النص المفهرس

صفحات 301-320

سورة البقرة الآية - ٢٣٣
ابن عم دون النساء من الورثة ، وهذا قول عمر بن الخطاب ، ومجاهد .
والثاني : ورثته من الرجال والنساء ، وهو قول قتادة .
والثالث : هم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم ، وهذا قول أبي حنيفة .
والرابع : أنهم الأجداد ثم الأمهات ، وهذا قول الشافعي .
وفي قوله تعالى : ﴿مِثْلُ ذُلِكَ ﴾ تأويلان:
أحدهما : أن على الوارث مثل ما كان على والده من أجرة رضاعته ونفقته ،
وهو قول الحسن ، وقتادة ، وإبراهيم .
والثاني : أن على الوارث مثل ذلك في ألَّ تضار والدة بولدها، وهذا قول
الضحاك ، والزهري .
ثم قال تعالى: ﴿فِإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيهِمَا﴾ والفصال : الفصام ، سمي فصالاً لانفصال المولود عن ثدي أمه ، من
قولهم قد فاصل فلان فلاناً إذا فارقه من خلطة كانت بينهما . والتشاور : استخراج
الرأي بالمشاورة .
وفي زمان هذا الفِصال عن تراض قولان :
أحدهما : أنه قبل الحولين إذا تراضى الوالدان بفطام المولود فيه جاز ، وإن
رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجز ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة، والزهري، والسدي.
والقول الثاني : أنه قبل الحولين وبعده ، وهذا قول ابن عباس .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُم﴾ يعني لأولادكم،
فحذف اللام اكتفاء بأن الاسترضاع لا يكون للأولاد ، وهذا عند امتناع الأم من
إرضاعه ، فلا جناح عليه أن يسترضع له غيرها ظِئْراً .
إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن ،
وهذا قول مجاهد ، والسدي .
والثاني : إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان
في إرضاعه ، وهذا قول قتادة ، والزهري .
٣٠١

سورة البقرة الآية - ٢٣٤
والثالث : إذا سلّمتم إلى المرضعة التي تستأجر أجرها بالمعروف ، وهذا قول
سفيان .
وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَ أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ
٢٣٤
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهُنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ يعني بالتربص زمان العِدّة في المتوفَّى زوجُها، وقيل في زيادة
العشرة على الأشهر الأربعة ما قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية أن الله تعالى ينفخ
الروح في العشرة ، ثم ذكر العشر بالتأنيث تغليباً لليالي على الأيام إذا اجتمعت لأن
ابتداء الشهور طلوع الهلال ودخول الليل ، فكان تغليب الأوائل على الثواني أوْلى .
واختلفوا في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين :
أحدهما : أن الإِحْدَاد فيها واجب ، وهو قول ابن عباس ، والزهري .
والثاني : ليس بواجب ، وهو قول الحسن .
روى عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لمّا أصيب
جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله وَالفجر: ((تَسَلَّبِي ثَلَاثاً ثُمَّ اصْنَعِي مَا
شِئْتٍ ))(٣٢٧). والإِحْدَادُ : الامتناع من الزينة ، والطيب ، والترجل ، والنقلة.
(٣٢٧) رواه الطبري (٨٧/٥) برقم (٥٠٨٨، ٥٠٨٩) وابن سعد (٢٠٦/٨) وأحمد بمعناه
(٣٦٩/٦، ٤٣٨) والطحاوي في معاني الآثار (٤٤/٢) والبيهقي (٤٣٨/٧ ) وصححه ابن حبان
كما قال الحافظ في الفتح (٤٢٩/٩) كلهم من طريق محمد بن طلحة عن الحكم بن عيينة عن
عبد الله بن شداد بن الهاد .... الحديث وهو مرسل وقد أعله البيهقي بالانقطاع بين عبد الله
وأسماء وقال لم يثبت سماع عبد الله من أسماء وقد ضعف البيهقي أيضاً محمد بن طلحة ولم يصب
في هذا التضعيف فمحمد ثقة ولهذا تعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي (٤٣٨/٧) والحديث
ضعفه ابن القيم في الزاد بالارسال (٦٩٧/٥) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٢٩/٩) إلى
الحديث بأنه ((قوي الاسناد)) ثم بعد أسطر حكم على الحديث بالشذوذ لمخالفته للأحاديث
الصحيحة ولا تعارض بين قول الحافظ هذا وذاك إذ قد يصح السند ولا يلزم منه حجة المتن كما هو
معلوم في قواعد الحديث . والحديث ضعفه الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد ( ٦٩٧/٥ ).
٣٠٢

سورة البقرة الآية - ٢٣٥
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَّهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فإن قيل : فما المعنى في رفع الجناح عن الرجال في بلوغ النساء
أجلهن ؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أن الخطاب تَوَجّه إلى الرجال فيما يلزم النساء من أحكام العِدّة ،
فإذا بلغن أجلهن ارتفع الجناح عن الرجال في الإنكار عليهن وأخذهن بأحكام
عددهن .
والثاني : أنه لا جناح على الرجال في نكاحهن بعد انقضاء عِدَدِهن .
ثم في قوله تعالى : ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ تأويلان:
أحدهما : من طيب ، وتزين ، ونقلة من مسكن ، وهو قول أبي جعفر
الطبري .
والثاني : النكاح الحلال ، وهو قول مجاهد . وهذه الآية ناسخة لقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى
الْحَولِ غَيرَ إِخْرَاج﴾ [البقرة: ٢٤٠] فإن قيل: فهي متقدمة والناسخ يجب أن يكون
متأخراً، قيل هو في التنزيل متأخر، وفي التلاوة متقدم. فإن قيل: فَلِمَ قُدِّم في التلاوة
مع تأخره في التنزيل؟ قيل: ليسبق القارىء إلى تلاوته ومعرفة حكمه حتى إن لم يقرأ
ما بعده من المنسوخ أجزأه.
وَلَجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَآءِأَوْأَكْنَنتُمْ فِى أَنْفُسِكُمّ
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا
مَّعْرُوفًاْ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ وَأَعْلَمُواْ
أَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ
٢٣٥
تنبيه: وقع في رواية ابن سعد وابن حبان بلفظ: ((تسلمي بدلاً من تسلبي)) وخطّ الحافظ ابن حجر ابن
=
حبان في هذا وبيّن فضيلة الشيخ أحمد شاكر بأن هذا خطأ من الناسخين وتصحيف منهم.
راجع ما كتبه العلامة أحمد شاكر في هذا الصدد ( ٨٧/٥ ) تخريج الطبري .
تسلبت المرأة : لبست السلاب بكسر السين وهي ثياب الحداد السواد يلبسها في المأتم .
٣٠٣

سورة البقرة الآية - ٢٣٥
قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ أما
التعريض ، فهو الإِشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح ، وأما الخِطبة بالكسر
فهي طلب النكاح ، وأما الخُطبة بالضَّمِ فهي كلام يتضمن وعظاً أو بلاغاً.
والتعريض المباح في العدة أن يقول لها : ما عليك أَيْمة ولعل الله أن يسوق إليك
خيراً، أو يقول : رُبَّ رجلٍ يَرْغب فيك ، إلى ما جرى مجرى هذه الألفاظ .
ثم قال تعالى: ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ يعني ما أسررتموه من عقدة
النكاح .
ثم قال تعالى: ﴿﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُ ونَهُنَّ وَلَكِن لَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ في
السر خمسة تأويلات :
أحدها : أنه الزنى ، وهو قول الحسن ، وأبي مجلز ، والسدي ، والضحاك
وقتادة .
والثاني : ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عددهن ألا ينكحن غيركم ، وهذا
قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والشعبي .
والثالث : ألا تنكحوهن في عددهن سراً، وهو قول عبد الرحمن بن زيد .
والرابع : أن يقول لها : لا تفوتني نفسك ، وهو قول مجاهد .
والخامس : الجماع ، وهو قول الشافعي .
ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ معناه: قولوا قولاً معروفاً،
وهو التعريض. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحَ حَتَى يَبْلُغَ الْكِتَابُ
أَجْلَهُ ﴾ .
وفي الكلام حذف وتقديره : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، يعني التصريح
بالخطبة . وفي ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ ﴾ قولان:
أحدهما : معناه فرض الكتاب أجله ، يريد انقضاء العدّة ، فحذف الفرض
اكتفاء بما دل عليه الكلام .
والثاني : أنه أراد بالكتاب الفرض تشبيهاً بكتاب .
٣٠٤

سورة البقرة الآية - ٢٣٦
لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْتَفْرِضُوْلَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِعُوهُنَّ
عَلَى الْمُوُسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
٣٦
قوله تعالى: ﴿لَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وقرأ حمزة
والكسائي : ﴿ تُمَاسُّوهُنَّ﴾.
﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾. وفيه قولان :
أحدهما : معناه ولم تفرضوا لهن فريضة .
والثاني : أن في الكلام حذفاً وتقديره : فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة .
والفريضة : الصداق وسمي فريضة لأنه قد أوجبه لها، وأصل الفرض : الواجب ،
كما قال الشاعر :
كانت فريضة ما أتيت كما كان الزِّناءُ فَريضةَ الرجْمِ (٣٢٨)
وكما يقال : فرض السلطان لفلان في الفيء ، يعني أوجب له ذلك .
ثم قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسرِ (*) قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِدِرِ قَدَرُهُ﴾ أي
أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على حسب أحوالكم في الغنى والإِقتار .
واختلف في قدر المتعة على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المتعة الخادم ، ودون ذلك الوَرِق ، ودون ذلك الكسوة ، وهو
قول ابن عباس .
والثاني : أنه قدر نصف صداق مثلها ، وهو قول أبي حنيفة .
والثالث : أنه مُقَدَّر باجتهاد الحاكم ، وهو قول الشافعي .
ثم قال تعالى: ﴿مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ واختلفوا في
وجوبها على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها واجبة لكل مطلقة ، وهو قول الحسن ، وأبي العالية .
(٣٢٨) تقدم تخريج هذا البيت وأنه للنابغة الجعدي .
(*) كذا في الأصول وهل هي قراءة أخرى .
٣٠٥

سورة البقرة الآية - ٢٣٧
والثاني : أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها ، فلا متعة لها ، وهو
قول ابن عمر ، وسعيد بن المسيب .
والثالث : أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق ، وهو قول
الشافعي .
والرابع : أنها غير واجبة ، وإنما الأمر بها ندب وإرشاد ، وهو قول شريح ،
والحكم .
وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْيَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ
٢٣٧
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُّ
قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ وهو أول الطلاقين
لمن كان قبل الدخول كارهاً ، لرواية سعيد ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن
النبي ﴿ أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُحِبُّ الذوَّاقِينَ وَلاَ الذَّوَّاقَاتِ))(٣٢٩).
يعني الفراق بعد الذوق .
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ يعني صداقاً ﴿ فَنِصْفُ مَا
قَرَضْتُم ﴾ فيه قولان :
أحدهما : معناه فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن(*)، ﴿ إِلاَّ أَن
يَعْفُونَ﴾ يعني به عفو الزوجة ، ليكون عفوها أدعى إلى خِطْبَتِها، ويرغب الأزواج
فيها .
(٣٢٩) رواه الطبري (١٣٩/٥) بسنده عن شهر بن حوشب عن النبي صل وهو مرسل كما ترى وقد ذكره
الهيثمي في المجمع (٣٣٥/٤) من حديث عبادة بن الصامت وقال ((رواه الطبراني وفيه راو لم يسم
وبقية إسناده حسن)) وجاء من حديث أبي موسى مرفوعاً وقال الهيثمي أيضاً (٣٣٥/٤) رواه الطبراني
في الكبير والأوسط والبزار وأحد أسانيد البزار فيه عمران القطان وثقه أحمد وابن حبان وضعفه يحيى
ابن سعيد وغيره وقد جمع طرق الحديث الشيخ الألباني في كتابه غاية المرام ص ١٥٧، ١٥٨ وقال
ابن الأثير في تفسير قوله ((الذواقين والذواقات)) معنى السريعي النكاح . السريعي الطلاق .
(*) لاحظ أن القول الثاني لم يذكر .
٣٠٦

سورة البقرة الآية - ٢٣٨، ٢٣٩
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْ يَعِفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها : أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي ، وهو قول ابن عباس ،
ومجاهد ، وطاووس، والحسن ، وعكرمة ، والسدي .
الثاني : هو الزوج ، وبه قال علي ، وشريح ، وسعيد بن المسيب وجبير بن
مطعم ، ومجاهد ، وأبو حذيفة .
والثالث : هو أبو بكر ، والسيد في أمته ، وهو قول مالك .
ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وفي المقصود بهذا الخطاب
قولان :
أحدهما : أنه خطاب للزوج وحده ، وهو قول الشعبي .
والثاني : أنه خطاب للزوج والزوجة ، وهو قول ابن عباس . وفي قوله:
أَقْرَبُ لِلَّقْوَى ﴾ تأويلان :
أحدهما : أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه .
والثاني : أقرب إلى اتقاء معاصي الله .
حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلِلَّهِ قَنِتِينَ
فَإِنْ
٢٣٨
خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْرُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَالَمْ
تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
قوله عز وجل : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾ وفي المحافظة عليها قولان :
أحدهما : ذكرها .
والثاني : تعجيلها .
ثم قال تعالى: ﴿وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ وإنما خص الوسطى بالذكر وإن
دخلت في جملة الصلوات لاختصاصها بالفضل ، وفيها خمسة أقاويل :
أحدها : أنها صلاة العصر ، وهو قول عليّ ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد
٣٠٧

سورة البقرة الآ ية - ٢٣٨، ٢٣٩
الخدري ، وأبي أيوب ، وعائشة ، وأم سلمة ، وحفصة، وأم حبيبة (٣٣٠).
روى عمرو بن رافع، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة زوج النبي ◌َريقة
أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغتَ مواقيت الصلاة فأخبرني ، حتى أخبرك بما
سمعت رسول اللّه ◌َلخير، فلما أخبرها قالت: أكتب، فإني سمعت رسول الله وَليه
يقول(٣٣١): ((حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ)).
وروى محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن عليّ رضي الله عنه
قال : لم يُصَلِّ رسول الله وَّرِ العصر يوم الخندق إلا بعدما غربت الشمس فقال:
((مَا لَهُم مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَهُم وَقُبُورَهُم نَاراً شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّىَ غَابَتِ
الشَّمْسُ)) (٣٣٢).
وروى التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وعليه:
((الصَّلَةُ الْوُسْطَى صَلَةُ الْعَصْرِ))(٣٣٣).
والقول الثاني : أنها صلاة الظهر ، وهو قول زيد بن ثابت ، وابن عمر . قال
ابن عمر: هي التي توجه فيها رسول الله وَلّه إلى القبلة .
(٣٣٠) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ((كونها العصر هو المعتمد وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة وهو
الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه . قال
الترمذي : هو قول أكثر علماء الصحابة وقال الماوردي : هو قول جمهور التابعين . وقال ابن
عبد البر : هو قول أكثر أهل الأثر .
وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية ويؤيده أيضاً ما روى مسلم عن البراء بن
عازب فنزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخت فنزلت حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل فهي إذن صلاة العصر ، فقال أخبرتك كيف نزلت . اهـ.
(١٦٩/٨ فتح ).
(٣٣١) رواه ابن أبي داود في المصاحف ( ص ٨٥) وصححها الشيخ أحمد شاكر في تخريج الطبري
(١٧٨/٥) والحديث ورد بروايات عن حفصة كثيرة أنظرها في الدر المنثور (٧٢٢/١).
(٣٣٢) رواه البخاري (٧٦/٦، ٣١٢/٧، ١٤٥/٨، ١٦٥/١١) وأبو داود (٤٠٩) وأحمد برقم
(٩٩٤) وابن حزم من طريق البخاري (٢٥٢/٤) المحلي والطبري (١٨٦/٥) برقم (٥٤٢٧)
بنفس رواية المؤلف كلهم من طريق محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي .
(٣٣٣) رواه ابن جرير (١٧٠/٥) برقم (٥٣٧٨) والبيهقي (٤٦٠/١، ٤٦١) وحسنه الشيخ مقبل في
تخريج ابن كثير (٥١٧/١) وأخرجه الطحاوي من طريق آخر عن أبي هريرة كما في الدر
(٧٢٦/١) وقد ورد الحديث من طريق أبي صالح عن أبي هريرة موقوفاً رواه البيهقي ( ٤٦٠/١،
٤٦١) وابن حزم (٢٥٨/٤ المحلي ) وابن جرير برقم (٥٣٩٠).
٣٠٨

سورة البقرة الآية - ٢٣٨، ٢٣٩
وروى ابن الزبير عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله وَالر يصلي الظهر
بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها ، قال فنزلت : ﴿ حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين (٣٣٤).
والقول الثالث : أنها صلاة المغرب ، وهو قول قبيصة بن ذؤيب لأنها ليست
بأقلها ولا بأكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله وَّه لم يؤخرها عن وقتها ولم
يعجلها .
والقول الرابع : أنها صلاة الصبح ، وهو قول ابن عباس ، وأبي موسى
الأشعري ، وجابر بن عبد الله ، قال ابن عابس يصليها بين سواد الليل وبياض
النهار، تعلقاً بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ولا صلاة مفروضة يقنت فيها إلا
الصبح ، ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار .
والقول الخامس : أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها ، ليكون
أبعث لهم على المحافظة على جميعها، وهذا قول نافع ، وابن المسيب ، والربيع
ابن خثیم .
وفيها قول سادس : أن الصلاة الوسطى صلاة الجمعة خاصة .
وفيها قول سابع : أن الصلاة الوسطى صلاة الجماعة من جميع الصلوات .
وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه :
أحدها : لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً، لأنها بين صلاتي ليل
وصلاتي نهار .
والثاني : لأنها أوسط الصلاة عدداً ، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان .
والثالث : لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله ، وتكون
الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى .
ثم قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ وفيه ستة تأويلات:
(٣٣٤) أخرجه أبو داود (٤١١) وأحمد (١٨٣/٥) والطحاوي في معاني الآثار (٩٩/١) والبيهقي
(٤٥٨/١) والطبري (٢٠٦/٥) برقم (٥٤٥٩) والبخاري في الكبير في ترجمة الزبرقان وزاد
السيوطي في الدر (٧٢٠/١) نسبته .
٣٠٩

سورة البقرة الآية - ٢٣٨ ، ٢٣٩
أحدها : يعني طائعين ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، والشعبي ، وسعيد بن
جبير ، والحسن ، وعطاء .
والثاني : ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم ، وهو قول ابن
مسعود ، وزيد بن أرقم ، والسدي ، وابن زيد .
والثالث : خاشعين ، نهياً عن العبث والتفلت ، وهو قول مجاهد ، والربيع
ابن أنس .
والرابع : داعين ، وهو مروي عن ابن عباس .
والخامس : طول القيام في الصلاة ، وهو قول ابن عمر .
والسادس :.... (*) وهو مروي عن ابن عمر أيضاً.
واختلف في أصل القنوت ، على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن أصله الدوام على أمر واحد .
والثاني : أصله الطاعة .
والثالث : أصله الدعاء .
قوله عز وجل : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَو رُكْبَاناً﴾ الرجال جمع راجل،
والركبان جمع راكب ، مثل قائم وقيام . يعني فإن خفتم من عدوّكم ، فصلوا على
أرجلكم أو ركائبكم ، وقوفاً ومشاة ، إلى القبلة وغير القبلة ، مومئاً أو غير مومىء ،
على حسب قدرته .
واختلف في قدر صلاته ، فذهب الجمهور إلى أنها على عددها تُصَلَّى
ركعتين ، وقال الحسن : تُصَلَّى ركعة واحدة إذا كان خائفاً .
واختلفوا في وجوب الإِعادة عليه بعد أمنه ، فذهب أهل الحجاز إلى سقوط
الإِعادة عنه لعذره .
وذهب أهل العراق إلى وجوب الإِعادة عليه لأن مشيه فيها عمل ليس منها .
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُ وا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
وفيه تأويلان :
أحدهما : معناه فإذا أمنتم فصلّوا كما علّمكم ، وهو قول ابن زيد .
(*) وهنا كلمتان مطموستان في المخطوطة .
٣١٠

سورة البقرة الآية - ٢٤٠ - ٢٤٣
والثاني : يريد فاذكروه بالثناء عليه والحمد له ، كما علمكم من أمر دينكم ما
لم تكونوا تعلمون .
وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى
اُلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىّ
وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ
٢٤٠
أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ !
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
(٢٤٢
قوله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم﴾ الآية . أما الوصية فقد كانت بدل
الميراث ، ثم نسخت بآية المواريث ، وأما الحَوْل فقد كانت عِدّة المتوفى عنها
زوجها ، ونسخت بأربعة أشهر وعشر .
قوله عز وجل : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ..... (*)
والثاني : أنها لكل مطلقة ، وهذا قول سعيد بن جبير وأحد قولي الشافعي .
وقيل إن هذه الآية نزلت على سبب وهو أن الله عز وجل لمّا قال :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى
الْمُحْسِنِينَ ﴾ فقال رجل: إنْ أحسنتُ فعلت ، وإن لم أرد ذلك لم أفعل ، فقال الله
عز وجل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وهذا قول ابن
زيد ، وإنما خص المتقين بالذكر - وإن كان عاماً - تشريفاً لهم .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ
لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّأَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
(٥) هنا جملة مطموسة في الأصل .
٣١١

سورة البقرة الآية - ٢٤٣ - ٢٤٥
٤) وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُوَ أْ أَنَّاللَّهَ سَمِيعُ
النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
عَلِيمُ (أ ◌َمَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَأَضْعَافًا كَثِيرَةٌ
وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُّطٌ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٤٥
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ يعني ألم تعلم .
﴿ وَهُمْ أَلُوفٌ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني مُؤْتَلِفِي القلوب وهو قول ابن زيد .
والثاني : يعني ألوفاً في العدد .
واختلف قائلو هذا في عددهم على أربعة أقاويل :
أحدها : كانوا أربعة آلاف ، رواه سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
والثاني : كانوا ثمانية آلاف .
والثالث : كانوا بضعة وثلاثين ألفاً ، وهو قول السدي .
والرابع : كانوا أربعين ألفاً، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً، والألوف
تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف .
ثم قال تعالى : ﴿ حَذَرَ الْمَوتِ ﴾ وفيه قولان :
أحدهما : أنهم فرّوا من الطاعون ، وهذا قول الحسن ، ورَوَى سعيد بن
جبير قال : كانوا أربعة آلاف ، خرجوا فراراً من الطاعون ، وقالوا نأتي أرضاً ليس
بها موت ، فخرجوا ، حتّى إذا كانوا بأرض كذا ، قال الله لهم : موتوا فماتوا ، فمر
عليهم نبي ، فدعا ربه أن يحييهم ، فأحياهم الله .
القول الثاني : أنهم فروا من الجهاد ، وهذا قول عكرمة والضحاك .
فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني فأماتهم الله ، كما يقال : قالت السماء فمطرت ، لأن القول
مقدمة الأفعال ، فعبر به عنها .
والثاني : أنه تعالى قال قولاً سمعته الملائكة .
٣١٢

سورة البقرة الآية - ٢٤٦
﴿ ثُمَّ أُحْيَاهُمْ ﴾ إنما فعل ذلك معجزة لنبي من أنبيائه كان اسمه شمعون من
أنبياء بني إسرائيل ، وأن مدة موتهم إلى أن أحياهم الله سبعة أيام .
قال ابن عباس ، وابن جريج : رائحة الموت توجد في ولد ذلك السبط من
اليهود إلى يوم القيامة .
قوله عز وجل : ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الجهاد ، وهو قول ابن زيد .
والثاني : أبواب البر ، وهو قول الحسن ، ومنه قول الشاعر :
وإذا جُوزِيتَ قَرضاً فاجْزِه إنما يجزي الفتى ليس الجمل (٣٣٥)
قال الحسن : وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا : إن الله يستقرض
منا ، فنحن أغنياء، وهو فقير، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ [آل عمران: ١٨١].
قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافً كَثِيرَةً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : سبعمائة ضعف ، وهو قول ابن زید .
والثاني : لا يعلمه أحد إلا الله ، وهو قول السدي .
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما : يعني في الرزق ، وهو قول الحسن وابن زيد (٣٣٦).
والثاني : يقبض الصدقات ويبسط الجزاء ، وهو قول الزجاج .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاءِمِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىَ إِذْقَالُواْ لِنَتِ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا
مَلِكَا نُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِتَالُ اَلََّنُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا
(٣٣٥) هو لبيد بن ربيعة .
(٣٣٦) قال الإِمام أبو جعفر الطبري (٢٨٨/٥) يعني تعالى ذكره بذلك أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد
وبسطها دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة واتخذوه رباً دونه يعبدونه . اهـ.
٣١٣

سورة البقرة الآية - ٢٤٦، ٢٤٧
مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآمِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمُ
٢٤٦
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
قوله عز وجل : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِّ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الملأ: الجماعة.
﴿ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِيٍ لَهُم ﴾ اختلف أهل التأويل فيه على ثلاثة
أقاويل :
أحدها : أنه سمويل (٣٣٧)، وهو قول وهب بن منبه .
والثاني : يوشع بن نون ، وهو قول قتادة .
والثالث : شمعون ، سمّتْه أُمّه بذلك لأن الله سمع دعاءها فيه ، وهو قول
السدي .
أَبْعَثْ لَنَا مَلَكأَ نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في سبب سؤالهم لذلك قولان :
أحدهما : أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة ، وهو قول السدي .
والثاني : أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم ، فسألوا قتالهم ، وهو
قول وهب والربيع .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَأً قَالُوا أَنَّى
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ
اُلْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
٢٤٧
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ إلى
قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ قال وهب، والسدي : إنما أنكروا أن يكون
ملكاً عليهم ، لأنه لم يكن من سبط النبوة ، ولا من سبط المملكة ، بل كان من
أخمل سبط في بني إسرائيل .
(٣٣٧) وفي تفسير الطبري (٢٩١/٥) شمويل بالسين المعجمة ومنه تعلم أن ما هنا خطأ .
٣١٤

سورة البقرة الآية - ٢٤٨
قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ يعني زيادة
في العلم وعظماً في الجسم . واختلفوا هل كان ذلك فيه قبل الملك ؟ فقال وهب
· ابن منبه ، والسدي : كان له ذلك قبل الملك ، وقال ابن زيد : زيادة ذلك بعد
الملك .
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ وفي واسع ثلاثة أقاويل:
أحدها : واسع الفضل ، فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ ، كما يقال
فلان كبير ، بمعنى كبير القَدْر .
الثاني : أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه .
والثالث: أنه بمعنى ذو سعة .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْتَّابُوتُ فِيهِ.
سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ
(٢٤٨
تَحْمِلُهُ الْمَلَتِكَةُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنكُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
قوله عز وجل: ﴿وَقَالَ لَّهُم نَبِيُّهُم : إِنَّ ءَايَةَ مُلُكِهِ ﴾ أي علامة ملكه ﴿ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴾ قال وهب بن منبه : كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين .
فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُم ﴾ وفي السكينة ستة تأويلات :
أحدها : ريح هفَافة لها وجه (٣٣٨) كوجه الإِنسان ، وهذا قول عليّ عليه
السلام .
(٣٣٨) قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى في تفسيره: التابوت أي صندوق التوراة وكان موسى عليه السلام
إذا قاتل تقدم جیشه فکانت تسکن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون ﴿فيه سكينة من ربكم﴾ أي سكون
وطمأنينة. ﴿وَبَقِيَّةً﴾ هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة ونعلا موسى وعمامة
هارون عليهما السلام. مما ترك آل موسى وآل هارون أي مما تركه موسى وهارون و﴿الآل﴾ مقحم
لتفخيم شأنهما ﴿تحمله الملائكة﴾ يعني التابوت وكان رفعه الله بعد موسى فنزلت من الملائكة تحمله
وهم ينظرون إليه. ثم قال ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ إن في رجوع التابوت إليكم علامة
أن الله قد ملَّك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين.
٣١٥

سورة البقرة الآية - ٢٤٩
والثاني : أنها طست مِن ذهبٍ من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وهذا
قول ابن عباس والسدي .
والثالث : أنها روح من الله تعالى يتكلم ، وهذا قول وهب بن منبه .
والرابع : أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها ، وهذا قول عطاء بن أبي
رباح .
والخامس : أنها الرحمة ، وهو قول الربيع بن أنس .
والسادس : أنها الوقار ، وهو قول قتادة .
ثم قال تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ عَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ ﴾ وفيها أربعة
تأويلات :
أحدها : أن البقية عصا موسى ورُضاض الألواح ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أنها العلم والتوراة ، وهو قول عطاء .
والثالث : أنها الجهاد في سبيل الله ، وهو قول الضحاك .
والرابع : أنها التوراة وشيء من ثياب موسى ، وهو قول الحسن .
﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال الحسن: تحمله الملائكة بين السماء والأرض ،
ترونه عياناً، ويقولون : إن آدم نزل بالتابوت ، وبالركن .
واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم ، فقال ابن عباس ، ووهب كان في أيدي
العمالقة ، غلبوا عليه بني إسرائيل ، وقال قتادة كان في بريّة التيه ، خَلَّفَه هناك
يوشع بن نون ، قال أبو جعفر الطبري : وبلغني أن التابوت وعصا موسى
وبحيرة(٣٣٩) الطبرية ، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة .
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ
مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَّ إِلَّا مَنِ أَغْتَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ،
فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهٍُ
(٣٣٩) وفي تفسير الطبري (٣١٢/٥) وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية ومنه تعلم أن ما
هنا خطأ من الناسخ .
٣١٦

سورة البقرة الآية - ٢٤٩
قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِْ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ
أَنَّهُمْ قُلَقُواْ اللَّهِكَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ فِتَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ
٢٤٩
عرض صور
اُللَّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ
قوله تعالى: ﴿فَلِمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ وهو جمع جند ، والأجناد
للقليل ، وقيل : إنهم كانوا ثمانين ألف مقاتل .
قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ﴾ اختلفوا في النهر، فَحُكِيَ عن ابن عباس
والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين ، وقيل إنه نهر فلسطين ، قال وهب بن منبه :
السبب الذي ابتلوا لأجله بالنهر ، شِكَايَتُهم قِلةَ الماء وخوف العطش .
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ ﴾ أي ليس من أهل ولايتي .
ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنَِّ إِلَّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ قرأ نافع ، وابن كثير ،
وأبو عمرو بالفتح، وقرأ الباقون ((غرفة)) بالضم ، والفرق بينهما أن الغرفة بالضم
اسم للماء المشروب ، والغرفة بالفتح اسم للفعل .
◌ٍ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُم ﴾ قال عكرمة : جاز معه النهر أربعة آلاف ،
ونافق ستة وسبعون ألفاً ، فكان داود ممن خلص لله تعالى . قال ابن عباس : إن
من استكثر منه عَطِش ، ومن اغترف غرفة منه رُوِيَ .
فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ ﴾ قيل : كان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة
عشر رجلاً عدة أهل بدر. واختلفوا ، هل تجاوزه معهم كافر أم لا ؟ فَحُكِيَ عن
البراء ، والحسن ، وقتادة : أنه ما تجاوزه إلا مؤمن ، وقال ابن عباس ، والسدي :
تجاوزه الكافرون ، إلا أنهم انخذلوا عن المؤمنين .
قَالُوا : لَاَ طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ اختلفوا في تأويل ذلك على
قولين :
أحدهما : أنه قال ذلك مَنْ قّت بصيرته من المؤمنين ، وهو قول الحسن ،
وقتادة ، وابن زید .
والثاني : أنهم أهل الكفر الذين انخذلوا ، وهو قول ابن عباس ، والسدي ،
٣١٧

سورة البقرة الآية - ٢٥٠، ٢٥١
قال عكرمة : فنافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا كعدة أهل بدر ،
وداود فيهم .
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُواْ اللَّهِ﴾ وهم المؤمنون الباقون من الأربعة
الآلاف .
وفي الظن ها هنا قولان :
أحدهما : أنه بمعنى اليقين ، ومعناه الذين يستيقنون أنهم ملاقو الله كما قال
دريد بن الصُّمّة :
فقلت لهم ظُنُوا بِأَلْفَيْ مُدَجج
سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ (٣٤٠)
أی تیقنوا .
والثاني : بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقو الله بالقتل في الوقعة .
﴿كَم مِّنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ والفئة: الفرقة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ قال
الحسن : بنصر الله ، وذلك لأن الله إذا أذن في القتال نصر فيه على الوجه الذي
وقع الإِذن فيه . ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني بالنصرة والمعونة، وهذا تفسير الآية
عند جمهور المفسرين .
وذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني ، أن هذه الآية مَثّلٌ ضَرَبَهُ الله للدنيا
يشبهها بالنهر ، والشارب منه بالمائل إليها والمستكثر منها ، والتارك لشربه
بالمنحرف عنها والزاهد فيها ، والمغترف منه غرفة بيده بالآخذ منها قدر حاجته ،
وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة (٣٤١).
وَلَمَّا بَرَزُ واْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِذْنِ
اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُ, دُ جَالُوتَ وَءَاتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ
(٣٤٠) الأغاني (٤/٩).
(٣٤١) هذا الكلام من التفسير الإشاري الذي يزعم أصحابه أن الآيات لها ظواهر يعلمها العوام وبواطن
يعلمها أهل الحقيقة - زعموا - وهم بهذا القول يهرفون بما لا يعرفون ويقولون ما لا يعلمون .
٣١٨

سورة البقرة الآية - ٢٥١، ٢٥٢
مِمَايَشَآءٌ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ
تِلْكَ ءَايَتُ
وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ
اُللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
٢٥٢
قوله تعالى : ﴿ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ في الهزيمة قولان :
أحدهما : أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازاً .
والثاني : أنهم لما ألجئوا إليها صاروا سبباً لها ، فأضيفت إليهم لمكان
الإِلجاء . ويحتمل قوله : ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ وجهين :
أحدهما : بأمر الله لهم بقتالهم .
الثاني : بمعونة الله لهم على قتالهم .
وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ حُكِيَ أن جالوت خرج من صفوف عسكره يطلب
البراز؟ فلم يخرج إليه أحد ، فنادى طالوت في عسكره : مَنْ قتل جالوت فلهُ شطر
مُلكي وأزوّجه ابنتي ، فجاء داود وقد أخذ ثلاثة أحجار ، وكان قصيراً يرعى الغنم ،
وقد ألقى الله في نفسه أنه سيقتل جالوت ، فقال لطالوت : أنا أقتل جالوت ،
فازدراه طالوت حين رآه ، وقال له : هل جربت نفسك بشيء ؟ قال نعم ، قال :
بماذا ؟ قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ، ثم أخذت رأسه فقطعته في جسمه ،
فقال طالوت : الذئب ضعيف ، فهل جربت نفسك في غيره ؟ قال : نعم ، دخل
الأسد في غنمي ، فضربته ثم أخذت بِلَحْيَيْه فشققتها ، أفترى هذا أشد من الأسد ،
قال : لا ، وكان عند طالوت درع سابغة لا تستوي إلا على من يقتل جالوت ،
فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت ، وسار إلى جالوت فرماه بحجر فوقع بين عينيه
وخرج من قفاه ، فأصاب جماعة من عسكره فقتلهم وانهزم القوم عن آخرهم ،
وكانوا على ما حكاه عكرمة تسعين ألفاً .
واختلفواْ ، هل كان داود عند قتله جالوت نبياً ؟ ذهب بعضهم أنه كان نبياً ،
لأن هذا الفعل الخارج عن العادة ، لا يكون إلا من نبي ، وقال الحسن : لم يكن
نبياً، لأنه لا يجوز أن يُوَلِي مَنْ ليس بنبي على نبي . قال ابن السائب وإنما كان
٣١٩

سورة البقرة الآية - ٢٥١، ٢٥٢
راعياً فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته من بعد .
ثم إن طالوت ندم على ما بذله لداود من مشاطرته ملكه وتزويجه ابنته ،
واختلفوا هل كان ندمه قبل تزويجه ومشاطرته ، أم بعد ، على قولين :
أحدهما : أن طالوت وَفَّى بشرطه ، وزوج داود بإبنته ، وخلطه في ملكه
بنفسه ثم حسده ، فندم ، وأراد قتله ، فعلمت بنته بأنه يريد قتل زوجها ، وكانت
من أعقل النساء ، فنصبت له زق خمر بالمسك ، وألقت عليه ليلاً ثياب داود ،
فأقبل طالوت ، وقال لها : أين زوجك ؟ فأشارت إلى الزق ، فضربه بالسيف ،
فانفجر منه الخمر وسطع ريح المسك ، فقال يرحمك الله يا داود طبت حياً وميتاً ،
ثم أدركته الندامة ، فجعل ينوح عليه ويبكي ، فلما نظرت الجارية إلى جَزّعٍ
أبيها ، أخبرته الخبر ، ففرح ، وقاسم داود على شطر ملكه ، وهذا قول الضحاك ،
فعلى هذا يكون طالوت على طاعته حين موته ، لتوبته من معصيته .
والقول الثاني : أنه ندم قبل تزويجه على شرطه وبذله ، وعرّض داود للقتل ،
وقال له إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق أمثالهن ، وأنت رجل جريء ،
فاجعل صداقها قتل ثلاثمائة من أعدائنا ، وكان يرجو بذلك أن يقتل ، فغزا داود
وأسر ثلاثمائة ، فلم يجد طالوت بداً من تزويجه ، فزوجه بها ، وزاد ندامة فأراد
قتله ، وكان يدس عليه حتى مات ، وهذا قول وهب بن منبهٍ ، فعلى هذا مات
طالوت على معصيته لأنه لم يتب من ذنبه .
وروى مكحول ، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ المُلُوَكَ
قَدْ قَطَعَ اللَّهُ أَرْحَامَهُم فَلَ يَتَوَاصَلُونَ حُبًَّ لِلْمُلْكِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم لَيَقْتُلَ الأَبَ
وَالإِبْنَ وَالأَخَ وَالعَمَّ ، إِلَّ أَهْلُ التَّقْوَى وَقَلِيلٌ مَّ هُم، وَلَزَوَالُ جَبَلٍ عَن مَّوضِعِهِ
أَهْوَنُ مِنْ زَوَالٍ مُلْكِ لَمْ يَنْقَضِ))(٣٤٢).
﴿وَءَاتَاءُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني داود، يريد بالملك السلطان
وبالحكمة النبوة - وكان ذلك عند موت طالوت بعد سبع سنين من قتل جالوت على
ما حكاه ابن السائب .
(٣٤٢) هذا الحديث منقطع السند فإن مكحولاً لم يسمع من معاذ فالحديث ضعيف بهذا السند .
٣٢٠