النص المفهرس
صفحات 61-80
سورة المائدة الآية - ٨٩
والأصح من إطلاق هذين القولين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحلها ،
فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يكون عقدها وحلها معصية كقوله : والله لا قَتَلْتُ نفساً ولا
شربت خمراً ، فإذا حنث فقتل النفس ، وشرب الخمر ، كانت الكفارة لتكفير مأثم
الحنث .
والحال الثالثة: أن يكون عقدها مباحاً، وحلها مباحاً كقوله: والله لا لبست هذا
الثوب، فالكفارة تتعلق بهما وهي بالحنث أخص.
ثم قال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والحسن، وابن سيرين.
والثاني: من أَوسطه في القدر، قاله علي، وعمر، وابن عباس، ومجاهد.
وقرأ سعيد بن جبير ﴿مِن وَسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُ﴾
ثم اختلفوا في القدر على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه مُدٌّ واحد من سائر الأجناس ، قاله ابن عمر ، وزيد بن ثابت ،
وعطاء ، وقتادة ، وهو قول الشافعي .
والثاني : أنه نصف صاع من سائر الأجناس ، قاله علي ، وعمر ، وهو
مذهب أبي حنيفة .
والثالث : أنه غداء وعشاء ، قاله علي في رواية الحارث عنه ، وهو قول
محمد بن كعب القرظي ، والحسن البصري :
والرابع : أنه ما جرت به عادة المكفر في عياله ، إن كان يشبعهم أشبع
المساكين ، وإن كان لا يشبعهم فعلى قدر ذلك ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن
جبير .
والخامس : أنه أحد الأمرين من غداء أو عشاء ، قاله بعض البصريين .
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ وفيها خمسة أقاويل :
أحدها : كسوة ثوب واحد ، قاله : ابن عباس ، ومجاهد ، وطاووس،
وعطاء ، والشافعي .
٦١
سورة المائدة الآية - ٨٩
والثاني : كسوة ثوبين ، قاله أبو موسى الأشعري ، وابن المسيب ،
والحسن ، وابن سيرين .
والثالث : كسوة ثوب جامع كالملحفة والكساء ، قاله إبراهيم .
والرابع : كسوة إزار ورداء وقميص ، قاله ابن عمر .
والخامس : كسوة ما تجزىء فيه الصلاة ، قاله بعض البصريين .
ثم قال تعالى : ﴿أُوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ يعني أو فك رقبة من أسر العبودية إلى
حال الحرية والتحرير ، والفك : العتق ، قال الفرزدق :
فوهبتكم لعطية بن جعال (٤٣)
أبني غدانة إنني حررتكم
ويجزىء صغيرها ، وكبيرها ، وذكرها، وأنثاها ، وفي استحقاق أثمانها
قولان :
أحدهما: أنه مستحق ولا تجزىء الكفارة ، قاله الشافعي .
والثاني : أنه غير مستحق ، قاله أبو حنيفة .
ثم قال تعالى : ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ فجعل الله الصوم بدلاً
من المال عند العجز عنه ، وجعله مع اليسار مخيراً بين التكفير بالإِطعام ، أو
بالكسوة ، أو بالعتق ، وفيها قولان :
أحدهما : أن الواجب منها أحدها لا يعينه عند الجمهور من الفقهاء .
والثاني : أن جميعها واجب ، وله الاقتصار على أحدها ، قاله بعض
المتكلمين ، وشاذ من الفقهاء .
وهذا إذا حقق خلف في العبارة دون المعنى .
واختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل :
أحدها : إذا لم يجد قوته وقوت من يقوت صام ، قاله الشافعي .
والثاني : إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام ، قاله سعيد بن جبير .
والثالث : إذا لم يجد درهمين ، قاله الحسن .
(٤٣) ديوانه ٧٢٦ والنقائض ٢٧٥، طبقات فحول الشعراء ٤٢٤.
٦٢
سورة المائدة الآية - ٩٠ - ٩٣
والرابع : إذا لم يجد مائتي درهم صام ، قاله أبو حنيفة .
والخامس : إذا لم يجد فاضلاً عن رأس ماله الذي يتصرف فيه لمعاشه
صام .
وفي تتابع صيامه قولان :
أحدهما : يلزمه ، قاله مجاهد ، وإبراهيم ، وكان أبي بن كعب وعبد الله بن
مسعود يقرآن : ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾.
والثاني : إن صامها متفرقة جاز ، قاله مالك ، والشافعي في أحد قوليه :
﴿ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَقْتُمْ ﴾ يعني وحيثتم ، فإن قيل فلِمَ لَمْ يذكر مع
الكفارة التوبة ؟ قيل : لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثماً توجب التوبة ، فإن
اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم ، وترك العزم على المعاودة .
وَأَحْفَظُوْاْ أَيْمَانَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني احفظوها أن تحلفوا .
والثاني : احفظوها أن تحنثوا .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
فَاجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَرِوَالْمَّيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِالَّهِوَ عَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُمُّنَْهُونَ
وَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِنِ تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُوْ اْأَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاٌ فِيمَا طَعِمُوْإِذَا
الْمُبِينُ هَـ
مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ ثُمَّ أَنَّقَواْوَءَامَنُواْ ثُمَّ أَنَّقَوْ وَأَحْسَنُواْ وَهُحِبُّ
٩٣
المُحْسِنِينَ
، الآية .
قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل :
٦٣
سورة المائدة الآية - ٩٣
أحدها : ما روى ابن اسحاق عن أبي ميسرة قال : قال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه (٤٤): اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في
البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرٍ﴾ فَدُعِيَ عمر فقرئت عليه ، فقال: اللهم
بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿لَا تَقْرَبُواْ
الصَّلاَةَ وَأَنْتُم سُكَارَى﴾ وكان منادي رسول الله وَه إذا حضرت الصلاة ينادي لا
يقربن الصلاة سكران ، فَدُعِيَ عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر
بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله تعالى :
فَهَلْ أَنْتُم مُّتَهُونَ ﴾ فقال عمر : انتهينا ، انتهينا .
والثاني : أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد لاحى رجلاً على شراب ،
فضربه الرجل بلحي جمل ، ففزر أنفه ، قاله مصعب بن سعد .
والثالث : أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشراب فعبث بعضهم
ببعض ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، قاله ابن عباس .
فأما ﴿ الْمَيْسِرُ﴾ فهو القمار.
وأما ﴿ الأنصَابُ ﴾ ففيها وجهان :
أحدهما : أنها الأصنام تعبد ، قاله الجمهور .
والثاني : أنها أحجار حول الكعبة يذبحون لها ، قاله مقاتل .
وأما ﴿ الأزْلَمُ ﴾ فهي قداح من خشب يُسْتَقْسَمُ بها على ما قدمناه .
(٤٤) رواه الطبري برقم ١٢٥١٢ وأحمد برقم ٣٧٨ وأبو داود برقم ٣٦٧٠ والنسائي في سننه (٢٨٦/٨،
٢٨٧) والترمذي في كتاب التفسير (٤١٥/٨) تحفة. والحاكم ٢ : ٢٧٨ والبيهقي في السنن
(٢٨٥/٨) وأبو جعفر النحاسي في الناسخ والمنسوخ ٣٩ والواحدي في أسباب النزول ص ١٥٤
وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في ابن كثير (٩٢/٢) من طرق عن ابن إسحق عن أبي ميسرة قال
قال عمر ..... الحديث فذكره .
قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي .
وقد رواه الترمذي من طريق أخرى عن إبن إسحق عن أبي ميسرة مرسلاً ثم قال وهذا أصح من
حديث محمد بن يوسف . يعني أنه أصح مرسلاً . والصواب أن الحديث صحيح متصل السند لأن أبا
ميسرة هو عمرو بن شرحبيل الهمداني سمع من عمر ونقل الحافظ ابن كثير تصحيح علي بن المديني
للحديث .
٦٤
سورة المائدة الآية - ٩٤، ٩٥
قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ يعني حراماً، وأصل الرجس المستقذر الممنوع
منه ، فعبر به عن الحرام لكونه ممنوعاً منه .
ثم قال تعالى: ﴿ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ أي مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به
لأنه لا يأمر إلا بالمعاصي ، ولا ينهى إلا عن الطاعات .
فلما حُرِّمَتِ الخمر قال المسلمون (٤٥): يا رسول الله كيف بإخواننا الذين
شربوها وماتوا قبل تحريمها، فَأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾، يعني من الخمر قبل التحريم، ﴿إِذَا مَا أَتَّقَواْ ﴾
يعني في أداء الفرائض ﴿وَّءَامَنُواْ﴾ يعني بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ﴾:
يعني البر والمعروف، ﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُم أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ﴾ يعني بعمل
النوافل ، فالتقوى الأولى عمل الفرائض ، والتقوى الثانية عمل النوافل .
يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْلِيَبْلُوَنَّكُمُاللَّهُ بِشَىْ ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِ مَا حُكُمْ لِيَعْلَمَ لَهُ
مَنْ يَخَافُ يَالْغَيْبٍ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (® يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا
نَقْتُلُواْالصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَثَلَهُ مِنكُمُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ
◌ِ ذَوَاعَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوَكَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْعَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامَا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَاللّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
ذُو أَنْتِقَامٍ
٩٥
قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ ﴾ في قوله
ليبلونكم تأويلان :
أحدهما : معناه لَيُكَلِّفَنَّكُم .
الثاني : لَيَخْتَبِرَنَّكُم ، قاله قطرب ، والكلبي .
(٤٥) رواه الطبري مختصراً برقم ١٢٥٢٨ ومطولاً ١٢٥٢٩ والطيالسي برقم ٧١٥ والترمذي في كتاب
التفسير وصححه وزاد السيوطي في الدر (١٧٢/٣) نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن حبان وأبي
الشيخ وابن مردويه كلهم من طريق أبي إسحق عن البراء ..... الحديث .
٦٥
سورة المائدة الآية - ٩٤، ٩٥
وفي قوله : ﴿مِّنَ الصَّيْدِ ﴾ قولان :
أحدهما : أن ﴿ مِّنَ ﴾ للتبعيض في هذا الموضع لأن الحكم متعلق بصيد
البَّرِّ دون البحر ، وبصيد الحرم والإِحرام دون الحل والإِحلال .
والثاني : أن ﴿مِّنَ ﴾ في هذا الموضع داخلة لبيان الجنس نحو قوله تعالى:
اجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] قاله الزجاج.
تَتَلُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : ما تناله أيدينا : البيض ، ورماحنا : الصيد ، قاله مجاهد .
والثاني : ما تناله أيدينا : الصغار ، ورماحنا : الكبار ، قاله ابن عباس .
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن معنى ليعلم الله : ليرى ، فعبر عن الرؤية بالعلم لأنها تؤول
إليه ، قاله الكلبي .
والثاني : ليعلم أولياؤه من يخافه بالغيب .
والثالث : لتعلموا أن الله يعلم من يخافه بالغيب .
والرابع : معناه لتخافوا الله بالغيب ، والعلم مجاز، وقوله : ﴿ بِالْغَيْبِ
يعني بالسر كما تخافونه في العلانية .
فَمَنِ اعْتَدَیْ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ یعني فمن اعتدى في الصيد بعد ورود النهي .
فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي مؤلم ، قال الكلبي : نزلت يوم الحديبية وقد غشي
الصيد الناس وهم محرمون .
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فيه ثلاثة
تأويلات :
أحدها : يعني الإِحرام بحج أو عمرة ، قاله الأكثرون .
والثاني : يعني بالحرم الداخل إلى الحرم ، يقال أحرم إذا دخل في الحرم ،
وأَتْهَمَ إذا دخل تهامة ، وأَنْجَدَ إذا دخل نجد ، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر
الحرم . قاله بعض البصريين.
٦٦
سورة المائدة الآية - ٩٤، ٩٥
والثالث : أن اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز
من أحرم بحج أو عمرة أو دخل الحرم ، وحكم قتل الصيد فيهما على سواء بظاهر
الآية ، قاله علي بن أبي هريرة .
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : متعمداً لقتله ، ناسياً لإِحرامه ، قاله مجاهد ، وإبراهيم ، وابن
جريج .
والثاني : متعمداً لقتله ذاكراً لإِحرامه ، قاله ابن عباس ، وعطاء ، والزهري .
واختلفوا في الخاطىء في قتله الناسي لإِحرامه على قولين :
أحدهما : لا جزاء عليه ، قاله داود .
الثاني : عليه الجزاء ، قاله مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة .
فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ يعني أن جزاء القتل في الحرم أو الإِحرام
مثل ما قتل من النعم .
وفي مثله قولان :
أحدهما : أن قيمة الصيد مصروفة في مثله من النعم ، قاله أبو حنيفة .
والثاني : أن عليه مثل الصيد من النعم في الصورة والشبه قاله الشافعي .
﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ يعني بالمثل من النعم ، فلا يستقر المثل فيه
إلا بحكم عدلين فقيهين ، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما .
﴿ هَدْيَاً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ يريد أن مثل الصيد من النعم يلزم إيصاله إلى الكعبة ،
وعنى بالكعبة جميع الحرم ، لأنها في الحرم .
واختلفوا هل يجوز أن يهدي في الحرم ما لا يجوز في الأضحية من صغار
الغنم على قولين :
أحدهما : لا يجوز قاله : أبو حنيفة .
الثاني : يجوز ، قاله الشافعي .
﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾ فيه قولان :
٦٧
سورة المائدة الآية - ٩٤، ٩٥
أحدهما : أنه يُقَوِّم المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعاماً ، قاله عطاء ،
والشافعي .
الثاني : يقوِّم الصيد ويشتري بالغنيمة طعاماً ، قاله قتادة ، وأبو حنيفة .
﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً ﴾ يعني عدل الطعام صياماً، وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها : أنه يصوم عن كل مد يوماً ، قاله عطاء ، والشافعي .
والثاني : يصوم عن كل مد ثلاثة أيام ، قاله سعيد بن جبير .
والثالث : يصوم عن كل صاع يومين ، قاله ابن عباس .
واختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة ، هل هو على الترتيب أو التخيير على
قولين :
أحدهما : أنه على الترتيب ، إن لم يجد المثل فالإِطعام ، فإن لم يجد
الطعام فالصيام ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعامر ، وإبراهيم ، والسدي .
والثاني : أنه على التخيير في التكفير بأي الثلاثة شاء ، قاله عطاء ، وهو أحد
قولي ابن عباس ، ومذهب الشافعي .
لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ يعني في التزام الكفارة ، ووجوب التوبة.
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ﴾ يعني قبل نزول التحريم.
وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني ومن عاد بعد التحريم ، فينتقم الله منه بالجزاء عاجلاً،
وعقوبة المعصية آجلاً .
والثاني : ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله ، فينتقم الله
منه .
وعلى هذا التأويل قولان :
أحدهما : فينتقم الله منه بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء ، قاله ابن عباس ،
وداود .
والثاني : بالجزاء مع العقوبة ، قاله الشافعي ، والجمهور .
٦٨
سورة المائدة الآية - ٩٦ - ٩٩
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِ
جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ
مَادُ مْتُمْ حُرُمًا وَأَتَّقُواْاللّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾
اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اُلْحَرَامَ وَالْهَدِىَ وَالْقَلَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ
٩٧
مَّا عَلَى الرَّسُولِ
أَعْلَمُوَ أْأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
إِلَّا الْبَلَغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٩٩
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني صيد الماء سواء كان من بحر
أو نهر أو عين أو بئر فصيده حلال للمحرم والحلال في الحرم والحل .
﴿ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ في طعامه قولان :
أحدهما : طافِيهِ وما لَفَظَه البحر ، قاله أبو بكر ، وعمر ، وقتادة .
والثاني : مملوحة ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن
المسيب .
وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ يعني منفعة للمسافر والمقيم.
وحكى الكلبي أن هذه الآية نزلت في بني مدلج ، وكانوا ينزلون بأسياف البحر ،
سألوا عما نضب عنه الماء من السمك ، فنزلت هذه الآية فيهم .
قوله تعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامَاً لِّلنَّاسِ ﴾ في تسميتها
كعبة قولان :
أحدهما : سميت بذلك لتربيعها ، قاله مجاهد .
والثاني : سميت بذلك لعلوها ونتوئها من قولهم : قد كعب ثدي المرأة إذا
علا ونتأ ، وهو قول الجمهور .
وسميت الكعبة حراماً لتحريم الله تعالى لها أن يصاد صيدها ، أو يختلى
خلاها ، أو يعضد شجرها (٤٦)
(٤٦) مضى تخريج الحديث في ذلك .
٦٩
سورة المائدة الآية - ١٠٠ - ١٠٢
وفي قوله تعالى: ﴿قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ ثلاثة تأويلات:
أحدها : يعني صلاحاً لهم ، قاله سعيد بن جبير .
والثاني : تقوم به أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم .
والثالث : قياماً في مناسكهم ومتعبداتهم .
قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْاللَّهَ يَأُوْلِ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَسْئَلُواْ عَنْ
١٠٠
اُلْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (
علے
أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمُّعَفَا
اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُوُ حَلِيهُ لَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ ثُمَّأَصْبَحُواْبِهَا
١٠٢
كَفِرِينَ
قوله تعالى: ﴿ قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ﴾ فيه ثلاث تأويلات :
أحدها : يعني الحلال والحرام ، قاله الحسن .
والثاني : المؤمن والكافر ، قاله السدي .
والثالث : الرديء والجيد.
﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعني أن الحلال والجيد مع قلتهما خير وأنفع
من الحرام والرديء مع كثرتهما .
قال مقاتل : نزلت هذه الآية في حُجَّاجِ اليمامة وقد هَمَّ المسلمون بأحدهم .
قوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾
اختلف أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : ما روى أنس بن مالك قال (٤٧): سأل الناس رسول الله وَل حتى
(٤٧) رواه الطبري مطولاً ومختصراً (٩٩/١١) والسياق له ورواه مسلم (١٤/١٥، ١٥) وزاد
السيوطي نسبته في الدر (٢٠٤/٣) لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه . وابن المنذر وعبد بن
حميد وبنحوه عن أبي هريرة مرفوعاً رواه الطبري (١٠٣/١٠) وفي سنده عبد العزيز بن أبان الأموي
وهو كذاب يضع .
٧٠
سورة المائدة الآية - ١٠٠ - ١٠٢
الحفوه بالمسألة ، فصعد المنبر ذات يوم فقال: ((لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيءٍ إِلَّ بَيِّنْتُ
لَكُمْ)) قال أنس: فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فأرى كل الناس لاق ثوبه في رأسه
يبكي ، فسأل رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال : يارسول الله مَنْ أبي ؟
فقال: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ))، فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد
عليه السلام رسولاً عائذاً بالله من سوء الفتن، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ
أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾.
والثاني : ما روى الحسن بن واقد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة
قال (٤٨): خطبنا رسول الله وَ ﴿ فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ
فَحِجُوا)) فقام محصن الأسدي وقال: في كل عام يا رسول الله؟ فقال: ((أَمَا إِنِّي
لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلِلْتُمْ، اسْكُتُوا عَنِّي مَا سَكَتُّ
عَنْكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ واخْتِلافِهِم عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)) فأنزل
الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْأَلُوا
والثالث : أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله وَلقر على البحيرة والسائبة
والوصيلة والحام ، قاله ابن عباس .
وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ جعل نزول القرآن عند
السؤال موجباً بتعجيل الجواب .
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ فيها قولان :
أحدهما : عن المسألة .
والثاني : عن الأشياء التي سألوا عنها .
قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أُصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ فيه أربعة
تأويلات :
(٤٨) رواه الطبري مطولاً (١٠٥/١١ برقم ١٢٨٠٥) ومختصراً (برقم ١٢٨٠٦) وفيه فقام عكاشة بن
محصن الأسدي بدلاً من محصن الأسدي ورواه أحمد في مسنده (٢ : ٤٤٧، ٤٤٨) وليس فيه ذكر
الحج ولا السؤال ولا ذكر السائل. ورواه في (٢: ٤٥٦، ٤٥٧) (٢: ٤٦٧)، (٢: ٥٠٨) فيه
ذكر الحج والسؤال والسائل رجل مبهم .
ومن طريق أحمد رواه مسلم ( ٩ : ١٠٠) والبخاري مختصراً (١٣: ٢١٩ - ٢٢٤) فتح والبيهقي
في السنن (٤: ٣٢٥، ٤٢٦) وزاد السيوطي نسبته في الدر (٢٠٦/٣) لأبي الشيخ وابن مردويه .
٧١
سورة المائدة الآية - ١٠٣، ١٠٤
أحدها : قوم عيسى سألوه المائدة ، ثم كفروا بها ، قاله ابن عباس :
والثاني : أنهم قوم صالح سألوا الناقة ، ثم عقروها وكفروا به .
والثالث: أنهم قريش سألوا رسول الله وَلّ أن يحوّل لهم الصفا ذهباً، قاله
السدي .
والرابع: أنهم القوم الذين سألوا رسول الله وَّ مَنْ أبي؟ ونحوه، فلما
أخبرهم به أنكروه وكفروا به ، قاله بعض المتأخرين .
مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَأَبِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْيَفْتَرُونَ
عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (*) وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْإِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ
ج.
وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْكَانَءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
١٠٤
شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَ سَآئِيَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلَ حَامٍ ﴾
يعني ما بحر الله من بحيرة ، ولا سيب سائبة ، ولا وصل وصيلة ، ولا حمى
حامياً .
روى أبو صالح عن أبي هريرة قال(٤٩): سمعت رسول الله وَليل يقول لأكثم
ابن جون: ((يَا أَكْثَمُ رَأَيْتُ عَمْرِو بْنَ لُحَيِّ بْنَ قَمْعَةَ بْنَ خَنْدَف يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ ،
فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَ بِهِ مِنْكَ)) فقال أكثم : أخشى أن يضرني
شبهه يا رسول الله، فقال: ((لَاَ إِنَّكَ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَّرَ دِينَ
إِسْمَاعِيلَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِيَةَ، وحَمَىْ الحَامِي )).
ومعنى قوله يجر قصبه في النار ، يعني أمعاءه ، والبحيرة : الفصلة من قول
القائل ، بحرت أذن الناقة إذا شقها ، ومنه قول الأبیرد :
... كأنه جمل بحير
وأمسى فيكم عمران يمشي
(٤٩) رواه الطبري (١١٨/١١) ونسبه الحافظ في الإصابة في ترجمة أكثم بن الجون لابن أبي عروبة
وابن منده وما في الرواية من قوله ((أخشى أن يضيرني شبه)) تصحيف إنما هو («عسى أن يضيرني
شبه)) والتصحيح من الطبري (١١٩/١١).
٧٢
سورة المائدة الآية - ١٠٤
وقد روى أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال(٥٠): دخلت على رسول
الله ◌َّ فِقال ◌َ: (( أَرَأَيْتَ إِبَلَكَ تَكُونُ مُسَلَّمَةً آذَانُهَا فَتَأْخُذَ الْمُوسَى فَتَجْدَعَهَا تَقُولُ
هَذِهِ بَحِيْرَةٌ، وَتَشُقُّونَ آذَانَهَا تَقُولُونَ هَذِهِ بَحِيْرَةٌ)). قال: فإن ساعِدَ الله أشدُّ ،
وموسى الله أحد ، كل مالك لك حلال لا يحرم عليك منه شيء .
وفي البحيرة ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن البحيرة الناقة إذا ولدت خمسة أبطن ، فإن كان الخامس ذكراً
أكلته الرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى بحروا أذنها أي شقوها ، وتركت ، فلا
يشرب لها لبن ، ولا تنحر ، ولا تركب ، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء ،
قاله عكرمة .
والقول الثاني : البحيرة الناقة التي تنجب خمسة أبطن ، فكان آخرها ميتاً
ذكراً شقوا أذن الناقة وخلوا عنها ، فلا تُحْلَب وَلاَ تُرْكَب تحرجاً ، قاله أبو عبيدة .
والقول الثالث : أن البحيرة بنت السائبة ، قاله أبو إسحاق ، وأما السائبة ،
فإنها المسيبة المخلاة وكانت العرب تفعل ذلك ببعض مواشيها فتحرم الانتفاع بها
على أنفسها تقرباً إلى الله تعالى ، قال الشاعر :
عقرتم ناقة كانت لربي وسائبة فقوموا للعقاب
وكذا كان بعض أهل الإِسلام يعتق عبده سائبة ، ولا ينتفع به ولا بولائه ،
وكان أبو العالية سائبة ، فلما أتِي مولاه بميراثه فقال : هو سائبة وأبى أن يأخذه .
وأخرجت المسيبة بلفظ السائبة ، كما قيل في عيشة راضية يعني مرضية ،
وفي السائبة قولان :
أحدهما : أنها الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سُيِّبَتْ فلم
يُرْكَب ظهرِها ولم يُجَزّ وبرها ولم يَشْرَب لبنَها إلا ضيفٌ ، وما نتجت بعد ذلك من
انثى شق أَذْنُها ، وسميت بحيرة، وخُلَِّتْ مع أمها ، قاله محمد بن إسحاق .
والقول الثاني : أنهم كانوا ينذرون السائبة عند المرض فيسيب الرجل بعيره
(٥٠) رواه الطبري برقم ١٢٨٢٥، ١٢٨٢٦ والطيالسي مطولاً برقم ١٣٠٣، وأحمد ٣ : ٤٧٣ والبيهقي
في السنن ( ١٠ : ١٠ ) كلهم من حديث عبد الله بن مسعود .
٧٣
سورة المائدة الآية - ١٠٥ - ١٠٨
ولا يركب ، ولا يجلى عن ماء كالبحيرة ، قاله أبو عبيدة .
أما الوصيلة فأجمعوا على أنها من الغنم ، وفيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نُظِرَ في البطن السابع فإن كان جَدْياً
ذبحوه ، فأكل الرجال دون النساء ، فقالوا هذا حلال لذكورنا ، حرام على أزواجنا
ونسائنا ، وإن كان عناقاً سرحت في غنم الحي ، وإن كان جَدْياً وعناقاً ، قالوا
وصلت أخاها فسميت وصيلة ، قاله عكرمة .
القول الثاني : أنها الشاة إذا أتأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيهن
ذكر ، جعلت وصيلة ، فقالوا قد وصلت ، وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون
الإِناث ، قاله محمد بن إسحاق .
والقول الثالث : أن العرب كانت إذا ولدت الشاة لهم ذكراً قالوا هذا لآلهتنا
فيتقربون به ، وإذا ولدت أنثى قالوا هذه لنا ، وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت
أخاها فلم يذبحوه لمكانها ، قاله أبو عبيدة .
وأما الحام ففيه قول واحد أجمعوا عليه وهو البعير ينتج من صلبه عشرة
أبطن ، فيقال حمى ظهره ويخلَّى .
يَّأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ إِلَى اللَّهِ
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْشَهَدَةٌ
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِذَوَاعَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْءَاخَرَانٍ
مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبُّمْ فِي الْأَرَضِ فَأَصَبَتَّكُمْ قُصِيبَةُ الْمَوْتِّ تَحْبِسُونَهُمَا
مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَاقُرْبٌِ
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أُسْتَحَقَّا إِثْمًا
وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّآ إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ(
فَفَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ
لَشَهَدَنُنَآ أَحَقٌّ مِن شَهِدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ { ذَلِكَ
٧٤
سورة المائدة الآية - ١٠٨
أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْبِالشَّهَدَةٍ عَلَى وَجْهِهَا أَوْيَخَافُواْأَنْ تُرَدَّأَيْمَنٌ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
١٠٨
وَأَسْمَعُوْ أُوَ اللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ... ) في قوله: ﴿شَهَادَةُ .
بَيْنِكُمْ ﴾ ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنها الشهادة بالحقوق عند الحكام .
والثاني : أنها شهادة الحضور للوصية .
والثالث : أنها أيمان ، ومعنى ذلك أيمان بينكم ، فعبر عن اليمين بالشهادة
كما قال في أيمان المتلاعنين : ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ ﴾ .
وفي قوله تعالى: ﴿ ... أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ تأويلان:
أحدهما : يعني من المسلمين ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
والثاني : من حي المُوصِي ، قاله الحسن ، وسعيد بن المسيب ، وعكرمة .
وفيهما قولان :
أحدهما : أنهما شاهدان يشهدان على وصية المُوصِي .
والثاني : أنهما وصيان .
﴿ أُوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : من غير دينكم من أهل الكتاب ، قاله ابن عباس ، وأبو موسى ،
وسعيد بن جبير ، وإبراهيم ، وشريح .
والثاني : من غير قبيلتكم وعشيرتكم ، قاله الحسن ، وعكرمة ، والزهري ،
وعبيدة .
وفي ﴿ أُوْ ﴾ في هذا الموضع قولان :
أحدهما : أنها للتخيير في قبول اثنين منا أو آخرين من غيرنا .
والثاني : أنها لغير التخيير، وإن معنى الكلام ، أو آخران من غيركم إن لم
تجدوا منکم ، قاله ابن عباس وشريح ، وسعيد بن جبير والسدي .
﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يعني سافرتم .
٧٥
سورة المائدة الآية - ١٠٨
فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ وفي الكلام محذوف تقديره : فأصابتكم مصيبة
الموت ، وقد أسندتم الوصية إليهما .
ثم قال تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ ﴾ يعني تستوقفونهما للأيمان
وهذا خطاب للورثة ، وفي هذه الصلاة ثلاثة أقوال :
أحدها : بعد صلاة العصر، قاله شريح ، والشعبي ، وسعيد بن جبير
وقتادة .
والثاني : من بعد صلاة الظهر ، والعصر ، قاله الحسن .
والثالث : من بعد صلاة أهل دينهما ومِلَّتِهِمَا من أهل الذمة ، قاله ابن
عباس ، والسدي .
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ أَرْتَبْتُمَ لاَ تَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ﴾ معناه فيحلفان بالله إن ارتبتم
بهما ، وفيهما قولان :
أحدهما : أنهما الوصيان إن ارتبتم بهما في الخيانة أُحْلَفَهُمَا الورثة .
والثاني : أنهما الشاهدان إن ارتبتم بهما، ولم تُعْرَفْ عدالتهما ، ولا
جرحهما ، أحلفهما الحاكم ليزول عنه الارتياب بهما ، وهذا إنما جوزه قائل هذا
القول في السفر دون الحضر .
وفي قوله تعالى : ﴿لَا تَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ تأويلان:
أحدهما : لا نأخذ علیه رشوة ، قاله ابن زید .
والثاني : لا نعتاض عليه بحق .
﴿ وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي لا نميل مع ذي القربى في قول الزور، والشهادة
بغير حق .
﴿ وَلاَ تَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ ﴾ يعني عندنا فيما أوجبه علينا .
قوله تعالى : ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىْ أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْماً﴾ يعني فإن ظهر على أنهما
كَذَبَا وخَانًا ، فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما .
وفي الذين: ﴿عُثِرَ عَلَىْ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّا إِثْماً ﴾ قولان:
٧٦
سورة المائدة الآية - ١٠٩
أحدهما : أنهما الشاهدان ، قاله ابن عباس .
والثانى : أنهما الوصيان ، قاله سعيد بن جبير .
فَاخَرَان ﴾ يعني من الورثة .
﴿ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ في اليمين ، حين ظهرت الخيانة .
مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهُمُ الْأُوْلَيَانِ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : الأوليان بالميت من الورثة ، قاله سعيد بن جبير .
والثاني : الأوليان بالشهادة من المسلمين ، قاله ابن عباس وشريح .
وكان سبب نزول هذه الآية ما روى عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن
ابن عباس(٥١) قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدّاء،
فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم ، فلما قدما بتركته ، فقدوا جاماً من فضة
مُخَوَّصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله وَّر، ثم وجد الجام بمكة ، وقالوا اشتريناه
من تميم الداري ، وعدي بن بدّاء، فقام رجلان من أولياء السهمي فَحَلّفَا :
لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ وأن الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزل: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاللَّهُ لَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ ﴾ .
ثم اختلفوا في حكم هاتين الآيتين هل هو منسوخ أو ثابت .
فقال ابن عباس حكمهما منسوخ . قال ابن زيد : لم يكن الإِسلام إلا
بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب وهو اليوم طبق الأرض .
وقال الحسن : حكمهما ثابت غير منسوخ .
﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُحِبْتُمْ قَالُواْ لَ عِلْمَ لَنَإِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ
اُلْغُيُوبِ
١٠٩
(٥١) رواه الطبري والسياق له (١٨٥/١١) والبخاري في صحيحه ( ٥ : ٣٠٧ - ٣٠٩) فتح وأبو داود
برقم (٣٦٠٦) والبيهقي في السنن ١٠: ١٦٥ وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٣٣
والترمذي في كتاب التفسير وقال حسن غريب . وزاد السيوطي في الدر (٢٢١/٣) نسبته للبخاري
في التاريخ وابن المنذر والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه .
٧٧
سورة المائدة الآية - ١١٠
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَ عِلْمَ لَنْآَ ﴾ .
في قوله : ﴿لَ عِلْمَ لَنّا ﴾ خمسة تأويلات :
أحدها : لم يكن ذلك إنكاراً لِمَا علموه ولكن ذهلوا عن الجواب من هول
ذلك اليوم ثم أجابوا بعدما ثابت عقولهم ، قاله الحسن ، والسدي .
والثاني : لا علم لنا إلا ما علمتنا ، قاله مجاهد .
والثالث : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا ، قاله ابن عباس .
والرابع : لا علم لنا بما أجاب به أممنا ، لأن ذلك هو الذي يقع عليه
الجزاء ، وهو مروي عن الحسن أيضاً .
والخامس: أن معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي ماذا عملوا بعدكم ﴿قَالُواْ لَ
عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوْبِ ﴾ قاله ابن جريج .
وفي قوله : ﴿ عَلَّمُ الْغُيُوْبِ ﴾ تأويلان:
أحدهما : أنه مبالغة .
والثاني : أنه لتكثير المعلومات .
فإن قيل : فلم سألهم عما هو أعلم به منهم ؟ فعليه جوابان :
أحدهما : أنه إنما سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم
وكذبهم عليهم من بعدهم .
والثاني : أنه أراد أن يفضحهم بذلك على الأشهاد ليكون ذلك نوعاً من
العقوبة لهم .
إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ
بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلٌ وَإِذْتَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِىِ
فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِىُّ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ
تُخْرِجُ الْمَوْنَى بِإِذْنِىّ وَإِذْكَفَفْتُ بَنِىَ إِسْرَّءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم
٧٨
سورة المائدة الآية - ١١١،١١٠
وَإِذْ أَوْحَيْتُ
١١٠
بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ وْمِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}
إِلَى الْحَوَارِ عِنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِ قَالُوَاْءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... ﴾
وإنما ذكَّر الله عيسى عليه السلام نعمته عليه وعلى والدته ، وإن كان لهما ذاكراً
لأمرين :
أحدهما : ليتلو على الأمم ما خصه به من الكرامة ومَيّزَه به من علو المنزلة .
والثاني : ليؤكد به حجته ویرد به جاحده .
ثم أخذ تعالى في تعديد نعمه فقال : ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ يعني
قويتك ، مأخوذ من الأيد وهو القوة ، وروح القدس جبريل ، والقدس هو الله تعالى
تقدست أسماؤه .
وتأییدہ لہ من وجھین :
أحدهما : تقويته على أمر دينه .
والثاني : معونته على دفع ظلم اليهود والكافرين له .
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أما كلامه لهم في المهد إنما اختص
بتعريفهم حال نبوته، ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّأُ وَجَعَلَنِي
مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]
وكلامه لهم كهلاً دعاؤهم إلى ما أمر الله به من الصلاة والزكاة ، وذلك حين
صار ابن ثلاثين سنة وإن كان مبعوثاً حين ولد ، فمكث فيهم ثلاثين سنة ثم رفعه
الله ، ولم يبعث الله نبياً حين ولد غيره ولذلك خصه الله بالكلام في المهد صبياً .
ثم قال تعالى : ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُك الكِتَابَ ﴾ وفيه تأويلان :
أحدهما : يريد الخط .
والثاني : يريد الكتب فعبر عنها بالكتاب إرادة للجنس .
ثم فصل فقال تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ ﴾ وفيها تأويلان:
أحدهما : أنها العلم بما في تلك الكتب .
٧٩
سورة المائدة الآية - ١١١،١١٠
والثاني : أنها جمیع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه .
ثم قال تعالى : ﴿ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ يريد تلاوتهما وتأويلهما .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْفَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ
طَيْرَاً بِإِذِنِي﴾ يعني بقوله: ﴿تَخْلُقُ﴾ أي تفعل وتصور من الطين مثل صورة
الطير ، لأن الخلق فعل لكن على سبيل القصد والتقدير من غير سهو ولا مجازفة
ولذلك وُصِفَتْ أفعال الله تعالى بأنها مخلوقة لأنها لا تكون إلا عن قصد وتقدير
ووصفت بعض أفعال العباد بأنها مخلوقة إذا كانت مقدرة مقصودة ولم توصف
جميعها بهذه الصفة لجواز كون بعضها سهواً أو مجازفة .
وقوله تعالى : ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ يعني الروح ، والروح جسم.
وفي المُتَوَلِّي لنفخها وجهان :
أحدهما : أنه المسيح ينفخ الروح في الجسم الذي صوره من الطين كصورة
الطير .
والثاني : أنه جبريل .
وقوله تعالى : ﴿فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ﴾ يعني أن الله تعالى يقلبها بعد نفخ
الروح فيها لحماً ودماً ، ويخلق فيها الحياة ، فتصير طيراً بإذن الله تعالى وأمره ، لا
بفعل المسيح .
ثم قال تعالى: ﴿وَتُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ أي تدعوني أن أبرىء
الأكمه والأبرص ، فأجيب دعاءك وأبرئهما ، وهو فعل الله تعالى، وإنما نَسَبَهُ إلى
المسيح مجازاً لأن فعله لأجل دعائه .
ثم قال تعالى : ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ يعني واذكر نعمتي عليك، إذ
تدعوني أن أحيي الموتى ، فأجيب دعاءك ، حتى تخرجهم من القبور أحياء ،
ونسب إليه ذلك توسعاً أيضاً لأجل دعائه ، ويجوز أن ينسب إخراجهم إليه حقيقة ،
لأن إخراجهم من قبورهم بعد إحياء الله لهم يجوز أن يكون من فعل المسيح .
قال الكلبي : والذين أحياهم من الموتى رجلان وامرأة .
٨٠
٠