنَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَّ إِنْ
هَذَآإِلَّ أَسَطِيرُ أُلْأَوَّلِينَ ﴿ وَإِذْقَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ
مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمٍ (
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمٌّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ
(٣٣
٣١٢

سورة الأنفال الآية - ٣٠ - ٣٣
قوله عز وجل ﴿وَإِذَا تُتْلَىْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُوْا قَدْ سَمِعْنَا﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: قد سمعنا هذا منكم ولا نطيعكم.
والثاني : قد سمعنا قبل هذا مثله فماذا أغناكم.
﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: مثل هذا في النظم والبيان معارضة له في الإعجاز.
والثاني: مثل هذا في الاحتجاج معارضة له في الاستدعاء إلى الكفر.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني أحاديث الأولين ويحتمل وجهين:
أحدهما: أنه قصص من مضى وأخبار من تقدم.
والثاني : أنه مأخوذ عمن تقدم وليس بوحي من الله تعالى.
وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، وقد قتله النبي (وَيد
صبراً في جملة ثلاثة من قريش: عقبة بن أبي معيط، والمطعم بن عدي، والنضر بن
الحارث وكان أسير المقداد، فلما أمر رسول الله وَيقل بقتل النضر قال المقداد: أسيري
يا رسول الله، فقال رسول الله وَّله((اللَّهُمَّ أَعِنِ (٣٥٣) المِقْدَادَ))، فقال: هذا أردت. وفيه
أنزل الله تعالى الآية التي بعدها.
﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ
السَّمَاءِ أَوْ أْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي هذا القول وجهان:
أحدهما: أنهم قالوا ذلك عناداً للحق وبغضاً للرسول واله .
والثاني: أنهم قالوا ذلك اعتقاداً أنه ليس بحق. وفيهم نزل قوله تعالى ﴿سَأَلَ
سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾
[ص: ١٦]. قال عطاء: لقد نزلت في النضر بضع عشرة آية من كتاب الله تعالى.
قوله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذَّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم) يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه قال ذلك إكراماً لنبيه وتعظيماً لقدره أن يعذب قوماً هو بينهم
تعظيماً لحرمته.
(٣٥٣) كذا هنا وفي المطبوعة والصواب ((اللهم أغن المقداد)) والتصحيح من الطبري (١٣ /٥٠٤) والأثر من
قول سعيد بن جبير ولم يعزه المؤلف هنا إليه وعلى هذا فالأثر مرسل.
٣١٣

سورة الأنفال الآية - ٣٤، ٣٥
والثاني: إرساله فيهم رحمة لهم ونعمة عليهم فلم يجز أن يعذبهم وهو فيهم
حتى يستحقوا سلب النعمة بإخراجه عنهم.
﴿وَمَا كَانَ آللَّهُ مُعَذِّبَهُمُ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فيه خمسة أقاويل :
أحدها: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وقد بقي فيهم من المسلمين قوم
يستغفرون وهذا قول الضحاك وأبي مالك وعطية .
والثاني: لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون فيها فيقولون: غفرانك.
قال ابن عباس (٣٥٤): كان المشركون بمكة يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك لبيك
لا شريك لك، فيقول النبي وَّر ((قَدْ قَدْ))(٣٥٥) فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما
ملك، ويقولون غفرانك، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
قاله أبو موسی ویزید(٣٥٦) بن رومان ومحمد بن قیس.
والثالث: أن الاستغفار في هذا الموضع الإسلام، ومعنى الكلام: وما كان الله
معذبهم وهم يسلمون، قاله عكرمة ومجاهد.
والرابع: وما كان الله معذب من قد سبق له من الله الدخول في الإسلام، قاله
ابن عباس.
والخامس: معناه أنهم لو استغفروا لم يعذبوا استدعاء لهم إلى الاستغفار، قاله
قتادة والسدي وابن زيد.
والسادس: وما كان الله معذبهم أي مهلكهم وقد علم أن لهم أولاد وذرية
يؤمنون ويستغفرون
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّ بَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوْ
أَوْلِيَاءَهُ، إِنْ أَوْ لِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦) وَمَا
(٣٥٤) رواه الطبري (٥١١/١٣، ٥١٢) وزاد السيوطي في الدر نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الشيخ
وابن مردويه. والبيهقي في سننه الدر، (٥٥/٤).
(٣٥٥) أي حسبکم لا تزیدوا.
(٣٥٦) هو أبو روح المدني يزيد بن رومان مولى آل الزبير قرأ القرآن على عبدالله بن عباس بن أبي ربيعة وكان
عالماً كثير الحديث ثقة توفي سنة ثلاثين ومائة له ترجمة في تهذيب التهذيب (٢٨٤/١١).
٣١٤

سورة الأنفال الآية - ٣٥
كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءَ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا
٣٥
كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
قوله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ آلبَيتِ إِلَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ في المكاء قولان:
أحدهما: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم، قاله مجاهد.
والثاني: هو أن يشبك بين أصابعه ويصفر في كفه بفيه فيكون المكاء هو
الصفير، ومنه قول عنترة : (٣٥٧)
وحليل غانيةٍ تركت مُجدّلا تمكو فريصته بشدق الأعلم
أي تصفر بالريح لما طعنته.
وأما التصدية ففيها خمسة أقاويل :
أحدها: أنه التصفيق، قاله ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وقتادة
والسدي ومنه قول عمرو بن الإطنابة (٣٥٨).
وظلوا جميعاً لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصدية
والثاني : أنه الصد عن البيت الحرام، قاله سعيد (٣٥٩) بن جبير وابن زيد.
والثالث: أن يتصدى بعضهم لبعض ليفعل مثل فعله، ويصفر له إن غفل عنه،
قاله بعض المتأخرين .
الرابع: أنها تفعلة من صد يصد، وهو الضجيج، قاله أبو عبيدة. ومنه قوله
تعالى ﴿إِذَا قَومُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أي يضجون.
الخامس: أنه الصدى الذي يجيب الصائح فيرد عليه مثل قوله، قاله ابن بحر.
فإن قيل: فلم سمَّى الله تعالى ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية
صلاة وليس منها؟
(٣٥٧) سيرة ابن هشام (٣٢٦/٢) والمعاني الكبير (٩٨١) واللسان (مكا) والبيت من معلقة عنترة المشهورة.
(٣٥٨) فتح القدير (٣٠٦/٢).
(٣٥٩) قال العلامة الألوسي معقباً على قول سعيد (٢٠٣/٩) تفسير التصدية لصد الناس عن المسجد الحرام قال
((فيه بعد وأبعد من ذلك تفسير عكرمة لها بالطواف على الشمال بل لا يكاد يسلم)) وقال العلامة ابن جرير
(٥٢٧/١٣) عن قول سعید «قول لا وجه له)).
٣١٥

سورة الأنفال الآية - ٣٦، ٣٧
قیل عن ذلك جوابان :
أحدهما: أنهم كانوا يقيمون التصفيق والصفير مقام الدعاء والتسبيح فجعلوا
ذلك صلاة وإن لم يكن في حكم الشرع صلاة.
والثاني : أنهم كانوا يعملون كعمل الصلاة.
﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: عذاب السيف يوم بدر، قاله الحسن والضحاك وابن جريج وابن
إسحاق.
والثاني: أنه يقال لهم في الآخرة ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: فالقوا.
الثاني : فجربوا.
وحكى مقاتل في نزول هذه الآية أن النبي و ﴿ كان إذا صلى في المسجد الحرام
قام من كفار بني عبد الدار بن قصي رجلان عن يمين النبي ◌َّ يصفران كما يصفر
المكاء والمكاء طائر، ورجلان منهم عن يساره يصفقان بأيديهما ليخلطوا عليه صلاته
وقراءته، فنزلت هذه الآية فيهم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْيُنْفِقُونَ أَمْوَ لَهُمْ لِيَصُدُّ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَّرُونَ
ج لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَتُّمَ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
(٣٧
قوله عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه
قولان :
أحدهما: أنها نفقة قريش في قتال رسول الله وَلا و يوم بدر، قاله الضحاك.
والثاني: أنه أبو سفيان استأجر معه يوم أحد ألفين من الأحابيش ومنه كنانة (٣٦٠)
(٣٦٠) كذا هنا وفي المطبوعة ولعله ((من بني كنانة)) كما في الطبري (٥٣٠/١٣).
٣١٦

سورة الأنفال الآية - ٣٦، ٣٧
ليقاتل بهم رسول الله وَلر، سوى من انحاز إليه من العرب، قاله سعيد ومجاهد
والحكم بن عيينة، وفي ذلك يقول كعب بن مالك:
أحابيش منهم حاسرٌ ومقنع
وجئنا إلى موج من البحر وسطه
ثلاثُ مئينٍ إن كثرنا فأربع
ثلاثة آلافٍ ونحن نَصِيَّة
﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسْرَةً﴾ يحتمل وجهین :
أحدهما: يكون إنفاقها عليهم حسرة وأسفاً عليها.
والثاني: تكون خيبتهم فيما أملوه من الظفر عليهم حسرة تحذرهم بعدها.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ وعد بالنصر فحقق وعده.
قوله عز وجل ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب﴾ فیه وجهان:
أحدهما: الحلال من الحرام .
الثاني: الخبيث ما لم تخرج منه حقوق الله تعالى، والطيب: ما أخرجت منه
حقوق الله تعالی.
ويحتمل ثالثاً: أن الخبيث: ما أنفق في المعاصي، والطيب: ما أنفق في
الطاعات . (٣٦١)
﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي يجمعه في الآخرة وإن تفرق في
الدنيا ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ أي يجعل بعضه فوق بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ
رُكَاماً﴾ [النور: ٤٣].
وفي قوله تعالى ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمْ﴾ وإن كانت الأموال لا تعذّب وجهان:
أحدهما: أن يجعلها عذاباً في النار يعذبون بها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِي نَارٍ جَهَنَّمَ ﴾ [التوبة: ٣٥] الآية.
الثاني: أنه يجعل أموالهم معهم في جهنم لأنهم استطالوا بها وتقووا على
معاصي الله فجعلها معهم في الذل والعذاب كما كانت لهم في الدنيا عزاً ونعيماً
(٣٦١) سيرة ابن هشام (١٤١/٣) ونسب قريش (٩) وطبقات فحول الشعراء (١٨٣) والطبري (٥٣٠/١٣)
وفي السيرة إن كدنا وأربع واستصوبه محقق الطبري .
٣١٧

سورة الأنفال الآية - ٣٨ - ٤١
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلْفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ
مَضَتْ سُنَّتُ اُلْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُُّ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٣٩
٤٠
﴿ وَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِبُ
قوله عز وجل ﴿قَل لَّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يَغْفِرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ يحتمل
وجهين :
أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة إلى الموادعة يغفر لهم ما قد سلف من
المؤاخذة والمعاقبة .
والثاني: إن ينتهوا عن الكفر بالإسلام يغفر لهم ما قد سلف من الآثام.
﴿وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ تأويله على احتمال الوجهين الأولين:
فعلى الوجه الأول: تأويله: وإن يعودوا إلى المحاربة فقد مضت سنة الأولين
فيمن قتل يوم بدر وأسر، قاله الحسن ومجاهد والسدي .
وعلى الوجه الثاني: فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة فيما أخذهم الله
به في الدنيا من عذاب الاستئصال.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل مكة بعد أن دخلها رسول الله وَّ عام
الفتح وقال لهم: ((مَا ظَنَّكُم بِي وَمَا الَّذِي تَرَونَ أَنِّي صَانِعُ بِكُم؟)) قالوا: ابن عم كريم
فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال ◌َّه: ((أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ
لإِخْوَتِهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.)) [يوسف:
٩٢] فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وَأَعْلَمُوَأَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَأَنَّلِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى
وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى
عَبْدِ نَايَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٤١
قوله عز وجل: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ مَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسُهُ وَلِلرَّسُولِ
٣١٨

سورة الأنفال الآية - ٣٨ - ٤١
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ ذكر الله تعالى الفيء في سورة (٣٦٢)
الحشر والغنيمة في هذه السورة.
واختلفوا في الفيء والغنيمة على ثلاثة أقاويل.
أحدها: أن الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين والفيء ما ظهر عليه من
الأرض، قاله عطاء بن السائب:
والثاني: أن الغنيمة ما أخذ عنوة، والفيء ما أخذ عن صلح، قاله الشافعي
وسفيان الثوري .
والثالث: أن الفيء والغنيمة سواء وهو كل مال أخذ من المشركين، وآية الفيء
التي هي في سورة الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، قاله قتادة (٣٦٣).
وقوله تعالى ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ يريد جميع ما وقع عليه اسم شيء مباح حواه
المسلمون من أموال المشركين.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه استفتاح كلام، فلله الدنيا والآخرة وما فيهما، ومعنى الكلام فأن
للرسول خمسه، قاله الحسن وعطاء وقتادة وإبراهيم والشافعي، وروى نهشل عن
الضحاك عن ابن (٣٦٤) عباس قال: كان رسول الله وَّ إذا بعث سرّية فغنموا خمّس
الغنيمة فصرف ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وإنما قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام، ولله ما في السموات
وما في الأرض فجعل سهم الله وسهم الرسول واحد.
والثاني : أن سهم الله مستحق لبيته، ومعناه فإن لبيت الله خمسه وللرسول وقد
روى الربيع بن أنس عن أبي العالية (٣٦٥) الرياحي قال: كان رسول الله ومثله يؤتى
(٣٦٢) في قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ [الحشر: ٧].
(٣٦٣) وقد عقب العلامة ابن جرير على قول قتادة هذا بقوله: وأما قول من قال الآية التي في سورة الأنفال
ناسخة للآية التي في سورة الحشر فلا معنى له إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى.
(٣٦٤) إسناده ضعيف جداً رواه الطبري (١٣ /٥٤٩) مطولاً وفي (١٣ /٥٥٦) مختصراً وفي سنده نهشل وهو ابن
سعيد بن وردان قال إسحق بن إبراهيم كان نهشل كذاباً وبذلك يسقط الخبر.
(٣٦٥) وقول أبي العالية هذا يقتضي أن يقسم على ستة أسهم وهو قول تفرد به عن الجمهور.
٣١٩

سورة الأنفال الآية - ٣٨ - ٤١
بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس
فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما
بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى،
وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل.
وقوله تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه مفتاح كلام اقترن بذكر الله وليس للرسول من ذلك شيء كما لم
يكن لله من ذلك شيء، وأن الخمس مقسوم على أربعة أسهم، وهذا قول ابن عباس
من رواية علي بن أبي طلحة .
والثاني : أن ذلك للرسول وهو قول الجمهور.
واختلفوا في سهم رسول الله وَلقر بعده على خمسة أقاويل:
أحدها: أنه للخليفة بعده، قاله قتادة.
والثاني: أنه لقرابة النبي وسلّ إرثاً، وهذا قول من جعل النبي موروثاً.
والثالث: أن سهم الرسول و لي مردود على السهام الباقية ويقسم الخمس على
أربعة .
والرابع: أنه مصروف في مصالح المسلمين العامة، قاله الشافعي.
والخامس: أن ذلك مصروف في الكراع (٣٦٦) والسلاح، وروي أن ذلك فعل أبي
بكر وعمر، رواه النخعي .
أما قوله تعالى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فاختلف فيه على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم بنو هاشم، قاله مجاهد.
والثاني: أنهم قريش كلها، روى سعيد المقري قال: كتب (٣٦٧) نجدة إلى
عبدالله بن عباس يسأله عن ذي القربى، قال: فكتب إليه عبدالله بن عباس: كنا
نقول إننا هم فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها ذوو قربى .
الثالث: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، قاله الشافعي والطبري.
واختلفوا في سهمهم اليوم على أربعة أقاويل:
(٣٦٦) الكراع اسم يجمع الخيل.
(٣٦٧) رواه الطبري (٥٥٤/١٣، ٥٥٥) وابو عبيدة في كتاب الأموال بنحوه(رقم ٨٥٠ - ٨٥٢).
٣٢٠