النص المفهرس
صفحات 41-60
سورة المائدة الآية - ٤١ - ٤٤
واختلفوا في التخيير في الحكم بينهم ، هل هو ثابت أو منسوخ ؟ على
قولين :
أحدهما : أنه ثابت وأن كل حاكم من حكام المسلمين مخير في الحكم بين
أهل الذمة بين أن يحكم أو يدع ، وهذا قول الشعبي ، وقتادة ، وعطاء ،
وإبراهيم .
والقول الثاني : أن ذلك منسوخ ، وأن الحكم بينهم واجب على من تحاكموا
إليه من حكام المسلمين، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعمر بن
عبد العزيز، وعكرمة ، وقد نسخه قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
آللَّهُ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَكَيفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ الْتَّورَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ﴾ فيه
قولان :
أحدهما : حكم الله بالرجم .
والثاني : حكم الله بالقود .
{ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : بعد حكم الله في التوراة .
والثاني : بعد تحكيمك .
٠٠
﴿ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ فيه قولان:
أحدهما : أي في تحكيمك أنه من عند الله مع جحودهم نبوتك .
والثاني : يعني في توليهم عن حكم الله غير راضين به .
قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا الَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىًّ وَنُورٌ ﴾ يعني بالهدى الدليل ،
وبالنور البيان .
يَحْكُمُ بِهَا النَّبيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ فيهم قولان :
أحدهما: أنهم جماعة أنبياء منهم محمد وَله .
والثاني: المراد نبينا محمد 18 وحده وإن ذكر بلفظ الجمع .
-
٤١
سورة المائدة الآية - ٤١ - ٤٤
وفي الذي يحكم به من التوراة قولان :
أحدهما : أنه أراد رجم الزاني المحصن ، والقود من القاتل العامد .
والقول الثاني : أنه الحكم بجميع ما فيها من غير تخصيص ما لم يرد به
نسخ .
ثم قال تعالى : ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ يعني على الذين هادوا، وهم اليهود، وفي
جواز الحكم بها على غير اليهود وجهان : على اختلافهم في التزامنا شرائع من قبلنا
إذا لم يرد به نص ينسخ .
ثم قال تعالى: ﴿وَالرَّبَانُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ واحد الأحبار حَبْر بالفتح ، قال
الفراء : أكثر ما سمعت حِبْر بالكسر، وهو العالم ، سُمِّي بذلك اشتقاقاً من
التحبير ، وهو التحسين لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح ، ويحتمل أن يكون
ذلك لأن العلم في نفسه حسن .
ثم قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ ﴾ فيه قولان:
أحدهما : معناه يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله .
والثاني : معناه والعلماء بما استحفظوا من كتاب الله :
وفي ﴿ أَسْتُحْفِظُواْ ﴾ تأويلان:
أحدهما : استودعوا ، وهو قول الأخفش .
والثاني : العلم بما حفظوا ، وهو قول الكلبي .
﴿ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ يعني على حكم النبي ◌َّي أنه في التوراة.
﴿ فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَآَخْشَوْنٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : فلا تخشوهم في كتمان ما أنزلت ، وهذا قول السدي .
والثاني : في الحكم بما أنزلت .
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِّايَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : معناه لا تأخذوا على كتمانها أجراً .
والثاني : معناه لا تأخذوا على تعليمها أجراً .
٤٢
سورة المائدة الآية - ٤٥ - ٤٧
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، ثم قال تعالى:
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ وفي
اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل :
أحدها : أنها واردة في اليهود دون المسلمين ، وهذا قول ابن مسعود ،
وحذيفة ، والبراء ، وعكرمة .
الثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب ، وحكمها عام في جميع الناس ، وهذا
قول الحسن ، وإبراهيم .
والثالث : أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام ، وبالظالمين اليهود ، وبالفاسقين
النصارى ، وهذا قول الشعبي .
والرابع : أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، فهو كافر ، ومن لم
يحكم مقراً به فهو ظالم فاسق ، وهذا قول ابن عباس .
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِآلْأَنْفِ
وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنٍ وَالسِّنَ بِالسِّنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّقَ
بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَّءَ اثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّ قًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ
آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَّةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً
a
لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ
٤٧
أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآية . نزلت في
اليهود من بني قريظة والنضير ، وقد ذكرنا قصتهما .
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه كفارة للجروح ، وهو قول عبد الله بن عمر ، وإبراهيم ،
٤٣
سورة المائدة الآية - ٤٨ - ٥٠
والحسن ، والشعبي ، روى الشعبي عن ابن الصامت (٣١) قال: سمعت رسول الله
رَ﴿ يقول: ((مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ
په)).
والثاني : أنه كفارة للجارح (٣٢)، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه ، وهذا قول
ابن عباس ، ومجاهد ، وهذا محمول على من عفى عنه بعد توبته .
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ عَمَّاجَآءَلَكَ مِنَ الْحَقِّ
لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن
لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ
وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنَزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ
٤٨
بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْنِنُوَكَـ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكٌّ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنََّيُرِبِدُ اللَّهُ
أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ
يَبْغُونُّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٥٠
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقٌّ ﴾ يعني القرآن.
﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ يعني لما قبله من الكتاب وفيه وجهان :
أحدهما: مصدقاً بها ، وهو قول مقاتل .
(٣١) رواه ابن جرير (٣٦٤/١٠) وأحمد (٥: ٣١٦) وصحح إسناداهما الشيخ شاكر في العمدة
(١٦١/٢) وقد أعله البيهقي بالانقطاع بين الشعبي وعبادة بن الصامت وإن كان الإسناد إلى الشعبي
صحيح فالله أعلم .
(٣٢) قال الشيخ أحمد شاكر في العمدة (١٦٠/٢) ((هذا التشريع الثابت بنص القرآن الكريم والذي
أخبرنا الله سبحانه في هذه الآية أنه ثابت في التوراة جعله الإفرنج الكفرة الفجرة مما يتندرون به في
أقوالهم وكتاباتهم يسمونه شريعة الغاب)) !! عن كفرهم بالأديان وإنكارهم للشرائع السماوية حتى
سارت هذه الكلمة المنكرة مثلا ثم يقلدهم الملحدون من المنتسبين للإسلام والجاهلون من
المسلمين لا يدرون أنهم بذلك طعنوا في التشريع الإلهي الثابت في الشرائع السماوية الثلاثة، فليحذر
المسلمون مواطن الزلق ، وليصونوا ألسنتهم وأقلامهم أما الملحدون فهم الملحدون .
٤٤
سورة المائدة الآية - ٥١، ٥٢
والثاني : موافقاً لها ، وهو قول الكلبي .
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني أميناً ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : يعني شاهداً عليه ، وهو قول قتادة ، والسدي .
والثالث : حفيظاً عليه .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ هذا يدل على وجوب الحكم بين أهل
الكتاب إذا تحاكموا إلينا ، وألا نحكم بينهم بتوراتهم ولا بإنجيلهم .
وَلَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ فيهم قولان:
أحدهما: أنهم أمة نبينا محمد دَلتر .
والثاني : أمم جميع الأنبياء .
شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجاً﴾ أما الشرعة فهي الشريعة وهي الطريقة الظاهرة ، وكل ما
شرعت فيه من شيء فهو شريعة ومن ذلك قيل لشريعة الماء شريعة لأنها أظهر طرقه
إليه ، ومنه قولهم : أَشْرِعَتِ الأسنة إذا ظهرت .
وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال طريق نهج ومنهج ، قال الراجز :
مَن يَكُ ذَا شَكٌّ فهذَا فَلْجُ مَاءُ رُوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ (٣٣)
فيكون معنى قوله شرعة ومنهاجاً أي سبيلاً وسنة ، وهذا قول ابن عباس ،
والحسن ، ومجاهد ، وقتادة .
﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : لجعلكم على ملة واحدة .
الثاني : لجمعكم على الحق ، وهذا قول الحسن .
◌َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْأَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن
يَتَوَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَّلِمِينَ ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم
(٣٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١ : ١٩٨، معجم ما استعجم ١٠٢٧ واللسان مادة روى .
٤٥
سورة المائدة الآية - ٥٢، ٥٣
مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ
ج
وَيَقُولُ الَّذِينَ
٥٢
أَوْأَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُواْفِىَ أَنفُسِهِمْنَدِمِينَ
ءَامَنُوْأَّهَؤُلَاءِالَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ
فَأَصْبَحُواْ خَسِرِين
٥٣
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ !
اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في عبادة بن الصامت ، وعبد الله بن أبي بن سلول ،
حين تبرأ عُبادة من حِلْف اليهود وقال : أتولى الله ورسوله حين ظهرت عداوتهم لله
ولرسوله . وقال عبد الله بن أبي: لا أتبرأ من حلفهم وأخاف الدوائر ، وهذا قول
الزهري .
والثاني: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بَعَثَه رسول الله وَّ إلى
بني قريظة لما نقضوا العهد فلما أطاعوا بالنزول على حكم سعد أشار إلى حلقه
إليهم أنه الذبح ، وهذا قول عكرمة .
والثالث : أنها نزلت في رجلين من الأنصار خافا من وقعة أحد فقال أحدهما
لصاحبه : أُلْحَقُ باليهود وأتهود معهم ، وقال الآخر : ألحق بالنصارى فأتنصر
معهم ، ليكون ذلك لهما أماناً من إدالة الكفار على المسلمين ، وهذا قول
السدي (٣٤) .
وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فِإِنَّهُ مِنْهُم ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : موالاتهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر .
والثاني : موالاتهم في الدين فإنه منهم في حكم الكفر ، وهذا قول ابن
عباس .
(٣٤) هذه الأقوال الثلاثة ما بين مرسل ومعضل وكلها في الطبري وقال الطبري لم يصح بواحد من هذه
الأقوال الثلاثة خبر ثبت بمثله حجة اهـ (٣٩٩/١٠).
٤٦
سورة المائدة الآية - ٥٤
قوله تعالى : ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أن المرض الشك وهو قول مقاتل .
والثاني : النفاق ، وهو قول الكلبي .
وفيهم قولان :
أحدهما : المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول ، وهذا قول
عطية بن سعد .
والثاني : أنهم قوم من المنافقين .
﴿ .... يَقُولُونَ نَخْشَىْ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ والدائرة الدولة ترجع عمن انتقلت
إليه إلى من كانت له ، سميت بذلك لأنها تدور إليه بعد زوالها عنه ، ومنه قول
الشاعر :
وَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورًا(٣٥)
يَرُدُّ عَنَّا القَدَرَ الْمَقْدُورَا
﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يريد فتح مكة ، قاله السدي .
والثاني : فتح بلاد المشركين على المسلمين .
والثالث : أنه القضاء الفصل ، ومنه قوله تعالى : ﴿أَفْتَحْ بَيْنَا وَبَيْنَ قَومِنَا
بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، قاله قتادة.
﴿ أَوْ أَمْرِ مِّنْ عِنْدِهِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : هودون الفتح الأعظم .
الثاني : أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين .
الثالث والرابع: أنه الجزية، قاله السدي.
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنِ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأَتِى اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَلَا بِمٍ ذَلِكَ
(٣٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة (١٦٩/١).
٤٧
سورة المائدة الآية - ٥٤ - ٥٦
فَضْلُ اللَّهِيُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴿ إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
٥٥
اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
وَالَّذِينَءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
٥٦
قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم الذين قاتلوا معه أهل الردة ،
قاله : علي ، والحسن ، وابن جريج ، والضحاك .
والثاني : أنهم قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن لأنه كان لهم في
نصرة الإِسلام أثر حسن ، وقد روي أن النبي وَلّ حين نزلت هذه الآية إليه أَوْماً إلى
أبي موسى الأشعري بشيء كان في يده وقال: ((هُمْ قَومُ هَذَا)) (٣٦)، قاله:
مجاهد وشريح .
◌ٍ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يعني أهل رقة عليهم .
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني أهل غلظة عليهم ، يحكى ذلك عن علي،
وابن عباس .
وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غُلُظٍ عَلَى
اُلْكَافِینَ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا ... ) الآية. وفي
هذه الآية قولان :
أحدهما : أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من أصحابه حين
شكوا إلى رسول اللّه وَالقر ما أظهره اليهود من عداوتهم لهم ، قاله الكلبي.
(٣٦) رواه الطبري ( ٤١٤/١٠ برقم ١٢١٨٨، ١٢١٨٩، ١٢١٩٠، ١٢١٩١، ١٢١٩٢ وابن سعد
في الطبقات (١٠٧/٤) والحاكم في المستدرك وصححه (٣١٣/٢) وزاد السيوطي في الدر
(١٠٢/٣) نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي
الشيخ والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وقال الهيثمي في المجمع (١٦/٧ ) رواه
الطبراني ورجاله رجال الصحيح .
٤٨
سورة المائدة الآية - ٥٧ - ٦١
والثاني : أنها نزلت في عُبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود وقال :
أتولى الله ورسوله .
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾
قولان :
أحدهما : أنه علي ، تصدق وهو راكع (٣٧)، قاله مجاهد .
والثاني : أنها عامة في جميع المؤمنين ، قاله الحسن ، والسدي .
وفي قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها : أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم .
والثاني : أنها نزلت فيهم وهم في ركوعهم .
والثالث : أنه أراد بالركوع التنفل ، وبإقامة الصلاة الفرض من قولهم فلان
يركع إذا انتفل بالصلاة .
◌َُهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ
ج
وَإِذَانَا دَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ
٥٧
مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنْ كُنُ مُؤْمِنِينَ!
أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلِعِبَّا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ
مِنَّ إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَّكُمْ فَسِقُونَ(جَقُلْ هَلْ
أَنَبِّئُكُمْ بِشَرِمِن ذَلِكَ مَثُوَبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ
وَإِذَا
٦٠
وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَاً لَّغُوتَّ أُوْلَئِكَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضَلُ عَنِ سَوَآءِالسَّبِيلِ!
جَآءُ وكُمْ قَالُوَاْءَامَنَّا وَقَدَ دَّ خَلُواْ بِالْكُفْرِوَهُمْ قَدْ خَرَ جُواْبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ
(٣٧) وقد ذكر الحافظ ابن كثير عن هذه الآية آثاراً كثيرة وضعفها وبان عن عوارها قال الشيخ أحمد شاكر
(١٨٠/٢) .. هي من أكاذيب الشيعة الذين يلعبون بتأويل القرآن لينسبوا لعلي كرم الله وجهه مآثر
وفضائل غير ثابتة ثم أعجب من ذلك أن يستدلوا بهذه الأكاذيب في هذا الموضع على وجوب إمامة
علي، والزمخشري - على ذكائه - فاتت عليه هذه السخافات وحكاها كأنها حقيقة واقعة جهلاً منه بطرق
الرواية وإثباتها والفخر الرازي على جهله بعلوم الحديث - رفضها رفضاً شديداً ونَدَّدَ بمخترعيها
ومصدقيها .
٤٩
سورة المائدة الآية - ٦١ - ٦٦
( وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَتْسَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ
◌َبِئْسَ مَاكَانُواْ يَصْنَعُونَ ()
قوله تعالى: ﴿وَتَرَىْ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ ﴾ يريد بالإِثم معصية
الله تعالى .
﴿ وَالْعُدْوَانِ ﴾ أي ظلم الناس .
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : الرُّشا .
والثاني : الربا .
﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الْرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ آلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَيْسَ مَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ أي لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لم ينهوهم ، قال ابن عباس
والضحاك : ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية . وكان ابن عباس
يقرؤها : ﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾.
وقوله : ﴿لَوْلاً ﴾ بمعنى هلا .
والربانيون : هم علماء الإِنجيل ، والأحبار : هم علماء التوراة .
ج
وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةُ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواأَ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطِتَانِ يُنْفِقُ
كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرً مِنْهُمْ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ مُغْيَّنًا وَكُفْرًا وَأَلْفَيَّنَا
بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُ وْنَارًا لِّلْحَرْبِ أَلْفَأَهَا الله
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
٦٤
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاُللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ !
الْكِتَبِءَامَنُوا وَأُتَّقَوْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَبِئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ
النَّعِيمِ ﴿ وَلَوْأَنَهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنْزَلَ إِلَيْهِم مِّن رَّتِهِمْ
٥٠
سورة المائدة الآية - ٦٦
لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَ مِن تَحْتِ أَرْ جُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ
مَا يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أي مقبوضة عن العطاء على جهة البخل ، قاله ابن عباس وقتادة .
والثاني : مقبوضة عن عذابهم ، قاله الحسن .
قال الكلبي ومقاتل : القائل لذلك فنحاس وأصحابه من يهود بني قينقاع .
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه قال ذلك إلزاماً لهم البخل على مطابقة الكلام ، قاله الزجاج .
والثاني : أن معناه غلت أيديهم في جهنم على وجه الحقيقة ، قاله الحسن .
وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ قال الكلبي : يعني يعذبهم بالجزية .
ويحتمل أن يكون لَعْنُهم هو طردهم حين أجلوا من ديارهم .
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن اليدين ها هنا النعمة من قولهم لفلان عندي يد أي نعمة ، ومعناه
بل نعمتاه مبسوطتان ، نعمة الدين ، ونعمة الدنيا .
والثاني : اليد ها هنا القوة كقوله تعالى: ﴿أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾
[ص: ٤٥] ومعناه بل قوتاه بالثواب والعقاب .
والثالث : أن اليد ها هنا الملك من قولهم في مملوك الرجل هو : ملك
یمینه ، ومعناه ملك الدنيا ولآخرة
والرابع : أن التثنية للمبالغة في صفة (٣٨) النعمة كما تقول العرب لبيك
وسعديك ، وكقول الأعشى :
(٣٨) اعلم رحمني الله وإياك أن الإمام الماوردي رحمه الله قد نقل الأقوال التي أوردها الطبري كلها إلى
تفسير اليدين وقد ذكر الطبري وليس في إيراد هذه الأقوال من مخالفهُ للتنزيه والتوحيد الموافق للكتاب
والسنّة وقد نحى الإمام الماوردي في هذا الإتجاه اتجاهاً سليماً كما نحاه السلف من قبله كقول
الشافعي: آمنت بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله وَلاير وهذا هو
الصواب في مثل هذه الآيات فعليك باتباع سلف هذه الأمة.
=
٥١
سورة المائدة الآية - ٦٦
وكف إذا ما ضنَّ بالزاد تنفق (٣٩)
يداك يدا مجد فكف مفيدة
﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ یحتمل وجھین :
أحدهما : بمعنى أنه يعطي من يشاء من عباده إذا علم أن في إعطائه مصلحة
دينه .
والثاني : ينعم على من يشاء بما يصلحه في دينه .
﴿وَلَيَزِ يدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أَنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ يعني حسدهم
إياه وعنادهم له .
﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ ﴾ فيه قولان:
أحدهما : أنه عنى اليهود بما حصل منهم من الخلاف .
والثاني : أنه أراد بين اليهود والنصارى في تباين قولهم في المسيح ، قاله
الحسن .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ النَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى
وأوامره لم يزلوا .
والثاني : إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يعني القرآن لأنهم لما خوطبوا
به صار منزلاً عليهم .
لَأكُلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه .
والثاني : لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر ، ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر ،
قاله ابن عباس .
نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله ربما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صل وهذاهو الصواب
في مثل هذه الآيات فعليك باتباع سلف هذه الأمة.
وأما قول المعتزلة بأن اليد بمعنى القدرة فهو غير سائغ قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر ولا نقول يده قدرته.
(٣٩) ديوانه : ١٥٠ .
٥٢
سورة المائدة الآية - ٦٧
مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : مقتصدة على أمر الله تعالى ، قاله قتادة .
الثاني : عادلة ، قاله الكلبي .
يَّأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِنْ لَّمْتَفْعَلْ فَهَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَةٌ
وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
٦٧
قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ أوجب الله تعالى
بهذه الآية على رسوله تبليغ ما أنزل عليه من كتابه سواء كان حكماً ، أو حداً، أو
قصاصاً ، فأما تبليغ غيره من الوحي فتخصيص وجوبه : بما يتعلق بالأحكام دون
غيرها .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ يعني إن كتمت آية مما
أنزل عليك فما بلغت رسالته لأنه [ يكون ]، غير ممتثل لجميع الأمر .
ويحتمل وجهين آخرين :
أحدهما : أن يكون معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك فيما وعدك من النصر ،
فإن لم تفعل فما بلغت حق رسالته فيما كلفاك من الأمر ، لأن استشعار النصر يبعث
على امتثال الأمر .
والثاني : أن يكون معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك بلاغاً يوجب الانقياد إليه
بالجهاد عليه ، وإن لم تفعل ما يقود إليه من الجهاد عليه فما بلغت ما عليك من
حق الرسالة إليك .
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ يعني أن ينالوك بسوء من قتل أو غيره .
واختلف أهل التفسير في سبب نزول ذلك على قولين :
أحدهما : أن النبي ◌َّلتر نزل منزلاً في سفره واستظل بشجرة يقيل تحتها ،
فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك مني ؟ فقال : الله ، فرعدت يد
الأعرابي وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل الله تعالى :
٥٣
سورة المائدة الآية - ٦٨ - ٧٠
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، قاله محمد بن كعب القرظي (٤٠).
والثاني: أن النبي ◌َلو كان يهاب قريشاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، قاله
ابن جريج .
وروت عائشة أن النبي (٤١) وَلَ كان يُحْرَس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج النبي ◌َّ رأسه من القبة وقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد
عصمني الله .
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما : لا يعينهم على بلوغ غرضهم .
الثاني : لا يهديهم إلى الجنة .
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِجِيلَ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا
وَكُفْرَا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ
وَالصَُّونَ وَالنَّصَرَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَا خَوْفُ
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ
عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُوَنَ
(٤٠) رواه الطبري في التفسير ( ١٠/ ٤٧٠ ) وهو مرسل كما تری وقد ورد الحدیث من حديث جابر
مرفوعاً في مسند أحمد (٣١١/٣) وبمعناه في المسند أيضاً (٣٦٤/٣) والبخاري في صحيحه
(٧: ٣٢٩ - ٣٣١) وبأسانيد في مسلم في صحيحه (٤٤/١٥، ٤٥) والطبري (١٠٦/١٠).
(٤١) هذا حديث اختلف في وصله وإرساله.
فرواه موصولاً ابن جرير ( ٤٦٩/١٠) وفي سنده الحارث بن عبيد الأيادي، أبو قدامة وهو ضعيف .
ورواه الحاكم في المستدرك (٢ : ٣١٣) وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي . والترمذي برقم ٥٠٣٧ وقال حديث غريب وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن
عبد الله بن شقيق ولم يذكر فيه عائشة أ. هـ. قال الحافظ في الفتح: ((إسناده حسن واختلف في وصله
وإرساله)).
ورواه ابن جرير (٤٦٩/١٠) مرسلاً عن عبد الله في شقيق وزاد السيوطي في الدر (١١٨/٣) نسبة
المرسل لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه
وابن أبي حاتم .
٥٤
سورة المائدة الآية - ٧٠، ٧١
إِلَيْهِمْ رُسُلَاً كُلَّمَاجَآءَهُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ
وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (*)وَحَسِبُواْأَلََّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُواْثُمَّ تَابَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٧١
قوله تعالى : ﴿لَقَدْ أُخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيّ إِسْرَائِيلَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أن الميثاق آيات مبينة يقررها علم ذلك عندهم .
والثاني : أن الميثاق أيمان أخذها أنبياء بني إسرائيل عليهم أن يعملوا بها
وأمروا بتصديق رسله .
وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ﴾ يعني بعد أخذ الميثاق .
كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ﴾ هوى النفس مقصور، وهواء
الجو ممدود ، وهما يشتركان في معنى الاسم لأن النفس تستمتع بهواها كما تستمتع
بهواء الجو .
﴿ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ يعني أن الأنبياء إذا لم يحلوا لهم ما يَهْوُونَه
في الدين كذبوا فريقاً في الدين ، كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً ، وهم قد كذبوا من قتلوه
ولكن تقدير الكلام أنهم اقتصروا على تكذيب فريق وتجاوزوا إلى قتل فريق .
﴿ وَحَسِبُوْاْ أَلَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنها العقوبة التي تنزل من السماء .
والثاني : ما ابتلوا به من قتل الأنبياء وتكذيبهم .
والثالث : ما بلوا به من جهة المتغلبين عليهم من الكفار .
﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّوا﴾ يعني ، فعموا عن المرشد وصموا عن الموعظة حتى
تسرعوا إلى قتل أنبيائهم حين حسبوا ألا تكون فتنة .
﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني أنهم تابوا بعد معاينة الفتنة فقبل الله توبتهم .
﴿ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُواْ﴾ يعني أنهم عادوا بعد التوبة إلى ما كانوا عليه قبلها،
والعود إنما كان من أكثرهم لا من جميعهم .
٥٥
سورة المائدة الآية - ٧٢ - ٧٥
لَقَدْ كَفَرَالَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ
يَبَنِىّ إِسْرَءِ يلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَاللَّهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةً وَمَأْوَنهُ النَّارُ وَمَا لِلّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَامِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا
أَفَلَا يَتُوبُونَ
٧٣
يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (
إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3َ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا
يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَفَّى
يُؤْفَكُونَ
قوله تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ رد الله بذلك على اليهود
والنصارى ، فرده على اليهود في تكذيبهم لنبوته ونسبتهم له إلى غير رِشْدة ، ورده
على النصارى في قولهم إنه ابن الله .
﴿ وَأُمَّهُ صِدِّيقَةً ﴾ رد على اليهود في نسبتها إلى الفاحشة .
وفي قوله : ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ تأويلان :
أحدهما : أنه مبالغة في صدقها ونفي الفاحشة عنها .
والثاني : أنها مصدقة بآيات ربها فهي بمنزلة ولدها ، قاله الحسن .
﴿ كَانَا يُْكُلانٍ آلطّعَامَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه كنى بذلك عن الغائط لحدوثه منه، وهذه صفة تُنْفَى عن
الإِله .
ء
والثاني : أنه أراد نفس الأكل لأن الحاجة إليه عجز والإِله لا يكون عاجزاً .
انظُرْ کَيْفَ نُبِّنُ لَهُمُ الأُيَاتِ ﴾ يعني الحجج والبراهين.
٥٦
سورة المائدة الآ ية - ٧٦ - ٨٤
ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ فیه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني يصرفون ، من قولهم أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر .
والثاني : يعني يقلبون ، والمؤتفكات : المنقلبات من الرياح وغيرها .
والثالث : يكذبون ، من الإِفك ، وهو الكذب .
قُلْ أَنَعَبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرََّ وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ
وَلَا تَتَبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ
عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ◌ّ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِ يلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْوَكَانُوايَعْتَدُونَ
كَانُواْلَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُلَبِئْسَ مَا كَانُواْ
VA
يَفْعَلُونَ
◌ْتَرَى كَثِيرً امِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَبِئْسَ
مَاقَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ
﴿ وَلَوْ كَانُواْيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَـ إِلَيْهِ مَا آتَّخَذُوهُمْ
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةٌ
أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًاً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
لِلَّذِينَءَامَنُواْالْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ
وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىّ
أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اُلَّمْعِ مِمَاعَرَفُوْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَِّهِدِينَ ﴿ وَمَالَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَاجَآءَ نَامِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا
٥٧
سورة المائدة الآية - ٨٤ - ٨٨
جَ فَأَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
رَبُّنَا مَعَ اُلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ
٨٤
اُلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ (٥ُ وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ وَكَذَّبُواْ
◌ِثَايَتِنَا أُوْ لَئِكَ أَصْحَابُ الْحَحِيمِ
٨٦
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُواْ﴾ يعني عبدة الأوثان من العرب، تَمَالًا الفريقان على عداوة النبي ◌َّر.
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامنواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارِىْ ﴾ ليس هذا على
العموم ، وإنما هو خاص ، وفيه قولان :
أحدهما : عنى بذلك النجاشي وأصحابه لَمَّا أُسْلَمُوا ، قاله ابن عباس ،
وسعيد بن جبير .
والثاني : أنهم قوم من النصارى كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى
عليه السلام، فَلَّمَّا بُعِثَ محمد وَلِ آمنوا به ، قاله قتادة .
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾ واحد القسيسين قس ، من قس وهم
العباد . وواحد الرهبان راهب ، وهم الزهاد .
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني عن الإِذعان للحق إذا لزم، وللحجة إذا
قامت .
وفي قوله تعالى : ﴿ فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ وجهان :
أحدهما : مع أمة محمد ﴿ الذين يشهدون بالحق ، كما قال تعالى:
﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قاله ابن عباس ، وابن جريج .
والثاني : يعني الذين يشهدون بالإِيمان ، قاله الحسن .
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُوَأَإِنَّ اللَّهَ
لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىّ
٨٨
أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ
٥٨
سورة المائدة الآية - ٨٩
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُوا طَيَِّاتٍ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فيه
تأويلان :
أحدهما : أنه اغتصاب الأموال المستطابة ، فتصير بالغصب حراماً ، وقد كان
يمكنهم الوصول إليها بسبب مباح ، قاله بعض البصريين .
والثاني : أنه تحريم ما أبيح لهم من الطيبات ، وسبب ذلك أن جماعة من
أصحاب رسول الله وَّر منهم علي، وعثمان بن مظعون ، وابن مسعود ، وابن
عمر، هموا بصيام الدهر ، وقيام الليل ، واعتزال النساء ، وجَبُّ أنفسهم ، وتحريم
الطيبات من الطعام عليهم ، فأنزل الله تعالى فيهم ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتٍ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
لكم ﴾.
﴿ وَلَا تَعْتَدُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لا تعتدوا بالغصب للأموال التي هي حرام عليكم .
والثاني : أنه أراد بالاعتداء ما هَمَّ به عثمان بن مظعون من جبِّ نفسه ، قاله
السدي .
والثالث : أنه ما كانت الجماعة هَمَّت به من تحريم النساء والطعام ،
واللباس ، والنوم ، قاله عكرمة .
والرابع : هو تجاوز الحلال إلى الحرام ، قاله الحسن .
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِفِّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ
فَكَفََّتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ
أَوْتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّاءٍ ذَلِكَ كَفََّةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا
٨٩
حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيْنُ الَّهُ لَكُمْ ءَلَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ قد ذكرنا اختلاف
المفسرين والفقهاء في لغو اليمين .
﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ آلْأَيْمَانَ ﴾ اختلف في سبب نزولها على
قولين :
٥٩
سورة المائدة الآية - ٨٩
أحدهما : أنها نزلت في عثمان بن مظعون ، حين حرَّم على نفسه الطعام ،
والنساء، بيمين حَلَفَهَا، فأمره النبي ◌َّ بالحنث فيها ، قاله السدي .
والثاني : أنها نزلت في عبد الله بن رَوَاحة، وكان عنده ضيف فَأَخَّرَتْ زوجته
قِرَاهُ فَحَلَفَ لا يأكل من الطعام شيئاً، وَحَلَفَتِ الزوجة لا تأكل منه إن لم يأكل ،
وحَلَفَ الضيف لا يأكل منه إن لم يأكلا ، فأكل عبد الله وأكلا معه ، فأخبر النبي
﴿* بذلك، فقال: ((أَحْسَنْتَ)) (٤٢)، ونزلت فيه هذه الآية ، قاله ابن زيد .
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ وعقدها هو لفظ
باللسان وقصد بالقلب ، لأن ما لم يقصده في أيمَانِهِ ، فهو لغو لا يؤاخذ به .
ثم في عقدها قولان :
أحدهما : أن يكون على فعل مستقبل ، ولا يكون على خبر ماض . والفعل
المستقبل نوعان : نفي وإثبات ، فالنفي أن يقول والله لا فعلت كذا ، والإِثبات أن
يقول: والله لَأَفْعَلَنَّ كذا .
وأما الخبر الماضي فهو أن يقول : والله ما فعلت ، وقد فعل ، أو يقول :
والله لقد فعلت كذا ، وما فعل ، فينعقد يمينه بالفعل المستقبل في نوعي إثباته
ونفيه .
وفي انعقادها بالخبر الماضي قولان :.
أحدهما : أنها لا تنعقد بالخبر الماضي ، قاله أبو حنيفة وأهل العراق .
والقول الثاني : أنها تنعقد على فعل مستقبل وخبر ماض يتعلق الحنث بهما ،
قاله الشافعي ، وأهل الحجاز .
ثم قال تعالى : ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَساکِینَ ﴾ فيه قولان : -
أحدهما : أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان ، قالته عائشة ، والحسن ،
والشعبي ، وقتادة .
والثاني : أنها كفارة الحنث فيما عقده منها ، وهذا يشبه أن يكون قول ابن
عباس ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وإبراهيم .
(٤٢) رواه الطبري برقم ١٢٣٤٩ وسنده صحيح إلى ابن زيد لكن الحديث مرسل .
٦٠