النص المفهرس
صفحات 201-220
سورة الأعراف الآية - ٨ - ٩ والثاني: لئلا يتحرزوا منه ويهربوا عنه، لاستسلام النائم وتحرز المستيقظ، والبأس: شدة العذاب، والبؤس: شدة الفقر. قوله عز وجل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَّلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لنسألن الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة والقيام بشروطها، ولنسألن المرسلين عن أداء الرسالة والأمانة فيها. والثاني: لنسألن الذين أرسل إليهم عن حفظ حرمان الرسل، ولنسألن المرسلين عن الشفقة على الأمم. وَاُلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقٍّ فَمَن ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (*) وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُواْبِثَايَئِنَا يَظْلِمُونَ ٩ قوله عز وجل: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الوزن ها هنا هو القضاء بالحق، أي بالعدل، قاله مجاهد. والثاني: أنه موازنة الحسنات والسيئات بعلامات يراها الناس يوم القيامة. والثالث(٢١٦): أنه موازنة الحسنات والسيئات بميزان له كفتان، قاله الحسن وطائفة . واختلف من قال بهذا في الذي يوزن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي يوزن هو الحسنات والسيئات بوضع إحداهما في كفة والأخرى في كفة، قاله الحسن والسدي . والثاني: أن الذي يوزن صحائف الأعمال، فأما الحسنات والسيئات فهي أعمال، والوزن إنما يمكن في الأجسام، قاله عبدالله بن عمر. والثالث: أن الذي يوزن هو الإنسان، قال عبيد بن عمير، قال يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة (٢١٧). (٢١٦) ولا شك في أرجحية هذا القول لأن السنة المتواترة على إثبات الميزان ولا شك أن الله تعالى حكم عدل فهو يقضي بالحق ويحكم بالقسط ولا يظلم الناس شيئاً ورجح هذا القول الطبري (١٢ / ٣١١) وفتح القدير للشوكاني (٢ / ١٩٠) وكرّ الشوكاني على من خالف هذا القول بكلام رصين فراجعه. (٢١٧) ولا مانع من كون الأعمال تارة توزن وتارة يوزن الشخص وعمله والمسألة مبسوطة في كتب العقيدة راجع شرح الطحاوية ص ٤٧٢ ولوامع الأنوار البهية (٢ / ١٨٤). ٢٠١ سورة الأعراف الآية - ١١،١٠ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه فمن قُضي له بالطاعة . والثاني: معناه فمن كانت كفة حسناته أثقل من كفة سيئاته (٢١٨). والثالث: معناه فمن زادت حسناته على سيئاته . فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني بما لهم من الثواب، وبضده إذا خفت. وَلَقَدْ مَكَّتَّكُمْ فِ الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَنْ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِي الأرْضِ ﴾ فیه وجهان: أحدهما: سهلنا عليكم التصرف فيها حتى وصلتم إلى مرادكم منها. والثاني: ملكناكم إياها حتى صرتم أحق بها . ﴿وَجَعَلْنَالَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما تعیشون به من نبات وحیوان. والثاني: ما تتوصلون به إلى معايشكم فيها من زراعة أو عمل. وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ تُمَّقُلْنَا لِلْمَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُ وَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ ١١ قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فيه لأهل التأويل أربعة أقاويل: أحدها: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء، قاله عكرمة . والثاني: ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم في ظهره، قاله مجاهد. والثالث: خلقناكم نطفاً في أصلاب الرجال وترائب النساء، ثم صورناكم عند اجتماع النطفتين في الأرحام، وهو معنى قول الكلبي. (٢١٨) ويدل على ثقل الكفة حديث البطاقة المشهور وهو حديث صحيح صححّه غير واحد من العلماء راجع شرح السنة للبغوي . ٢٠٢ سورة الأعراف الآية - ١٢ - ١٥ والرابع: خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها بعد الخلق بشق السمع والبصر، قاله معمر(٢١٩). ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ أَسْجُدُواْ لِإِدَمَ﴾ فإن قيل فالسجود عبادة لا تجوز إلا لله تعالى، فكيف أمر به لآدم عليه السلام؟ قيل: فيه لأهل العلم قولان: أحدهما: أنه أمرهم بالسجود له تكرمة وهو لله تعالى عبادة. والثاني : أنه جعله قبلة سجودهم لله تعالى (٢٢٠): فإن قيل: فالأمر بالسجود لآدم قبل تصوير ذريته، فكيف قال: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ﴾؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة : أحدها: أنه صورهم في صلب آدم ثم قال للملائكة: اسجدوا. والثاني: معناه ثم صورناكم ثم أخبرناكم بأنّا قلنا للملائكة: اسجدوا. والثالث: أي في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ثم صورناكم. وفيه جواب رابع أنكره بعض النحويين وهو: أن ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى الواو، قاله الأخفش. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِ مِن نَارٍ وَخَفْتَهُ مِن طِينٍ ١٢ ج قَالَ قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأُخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ أَنْظِرُ فِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٤ ١٥ (٢١٩) والذي في الطبري (١٢ / ٣٢٠) أن هذا القول نقله معمر عن رجل ولم يصرح باسمه فليس هذا القول من قول معمر وإليك ما في الطبري قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عمن ذكره قال ((خلقناكم ثم صورناكم)) قال خلق الله الإنسان في الرحم ثم صوّره فشق سمعه وبصره وأصابعه اهـ)). (٢٢٠) كان السجود للأشخاص في الشرائع السابقة إنما كان للتعظيم وليس على وجه العبادة ثم نسخ بعدُ ذلك وقد سجد معاذ بن جبل بين يدي رسول الله ولو إلا أن الرسول نهاء عن ذلك وقال: ((لو كنت آمر أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)). ٢٠٣ سورة الأعراف الآية - ١٢ - ١٥ قوله عز وجل : ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها: أنه أُهْبِط من السماء لأنه كان فيها، قاله الحسن. والثاني : من الجنة. والثالث: أنه أهبط من المنزلة الرفيعة التي استحقها بطاعة الله إلى المنزلة الدَّنِيَّةِ التي استوجبها لمعصيته، قاله ابن بحر. ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ وليس لأحد من المخلوقين أن يتكبر فيها ولا في غيرها، وإنما المعنى: فما لمن يتكبر أن يكون فيها وإنما المتكبر في غيرها. وفي التكبر وجهان: أحدهما: تكبر عن الله أن يمتثل له. والثاني : تکبر عن آدم أن يسجد له. ﴿فَاخْرُج﴾ فيها قولان: أحدهما: من المكان الذي كان فيه من السماء أو الجنة. والثاني: من جملة الملائكة الذين كان منهم (٢٢١) أو معهم. ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ فیه وجهان: أحدهما: بالمعصية في الدنيا لأن العاصي ذليل عند من عصاه. والثاني : بالعذاب في الآخرة لأن المعذب ذليل بالعذاب. وفي هذا القول من الله تعالی لإبليس وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك على لسان بعض الملائكة(٢٢٢). والثاني : أنه أراه معجزة تدله على ذلك. قوله عز وجل : ﴿قَالَ أَنْظِرْنِيَ إِلَىْ يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ فيه قولان : . أحدهما: أنه سأله الإنظار بالعقوبة إلى البعث وهو يوم القيامة . والثاني: أنه سأله الإنظار بالحياة إلى يوم يبعثون وهو يوم القيامة لئلا يذوق (٢٢١) وقد عرفت فيما سبق أن القول الراجح أن إبليس لم يكن من الملائكة إنما دخل معهم في الخطاب. (٢٢٢) وسياق الآيات يدل على الله مقام هو القائل له. ٢٠٤ سورة الأعراف الآية - ١٦، ١٧ الموت، فَأَجِيْبَ بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهي النفخة الأولى ليذوق الموت بين النفختين وهو أربعون سنة، قاله الكلبي. فإن قيل: فكيف قدر الله مدة أجله وفي ذلك إغواؤه بفعل المعاصي تعويلاً على التوبة في آخر الأجل؟ قيل: قد علم الله من حاله أنه لا يتوب من معصيته بما أوجبه من لعنته بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَومِ الدَّينِ﴾ فجاز مع علمه بهذه أن يقدر له مدة أجله ولو کان کغيره ماقدرت له مدة أجله. فإن قيل: كيف أقدم إبليس على هذا السؤال مع معصيته؟ قيل: كما ينبسط الجاهل في سؤال ما لا يستحقه فإن قيل: فكيف أجاب الله سؤاله مع معصيته؟ قيل: في إجابته دعاء أهل المعاصي قولان: أحدهما: لا تصح إجابتهم لأن إجابة الدعاء تكرمة للداعي وأهل المعاصي لا يستحقون الكرامة، فعلى هذا إنما أنظره الله تعالى وإن كان عقيب سؤاله ابتداء منه لا إجابة له . والثاني: أنه قد يجوز أن تجاب دعوة أهل المعاصي على وجه البلوى وتأكيد الحجة، فتكون إجابة المطيعين تكرمة، وإجابة العصاة بلوى. فإن قيل: فهل ينظر غير إبليس إلى الوقت الذي سأل وقد قال من المنظرين؟ قيل: نعم وهو من لم يقض الله تعالى عليه الموت من عباده الذين تقوم عليهم الساعة . قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّلَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿َثُمَ لَ تِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلَّفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَايِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَ كْثَرَهُمْ شَكِينَ ١٧ قوله عز وجل: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اختلف أهل العربية في معنى قوله: ﴿فيما أغويتني﴾ على قولين: ٢٠٥ سورة الأعراف الآية - ١٦، ١٧ أحدهما: أنه على معنى القسم وتقديره: فبإغوائك لي لأقعدن لهم صراطك المستقيم . والثاني: أنه على معنى المجازاة، تقديره: فلأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (٢٢٣). واختلف أهل العلم في قوله: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ على أربعة أقاويل: أحدها: معناه أضللتني، قاله ابن عباس وابن زید. والثاني : معناه خيبتني من جنتك، ومنه قول الشاعر (٢٢٤): فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغولا يعدم على الغي لائماً أي ومن یخب. والثالث: معناه عذبتني كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي عذاباً، قاله الحسن. والرابع: معناه أهلكتني بلعنك لي، يقال غوى الفصيل إذا أشفى على الهلاك بفقد اللبن، قال الشاعر(٢٢٥): معطفة الأثناء ليس فصيلها برازئها دراً ولا ميِّت غوى وقوله: ﴿لَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي على صراطك المستقيم، وفيه تأويلان : أحدهما: طريق مكة ليصد عن قصدها في الحج والعمرة، قاله ابن مسعود. والثاني : طريق الحق ليصد عنها بالإغواء، قاله مجاهد. قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَأَتِنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... ) الآية. فيه أربعة تأويلات: أحدها: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أي أشككهم في آخرتهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ، (٢٢٣) قال الإمام أبو جعفر الطبري (١٢ / ٣٣٤) وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقوله القدرية (هم نفاة القدر الكافرون به). من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسباب ذلك إليه وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان هو السبب الذي يصل الكافر إلى الكفرم هـ. (٢٢٤) اللسان (غوى) والبيت للمرقش روح المعاني (٩٤/٨). (٢٢٥) الشاعر هو عامر بن المجنون والبيت في المعاني الكبير (١٠٤٧) والمخصص (٧/ ٤١، ١٨٠). وتهذيب إصلاح المنطق ٢ / ٥٤، واللسان (غوى). ٢٠٦ سورة الأعراف الآية - ١٦، ١٧ أرغبهم في دنياهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي من قبل حسناتهم، ﴿وَعَنْ شَمَآئِلِهِم﴾ من قبل سيئاتهم، قاله ابن عباس. والثاني: ﴿مِّنِ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من قبل، دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ : من قبل آخرتهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: الحق أشككهم فيه، ﴿وَعَنْ شَمَآئِلِهِم﴾ : الباطل أرغبهم فيه، قاله السدي وإبراهيم. والثالث: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِم﴾ ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من حيث ينظرون، ﴿وَمِنْ خلفِهِم﴾ ﴿وَعَن شَمَائِلهِم﴾ : من حیث لا يبصرون، قاله مجاهد. والرابع: أراد من كل الجهات التي يمكن الاحتيال عليهم منها، ولم يذكر من فوقهم لأن رحمة الله تصده، ولا من تحت أرجلهم لما فيه من التنفير، قاله بعض المتأخرين. ويحتمل تأويلاً خامساً: ﴿مِّنْ بَيْنٍ أَيْدِيهِم): فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون على طاعة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِم): فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عن معصية، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِم﴾: من قبل غناهم فلا ينفقونه في مشكور، ﴿وَعَنِ شمائِلهِم ﴾ : من قبل فقرهم فلا يمتنعون فيه عن محظور. ويحتمل سادساً: ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم﴾: بسط أملهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِم﴾ تحكيم جهلهم، ﴿وعن أيمانهم): فيما ييسر لهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِم): فيما تعسر عليهم. ثم قال: ﴿وَلاَ تَجِدُ أُكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ یحتمل وجهین: أحدهما : شاکرین لنعمك. والثاني: مقیمین على طاعتك. فإن قيل: فکیف علم إبليس ذلك؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه ظن ذلك فصدق ظنه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَّيْهِم إِبْلِيس ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] وسبب ظنه أنَّه لما أغوی آدم واستزله قال: ذرية هذا أضعف منه، قاله الحسن. والثاني: أنه يجوز أن يكون علم ذلك من جهة الملائكة بخبر من الله (٢٢٦). (٢٢٦) وهذا القول للجبائي من أئمة المعتزلة ولا دليل عليه وهناك قول ثالث أنه رآه في اللوح المحفوظ وهذا = ٢٠٧ سورة الأعراف الآية - ١٨ - ٢١ ١٨ قَالَ أُخْرُجْ مِنْهَ مَذْهُ وَمَّا مَّدْحُورًا لَّمَن تَّبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ قوله عز وجل: ﴿قَالَ آخْرُجْ مِنْھا﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: من حيث كان من جنة أو سماء. والثاني : من الطاعة، على وجه التهدید. ﴿مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾. في قوله: ﴿مَذْءُوماً﴾ خمسة تأويلات: أحدها: يعني مذموماً، قاله ابن زيد، وقرأ الأعمش ﴿مذوماً﴾. والثاني: لئيماً، قاله الكلبي . والثالث: مقیتاً، قاله ابن عباس. والرابع: منفياً، قاله مجاهد. والخامس: أنه شدة العيب وهو أسوأ حالاً من المذموم، قاله الأخفش، قال عامر بن جذامة : جذامة لم يأخذوا الحق بل زاغت قلوبهم قبل القتال ذأماً وأما المدحور ففيه قولان : أحدهما: المدفوع. الثاني : المطرود، قاله مجاهد والسدي. وَبَدَمُ أُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَ بَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا (١٦) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَ تِهِمَا مِنَ الظَّالِمِينَ! وَقَالَ مَا تَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلََّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنٍ أَوْتَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَآ إِى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ٢١ قوله عز وجل: ﴿وَيَثَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزُوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ يعني حواء، وفي الجنة التي أمر بسكناها قولان : = أيضاً لا دليل عليه بل من أفحش الأقوال لأنه لم يطلع على اللوح المحفوظ إلا الله تعالى راجع روح المعاني (٨ / ٩٦). ٢٠٨ سورة الأعراف الآية - ١٨ - ٢١ أحدهما: في جنة الخلد التي وعد المتقون، وجاز الخروج منها لأنها لم تجعل ثواباً فيخلد فيها ولا يخرج منها. والثاني : أنها جنة من جنات الدنيا لا تكليف فيها وقد كان مكلفاً . ﴿فَكُلاَ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ يحتمل وجهين : أحدهما: من حيث شئتما من الجنة كلها. والثاني: ما شئتما من الثمار كلها لأن المستثنى بالنهي لمًّا كان ثمراً كان المأمور به ثمراً. ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قد ذكرنا(٢٢٧) اختلاف الناس فيها على ستة أقاويل: أحدها: أنه البُرّ، قاله ابن عباس. والثاني : الكَرْم، قاله السدي. والثالث: التین، قاله ابن جريج . والرابع: شجرة الكافور، قاله علي بن أبي طالب. والخامس: شجرة العلم، قاله الكلبي . والسادس: أنها شجرة الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة، قاله ابن جدعان. وحكى محمد بن إسحاق عن أهل الكتابين أنها شجرة الحنظل ولا أعرف لهذا وجهاً . فإذا قيل: فما وجه نهيهما عن ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: المصلحة في استدامة المعرفة، والابتلاء بما يجِب فيه الجزاء. قوله عز وجل: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الْشَّيْطَانُ لِيَبْدِيَ لَهُمَا ... ) أما الوسوسة فهي إخفاء الصوت بالدعاء، يقال وسوس له إذا أوهمه النصيحة، ووسوس إليه إذا ألقى إليه المعنى، وفي ذلك قول رؤبة بن العجاج (٢٢٨): وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سراً وقد أوّن تأوين العقق، (٢٢٧) وقد ذكر المؤلف الأقوال في ذلك في تفسير سورة البقرة إلا أنه لم يذكر القولين الأخيرين. (٢٢٨) ديوان: ١٠٨ واللسان (وسس). ٢٠٩ سورة الأعراف الآية - ١٨ - ٢١ فإن قيل: فكيف وسوس لهما وهما في الجنة وهو خارج عنها؟ فعنه ثلاثة أجوبة هي أقاويل اختلف فيها أهل التأويل: أحدها: أنه وسوس إليهما وهما في الجنة في السماء، وهو في الأرض، فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له إلى السماء ثم الجنة، قاله الحسن. والثاني : أنه كان في السماء وكانا يخرجان إليه فيلقاهما هناك. والثالث: أنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. .. وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الْشَّجَرَةِ إِلَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنٍ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ وهذا هو الذي ألقى به من الوسوسة إليهما استغواءً لهما بالترغيب في فضل المنزلة ونعيم الخلود. فإن قيل: هل تصورا ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: إنما كملت معرفتهما بالله تعالى لا بأحكامه. وفي قول إبليس ذلك قولان: أحدهما: أنه أوهمهما أن ذلك في حكم الله جائز أن يقلب صورتهما إلى صور الملائكة وأن يخلدهما في الجنة. والثاني: أنه أوهمهما أنهما يصيران بمنزلة الملائكة في علو المنزلة مع علمهما بأن قلب الصور لا يجوز. قوله عز وجل: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي حلف لهما على صدقه في خبره ونصحه في مشورته، فقبلا قوله وتصورا صدقه لأنهما لم يعلما أن أحداً يجترىء على الحلف بالله كاذباً . ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون معنى قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي قال لهما: إن كان ما قلته خيراً فهو لكما دوني وإن كان شراً فهو عليّ دونكما ومن فعل ذلك معكما فهو من الناصحين لكما، فكانت هذه مقاسمتهما أن قسم الخير لهما والشر له على وجه الغرور لتنتفي عنه التهمة ويسرع إليه القبول (٢٢٩). (٢٢٩) ولا شك أن هذا القول أرجح لأن اللعين دخل عليهما من باب الركون والخلود والمسلم يصدق من يحلف له بالله ولا يصدق أن أحداً يحلف بالله كاذباً كإبليس ولهذا كان قسم إبليس هذا بمثابة شراكاً نصبه اللعين للأبوين فأوقعهما فيه ودلا هما بغرور. ٢١٠ سورة الأعراف الآية - ٢٢ - ٢٤ فَدَ لَّنْهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَاسَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَنَ روفور و قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ ٢٢ لَكُمَاعَدُوَمُّبِينٌ: الْخَسِرِينَ قوله عز وجل: ﴿فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ معناه فحطهما بغرور من منزلة الطاعة إلى حال المعصية . فإن قيل: فهل علما عند أكلهما أنها معصية؟ قيل: لا، لأن إقدامهما عليها مع العلم بأنها معصية يجعلها كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر، وإنما أقدما عليها لشبهة دخلت عليهما بالغرور. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ فإن قيل: فلم بدت لهما سواتهما ولم تكن بادية لهما من قبل؟ ففي ذلك ثلاثة أجوبة: "أحدها: أنهما كانا مستورين بالطاعة فانكشف الستر عنهما بالمعصية. والثاني: أنهما كانا مستورين بنور الكرامة فزال عنهما بذل المهانة. والثالث: أنهما خرجا بالمعصية من أن يكونا من ساكني الجنة، فزال عنهما ما كانا فيه من الصيانة. ﴿وَطَفِقًا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ في ﴿وَطَفِقَا﴾ وجهان: أحدهما: قاما يخصفان، قاله ابن بحر. والثاني: جعلا يخصفان، أي يقطعان. ﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وفيه قولان: أحدهما: ورق الموز. والثانى: ورق التين، قاله ابن عباس. قَالَ أَهْرِ طُواْبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّوَ مَتَعُ إِلَى حِينٍ ٢١١ ٢٤ سورة الأعراف الآية - ٢٥ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ قوله عز وجل : ﴿قَالَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوَّ﴾ فإن قيل: فالمأمور بالهبوط آدم وحواء لأن إبليس قد كان أهبط من قبل حين امتنع عن السجود لآدم، فكيف عبر عنهما بلفظ الجمع؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه خبر عن هبوطهم مع تفرقهم وإن خرج مخرج الأمر، قاله السدي . والثاني: أنهم آدم وحواء والحية، فكانوا جماعة، قاله أبو صالح (٢٣٠). والثالث: أنهم آدم وحواء والوسوسة، قاله الحسن. فهبط آدم بأرض الهند على جبل يقال له واسم، وهبطت حواء بجدة، وهبطت الحية بأصفهان . وفي مهبط إبليس قولان. أحدهما بالأبلة. والثاني : بالمدار. وقيل أسكنهما الجنة لثلاث ساعات خلت من يوم الجمعة، وأخرجهما لتسع ساعات خلت من ذلك اليوم. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أما المستقر ففيه وجهان: أحدهما: أنه فعل الاستقرار. والثاني : أنه موضع الاستقرار، قاله أبو صالح. وأما المتاع فهو المنتفع به من عروض الدنيا التي يستمتع بها . . وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ يعني إلى انقضاء الدنيا، والحين وقت مجهول القدر ينطلق على طويل الزمان وقصيره وإن كان موضوعاً في الأغلب للتكثير. (٢٣٠) وهذا القول لا دليل عليه كما قال ابن القيم في حادي الأرواح ص ٢٦ ولفظه ((وقد قيل إن الخطاب لهما وللحية وهذا ضعيف جداً إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم ولا في السياق ما يدل عليه م هـ والصواب أن الخطاب لآدم وحواء وإبليس. ٢١٢ سورة الأعراف الآية - ٢٦ قال الشاعر (٢٣١) وقد علاك مشيب حين لا حين وما مزاحك بعد الحلم والدين أي وقت لا وقت. ج يَبَنِىّءَآدَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ تَكُمْ وَرِيِشًاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٢٦ قوله عز وجل: ﴿يَا بَنِيَ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ نزلت هذه الآية في قوم من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويرون أن ذلك أبلغ في الطاعة وأعظم في القربة . وفي دخول الشبهة عليهم في ذلك وجهان: أحدهما: أن الثياب قد دنستها المعاصي فخرجوا عنها. والثاني: تفاؤلاً بالتعري من الذنوب فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾ أي ما تلبسون من الثياب. فإن قيل: فليس ذلك بمنزل من السماء. فعنه جوابان : أحدهما: أنه لما كان ينبت من المطر الذي ينزل من السماء صار كالمنزل من السماء، قاله الحسن. والثاني: أن هذا من بركات الله، والبركة تنسب إلى أنها تنزل من السماء، كما قال تعالى. ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]. ثم قال: ﴿يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ أي يستر عوراتكم، وسميت العورة سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها. ثم قال: ﴿وَرِيشاً﴾ وهذه قراءة أهل الأمصار وكان الحسن يقرأ: ﴿وَرِیاشاً﴾ (٢٣٢) وفيه أربعة تأويلات: (٢٣١) والبيت لجرير الشاعر ديوانه: ٥٨٦ ومجاز القرآن لأبي عبيدة (١ / ٢) والخزانة ٢ / ٩٤ والطبراني (١٢ / ٣٥٩) والبيت ميه : وقد علاك مشيب حين لا حين وما مراحُكَ بعد الحلم والدين (٢٣٢) وهي قراءة ابن عباس وزر بن حبيش وقتادة والمفضل وأبان عن عاصم راجع زاد المسير (٣/ ١٨١). ٢١٣ سورة الأعراف الآية - ٢٦ أحدهما: أنه المعاش، قاله معبد الجهني . والثاني : أنه اللباس والعيش والنعيم، قاله ابن عباس. والثالث: أنه الجمال والزينة، قاله ابن زيد. ومنه قوله رؤية: وجهد أعوام نتفن ريشي إليك أشكو شدة المعيش يريد أذهبن جمالي وزينتي . والرابع: أنه المال، قاله ابن الزبير ومجاهد، قال الشاعر (٢٣٣): وإن كانت زيارتكم لماما فريشي منكم وهواي معكم وفي الریش والریاش وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد (٢٣٤) وإن اختلف لفظهما. والوجه الثاني : أن معناهما مختلف، فالريش ما بطن، والرياش ما ظهر. ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وفي لباس التقوى سبعة تأويلات (٢٣٥): أحدها: أنه الإيمان، قاله قتادة والسدي. الثاني: الحياة (٢٣٦)، قاله معبد الجهني . والثالث: أنه العمل الصالح، قاله ابن عباس. والرابع: أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان. والخامس: خشية الله، قاله عروة بن الزبير. السادس: ستر العورة للصلاة التي هي التقوى، قاله ابن زيد. والسابع: لبس ما يُتَّقَى به الحر والبرد (٢٣٧)، قاله ابن بحر. (٢٣٣) والشاعر هو جرير والبيت في ديوانه ٥٠٦ وفي كتاب سيبويه ٢ / ٤٥ ونسبه للراعي. (٢٣٤) وحكاه ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٨٢) عن الأكثرين من المفسرين. (٢٣٥) وجمع فيها ابن الجوزي عشرة أقوال (٣/ ١٨٢، ١٨٣). (٢٣٦) كذا هنا والصواب الحياء والتصويب من زاد المسير (٣/ ١٨٣) وزاد نسبة القول لابن الأنباري والطبري . (٢٣٧) ولا تنافي بين هذه الأقوال فهي مندرجة تحت تقوى الله ولهذا قال ابن جرير رحمه الله (١٢ / ٣٧١) وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله ﴿ولباس التقوى﴾ استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه عن معاصيه والعلم بما أمر به من طاعته وذلك بجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن فإن من اتقى الله كان به مؤمناً وبما أمره به عاملاً ومنه خائفاً وله مراقباً ومن أن يُرَى عنه ما يكرهه من عباده مستجيباً ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه فحسن سمته وهديه ورُئيت عليه بهجة الإیمان ونوره أ هـ. ٢١٤ سورة الأعراف الآية - ٢٧ وفي قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وجهان : أحدهما: أنه راجع إلى لباس التقوى ومعنى الكلام أن لباس التقوى خير من الرياش واللباس، قاله قتادة والسدي . والثاني: أنه راجع إلى جميع ما تقدم من ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوارِي سَوْءَاتِكُم وَرِيشاً وَلِبَاسُ التّقْوى﴾ ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرته هو ﴿خَيْرٌ﴾ كله. يَنِىّءَدَمَ لَا يَفْئِنَِّكُمُ الشَّيْطَنُّ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَانَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءٌ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٧ قوله عز وجل: ﴿يَا بَنِي ءَادَمَ لَ يَفيِنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَّا أُخْرَجَ أَبُوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ وهذا خطاب توجه إلى من كان من العرب يطوف بالبيت عرياناً، فقيل لهم لا يفتننكم الشيطان بغروره كما فتن أبويكم من قبل حتى أخرجهما من الجنة، ليكون إشعارهم بذلك أبلغ في الزجر من مجرد النھي . ﴿ینزعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن لباسهما كان أظفاراً تستر البدن فنزعت عنهما وتركت زينة وتبصرة، قاله ابن عباس. الثاني : أن لباسهما کان نوراً، قاله وهب بن منبه. والثالث: أنه نزع عنهما لباسهما من تقوى الله وطاعته، قاله مجاهد. ﴿لِيُرِيَهُمَاسوْ ءَاتِهِمَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أجسادهما من العورة حين خرجا من لباسهما، وهو مقتضى قول ابن عباس. والثاني: سوأة معصيتهما حتى خرجا من تقوى الله وطاعته، وهو معنى قول مجاهد. ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: قومه، وهو قول الجمهور. ٢١٥ سورة الأعراف الآية - ٢٨ - ٣٠ والثاني: جيلُهُ (٢٣٨)، قاله السدي. ﴿مِنْ حَيْثُ لاَتَرَوْنَھُمْ﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: من حيث لا تبصرون أجسادهم. والثاني: من حيث لا تعلمون مكرهم وفتنتهم. وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاءَ ابَآءَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأَقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِلْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ أَمَرَرَبِى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْ عُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ كَمَا بَدَأَ كُمْتَعُدُونَ ◌َ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِ يقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْلشَّيَطِينَ أَوْلِيَآءَ ٢٩ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠ قوله وعز وجل: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَبَاءَنَا﴾ في هذه الآية ثلاثة أقاويل : أحدها: أنها وردت في العرب الذين كانوا يطوفون عراة، والفاحشة التي فعلوها كشف العورة، وهذا قول أكثر المفسرين. والثاني أنها في عبدة الأوثان، والفاحشة التي فعلوها الشرك، قاله الحسن. والثالث أنها اتخاذ البَحِيْرَةِ والسائبة والوصيلة والحام، قاله الكلبي . قوله عز وجل: ﴿قُلْ أُمَرَ رَمِي پِآلْقِسْطِ﴾ فيه وجهان: أحدهما : بالصدق. والثاني : بالعدل. ﴿وَأُقِيمُواْ وُجُوهَكُمُ عِندَ كُلّ مَسْچِدٍ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد. والثاني: معناه اجعلوا سجودكم خالصاً لله تعالى دون ما سواه من الأوثان والأصنام، قاله الربيع بن أنس. (٢٣٨) أي صنفه وجنسه. ٢١٦ سورة الأعراف الآية - ٣١ والثالث: معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمراً بالجماعة لها، ندباً عند الأكثرين، وحتماً عند الأقلين. والرابع: أن أي موضع أدركت فيه وقت الصلاة فصل فيه فإنه مسجد ولا تؤخرها إلى حضور المسجد. ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ یحتمل وجهین: أحدهما: يعني أقروا له بالوحدانية وإخلاص الطاعة. والثاني : ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له الدين. ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فیه أربعة أقاويل: أحدها: کما بدأکم شقیاً وسعیداً، كذلك تبعثون يوم القيامة، قاله ابن عباس. الثاني: كما بدأكم فآمن بعضكم وكفر بعضكم، كذلك تبعثون يوم القيامة، روى أبو سفيان عن جابر (٢٣٩) عن النبي وَله قال: ((تُبْعَثُ كُلُّ نَفْسٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ». والثالث: كما خلقكم ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون بعد الفناء أحياء، قاله الحسن، وابن زید. والرابع: كما بدأكم لا تملكون شيئاً، كذلك تبعثون يوم القيامة . روى سعيد بن جبيرعن ابن عباس عن (٢٤٠) النبيَ ﴿ قال: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرِلاً وَأَوَّلُ مَنْ يُكَسَىْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ))، ثم قرأ ﴿كَمَا بَدَأُنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ◌َيَبَنِيّءَادَمَ خُذُ واْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ٣١ قوله عز وجل: ﴿يَا بِي ءَادَمَ خُذُواْ زِيتَتَكُمُ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن ذلك وارد في ستر العورة في الطواف على ما تقدم ذكره، قاله ابن (٢٣٩) رواه الطبري (١٢ / ٣٨٤) واللفظ له ورواه مسلم (٢١٠/١٧ نووي) وابن ماجة (١٤١٤) و(٤٢٣٠) ولفظه يحشر الناس على نياتهم. (٢٤٠) رواه الطبري (١٢ / ٣٨٦) واللفظ له والبخاري (٣٣٢/٨)، (٣٣١/١١) ومسلم (١٧ / ١٩٣، ١٩٤) نووي وأحمد برقم (١٩٥٠، ٢٠٢٧)، والنسائي (٤ / ١١٧). وسيأتي هذا الحديث مرة أخرى. ٢١٧ سورة الأعراف الآية - ٣٢ عباس، والحسن، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم. والثاني: أنه وارد في ستر العورة في الصلاة، قاله مجاهد، والزجاج. والثالث: أنه وارد في التزين بأجمل اللباس في الجمع والأعياد. والرابع: أنه أراد به المشط لتسريح اللحية. ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ يعني ما أحله الله لكم. ويحتمل أن يكون هذا أمر بالتوسع في الأعياد. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسُرِفِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تسرفوا في التحريم، قاله السدي . والثاني : معناه لا تأكلوا حراماً فإنه إسراف، قاله ابن زید. والثالث: لا تسرفوا في أكل ما زاد على الشبع فإنه مضر، وقد جاء في الحديث: ((أَصْلُ كُلّ دَاءٍ البردة)) (٢٤١)، يعني التخمة. ويحتمل تأويلاً رابعاً: لا تسرفوا في الإنفاق. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يحب أفعالهم في السرف. والثاني : لا يحبهم في أنفسهم لأجل السرف. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِالَّتِى أَخْرَجَ ◌ِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ ٣٢ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قوله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيّ أُخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ يعني ستر العورة رداً على تركها من العرب في الطواف. ويحتمل ثانياً: أن يريد زينتها في اللباس. ثم قال: ﴿وَالطَّاتِ مِنَ آلرِّزْقِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا يحرمون في الإحرام (٢٤٢) أكل السمن واللبن، قاله ابن زيد، والسدي . (٢٤١) رواه ابن السي وأبو نعيم عن أنس مرفوعاً وروياه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري مثله كما في الدر المنثور (٣ / ٤٤٥) والله أعلم بحال سنديهما. (٢٤٢) قال الشوكاني في فتح القدير (٢ / ٢٠٠)، وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري ولقد أخطأ من آثر لباس ٢١٨ سورة الأعراف الآية - ٣٣ والثاني: أنها البحَيْرَةُ والسائبة التي حرموها على أنفسهم، قاله الحسن، وقتادة. وفي طيبات الرزق قولان: أحدهما: أنه المستلذ. والثاني : أنه الحلال. ﴿قُلْ هِيَ للَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني أن الذين آمنوا في الحياة الدنيا لهم الطيبات من الرزق يوم القيامة لأنهم في القيامة يختصون بها وفي الدنيا قد یشرکهم الكفار فيها . وفي قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وجهان: أحدهما: خالصة لهم من دون الكفار. والثاني : خالصة من مضرة أو مأثم. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوْبِاللَّهِ مَا لَمْ يَزِّ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ ٣٣ قوله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ فيه وجهان : أحدهما: أن الفواحش: الزنى خاصة، وما ظهر منها: المناكح الفاسدة، وما بطن: الزنى الصريح. والثاني: أن الفواحش: جميع المعاصي، وما ظهر منها: أفعال الجوارح، وما بطن: اعتقاد القلوب. ﴿وَأَلْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الإثم الخيانة في الأمور، والبغي : التعدي في النفوس. الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله ومن آكل البقول العدس واختاره على خبز البر ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض الشهوة أهـ. ٢١٩ سورة الأعراف الآية - ٣٤ - ٣٦ والثاني: الإثم (٢٤٣): الخمر، والبغي: السكر، قال الشاعر: (٢٤٤). شربت الإثم حتى ضَلُّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول وسمي الخمر بالإثم، والسكر بالبغي لحدوثه عنهما. یمے وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ الْتَّايَنِىّ ءَادَمَ إِمَّ يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَتِكَ ٣٥ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ قوله عز وجل: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ولكل أمة كتاب فيما قضاه الله عليهم من سعادة أو شقاوة، من عذاب أو رحمة، قاله جویبر. الثاني: ولكلٍ نبي يدعوهم إلى طاعته وينهاهم عن معصيته، قاله معاذ بن جبل. والثالث: لكل أمة أجل فيما قدره الله من حياة، وقضاه عليهم من وفاة. ويحتمل رابعاً: ولكل أمة مدة يبقون فيها على دينهم أن يحدثوا فيه الاختلاف. ﴿فِإِذَا جَاءَ أُجَلُهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أجل موتهم. الثاني : أجل عذابهم، قاله جويبر. ﴿لَا يَسْتَأْخِرُ ونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا یزید أجل حیاتھم ولا ينقص. والثاني: لا يتقدم عذابهم ولا يتأخر. (٢٤٣) قال الشوكاني رحمه الله (٢ / ٢٠١) وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل الإثم خاصاً بالخمر قال النحاس فأما أن يكون الإثم بالخمر فلا يعرف ذلك وحقيقته أنه جميع المعاصي م هـ راجع زاد المسير (٣/ ١٩١) وروح المعاني (٨/ ١١٢). (٢٤٤) زاد المسير (١٩٢/٣) وفتح القدير (٢ / ٢٠١) وروح المعاني (١١٢/٨). ٢٢٠