النص المفهرس
صفحات 321-340
سورة البقرة الآية - ٢٥٣ ويحتمل وجهاً ثانياً : أن الملك الانقياد إلى طاعته ، والحكمة : العدل في سیرته ویکون ذلك بعد موت طالوت عند تفرده بأمور بني إسرائيل . ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ فيه وجهان : ٠ أحدهما : صنعة الدروع والتقدير في السرد . والثاني : كلام الطير وحكمة الزبور . ويحتمل ثالثاً : أنه فعل الطاعات والأمر بها ، واجتناب المعاصي والنهي عنها ، فيكون على الوجه الأول ﴿ مِّمَّا يَشَاءُ﴾ داود، وعلى الثاني: ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ الله، وعلى الثالث ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ الله ويشاء داود . ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرضُ﴾. في الدفع قولان : أحدهما : أن الله يدفع الهلاك عن البر بالفاجر، قاله عليّ كرم(*) الله وجهه . والثاني : يدفع بالمجاهدين عن القاعدين قاله ابن عباس. وقوله تعالى : ﴿لَّفَسَدَتِ الأرْضُ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : لفسد أهل الأرض . والثاني : لعم الفساد في الأرض . وفي هذا الفساد وجهان : أحدهما : الكفر . والثاني : القتل . تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِ مِّنْهُم مَّنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوحِ الْقُدُسُِ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَاجَآءَتُهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ (*) وفي نسخة أخرى للمخطوطة: علي عليه السلام . ٣٢١ سورة البقرة الآية - ٢٥٣، ٢٥٤ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُمْ مَن كَفَرَ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّارَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لََّ بَيْعٌ ٢٥٤ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىْ بَعْضٍ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : في الآخرة ، لتفاضلهم في الأعمال ، وتحمل الأثقال . والثاني : في الدنيا بأن جعل بعضهم خليلاً، وبعضهم كليماً، وبعضهم مَلِكاً، وسَخَّر لبعضهم الريح والشياطين ، وأحيا ببعضهم الموتى ، وأبرأ الأكمه ، والأبرص . ويحتمل وجهاً ثالثاً: بالشرائع ، فمنهم من شرع ، ومنهم من لم يشرع . ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن أوحى إلى بعضهم في منامه ، وأرسل إلى بعضهم الملائكة في يقظته . والثاني : أن بعث بعضهم إلى قومه ، وبعث بعضهم إلى كافة الناس . ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : الحُجَجُ الواضحة ، والبراهين القاهرة . والثاني : أن خلقه من ذكر . وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : بجبريل . والثاني : بأن نفخ فيه من روحه . ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة . والثاني : ولو شاء الله لاضطرهم إلى الإِيمان ، ولما حصل فيهم خيار . ٣٢٢ سورة البقرة الآية - ٢٥٥ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُوُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّابِمَا شَآءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ ٢٥٥ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ﴾ الآية. مُخْرَجة مخرج النفي أن يصح إله سوى الله ، وحقيقته إثبات إله واحد وهو الله ، وتقديره : الله الإِله دون غيره . ﴿ الْخَيُّ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : أنه سمى نفسه حياً لصَرْفِه الأمور مصارفها ، وتقدير الأشياء مقاديرها ، فهو حي بالتقدير لا بحياة . والثاني : أنه حي بحياة هي له صفة . والثالث : أنه اسم من أسماء الله تَسَمَّى به ، فقلناه تسليماً لأمره . والرابع : أن المراد بالحي (٣٤٣) الباقي ، قاله السدي ، ومنه قول لبيد : إذا ما تَرَيِّنِّي اليومَ أصْبَحْتُ سَالِماً فَلَسْتُ بِأَحْيَا مِن كِلابٍ وَجَعْفَرِ (*) ﴿ اَلْقَيُّومُ﴾ قرأ عمر بن الخطاب القيام . وفيه ستة تأويلات : أحدها : القائم بتدبير خلقه ، قاله قتادة . والثاني : يعني القائم على كل نفس بما كسبت ، حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم به ، لا يخفى عليه شيء منه ، قاله الحسن . والثالث : معنی القائم الوجود ، وهو قول سعيد بن جبير . والرابع : أنه الذي لا يزول ولا يحول ، قاله ابن عباس . والخامس : أنه العالم بالأمور ، من قولهم : فلان يقوم بهذا الكتاب ، أي هو عالم به . (٣٤٣) قال الإِمام ابن جرير (٣٧٦/٥، ٣٧٧) أما قوله الحي فإنه يعني الذي له الحياة الدائمة والبقاء الذي لا أول له بحد ولا آخر له بأمد؛ إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حياً فلحياته أول محدود وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها وينقص بانقضاء غايتها . ٣٢٣ سورة البقرة الآ ية - ٢٥٥ والسادس : أنه اسم من أسماء الله ، مأخوذ من الاستقامة ، قال أمية بن أبي الصلت : والشمسُ معها قمر يقوم لم تُخلَق السماءُ والنجوم والحشر والجنة والحميم قدّرهَا المهيمن القيوم إلّ لأمرٍ شأنه عظيم (٣٤٤) ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ السِّنَةُ: النعاس في قول الجميع ، والنعاس ما كان في الرأس ، فإذا صار في القلب صار نوماً ، وفرّق المفضل بينهما ، فقال : السِّنة في الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب . وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه ، قال عدي بن الرقاع . وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم (٣٤٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : ما بين أيديهم : هو ما قبل خلقهم ، وما خلفهم : هو ما بعد موتهم . والثاني : ما بين أيديهم : ما أظهروه ، وما خلفهم : ما كتموه . ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ﴾ أي من معلومه إلا أن يطلعهم عليه ويعلمهم إياه . ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ في الكرسي قولان : ه أحدهما : أنه من صفات الله تعالى : والثاني : أنه من أوصاف ملكوته(٣٤٦). فإذا قيل إنه من صفاته ففيه أربعة أقاويل : (٣٤٤) ديوانه ( ٥٧ ). (٣٤٥) الأغاني (٣١١/٩)، مجاز القرآن (٧٨/١). (٣٤٦) والصحيح أنه من أوصاف ملكوته وأنه موضع القدمين كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما. رواه الحاكم (٢٧٢/٢) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وقد قال العلماء : هو (أي الكرسي) بين يدي العرش کالمرقاة له راجع فتح الباري (١٩٩/٨ ). ٣٢٤ سورة البقرة الآية - ٢٥٥ أحدها : أنه علم الله ، قاله ابن عباس (٣٤٧). والثاني : أنه قدرة الله(*). والثالث : ملك الله . والرابع : تدبير الله . وإذا قيل إنه من أوصاف ملكوته ففيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه العرش ، قاله الحسن (٣٤٨). والثاني : أنه سرير دون العرش(٣٤٩). والثالث : هو كرسي تحت العرش ، والعرش فوق الماء . وأصل الكرسي العلم ، ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب : كراسة ، قال أبو ذؤيب : مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ولا بكرسيّ علم الغيب مخلوق وقيل للعلماء : الكراسي ، لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم : أوتاد الأرض ، لأنهم الذين بهم تصلح الأرض ، قال الشاعر : كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ (٣٥٠) يحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية أي علماء بحوادث الأمور، فدلت هذه الشواهد، على أن أصح (٣٤٧) ولم يصح عن ابن عباس هذا التفسير فقد رواه البيهقي في الأسماء والصفات . وقال البيهقي بعد روايته : - تفرد به يحيى بن سعيد السعدي وهو منكر الحديث لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد كما قال النقاد من المحدثين وقد روى البيهقي له شاهداً وفي سنده إبراهيم بن هشام وكذبه أبو زرعة وأبو حاتم ولهذا قال الشيخ محمود محمد شاكر في تخريج الطبري (٤٠١/٥) وهي رواية شاذة لا يقوم عليها دليل من كلام العرب ولذلك رجح أبو منصور الأزهري الرواية الصحيحة عن ابن عباس التي تقول : إن الكرسي موضع القدمين وقال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها . (*) وفي نسخة أخرى للمخطوطة : الكرسي موضع القدمين. اهـ. قلت: وهي الرواية الصحيحة كما تقدم وكان ينبغي لمحقق المطبوعة الإتيان بها . (٣٤٨) وهذا أيضاً لم يصح عن الحسن فقد رواه ابن جرير (٣٩٩/٥) وفي سنده جويبر بن سعيد الأزدي وهو ضعيف جداً . (٣٤٩) هذا القول الثاني هو أرجح الأقوال كما سبق وأزيد هنا أن رواية ابن عباس رضي الله عنه المتقدمة في التعليق السابق أن الكرسي موضع القدمين. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (١٩٩/٨ ) وروی · ابن المنذر بإسناد صحيح عن أبي موسى مثله . (٣٥٠) وفي الطبري (٤٠٢/٥) الشطر الأول من البيت: ((يحف بهم بيض الوجوه وعَصْبَةَ » وكذا في أساس البلاغة للزمخشري مادة ( کرس ). ٣٢٥ سورة البقرة الآ ية - ٢٥٦ تأويلاته(٣٥١)، ما قاله ابن عباس ، أنه علم الله تعالى . وقرأ يعقوب الحضرمي : وُسْعُ كرسيّه السمواتُ والأرضُ بتسكين السين من وسع وضم العين ورفع السموات والأرض على الابتداء والخبر ، وفي تأويله وجهان : أحدهما : لا يثقله حفظهما في قول الجمهور . والثاني : لا يتعاظمه حفظهما ، حكاه أبان بن تغلب . وأنشد : ألا بكُّ سلمى اليوم بت جديدها وضَنّت وما كان النوال يؤودها واختلفوا في الكناية بالهاء إلى ماذا تعود ؟ على قولين : أحدهما : إلى اسم الله ، وتقديره ولا يُثقل الله حفظ السموات والأرض . والثاني : تعود إلى الكرسي ، وتقديره ولا يثقل الكرسيَّ حفظهما . ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ في العلي تأويلان: أحدهما : العلي بالاقتدار ونفوذ السلطان (٣٥٢). والثاني : العلي عن الأشباه والأمثال . وفي الفرق بين العلي والعالي ، وجهان محتملان : أحدهما : أن العالي هو الموجود في محل العلو، والعلي هو مستحق العلو . والثاني : أن العالي هو الذي يجوز أن يُشَارَكَ في علوه ، والعلي هو الذي لا يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، فعلى هذا الوجه ، يجوز أن نصف الله بالعليّ ، ولا يجوز أن نصفه بالعالي ، وعلى الوجه الأول يجوز أن نصفه بهما جميعاً . لَا إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَدَ تَّبَيَّنَ الرُّشِّدُ مِنَ الْغَيَّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِ. (٣٥١) وقد ذهب المؤلف في ترجيح هذا القول مذهب ابن جرير رحمه الله وقد علمت مما تقدم أن هذا التأويل لا يصح عن ابن عباس فكن على حذر من أمرك . (٣٥٢) وما الضير في أن نصف الله تعالى بالعلو المطلق فهو عَليِّ عن الأشباه والأمثال وعَلِيِّ ذو عُلُوٌّ وارتفاع على خلقه لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه كما وصف نفسه أنه على العرش فمن أثبت هذا فقد سلم من تحريف المحرفين وتأويل المتكلمين اللهم عفواً . ٣٢٦ سورة البقرة الآية - ٢٥٦ ٢٥٦ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَ انفِصَامَ لَهَا وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ قوله تعالى : ﴿لَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أن ذلك في أهل الكتاب ، لا يُكْرَهُون على الدين إذا بذلوا الجزية ، قاله قتادة . والثاني : أنها نزلت في الأنصار خاصة ، كانت المرأة منهم تكون مِقْلَاةً لا يعيش لها ولد ، فتجعل على نفسها ، إن عاش لها ولد أن تهوّده ، ترجو به طول العمر، وهذا قبل الإِسلام، فلما أجلى رسول الله وَلفي بني النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار ، فقالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا ؟ فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس . والثالث : أنها منسوخة بفرض القتال ، قاله ابن زيد . ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ﴾ فيه سبعة أقوال : أحدها : أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب (٣٥٣). والثاني : أنه الساحر ، وهو قول أبي العالية . والثالث : الكاهن ، وهو قول سعيد بن جبير(٣٥٤). والرابع : الأصنام . والخامس : مَرَدَة الإِنس والجن . والسادس : أنه كل ذي طغيان طغى على الله ، فيعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، أو بطاعة له ، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً ، وهذا قول أبي جعفر الطبري . والسابع : أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء ، كما قال تعالى : ﴿إِنَّ النَّفْسَ لْأَمَّارَةً بِالسُّوْءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. (٣٥٣) قال الحافظ رحمه الله (٢٥٢/٨): رواه عبد بن حميد في تفسيره ومسدد في مسنده وعبد الرحمن ابن رسته في كتاب الإيمان من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر وإسناده قوي. ا. هـ. وزاد ابن کثیر نسبته لابن جرير وابن أبي حاتم (٣١١/١). (٣٥٤) رواه الطبري بإسناد صححه الحافظ ابن حجر (٢٥٢/٨). ٣٢٧ سورة البقرة الآية - ٢٥٧ واختلفوا في ﴿ الطَّاغُوتِ ﴾ على وجهين: أحدهما : أنه اسم أعجمي معرّب ، يقع على الواحد والجماعة . والثاني : أنه اسم عربي مشتق من الطاغية ، قاله ابن بحر . ﴿ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فيها أربعة أوجه : أحدها : هي الإِيمان بالله ، وهو قول مجاهد . والثاني : سنة الرسول . والثالث : التوفيق . والرابع : القرآن ، قاله السدي . ﴿ لا آنفِصَامَ لَهَا ﴾ فيه قولان : أحدهما : لا انقطاع لها ، قاله السدي . والثاني : لا انكسار لها ، وأصل الفصم : الصدع . اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْيُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِّ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٢٥٧ قوله عز وجل: ﴿آللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما : يتولاهم بالنصرة . والثاني : بالإِرشاد . ﴿ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى ، قاله قتادة . والثاني : يخرجهم من ظلمات العذاب في النار، إلى نور الثواب في الجنة . وَلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ يكون على وجهين : أحدهما : يخرجونهم من نور الهدى إلى ظلمات الضلالة . ٣٢٨ سورة البقرة الآية - ٢٥٨ والثاني : يخرجونهم من نور الثواب إلى ظلمة العذاب في النار . وعلى وجه ثالث لأصحاب الخواطر : أنهم يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الهوى . فإن قيل : فکیف یخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه ؟ فعن ذلك جوابان : أحدهما : أنها نزلت في قوم مُرْتَدِّين ، قاله مجاهد . والثاني : أنها نزلت فيمن لم يزل كافراً، وإنما قال ذلك لأنهم لو لم يفعلوا ذلك بهم لدخلوا فيه ، فصاروا بما فعلوه بمنزلة من قد أخرجهم منه . وفيه وجه ثالث : أنهم كانوا على الفطرة عند أخذ الميثاق عليهم ، فلما حَمَلُوهم على الكفر أخرجوهم من نور فطرتهم . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَهِمَ فِ رَبِّهِ: أَنْ ءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ إِذْقَالَ إِنْرَهِمُ رَبِ الَّذِى يُخِى، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِى، وَأُمِيثٌ قَالَ إِبْرَهِعِمُ فَإِنَّ الَهَ يَأْتِىِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرٍ وَلَهُ لَ يَهْدِى ٢٥٨ اُلْقَوْمَ الظَِّلِمِينَ قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ هو النمرود بن كنعان ، وهو أول من تجبّر في الأرض وادّعى الربوبية . ﴿ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : هو النمرود لما أوتي الملك حاجًّ في الله تعالى ، وهو قول الحسن . والثاني : هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود ، قاله أبو حذيفة . ٠ وفي المحاجّة وجهان محتملان : أحدهما : أنه معارضة الحجة بمثلها . والثاني : أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها . ٣٢٩ سورة البقرة الآية - ٢٥٨ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ: أَنَا أُحْبِي وَأَمِيتُ ﴾ يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء ، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل ، فعارض اللفظ بمثله ، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما. قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾ فإن قيل : فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها ، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء ؟ ففيه جوابان : أحدهما : أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيداً عليه في الحجة . والجواب الثاني : أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه ، قطعاً له واستظهاراً عليه قال : فَإِنَّ اللَّهَ بِأَتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فإن قيل فَهَلَا عارضَه النمرود بأن قال : فليأتِ بها ربك من المغرب ؟ ففيه جوابان : أحدهما : أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة . والجواب الثاني : أنه علم بما رأى معه من الآيات أنه يفعل فخاف أن يزداد فضيحة . ﴿ قَبُّهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : يعني تحيّر . والثاني : معناه انقطع ، وهو قول أبي عبيدة . وقرىء : فَبَهَت الذي كفر بفتح الباء والهاء بمعنى أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان . وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : لا يعينهم على نصرة الظلم . والثاني : لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم . ويحتمل الظلم هنا وجهين : أحدهما : أنه الكفر خاصة . والثاني : أنه التعدي من الحق إلى الباطل . ٣٣٠ سورة البقرة الآية - ٢٥٩ أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّ يُحِىء هَذِهِ اُللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً فَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامِ ثُمَّبَعَثَةٌ قَالَ كَمْ لَبِثْتُّ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْبَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَأَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةْ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُ هَاثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّا فَلَمَّا تَبَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩ ﴿ أَوْ كَأَلَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ اختلفوا في الذي مر على قرية على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه عزير ، قاله قتادة . والثاني : أنه إرمياء، وهو قول وهب . والثالث : أنه الخَضِر ، وهو قول ابن إسحاق . واختلفوا في القرية على قولين : أحدهما : هي بيت المقدس لما خرّبه بُخْتنصَّر، وهذا قول وهب وقتادة . والربيع بن أنس . والثاني : أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت ، قاله ابن زيد . ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىْ عُرُوشِهَا ﴾ في الخاوية قولان: أحدهما : الخراب ، وهو قول ابن عباس ، والربيع ، والضحاك . والثاني : الخالية . وأصل الخواء الخلو ، يقال خوت الدار إذا خلت من أهلها ، والخواء الجوع لخلو البطن من الغذاء و﴿ عَلَىْ عُرُوشِهَا﴾: على أبنيتها ، والعرش : البناء. قَالَ أَتَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يعمرها بعد خرابها . والثاني : يعيد أهلها بعد هلاكهم . ٣٣١ سورة البقرة الآ ية - ٢٥٩ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِْتَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ : كَمْ لَبِثْتَ ﴾ أي مكث . قَالَ : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ لأن الله تعالى أماته في أول النهار ، وأحياه بعد مائة عام آخر النهار (٣٥٥)، فقال: يوماً، ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال: ﴿ أُوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾. ﴿ قَالَ: بَل لَّبِثْتَ مِْتَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : معناه لم يتغير ، من الماء الآسن وهو غير المتغير ، قال ابن زيد : والفرق بين الآسن والآجن أن الآجن المتغير الذي يمكن شربه والآسن المتغير الذي لا يمكن شربه . والثاني : معناه لم تأتِ عليه السنون فيصير متغيراً(٣٥٦)، قاله أبو عبيد. قيل : إن طعامه كان عصيراً وتيناً وعنباً، فوجد العصير حلواً، ووجد التين والعنب طرياً جنيًّا. فإن قيل : فكيف علم أنه مات مائة عام ولم يتغير فيها طعامه ؟ قيل : إنه رجع إلى حاله فعلم - بالآثار والأخبار، وأنه شاهد أولاد أولاده شيوخاً، وكان قد خلف آباءهم مُرْداً - أنه مات مائة عام. وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : أن عزيراً خرج من أهله وخلف امرأته حاملاً وله خمسون سنة ، فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه فرجع إلى أهله ، وهو ابن خمسين سنة ، وله ولد هو ابن مائة سنة ، فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة ، وهو الذي جعله الله آية للناس . وفي قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُشِرُهَا﴾ قراءتان : إحداهما : ننشرُها بالراء المهملة ، قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو ، ومعناه نحييها . والنشور: الحياة بعد الموت ، مأخوذ من نشر الثوب ، لأن الميت (٣٥٥) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله استدل بهذه الآية بعض أئمة الأصول على مشروعية القياس بأنها تضمنت قياس إحياء هذه القرية وأهلها وعمارتها لما فيها من الرزق بعد خرابها على إحياء هذا المارّ . وإحياء حماره بعد موتهما بما كان مع المارّ من الرزق أ. هـ (٢٠٠/٨ فتح). (٣٥٦) وهذا التأويل على القراءة الثانية وهي قراءة يعقوب حيث قرأ [ لم يتسن ] بتشديد النون بلا هاء. ٣٣٢ سورة البقرة الآية - ٢٦٠ كالمطوي ، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت ، فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل : نُشِرَ وأُنشِر . والقراءة الثانية : قرأ بها الباقون ننشِزُها بالزاي المعجمة ، يعني نرفع بعضها إلى بعض ، وأصل النشوز الارتفاع ، ومنه النشز اسم للموضع المرتفع من الأرض ، ومنه نشوز المرأة لارتفاعها عن طاعة الزوج . وقيل إنَّ الله أحيا عينيه وأعاد بصره قبل إحياء جسده ، فكان يرى اجتماع عظامه واكتساءها لحماً ، ورأى كيف أحيا الله حماره وجمع عظامه . واختلفوا في القائل له : كم لبثت على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه ملك . والثاني : نبي . والثالث : أنه بعض المؤمنين المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه . وَإِذْقَالَ إِنْزَهِعِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوَّْ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَّىٌ وَلَكِنْ لِيَطْمَبِنَّ قَلِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَ جْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًّاً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزُ حَكِيمٌ (٢٦٠ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي ◌َيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ اختلفوا لِمَ سأله عن ذلك ؟ على قولين : أحدهما : أنه رأى جيفة تمزقها السباع فقال ذلك ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، والضحاك . والثاني : لمنازعة النمرود له في الإِحياء ، قاله ابن إسحاق . ولأي الأمرين كان ، فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال . ولذلك قال الله تعالى له : ﴿أُوَ لَمْ تُؤْمِنِ؟ قَالَ: بَلَىْ وَلَكِن لَّيَظْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ فيه ثلاثة أوجه : ٣٣٣ سورة البقرة الآية - ٢٦٠ أحدها : يعني ليزداد يقيناً إلى يقينه ، هكذا قال الحسن ، وقتادة ، وسعيد ابن جبير ، والربيع ، ولا يجوز ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك ، لأن الشك في ذلك كفر لا يجوز على نبي . والثاني : أراد ليطمئن قلبي أنك أجبت مسألتي ، واتخذتني خليلاً كما وعدتني ، وهذا قول ابن السائب . والثالث : أنه لم يرد رؤية القلب ، وإنما أراد رؤية العين ، قاله الأخفش . ونفر بعض من قال بغوامض المعاني من هذا الالتزام وقال : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب بالإِيمان ، وهذا التأويل فاسد بما يعقبه من البيان (٣٥٧). وليست الألف في قوله: ﴿أُوَ لَمْ تُؤْمِن﴾ ألف استفهام وإنما هي ألف إیجاب کقول جرير : وأندى العالمين بطون راح ألستم خیر من رکب المطايا قَالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ فيها قولان : أحدهما : هن : الديك ، والطاووس ، والغراب ، والحمام ، قاله مجاهد . والثاني : أربعة من الشقانين(*)، قاله ابن عباس . فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قرأت الجماعة بضم الصاد ، وقرأ حمزة وحده بكسرها ، واختلف في الضم والكسر على قولين : أحدهما : أن معناه متفق ولفظهما مختلف ، فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أقاويل : أحدها : معناه انْتَفْهُنَّ بريشهن ولحومهن ، قاله مجاهد . والثاني : قَطِّعْهُن، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير، والحسن . قال الضحاك : هي بالنبطية صرتا ، وهي التشقق . (٣٥٧) يا ليت أبا الحسن رحمه الله تعقب على قول هذا البعض عند قوله: ((فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر)) كما تعقب على قولهم هنا وقد أحسن حيث حكم عليه بالفساد . (*) هكذا بالأصل ولعله الشقاريق جمع شقراق وهو طائر أعظم من الحمام . ٣٣٤ سورة البقرة الآية - ٢٦٠ والثالث : اضْمُمْهُن إليك ، قاله عطاء ، وابن زيد . والرابع : أَمِلْهُن إليك ، والصور: الميل ، ومنه قول الشاعر في وصف إبل : تصور أنوفها ريح الجنوب تظَلُّ مُعقّلات السوق خرساً والقول الثاني : أن معنى الضم والكسر مختلف ، وفي اختلافهما قولان : أحدهما : قاله أبو عبيدة أن معناه بالضم : اجْمَعْهن ، وبالكسر : قَطِّعْهُنّ . والثاني : قاله الكسائي ومعناه بالضم أَمِلْهُنّ ، وبالكسر : أقْبِلْ بهن . ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً﴾ فيه أربعة أقاويل : أحدها : أنها كانت أربعة جبال ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة . والثاني : أنها كانت سبعة ، قاله ابن جريج ، والسدي . والثالث : كل جبل ، قاله مجاهد . والرابع : أنه أراد جهات الدنيا الأربع ، وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب ، فمثّلها بالجبال ، قاله ابن بحر . واختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتاً ، أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتاً، ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى کیف يحيي الله الموتى كما سأل ربه ، وهو قول الأكثرين . والثاني : أنه فَرَّقَهُن أحياء ، ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه ، يستدل بعودهن إليه بالدعاء ، على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً، ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتاً له، قاله ابن بحر . والجزء من كل شيء هو بعضه سواءً كان منقسماً على صحة أو غير منقسم ، والسهم هو المنقسم عليه جميعه على صحة . فإنْ قيل : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله : ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فعنه جوابان: أحدهما : أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف ، وما سأله إبراهيم خاص يصح . ٣٣٥ سورة البقرة الآية - ٢٦١ والثاني : أن الأحوال تختلف ، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإِجابة ، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن . قال ابن عباس : أمر الله إبراهيم بهذا قبل أن يولد له ، وقبل أن يُنَزِّلَ عليه الصُّحُف . وحُكِيَ : أن إبراهيم ذبح الأربعة من الطير ، ودق أجسامهن في الهاون لا روحهن(*)، وجعل المختلط من لحومهن عشرة أجزاء على عشرة جبال ، ثم جعل مناقيرها بين أصابعه ، ثم دعاهن فأتين سعياً ، تطاير اللحم إلى اللحم ، والجلد إلى الجلد ، والريش إلى الريش ، فذهب بعض من يتفقه من المفسرين إلى من وصّى بجزء من ماله لرجل أنها وصية بالعُشْر ، لأن إبراهيم وضع أجزاء الطير على عشرة جبال . مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَاِلَ في كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُيُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ! (٢٦١ قوله تعالى: ﴿مِّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : يعني في الجهاد ، قاله ابن زيد . والثاني : في أبواب البر كلها . كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ ضرب الله ذلك مثلاً في أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف ، وفي مضاعفة ذلك في غير ذلك من الطاعات قولان : أحدهما : أن الحسنة في غير ذلك بعشرة أمثالها ، قاله ابن زيد . والثاني : يجوز مضاعفتها بسبعمائة ضعف ، قاله الضحاك . وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ يحتمل أمرين : أحدهما : يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء . والثاني : يضاعف الزيادة على ذلك لمن يشاء . (٥) هكذا بالأصل . ٣٣٦ سورة البقرة الآية - ٢٦٢ - ٢٦٤ ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فيه قولان : أحدهما : واسع لا يَضِيق عن الزيادة ، عليم بمن يستحقها ، قاله ابن زيد . والثاني : واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة ، عليم بما كان من النفقة . ويحتمل تأويلاً ثالثاً: واسع القدرة ، عليم بالمصلحة . الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذِىٌّ قَوْلٌ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ٢٦٢ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ (٣) يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْلَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُرِقَآءَ النَّاسِ وَلَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُ كَمَثَلٍ صَقْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلّدًّا لََّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ (٢٦٤ قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواْ مَثَّأَ وَلاَ أَذىَّ ﴾ المَنّ في ذلك أن يقول: أحسنت إليك ونعّشتك، والأذى أن يقول : أنت أبداً فقير ، ومن أبلاني بك ، مما يؤذي قلب المُعْطَى . ◌ِ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ يعني ما استحقوه فيما وعدهم به على نفقتهم . ﴿ وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : لا خوف عليهم في فوات الأجر . والثاني : لا خوف عليهم من أهوال الآخرة . ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : لا يحزنون على ما أنفقوه . والثاني : لا يحزنون على ما خلفوه . وقيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه فيما أنفقه على جيش العسرة في غزاة تبوك . ٣٣٧ سورة البقرة الآية - ٢٦٢ - ٢٦٤ قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ يعني قولاً حسناً بدلاً من المن والأذى ويحتمل وجهين : أحدهما : أن يدني إن أعطى . والثاني : يدعو إن منع . ﴿ وَمَغْفِرَةٌ﴾ فيها أربعة تأويلات : أحدها : يعني العفو عن أذى السائل . والثاني : يعني بالمغفرة السلامة من المعصية . والثالث : أنه ترك الصدقة والمنع منها ، قاله ابن بحر . والرابع : هو يستر عليه فقره ولا يفضحه به . ﴿ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً ﴾ يحتمل الأذى هنا وجهين : أحدهما : أنه المنّ . والثاني : أنه التعبير بالفقر . ويحتمل قوله : ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىٍ ﴾ وجهين : أحدهما : خير منها على العطاء . والثاني : خير منها عند الله . رُوي عن النبيِ وَّ﴿ أنه قال: ((المنّانُ بِمَا يُعْطِي لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القَيَّامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَ يُزَكِّيهِ وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ))(٣٥٨). قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىْ ﴾ يريد إبطال الفضل دون الثواب . ويحتمل وجهاً ثانياً: إبطال موقعها في نفس المُعْطِئ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِثَاءَ النَّاسِ وَلَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الأُخِرِ ﴾ القاصد بنفقته (٣٥٨) رواه مسلم (رقم ١٠٦ في الإيمان) وأحمد (١٥٨/٥) وأبو داود ( ٤٠٧٨، ٤٠٨٨) والترمذي (١٢١١) (٢٤٥/٧) وابن ماجه (٢٢٠٨) من حديث أبي ذر رضي الله عنه وزاد السيوطي نسبته في الدر (٢٤٨/٢) لعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان . تنبيه : - لا يصح تصدير الحديث بصيغة التحديث المشعرة بضعف الحديث فإن الحديث صحيح كما رأيت هذا وقد تكرر هذا الصنيع من أبي الحسن رحمه الله فتنبه . ٣٣٨ سورة البقرة الآية - ٢٦٥ الرياء غير مُثَابٍ ، لأنه لم يقصد وجه الله ، فيستحق ثوابه ، وخالف صاحب المَنِّ والأذى القاصِدَ وجه الله المستحق ثوابه ، وإن کرر عطاءَه وأبطل فضله . ثم قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ ﴾ الصفوان : جمع صفوانة ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه . والثاني : أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة ، حكاه أبان بن تغلب . فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾ وهو المطر العظيم القَطْرِ، العظيم(*) الوَقْع. ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْداً ﴾ الصلد من الحجارة ما صَلُبَ، ومن الأرض مَا لَمْ ينبت، تشبيهاً بالحجر الذي لا ينبت . ﴿لَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ يعني مما أنفقوا، فعبّر عن النفقة بالكسب ، لأنهم قصدوا بها الكسب ، فضرب هذا مثلاً للمُرَائِي في إبطال ثوابه ، ولصاحب المَنِّ والأذى في إبطال فضله . وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَتْبِيتًامِنْ أَنْفُسِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِبِرَبُوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنِ ٢٦٥ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ أَبْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : في نُصرة أهل دينه من المجاهدين. والثاني : في معونة أهل طاعته من المسلمين . وَتَثْبِيتَاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : تثبيتاً من أنفسهم بقوة اليقين ، والنصرة في الدين ، وهو معنى قول الشعبي ، وابن زيد ، والسدي . (*) وفي نسخة : الشديد الوقع . ٣٣٩ سورة البقرة الآية - ٢٦٦ والثاني : يتثبتون أين يضعون صدقاتهم ، قاله الحسن ، ومجاهد . والثالث : يعني احتساباً لأنفسهم عند الله ، قاله ابن عباس ، وقتادة . والرابع : توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله ، قاله بعض المتكلمين . ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ في الربوة قولان : أحدهما : هي الموضع المرتفع من الأرض ، وقيل المُسْتَوِي في ارتفاعه . والثاني : كل ما ارتفع عن مسيل الماء ، قاله اليزيدي . ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ في الوابل وجهان : أحدهما : المطر الشديد . والثاني : الكثير ، قال عدي بن زيد : قليل لها مني وإن سخطت بأن أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا فَتَتْ أَكُلَهَا ضِعْفَيْنٍ﴾ وإنما خص الربوة لأن نبتها أحسن ، وريعها أكثر، قال الأعشى : خضراء جاد عليها مسبل هطل (٣٥٩) ما روضة من رياض الحزن معيشة والأكُل ، بالضم : الطعام لأن من شأنه أن يؤكل . ومعنى ضعفين : مثلين ، لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه ، وضعفاه : مثلاه زائداً عليه ، وقيل ضعف الشيء مثلاه ، والأول قول الجمهور . فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلَّ﴾ الطل: الندى، وهو دون المطر، والعرب تقول : الطل أحد المطرين ، وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً ، وفيه - وإن قل - تماسكُ ونَفْعٌ ، فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع ، وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع ، ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره ، كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر . أَيَوَدُّأَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُجَنَّةٌ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَانٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا (٣٥٩) ديوانه ( ٤٣) والشطر الأول فيه : ما روضة من رياض الحزن مُعشِبةً .... وكذا هو في الطبري (٥٣٥/٥). ٣٤٠