النص المفهرس
صفحات 381-400
سورة آل عمران الآية - ٢٢،٢١ فإن قيل : في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول: ﴿أُسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ عدول عن جوابهم وتسلیم لحجاجهم ، فعنه جوابان : أحدهما : ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بِحِجَاجِهم ، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده ، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال . والثاني : أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم ، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد ، فجاز له الإعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم . إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُّلُونَ النَِّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (١) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَصِرِين ٢٢ قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَِّينَ بِغَيْرٍ حَقِّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قرأ حمزة : ويقاتلون الذين يأمرون ، وقيل : إنها كذلك في مصحف ابن مسعود . وفي ﴿الْقِسْطِ ﴾ هنا وجهان : أحدهما : العدل . والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ رُوِيَ عن أبي عبيدة بن الجراح قال : قلت : يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة ؟ قال : رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، ثم قرأ هذه الآية ، ثم قال : ((يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم)» (٣٧٧). (٣٧٧) رواه ابن جرير (٢٨٥/٦) ونسبه السيوطي في الدر (١٦٨/٢) لابن أبي حاتم وفي سنده مجهول = ٣٨١ سورة آل عمران الآية - ٢٣ - ٢٥ ﴿ فَبَشِّرْهُم﴾ أي فأخبرهم، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير ، وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان : أحدهما : لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير ، وبالغم في الشر . والثاني : لأنها خبر يستقبل به البشرة . أَلَوْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًاً مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَ كِنَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ ثُمَّ يَتَوَلَّ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (® أَيَّامًا مَّعْدُ ودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِ دِينِهِمِ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [®] فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّارَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٥ قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ ﴾ يعني حظاً لأنهم علموا بعض ما فيه . ﴿ يُدْعَوْنَ إِلَىْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ في الكتاب الذي دعوا إليه قولان : أحدهما : أنه التوراة ، دعي إليها اليهود فأبوا ، قاله ابن عباس . والثاني : القرآن ، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين ، قاله الحسن وقتادة . وفي قوله تعالى : ﴿ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ: ثلاثة أقاويل : أحدها : نبوة النبي صَلچر . والثاني : أمر إبراهيم وأن دينه الإِسلام . والثالث : أنه حد من الحدود . ﴿ فَمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ قال ابن عباس : هذا الفريق = وهو أبو الحسن الأسدي وفي سنده أيضاً أبو عبيدة الوصابي وثقة ابن معين ، وقال أحمد : ما علمت إلا خيراً ، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال مرة : قال لي بعض أهل حمص ليس بصدوق ولم يدرك محمد بن حمير وعلة ثالثة للحديث وهو الانقطاع بين أبي عبيدة الوصابي ومحمد بن حمير . ٣٨٢ سورة آل عمران الآية - ٢٦، ٢٧ المتولي هم زعماء يهود بني قينقاع : النعمان بن أوفى ، وبحري بن عمرو بن صوريا تولوا عنه في حد الزنى لمَّا أخبرهم أنه الرجم ، ورجم اليهوديين الزانيين. فإن قيل : التولِّي عن الشيء هو الإِعراض عنه، قيل: معناه يتولَّى عن الداعي ويعرض عما دُعِيَ إليه . قوله عز وجل: ﴿ ... قَالُوا: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ هذا من قول اليهود ، واختلفوا فيها على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً ، قاله قتادة ، والربيع . والثاني : أنها سبعة أيام ، وهذا قول الحسن . والثالث : أنها أيام متقطعة لانقضاء العذاب فيها ، وهذا قول بعض المتأخرين . ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : هو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ، قاله قتادة . والثاني : هو قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ، قاله مجاهد . قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُّ صعے تُولِجُ الَّيْلَ فِى ٦ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلَ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ النَّهَارِ وَتُولِيعُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ ٢٧ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِحِسَابٍ قوله عز وجل: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يريد به مُلك أمر الدنيا والآخرة . والثاني : مالك العباد وما ملكوه ، قاله الزجاج . والثالث : مالك النبوة ، قاله مجاهد . ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : ٣٨٣ سورة آل عمران الآية - ٢٦، ٢٧ أحدها : أن المُلْك هنا النبوة ، قاله مجاهد . والثاني : أنه الإِيمان . والثالث : أنه السلطان . روى قتادة أن النبي وليّ سأل ربه أن يجعل مُلْك فارس والروم في أمته ، فأنزل الله هذه الآية (٣٧٨). ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : تعز من تشاء بالطاعة ، وتذل من تشاء بالمعصية . والثاني : تعز من تشاء بالنصر ، وتذل من تشاء بالقهر . والثالث : تعز من تشاء بالغنى ، وتذل من تشاء بالفقر . ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي أنت قادر عليه(٣٧٩)، وإنما خَصَّ الخير بالذكر وإن كان قادراً على الخير والشر ، لأنه المرغوب في فعله . قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار ، ونقصان النهار في زيادة الليل ، وهو قول جمهور المفسرين . والثاني : أن معناه تجعل الليل بدلاً من النهار، وتجعل النهار بدلاً من الليل ، وهو قول بعض المتأخرين . ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْخَيِّ﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي : الميّت بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف . (٣٧٨) رواه ابن جرير (٦ / برقم ٦٧٩٠، ٦٧٩١) وقال قتادة: وذُكِرَ لنا أن النبي ◌َّ سأل ملك فارس والروم ..... ونسبه السيوطي في الدر (١٧١/٢) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحديث مرسل كما ترى . (٣٧٩) قال العلامة الآلوسي في قوله ((بيدك الخير)). جملة مستأنفة ، وأجراها بعضهم على طرز ما قبلها ، وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخير للتخصيص أي ( بيدك ) التي لا يكتنه كنهها ، وبقدرتك التي لا يقدر قدرها الخير كله تتصرف به أنت وحدك حسب مشيئتك لا يتصرف به أحد غيرك ولا يملكه أحد سواك، وإنما خص الخير بالذكر تعليماً لمراعاة الأدب وإلا فذكر الإعزاز والإذلال يدل على أن الخير والشر كلاهما بيده سبحانه)) أ. هـ. روح المعاني (١١٥/٣). ٣٨٤ سورة آل عمران الآية - ٢٨ - ٣٢ واختلفوا في معناه بالتخفيف والتشديد ، فذهب الكوفيون إلى أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات ، وبالتشديد الذي لم يمت بعد . وحكى أبو العباس عن علماء البصريين بأسرهم أنهما سواء ، وأنشد لابن الرعلاء القلابي : إنما الميْتُ مَيّت الأحياء (٣٨٠) لیس من مات فاستراح بمیت كاسفاً بالُه قليل الرجاء إنما الميْتُ من يعيش كئيباً وفي تأويل إخراج الحي من الميت قولان : أحدهما : أنه يخرج الحيوان الحي من النطفة الميتة ، ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي ، وهذا قول ابن مسعود ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي . والثاني : أنه يخرج المؤمن من الكافر ، ويخرج الكافر من المؤمن ، وهذا قول الحسن . وقال قتادة : وإنما سَمَّى الله يحيى بن زكريا بيحيى لأن الله عز وجل أحياه :الإِيمان . ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل مضت . لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الَّهِ فِي شَىْءٍإِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ثُقَنَّةً وَيُحَذِّرُ ◌ِكُمُ الَهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى الَّهِ اُلْمَصِيرُ ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْتُبُدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى جَ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًّا وَمَاعَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّلَوْأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّا قُلْ إِنَ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ٣٠ بَعِيدًا وَ يُحَذِّرُ كُمُ الَّهُ نَفْسَمُ وَاللّهُ رَهُوفُ بِالْعِبَادِ لِ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهُ فَأَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ الَّ (٣٨٠) هو عدي بن الرعلاء كما في اللسان مادة [ مات ]. ٣٨٥ سورة آل عمران الآية - ٣٢ - ٣٦ إِنَّاُللَّهَ اصْطَفَىْ ءَدَمَ وَنُوحًا ٣٢ وَالرَّسُولَْ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُحِبُّ الْكَفِرِينَ وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ ٣٣ ذُرِيَّةَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِْ وَاَللَّهُ ٣٤ سَمِيعٌ عَلِيمُ قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىْ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ في آل عمران قولان : أحدهما : أنه موسى وهارون ابنا عمران . والثاني : أنه المسيح ، لأن مريم بنت عمران ، وهذا قول الحسن . وفيما اصطفاهم به ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه اصطفاهم باختيار دينهم لهم ، وهذا قول الفراء . والثاني : أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم . والثالث : أنه اصطفاهم باختيارهم للنبوة ، وهذا قول الزجاج . قوله تعالى : ﴿ ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب ، كما قال تعالى : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يعني في الاجتماع على الضلال، وهذا قول الحسن، وقتادة. والثاني : أنهم في التناسل والنسب ، إذ جميعهم من ذرية آدم ، ثم من ذرية نوح ، ثم من ذرية إبراهيم ، وهذا قول بعض المتأخرين . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِنِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِ مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِىَ إِنَّكَ أَنْتَ ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍ إِّ وَضَعْتُهَا أُنْتَ وَاللّهُ أَعْلَمُبِمَا السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هّ وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأَنْثَى وَإِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أَعِيذُهَابِكَ وَذُرِّيَّتَهَا ٣٦ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ٣٨٦ سورة آل عمران الآية - ٣٧ ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : - أحدها : محرراً أي مُخْلَصاً للعبادة ، وهذا قول الشعبي . والثاني : يعني خادماً للبيعة ، وهذا قول مجاهد . والثالث : يعني عتيقاً من الدنيا لطاعة الله ، وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير . قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ: ربِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إنما قالت ذلك اعتذاراً من العدول عن نذرها لأنها أنثى . ثم قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التاء ، فيكون ذلك راجعاً إلى اعتذارها بأن الله أعلم بما وضعت ، وقرأ الباقون بجزم التاء ، فيكون ذلك جواباً من الله تعالى لها بأنه أعلم بما وضعت منها . ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأَنْثَى﴾ لأن الأنثى لا تصلح لما يصلح له الذكر من خدمة المسجد المقدس ، لما يلحقها من الحيض ، ولصيانة النساء عن التبرج ، وإنما يختص الغلمان بذلك . ﴿ وَإِنِّي أَعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : معناه : من طعن الشيطان الذي يستهل به المولود صارخاً ، وقد روى ذلك أبو هريرة مرفوعاً (٣٨١). والثاني : معناه من إغوائه لها ، وهذا قول الحسن . ومعنى الرجيم : المرجوم بالشهب . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَتَّا حَسَنًّا وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا كُلَّمَادَخَلَ عَلَيَّهَا (٣٨١) رواه البخاري (١٥٩/٨) ومسلم (٢٢٤/٢) وأحمد برقم (٧٦٩٤، ٧١٨٢). ونسبه السيوطي في الدر (١٨٣/٢) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ورواه الطبري (١/ برقم ٦٨٩١). وفي مواضع أخرى منه انظرها (٣٣٩/٦). ٣٨٧ سورة آل عمران الآية - ٣٧ زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ صلى ٣٧ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِحِسَابٍ قوله عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس . وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ يعني أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها . ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ قرأ أهل الكوفة ﴿وَكَفَّلَهَا ﴾ بالتشديد ، ومعنى ذلك أنه دفع كفالتها إلى غيره . وقرأ الباقون: ﴿كَفَلَهَا﴾ بالتخفيف ، ومعنى ذلك أنه أخذ كفالتها إليه . كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ﴾ وهو معروف، وأصله أنه أكرم موضع في المجلس . ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي . والثاني : أنها لم تطعم(*) ثدياً قط حتى تكلمت في المهد ، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة ، وهذا قول الحسن . واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين : أحدهما : أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها . والثاني : أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح عليه السلام . ﴿ قَالَ : يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ فيه قولان: أحدهما : أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق . والثاني : أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها . والأول أشبه . (*) وفي نسخة : تلقم ولعله أولى مما اختاره محقق المطبوعة . ٣٨٨ سورة آل عمران الآية - ٣٨ - ٤١ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه حكاية عن قول مريم بعد أن قالت هو من عند الله . والقول الثاني : أنه قول الله تعالى بعد أن قطع كلام مريم . هُنَالِكَ دَعَانَكَرِبَارَبٌَّ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَبِكَةُ وَهُوَقَائِمٌ يُصَلِى فِ الْمِحْرَابِ أَنَّاللَّهَ يُبَشِّرَُ بِيَحْيَى قَالَرَبِّ صِے مُصَدِّقَا بِكَلِمَةٍ مِنَ الَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أَّ يَكُونُ لِى غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِّرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ قَالَ رَبِّ أَجْعَل لَّءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّاتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ مَايَشَآءُ أَيَّامٍ إِلَّرَ هُنَّا وَاذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ@ قوله تعالى : ﴿ هُنَّالِكَ دَعَا زَكَرِيًّا رَبَّهُ﴾ اختلف في سبب دعائه على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أذِنَ له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً . والثاني : أنه لما رأى فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر . ﴿ قَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ يعني هب لي من عندك ولداً مباركاً ، وقصد بالذرية الواحد . ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ أي تجيب الدعاء ، لأن إجابة الدعاء بعد سماعه . قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾، وفي مناداته قولان : أحدهما : أنه جبريل وحده ، وهو قول السدي . والثاني : جماعة من الملائكة . ﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قيل إنما سمّاه ٣٨٩ سورة آل عمران الآية - ٣٨ - ٤١ يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإِيمان ، وسماه بهذا الاسم قبل مولده . ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : بكتاب من الله ، وهذا قول أبي عبيدة وأهل البصرة . والثاني : يعني المسيح ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، والربيع ، والضحاك ، والسدي . . واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين : أحدهما : أنه خلقه بكلمته من غير أب(٣٨٢). والثاني : أنه سُمِّيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله عز وجل . وَسَيِّداً ﴾ فيه خمسة أقاويل : أحدها : أنه الخليفة ، وهو قول قتادة . والثاني : أنه التقي ، وهو قول سالم . والثالث : أنه الشريف ، وهو قول ابن زيد . والرابع : أنه الفقيه العالم ، وهو قول سعيد بن المسيب . والخامس : سيد المؤمنين ، يعني بالرياسة عليهم ، وهذا قول بعض المتكلمين . وَحَصُوراً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه كان عِنِّيناً لا ماء له ، وهذا قول ابن مسعود ، وابن عباس ، والضحاك . والثاني : أنه كان لا يأتي النساء ، وهو قول قتادة ، والحسن . (٣٨٢) قال العلامة الآلوسي في قوله ((مصدقاً بكلمة من الله)) نصب على الحال المقدرة من يحيى والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعليه أجله المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وجد بكلمة - كن - من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر و(من ) لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة كلمة - أي بكلمة كائنة منه تعالى - وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور أ. هـ. روح المعاني (١٤٧/٣). ٣٩٠ سورة آل عمران الآية - ٤٢، ٤٣ والثالث : أنه لم يكن له ما يأتي به النساء ، لأنه كان معه مثل الهذْبة(*)، وهو قول سعيد بن المسيب . قوله عز وجل : ﴿قَالَ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَمُ وَقَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ﴾ وإنما جاز له أن يقول : وقد بلغني الكبر لأنه بمنزلة الطالب له . وَامْرَأْتِي عَاقِرٌ ﴾ أي لا تلد . فإن قيل : فَلِمَ راجع بهذا القول بعد أن بُشِّرَ بالولد ، ففيه جوابان : أحدهما : أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد ، بأن يُرَدّ هو وامرأته إلى حال الشباب ، أم على حال الكبر ، فقيل له : كذلك الله يفعل ما يشاء ، أي على هذه الحال ، وهذا قول الحسن . والثاني : أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً . قوله عز وجل: ﴿قَالَ: رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةٌ ﴾ أي علامة لوقت الحمل ليتعجل السرور به . قَالَ: ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : تحريك الشفتين وهو قول مجاهد . والثاني : الإِشارة ، وهو قول قتادة . والثالث : الإِيماء ، وهو قول الحسن . ﴿ وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيراً ﴾ لم يمنع من ذكر الله تعالى ، وذلك هي الآية . ﴿ وَسَبِّحْ بِالْعَشِّيِ وَالْإِبْكَارِ ﴾ والعشي : من حين زوال الشمس إلى أن تغيب ، وأصل العشي الظلمة ، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فَسُمَِّ ما بعد الزوال عشاءً لاتصاله بالظلمة . وأما الإِبكار فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى ، وأصله التعجيل ، لأنه تعجيل الضياء . وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِ كَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَاصْطَفَتَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ عَلَى نِسَآءِ يَمَرْيَمُ أَقْنْتِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ اُلْعَلَمِین ٤٣ ٤٢ (*) وفي نسخة : النواة . ٣٩١ سورة آل عمران الآية - ٤٤ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ ٤٤ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾ فيه قولان: أحدهما : اصطفاها على عالمي زمانها ، وهذا قول الحسن . والثاني : أنه اصطفاها لولادة المسيح ، وهو قول الزجاج . ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : طهرك من الكفر ، وهو قول الحسن ومجاهد . والثاني : طهرك من أدناس الحيض والنفاس ، وهو قول الزجاج . وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه تأكيد للاصطفاء الأول بالتكرار . والثاني : أن الاصطفاء الأول للعبادة ، والاصطفاء الثاني لولادة المسيح. قوله عز وجل : ﴿ يَا مَرْيَمُ أَقْتِي لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِي ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : يعني أخلصي لربك ، وهو قول سعيد . والثاني : معناه أديمي الطاعة لربك ، وهو قول قتادة . والثالث : أطيلي القيام في الصلاة ، وهو قول مجاهد . وَأَرْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ وفي تقديم السجود على الركوع قولان : أحدهما : أنه كان مقدماً في شريعتهم وإن كان مؤخراً عندنا . والثاني : أن الواو لا توجب الترتيب ، فاستوى حكم التقديم في اللفظ وتأخيره ، وأصل السجود الانخفاض الشديد والخضوع ، كما قال الشاعر : فكلتاهما خَرّت وأسجَدَ رأسُها كما سَجَدتْ نصرانةٌ لم تحنف وكذلك الركوع إلا أن السجود أكثر انخفاضاً. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قولان: أحدهما : معناه وافعلي كفعلهم . ٣٩٢ سورة آل عمران الآية - ٤٥ - ٤٧ والثاني : يعني مع الراكعين في صلاة الجماعة . قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾ يعني ما كان من البشرى بالمسيح. ﴿ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ وأصل الوحي إلقاء المعنى إلى صاحبه ، والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإِنزال ، وإلى النحل بالإِلهام ، ومن بعض إلى بعض بالإِشارة ، كما قال تعالى: ﴿فَأُوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال العجاج : أوحى لها القرار فاستقرّت(٣٨٣) وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم تشاجروا عليها وتنازعوا فيها طلباً لكفالتها ، فقال زكريا : أنا أحق بها لأن خالتها عندي ، وقال القوم : نحن أحق بها لأنها بنت إمامنا وعالمنا ، فاقترعوا عليها بإلقاء أقلامهم وهي القداح مستقبلة لجرية الماء ، فاستقبلت عصا زكريا لجرية الماء مصعدة ، وانحدرت أقلامهم فقرعهم زكريا ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، والحسن ، والربيع. والقول الثاني : أنهم تدافعوا كفالتها لأن زكريا قد كان كفل بها من غير اقتراع ، ثم لحقهم أزمة ضعف بها عن حمل مؤونتها، فقال للقوم : ليأخذها أحدكم فتدافعوا كفالتها وتمانعوا منها ، فأقرع بينهم وبين نفسه فخرجت القرعة له ، وهذا قول سعيد . إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أُسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ ٤٥ أَبْنُ مَرْيَمَ وَحِيهَا فِ الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ صِىے قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدُ وَلَمْيَمْسَسْنِ بَشْرٌ ٤٦ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّلِحِينَ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ وفي تسميته بالمسيح قولان : (٣٨٣) ديوانه (٥) انظر اللسان مادة (وحى). ٣٩٣ سورة آل عمران الآية - ٤٨، ٤٩ أحدهما : لأنه مُسِحَ بالبركة ، وهذا قول الحسن وسعيد . والثاني : أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب . قوله تعالى: ﴿وَيُكَلَّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾ وفي سبب كلامه في المهد قولان : أحدهما : لتنزيه أمه مما قُذِفَتْ به . والثاني : لظهور معجزته . واختلفوا هل كان في وقت كلامه في المهد نبياً على قولين : أحدهما : كان في ذلك الوقت نبياً لظهور المعجزة منه . والثاني : أنه لم يكن في ذلك الوقت نبياً وإنما جعل الله ذلك تأسيساً لنبوّته . والمهد : مضجع الصبي ، مأخوذ من التمهيد . ٠ ثم قال تعالى: ﴿ وَكَهْلاً﴾ وفيه قولان : أحدهما : أن المراد بالكهل الحليم ، وهذا قول مجاهد . والثاني : أنه أراد الكهل في السنّ . واختلفوا في حدِّه على قولين : أحدهما : بلوغ أربع وثلاثين سنة . والثاني : أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ ، مأخوذ من القوة من قولهم اکتهل البيت إذا طال وقوي . فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر ؟ ففيه قولان : أحدهما : أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى . والثاني : أنه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ . وَرَسُولًا إِلَ بَنِىّ ٤٨ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبَ وَاُلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ إِسْرَِّ يلَ أَنِى قَدْجِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنَّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةٍ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأَبْرِىُّ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ٣٩٤ سورة آل عمران الآية - ٤٩ - ٥٤ وَأُحِ الْمَوْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنْ التَّوْرَكَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِقَايَةٍ مِن رَّبِّكُمٌّ فَأَتَّقُواْ إِنَّاللَّهَرَبِى وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ اُللَّهَ وَأَطِيعُونِ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِثُّونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿رَبَّنَآءَ امَتَابِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ وَمَكَرُواْ ٥٤ وَمَكَرَ اللهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَئِكِرِينَ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عَيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ : مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : يعني من أنصاري مع الله . والثاني : معناه من أنصاري في السبيل إلى الله ، وهذا قول الحسن . والثالث : معناه من ينصرني إلى نصر الله . وواحد الأنصار نصير . قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ﴾ اخْتُلِفَ في تسميتهم بالحواريين على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنھم سُمُّوا بذلك لبیاض ثيابهم ، وهذا قول سعيد بن جبير . والثاني : أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب ، وهذا قول ابن أبي نجيح . والثالث : أنهم خاصة الأنبياء ، سموا بذلك لنقاء قلوبهم ، وهذا قول قتادة ، والضحاك . وأصل الحواري : الحَوَر وهو شدة البياض ، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه ، والحَوَر نقاء بياض العين . واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل : ٣٩٥ سورة آل عمران الآية - ٥٥ - ٥٧ أحدها : أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته ، وهذا قول الحسن ، ومجاهد . والثاني : أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق . والثالث : لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف . فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ فيه قولان : قوله تعالی أحدهما : يعني صِلْ ما بيننا وبينهم بالإِخلاص على التقوى . والثاني : أَثْبِتْ أسماءنا مع أسمائهم لننال ما نالوا من الكرامة . قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم مكروا بالمسيح عليه السلام بالحيلة عليه في قتله ، ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره ، وهو قول السدي . والثاني : مكروا بإضمار الكفر ، ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة . وإنما جاز قوله : ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ على مزاوجة الكلام(٣٨٤) وإن خرج عن حكمه ، نحو قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وليس الثاني اعتداءً، وأصل المكر: الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف مكراً، والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإِضرار ، والمكر : التوصل إلى إيقاع المكروه به . إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىّ إِنَّى مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوْإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٣) فَمَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُ عَذِّبُهُمْ عَذَابًا وَأَمَّا الَّذِينَ ٥٦ شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْأَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَصِرِينَ (٣٨٤) انظر التعليق الذي أسلفناه عند قوله تعالى: ﴿ الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾. ٣٩٦ سورة آل عمران الآية - ٥٧، ٥٨ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَِّينَ [٥٨ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٧ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ فيه أربعة أقاويل : أحدها : معناه إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت ، وهذا قول الحسن ، وابن جريج ، وابن زيد(٣٨٥). والثاني : متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء ، وهذا قول الربيع . والثالث : متوفيك وفاة بموت ، وهذا قول ابن عباس . والرابع : أنه من المقدم والمؤخر بمعنى رافعك ومتوفيك بعده ، وهذا قول الفراء . وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ قولان: أحدهما : رافعك إلى السماء . والثاني : معناه رافعك إلى كرامتي . ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله . الثاني : أنه إخراجه من بينهم . ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبُعُوَكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : فوقهم بالبرهان والحجة . والثاني : بالعز والغلبة . وفي المعنيّ بذلك قولان : (٣٨٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٢٢/٤، ٣٢٣): ((هذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعلم أنه ليس في ذلك خاصية وكذلك قوله: ﴿ومطهرك من الذين كفروا .. ﴾ إلخ .. ٣٩٧ سورة آل عمران الآية - ٦٠ - ٦٣ أحدهما : أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، والربيع ، وابن جريج . والثاني : أن النصارى فوق اليهود ، لأن النصارى أعز واليهود أذل ، وفي هذا دليل على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم . إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٥٩ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ ٦٠ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ اُلْمُمْتَرِينَ اٌلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَاءَ نَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ ٦١ ثُمَّ نَبْتَلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ اَلْحَقِّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللّهُ وَإِنَّ اللَّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (افَإِ نَوَلَوْ فَإِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ؟ ٦٣ بِالْمُفْسِدِينَ قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : في عيسى . والثاني : في الحق . ﴿ مِنِ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَتَجْعَلْ لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ والذين دعاهم النبي ◌ّ﴾ إلى المباهلة هم نصارى نجران. وفي قوله: ﴿نَبْتَهِلْ﴾ تأويلان : أحدهما : معناه نلتعن . والثاني : ندعو بهلاك الكاذب ، ومنه قول لبيد : نظر الدهر إليهم فابتهل (٣٨٦) أي دعا عليهم بالهلاك . فلما نزلت هذه الآية أخذ النبي وَ ل﴿ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم (٣٨٦) ديوانه قصيدة (٣٩)، أمالي الشريف المرتضى (٤٥/١). ٣٩٨ سورة آل عمران الآية - ٦٤ - ٦٨ السلام ثم دعا النصارى إلى المباهلة ، فأحجموا عنها ، وقال بعضهم لبعض : إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً . قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّانَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أُشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأْهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية وفي المقصود بذلك قولان : أحدهما : أنهم نصارى نجران ، وهذا قول الحسن والسدي وابن زيد . والثاني : أنهم يهود المدينة ، وهذا قول قتادة ، والربيع ، وابن جريج . وَلَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْ بَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله ، وهذا قول ابن جريج . والثاني : سجود بعضهم لبعض ، وهذا قول عكرمة . يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِنْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَكَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴿﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦) مَا كَانَ ◌ِنَزَهِيمُ بَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنْرَهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ اُلْمُؤْمِنِينَ ٦٨ قوله تعالى : ﴿ يَأْهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِيَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند رسول الله وَ الر، فتنازعوا في أمره فقالت ٣٩٩ سورة آل عمران الآية - ٦٩ - ٧٤ اليهود : ما كان إلا يهودياً، وقالت النصارى : ما كان إلا نصرانياً ، فنزلت هذه الآية تكذيباً للفريقين بما بيَّنه من نزول التوراة والإنجيل من بعده . قوله تعالى: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ ﴾ يعني ما وجدوه في كتبهم . ﴿ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُم بِهِ عِلْمْ ﴾ يعني من شأن إبراهيم. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ يعني شأن إبراهيم. ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ فالتمسوه من عِلَلِه . وَدَّتَ طَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ثَايَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَنْتُمُ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِالَّذِىَّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْءَآخِرَؤُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (*) وَلَا تُؤْمِنُوْاْإِلَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْثَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْبُحَجُوكُمْ عِندَرَبِّكُمْ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُوَسِعُ عَلِيمٌ شَّا يَ ٧٤ مَن يَشَاءُ وَاُللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قوله تعالى: ﴿ يَأْهَلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها ، وهذا قول قتادة ، والربيع ، والسدي . والثاني : وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها . والثالث : وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة . قوله تعالى: ﴿يَأَهَلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴾ فيه تأويلان: ٤٠٠