النص المفهرس
صفحات 241-260
سورة البقرة الآية - ١٨٥ أن يفطر في بقيته ، وهذا قول عليّ ، وابن عباس ، والسدي . والثاني : فمن شهد منكم الشهر، فليصم ما شهد منه وهو مقيم دون ما لم يشهده في السفر ، وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري . والثالث : فمن شهد بالغاً عاقلاً مُكَلَّفاً فليصمه ، ولا يسقط صوم بقيته إذا جُن فيه ، وهذا قول أبي حنيفة ، وصاحبيه . وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامِ أُخَرَ﴾ وإنما أعاد ذكر الفطر بالمرض والسفر مع قرب ذكره من قبل ، لأنه في حكم تلك الآية منسوخاً ، فأعاد ذكره ، لِئَلَّ يصير بالمنسوخ مقروناً، وتقديره فمن كان مريضاً أو على سفر في شهر رمضان فأفطر ، فعليه عدة ما أفطر منه ، أن يقضيه من بعده . واختلفوا في المرض الذي يجوز معه الفطر في شهر رمضان ، على ثلاثة مذاهب : أحدها : أنه كل مرضٍ لم يطق الصلاة معه قائماً، وهذا قول الحسن البصري . والثاني : أنه المرض الذي الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة ، وهو قول الشافعي . والثالث : أنه كل مرض انطلق عليه اسم المرض ، وهو قول ابن سيرين . فأما السفر ، فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب : أحدها : أنه ما انطلق اسم السفر من طويل أو قصير ، وهذا قول داود . والثاني : أنه مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . واختلفوا في وجوب الفطر فيه على قولين : أحدهما : أنه واجب وهو قول ابن عباس . والثاني : أنه مباح ، وهو قول الجمهور . ثم قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال ابن ٢٤١ سورة البقرة الآية - ١٨٦ عباس : اليسر الإِفطار ، والعسر الصيام في السفر ، ونحوه عن مجاهد وقتادة . ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةِ ﴾ يعني عدة ما أفطر ثم في صيام شهر رمضان بالقضاء في غيره . ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قيل إنه تكبير الفطر من أول الشهر(*). وقوله : ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ يعني من صيام شهر رمضان ، ويحتمل أن يكون على عموم ما هدانا إليه من دينه . ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : تشكرون على هدايته لكم . والثاني : على ما أنعم به من ثواب طاعته ، والله أعلم . وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ١٨٦ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِيَ عِنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ اختلف أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية ، على أربعة أقاويل : أحدها : أنها نزلت في سائل سأل النبي ◌َّ﴿ فقال: يا محمد أقريبٌ ربنا فنتاجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فانْزِلَتْ هذه الآية ، وهو قول الحسن البصري(٢٨٥). والثاني : أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله وَ له عن أي ساعة يدعون الله فيها ، وهذا قول عطاء والسدي . والثالث : أنها نزلت جواباً لقوم قالوا : كيف ندعو؟، وهذا قول قتادة . والرابع : أنها نزلت في قوم حين نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالوا : إلى أين ندعوه ؟، وهذا قول مجاهد . (*) وفي المطبوعة ((أول شوال)) بدلاً من أول الشهر. (٢٨٥) رواه ابن جرير (٤٨١/٣) لكنه مرسل وصحيح الاسناد إلى الحسن كما قال الشيخ شاكر في تخريج الطبري ولا يعني ذلك أن الحديث صحيح مرفوع لأن المرسل من قسم الضعيف ولم يسنده الحسن عن أحد من أصحاب رسول الله وَّهر. ٢٤٢ سورة البقرة الآية - ١٨٦ وفي قوله تعالى: ﴿ قَرِيبٌ ﴾ تأويلان : أحدهما : قريب الإِجابة . والثاني : قريب من سماع الدعاء . وفي قوله تعالى : ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعانٍ ﴾ تأويلان: أحدهما : معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني ، فعبر عن السماع بالإِجابة ، لأن السماع مقدمة الإِجابة . والثاني : أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل ، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقاً للمصلحة أو مخالفاً لها ، فإن كان مخالفاً للمصلحة لم تجز الإجابة إليه ، وإن كان موافقاً للمصلحة ، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين : إما أن يكون مستكملا شروط الطلب أو مقصراً فيها : فإن استكملها جازت إجابته ، وفي وجوبها قولان : أحدهما : أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال ، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإِجابة . والثاني : أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب ، فصارت الإِجابة إليها تفضلاً . وإن كان مقصراً في شروط الطلب لم تجب إجابته ، وفي جوازها قولان : أحدهما : لا تجوز ، وهو قول من أوجبها مع استكمال شروطها . والثاني : تجوز ، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها . وفي قوله تعالى : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أربعة تأويلات: أحدها : أن الإستجابة بمعنى الإِجابة ، يقال استجبت له بمعنى أجبته ، وهذا قول أبي عبيدة ، وأنشد قول كعب بن سعد الغنوي : وداعٍ دَعًا : يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذلك مجيب(٢٨٦) أي فلم يجبه . والثاني : أن الإستجابة طلب الموافقة للإِجابة ، وهذا قول ثعلب . (٢٨٦) هو كعب بن سعد الغنوي. الأصمعيات (١٤)، أمالي القالي (١٥١/٢). ٢٤٣ سورة البقرة الآية - ١٨٧ والثالث : أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة . والرابع : فليستجيبوا لي ، يعني فليدعوني . أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآبِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ أَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْثَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْحَتَّى يَقَبَيَنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّئُمَّأَنِقُوْلِصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُ وهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُهَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٨٧ قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىْ نِسَائِكُمْ﴾ كان ابن مسعود يقرأ الرفث والرفوث جميعاً، وهو الجماع في قوله ، وأصله فاحش القول ، كما قال العجاج : عن اللغا ورفث الكلام (٢٨٧) فيكنى به عن الجماع ، لأنه إذا ذُكِرَ في غير موضعه كان فحشاً . وفي قوله تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها : بمنزلة اللباس ، لإِفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ، يستتر به كالثوب الملبوس ، كما قال النابغة الجعدي : إذا ما الضجيج ثنى عطفها تثنت عليه فصارت لباساً (٢٨٨) والثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى ﴿وجعلنا الليل لباساً﴾ [النبأ: ١٠] أي سكناً، وهذا قول مجاهد وقتادة والسدي . (٢٨٧) شطر من بيت رجز له في ديوانه ( ص ٥٩ ) أوله: عن اللغا ورفت التكلم ورب أسراب حجيج كظم (٢٨٨) أنظر الشعر والشعراء (٢٥٥) ومجاز القرآن لأبي عبيدة (٦٧ ). ٢٤٤ سورة البقرة الآية - ١٨٧ قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُم كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم ، شيئان : أحدهما : إتيان النساء . الثاني : الأكل والشرب ، وذلك أن الله تعالى أباح في أول الإِسلام الأكل والشرب والجماع في ليل الصيام قبل نوم الإِنسان ، وحرّمه عليه بعد نومه ، حتى جاء عمر بن الخطاب ذات ليلة من شهر رمضان ، يريد امرأته ، فقالت له : إني قد نمتُ ، وظن أنها تعتل عليه ، فوقع بها ، وجاء أبو قيس بن صرمة ، وكان يعمل في أرض له ، فأراد الأكل ، فقالت له امرأته : نسخّر لك شيئاً ، فغلبته عيناه ، ثم أحضرت إليه الطعام ، فلم يأكل منه فلما أصبح لاقى جهداً . وأخبر عمر وأبو قيس رسول الله﴿ بما كان منهما، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَاتُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ . ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وعَفَا عَنْكُمْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : العفو عن ذنوبهم . والثاني : العفو عن تحريم ذلك بعد النوم . ثم قال تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُ وهُنَّ﴾ يريد به الجماع ، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة ، وكان ذلك منه بياناً لما كان في جماع عمر . وفي قوله تعالى: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها : طلب الولد ، وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والسدي . والثاني: ليلة القدْر، وهو قول ابن عباس، وكان يقرأ ﴿واتّبَعُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾. والثالث : ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه ، وهذا قول قتادة . ثم قال تعالى فيما كان من شأن أبي قيس بن صرمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ اختلف في المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : ما رواه سهل بن سعد قال: لما نزلت ﴿ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيِّنَ ٢٤٥ سورة البقرة الآية - ١٨٧ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الأَسْوَدِ ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى بعدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار . والقول الثاني : أنه يريد بالخيط الأبيض ضوء النهار ، وهو الفجر الثاني ، وبالخيط الأسود سواد الليل قبل الفجر الثاني . وروى الشعبي عن عدي بن حاتم : أنه عمد إلى خيطين أبيض وأسود ، وجعلهما تحت وسادته ، فكان يراعيهما في صومه ، ثم أخبر رسول الله وَّهَ فقال: ((إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْوِسَادِةِ، إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيلِ))(٢٨٩). وسُمِّيَ خيطاً، لأن أول ما يبدو من البياض ممتد كالخيط ، قال الشاعر : والخيط الأسْودُ لون الليل مكتومُ الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط في كلامهم عبارة عن اللون . والثالث : ما حكي عن حذيفة بن اليمان أن الخيط الأبيض ضوء الشمس ، ورويَ نحوُهُ عن عليّ وابن مسعود . وقد روى(٢٩٠) زَرٌ بن حبيش عن حذيفة قال: كان النبي ◌َّير يتسحر وأنا أرى مواقع النبل ، قال: قلت بعد الصبح ؟ قال : هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس ، وهذا قول قد انعقد الإِجماع على خلافه ، وقد روى سوادة بن حنظلة عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لَا يَمْنَعَنَّكُم مِنْ سُحُورِكُمْ أذانُ بِلالٍ وَلاَ الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ وَلَكِنِ الفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأَفُقِ))(٢٩١). وروى الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (٢٨٩) رواه البخاري (١١٣/٤ فتح) ومسلم (٣٠١/١) وابن خزيمة في صحيحه برقم ( ١٩٢٥، ١٩٢٦) وأبو داود (٢٣٤٩) وابن جرير (٥١١/٣ برقم ١٩٨٦) وأحمد (٣٧٧/٤) والترمذي (٢٩٧٠ وصححه) والبيهقي (٢١٥/٤) وزاد السيوطي نسبته لسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن الشعبي عن عدي بن حاتم . (٢٩٠) رواه أحمد بنحوه (٤٠٠/٥) والنسائي (٣٠٣/١) وابن حزم في المحلي (٢٣٢/٦) والطبري في التفسير واللفظ له (٥٢٥/٣). (٢٩١) رواه مسلم (١٣٠/٣) وأبو داود (٢٣٤٦) والترمذي (١٣٦/١) وابن أبي شيبه في المصنف (١/١٥٤/٢) وابن خزيمة (١٩٢٩) والطحاوي (٨٣/١) والدارقطني (٢٣١ - ٢٣٢). والبيهقي (٢١٥/٤) والطيالسي في مسنده ( ٧٩٧، ٧٩٨) وأحمد (٧/٥، ١٣، ١٤، ١٨) والحاكم = ٢٤٦ سورة البقرة الآية - ١٨٧ قال: قال النبي ◌َّهُ: ((الفَجْرُ فَجْرَانِ، فَالَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السرحانِ لاَ يُحرِّمُ شَيْئاً، وَأَمَّا الْمُسْتَطِيرُ الَّذِي يَأْخُذُ الأَقُقَ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَةَ وُيُحَرِّمُ الطَّعَامَ))(٢٩٢). فأما الفجر ، فإنه مصدر من قولهم فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْراً ، إذا جرى وانبعث ، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : ( فجر ) لانبعاث ضوئه ، فيكون زمان الصوم المجمع على تحريم الطعام والشراب فيه وإباحته فيما سواه : ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس . روى عطاء عن أبي هريرة عن النبي ◌ََّ أن قال: ((أَعْظَمُ الصَّائِمِينَ أَجْرَأَ أَقْرَبُهُم مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِفْطَاراً))(٢٩٣). ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ ﴾ يعني به غروب الشمس . وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَ تُبَاشِرُ وهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ تأويلان: أحدهما : عني بالمباشرة الجماع ، وهو قول الأكثرين . = (٤٢٥/١) وابن جرير الطبري (٥١٥/٣، ٥١٦) برقم (٢٩٩٦، ٢٩٩٧). والبغوي (٣٠٠/٢) برقم ( ٤٣٥ ) وقال الترمذي حديث حسن غريب وقال الحاكم صحيح الاسناد من طرق عن سوادة بن حنظلة القشري عن سمرة بن جندب مرفوعاً وزاد السيوطي نسبته في الدر (١ /٤٨١ ) لوكيع . (٢٩٢) رواه ابن جرير (٥١٤/٣) والبيهقي في الكبرى (٤: ٢١٥) وفي مسنده عند ابن جرير الحسن بن الزيرقان وقال الشيخ أحمد شاكر ترجمة ابن أبي حاتم وقال شيخ ولم أجد له ترجمة عند غيره . وزاد السيوطي في الدر (١ /٤٨٢) نسبته لوكيع وابن أبي شيبة والدارقطني. وقد ورد الحديث موصولاً بذكر جابر كما قال البيهقي (٤: ٢١٥) وقال السيوطي في الدر (٤٨٢/١) أخرجه الحاكم من طريق جابر موصولاً وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢/٥٢/١) وعنه الحاكم (٤٢٥/١) وصححه وواقعه الذهبي والبيهقي (٢١٦/٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقد صحح حديث ابن عباس رضي الله عنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٠٤/٢) وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله (٣٩١/١) عن رواية ابن جرير المتقدمة . مرسل جيد قال الشيخ أحمد شاكر تعقيباً . يريد جيد الاسناد إلى ابن ثوبان التابعي ولكنه لا يكون صحيحاً مرفوعاً لأن المرسل لا تقوم به حجة . (٢٩٣) لم أهتدٍ إلى تخريجه ولكن ورد معناه في أحاديث أخرى منها ما رواه البخاري (١٧٣/٤ ) ومسلم رقم ١٠٩٨ ومالك (٢٨٨/١) والترمذي وصححه (٦٩٩) والبيهقي (٢٣٧/٤) من حديث سهل ابن سعد ولفظه لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر « ومنها ما رواه الترمذي برقم ٧٠٠ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله وَله: قال الله عز وجل ((أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطراً)) واستغربه الترمذي قائلاً حسن غريب)) والحق أن سنده ضعيف من أجل قره بن عبد الرحمن وقال الشيخ الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (٣٧٥/٦) إسناده ضعيف لكن له شواهد بمعناه يقويه . ٢٤٧ سورة البقرة الآية - ١٨٨ والثاني : ما دون الجماع من اللمس والقبلة ، قاله ابن زيد ومالك . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أي ما حرم ، وفي تسميتها حدود الله وجهان : أحدهما : لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان . والثاني : لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود . وقوله تعالى : ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يعني بآياته علامات متعبداته . والثاني : أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام . وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) وَلَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : بالغصب والظلم . والثاني : بالقمار والملاهي . وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ ﴾ مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته . ويحتمل وجهاً ثانياً معناه : وتقيموا الحجة بها عند الحاكم ، من قولهم : قد أدلى بحجته إذا قام بها . وفي هذا المال قولان : أحدهما : أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها ، حكم بجحوده فيها . والثاني : أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمن عليها . لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما : لتأكلوا بعض أموال الناس بالإِثم ، فعبر عن البعض بالفريق . والثاني : على التقديم والتأخير ، وتقديره : لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإِثم . ٢٤٨ سورة البقرة الآية - ١٨٩ وفي ( أكله ) ثلاثة أوجه : أحدها : بالجحود . والثاني : بشهادة الزور . والثالث : برشوة الحكام . ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : وأنتم تعلمون أنها للناس . والثاني : وأنتم تعلمون أنها إثم . قال مقاتل : نزلت هذه الآية في امرىء القيس الكندي ، وعبدان بن ربيعة الحضرمي ، وقد اختصما في أرض كان عبدان فيها ظالماً وامرؤ القيس مظلوماً ، فأراد أن يحلف ، فنزلت هذه الآية ، فكفّ عن اليمين . يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنِ اتَّقَهُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأَوَ اتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٨٩ قوله تعالى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأُهِلَّةِ ﴾ سبب نزولها، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غَنَمة ، وهما من الأنصار، سألا النبي ◌َّر عن زيادة الأهلة ونشأتها ، فنزلت هذه الآية ، وأُخِذَ اسم الهلال من استهلال الناس برفع أصواتهم عند رؤيته ، والمواقيت : مقادير الأوقات لديونهم وحجهم ، ويريد بالأهلة شهورها ، وقد يعبّر عن الهلال بالشهر لحلوله فيه ، قال الشاعر : والشهرُ مثلُ قلامةِ الظُّفرِ أخوان من نجدٍ على ثقةٍ في أربع زادت على عشر حتی تکامل في استدارته ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأَتُّوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ فيه ستة أقاويل : أحدها : أن سبب نزول ذلك ، ما روى داود عن قيس بن جبير(٢٩٤): أن (٢٩٤) رواه ابن جرير (٥٥٦/٣) وهو مرسل كما قال الحافظ في الاصابة (٢٩٠٢) والفتح (٤٩٤/٣) = ٢٤٩ سورة البقرة الآية - ١٨٩ الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه ، فدخل رسول الله وص له داراً ، وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن أيوب ، فجاء فتسور الحائط على رسول الله ، فلما خرج من باب الدار خرج رفاعة ، فقال رسول الله : (( مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ خَرَجْتَ مِنْهُ فَخَرَجْتُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنّي رَجُلٌ أَحْمَسُ فَقَالَ: إِنْ تَكُنْ أَحْمَسَ فَدِيْنُنَا وَاحِدٌ))، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرُّ﴾ الآية، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، وعطاء ، وقوله : أحمس يعني من قريش، كانوا يُسَمَّونَ (الحُمْسَ ) لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا ، والحَمَاسَةُ الشدة ، قال العجاج : وكمْ قَطَعْنا مِنْ قِفافٍ حُمْسٍ (٢٩٥) أي شداد . والقول الثاني : عنى بالبيوت النساء ، سُمِّيَتْ بيوتاً للإِيواء إليهن ، كالإِيواء إلى البيوت ، ومعناه : لا تأتوا النساء من حيث لا يحل من ظهورهن ، وأتوهن من حیث یحل من قُبُلهن ، قاله ابن زيد . والثالث : أنه في النسيء وتأخير الحج به ، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج ، والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه ، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره ، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه ، والخلف والظهر في كلام العرب واحد ، حكاه ابن بحر . والرابع : أن الرجل كان إذا خرج لحاجته ، فعاد ولم ينجح لم يدخل من بابه ، ودخل من ورائه ، تطيراً من الخيبة ، فأمرهم الله أن يأتوا بيوتهم من أبوابها . والخامس : معناه ليس البر أن تطلبوا الخير من غير أهله ، وتأتوه من غير بابه ، وهذا قول أبي عبيدة . = لأنه من رواية تابعي مرفوعاً وهو ضعيف . وزاد السيوطي في الدر (١ /٤٩٢) نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر . وضعفه الشيخ أحمد شاكر كما في تخريج الطبري ( ٥٥٧/٣ ). تنبيه: وقع في نسخة المخطوطة قيس بن جبير وهو خطأ والصحيح [ حبتر ] بحاء مهملة بعدها باء ساكنة كما ضبطها الشيخ أحمد شاكر (٥٥٧/٣ ). (٢٩٥) هذا شطر بيت من أرجوزة له في مدح الوليد بن عبد الملك بن مروان . ٢٥٠ سورة البقرة الآية - ١٩٠ - ١٩٣ والقول السادس : أنه مثلٌ ضَربه الله عز وجل لهم ، بأن يأتوا البر من وجهه ، ولا يأتوه من غير وجهه . وَقَتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَّكُمْ وَلَا تَفْتَدُ وَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّمِنَ الْقَتْلِّ وَلَاتُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُوكُمْ وَقَئِلُوهُمْ فَأَفْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ (١٦) فَإِ أَنَهَوْاْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (® حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْخَهَوْ فَلَ عُدْ وَانَ إِلََّ عَلَى الَّلِينَ ١٩٣ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ فيها قولان : أحدهما : أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين ، أمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين ، والكف عمن كف عنهم ، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة ، وهذا قول الربيع ، وابن زيد . والثاني : أنها ثابتة في الحكم ، أمِرَ فيها بقتال المشركين كافة ، والاعتداء الذي نهوا عنه : قتل النساء والولدان ، وهذا قول ابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد . وفي قوله تعالى : ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا ﴾ ثلاثة أقاويل : أحدها : أن الاعتداء قتال من لم يقاتل . والثاني : أنه قتل النساء والولدان . والثالث : أنه القتال على غير الدِّين . قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ يعني حيث ظفرتم بهم ، وَأَخْرِ جُوهُم مِّنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ يعني من مكة . : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ يعني بالفتنة الكفر في قول الجميع ، وإنما سمي الكفر فتنة ، لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة . ٢٥١ سورة البقرة الآية - ٠٩٤ وَلَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُم﴾ فيه قولان : أحدهما : أن ذلك منسوخ لأن الله تعالى قد نَهَى عن قتال أهل الحرم إلا أن يبدوا بالقتال، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهذا قول قتادة . والقول الثاني : أنها محكمة وأنه لا يجوز أن نبدأ بقتال أهل الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال ، وهذا قول مجاهد . الشَّهُ لْحَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْخُرُمَثُ قِصَاصَُّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ اْ أَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ١٩٤ قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ في سبب نزولها قولان : أحدهما: أن رسول الله وَليل، كان قد أحرم بالعمرة في ذي القعدة سنة ست ، فصدّه المشركون عن البيت ، فصالحهم على أن يقضي في عامه الآخر ، فحل ورجع ، ثم اعتمر قاضياً في ذي القعدة سنة سبع ، وأحلّت له قريش مكة حتى قضى عمرته . فنزل قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ ﴾ يعني ذا القعدة الذي قضى فيه العمرة من عامه وهو من الأشهر الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه ، وهو ذو القعدة في العام الماضي ، سمي ذو القعدة لقعود العرب فيه عن القتال لحرمته . ثم قال تعالى: ﴿ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ لأن قريشاً فخرت على رسول الله وَل* حين صدّته، فاقتص الله عز وجل له، وهذا قول قتادة والربيع بن زيد . والقول الثاني: أن سبب نزولها أن مشركي العرب، قالوا للنبي وَالَ: أَنْهِيتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام ؟ فقال نعم ، فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام ، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم ، وهذا قول الحسن البصري . ٢٥٢ سورة البقرة الآية - ١٩٥ ١٩٥ وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْبِأَيْدِيَكُ إِلَى النَّهُكَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ قوله تعالى: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني الجهاد . ﴿ وَلَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الَّهْلُكَةِ ﴾ وفي الباء قولان : أحدهما : أنها زائدة ، وتقديره ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة . والقول الثاني : أنها غير زائدة أي ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة ، والتهلكة والهلاك واحد . وفي : ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَىْ التَّهْلُكَةِ ﴾ ستة تأويلات : أحدها : أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، فتهلكوا بالإِثم ، وهذا قول بن عباس ، وحذيفة . والثاني : أي لا تخرجوا بغير زاد ، فتهلكوا بالضعف ، وهذا قول زيد ابن أسلم . والثالث : أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي ، فلا تتوبوا ، وهذا قول البراء بن عازب . والرابع : أن تتركوا الجهاد في سبيل الله ، فتهلكوا ، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري . والخامس : أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو ، وهذا قول أبي القاسم البلخي . والسادس : أنه عام محمول على جميع ذلك كله ، وهو قول أبي جعفر الطبري . ثم قال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنه عنى به الإِحسان في آداء الفرائض ، وهو قول بعض الصحابة . والثاني : وأحسنوا الظن بالقَدَرِ ، وهو قول عكرمة . والثالث : عُودُوا بالإِحسان على مَنْ ليس بيده شيء ، وهذا قول زيد بن أسلم . ٢٥٣ سورة البقرة الآية - ١٩٦ وَأَتِّقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْ تُمْ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَخْلِقُواْرُءُ وسَكُمْحَتَّى بَُّغَ الْهَدْىُ مَحِلَّمْ فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْبِهِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِإِلَى الْتَحْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ فَمَ لَمْيَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَمْتُمُ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ. حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَتَّقُواْاللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦ قوله تعالى: ﴿وَأَتِّمُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ وقرأ ابن مسعود فيما رواه عنه علقمة: ﴿ وَأَتِّمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِالْبَيتِ﴾ واختلفوا في تأويل إتمامها على خمسة أقاويل : أحدها : يعني وأتموا الحج لمناسكة وسننه ، وأتموا العمرة بحدودها وسنتها ، وهذا قول مجاهد ، وعلقمة بن قيس . والثاني : أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك ، وهذا قول علي ، وطاوس ، وسعيد بن جبير . والثالث : أن إتمام العمرة ، أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم ، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه ، حتى لا يلزم دم لجبران نقصان ، وهذا قول قتادة . والرابع : أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك ، لأجلهما ، لا تريد غيرهما من تجارة ، ولا مکسب ، وهذا قول سفيان الثوري . والخامس : أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما ، وهذا قول الشعبي ، وأبي بردة ، وابن زيد ، ومسروق . ثم قال تعالى : ﴿فَإِنْ أَخْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في هذا الإِحصار قولان : أحدهما : أنه كل حابس من عدوّ، أو مرض ، أو عذر ، وهو قول مجاهد ، وقتادة ، وعطاء ، وأبي حنيفة . ٢٥٤ سورة البقرة الآية - ١٩٦ والثاني : أنه الإحصار بالعدوّ ، دون المرض ، وهو قول ابن عباس ، وابن عمر ، وأنس بن مالك ، والشافعي . وفي ﴿ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِيِ ﴾ قولان : أحدهما : شاةُ ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، والسدي ، وعلقمة ، وعطاء ، وأكثر الفقهاء . والثاني : بدنة ، وهو قول عمر ، وعائشة ، ومجاهد ، وطاوس ، وعروة ، وجعلوه فيما استيسر من صغار البُدْن وكبارها . وفي اشتقاق الهدي قولان : أحدهما : أنه مأخوذ من الهدية . والثاني : مأخوذ من قولهم هديتُه هَدْياً ، إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد . ثم قال تعالى : ﴿ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وفي محل هدي المحصر ، ثلاثة أقاويل : أحدها : حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم ، وهذا قول ابن عمر ، والمِسْوَر بن مخرمة ، وهارون بن الحكم ، وبه قال الشافعي . والقول الثاني : أنه الحَرَم ، وهو قول عليّ ، وابن مسعود ومجاهد ، وبه قال أبو حنيفة . والقول الثالث : أن مَحِلّهُ أن يتحلل(*) من إحرامه بادئاً نسكه ، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله القادر ، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ ، وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإِحلال منه ، وهذا مروي عن ابن عباس ، وعائشة ، وبه قال مالك . ثم قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَو بِهِ أَذىٌ مِّن رَّأْسِهِ فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوُ صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ ﴾ معناه : فحلَقَ ، فعليه ذلك . (*) والسياق يقتضي أن تكون العبارة : أنه لا يتحلل . ٢٥٥ سورة البقرة الآية - ١٩٦ أما الصيام ففيه قولان : أحدهما : صيام ثلاثة أيام ، وهذا قول مجاهد ، وعلقمة ، وإبراهيم ، والربيع ، وبه قال الشافعي . والقول الثاني : صيام عشرة أيام كصيام المتمتع ، وهو قول الحسن وعكرمة . وأما الصدقة ففيها قولان : أحدهما: ستة مساكين، وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام . والقول الثاني : إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام. وأما النسك فشاة . ثم قال تعالى : ﴿فَإِذَا أُمِنْتُم ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما : من خوفكم .. والثاني : من مرضكم . ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ اختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه المُحْصَرُ بالحج ، إذا حَلَّ منه بالإِحصار ، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله ، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني ، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإِحْرَامَين ، وهذا قول الزبير . والثاني : فمن فسخ حَجَّهُ بعمرة ، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ ، وهذا قول السدي . والثالث : فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج ، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ ، وهذا قول ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وعطاء ، والشافعي . وفي ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِيِ ﴾ ما ذكرناه من القولين. ثم قال تعالى : ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ﴾ اختلفوا في زمانها من الحج على قولين : ٢٥٦ سورة البقرة الآية - ١٩٦ أحدهما : بعد إحرامه وقبل يوم النحر ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس ، والسدي ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والشافعي في الجديد . والثاني : أنها أيام التشريق ، وهذا قول عائشة ، وعروة ، وابن عُمر في رواية سالم عنه ، والشافعي في القديم . واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإِحرام بالحج على قولين : أحدهما : لا يجوز ، وهذا قول ابن عمر ، وابن عباس . والثاني : يجوز . واختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين : أحدهما : عشر ذي الحجة ، ولا يجوز قبلها ، وهو قول مجاهد ، وعطاء . والثاني : في أشهر الحج ، ولا يجوز قبلها ، وهو قول طاوس . ثم قال تعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ وفي زمانها قولان : أحدهما : إذا رجعتم من حجكم في طريقكم ، وهو قول مجاهد . والثاني : إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم ، وهو قول عطاء ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، والربيع . ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى ، وهو قول الحسن . والثاني : عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع . والثالث : أنه خارج مخرج الخبر ، ومعناه معنى الأمر ، أي تلك عشرة ، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها . والرابع : تأكيد في الكلام ، وهو قول ابن عباس . ٢٥٧ سورة البقرة الآية - ١٩٧ ثم قال تعالى : ﴿ذُلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أُهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وفي. حاضريه أربعة أقاويل : أحدها : أنهم أهل الحرم ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس . والثاني : أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت ، وهو قول مكحول ، وعطاء . والثالث : أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قُرُب منزله منه ، كأهل عرفة ، والرجيع ، وهو قول الزهري ، ومالك . والرابع : أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة ، وهو قول الشافعي . الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّفَلَاَرَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجْ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِالنَّقْوَىُّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ اَلْأَلْبَابِ ١٩٧ قوله تعالى : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ اختلفوا في تأويله على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة بأسرها ، وهذا قول قتادة ، وطاوس ، ومجاهد ، عن ابن عمر ، وهو مذهب مالك . والثاني : هو شوال ، وذو القعدة ، وعشرة أيام من ذي الحجة ، وهذا قول أبي حنيفة . والثالث : هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، والشعبي ، والسدي ، ونافع ، عن ابن عمر ، وعطاء ، والضحاك ، والشافعي . ثم قال تعالى : ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجّ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : أنه الإِهلال بالتلبية ، وهو قول عمر ومجاهد وطاوس . ٢٥٨ سورة البقرة الآية - ١٩٧ والثاني : أنه الإحرام ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعطاء ، والشافعي . ﴿ فَلَاَ رَفَثَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنه الجماع ، وهو قول ابن عمر ، والحسن ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة ، والزهري . والثاني : أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ ، وهو قول الحسن البصري . والثالث : أنه الإِفْحَاشُ للمرأة في الكلام ، كقولك إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية ، وهو قول ابن عباس ، وطاوس . ﴿وَلَا فُسُوقَ ﴾ فيه خمسة تأويلات : أحدها : أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام، من قتل صيد ، وحلق شَعْر ، وتقلیم ظفر ، وهو قول عبد الله بن عمر . والثاني : أنه السباب ، وهو قول عطاء ، والسدي . والثالث : أنه الذبح للأصنام ، وهو قول عبد الرحمن بن زيد . والرابع : التنابز بالألقاب ، وهو قول الضحاك . والخامس : أنه المعاصي كلها ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وطاووس. وَلَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ فيه ستة تأويلات : أحدها : هو أن يجادل الرجل صاحبه ، يعني يعصيه ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد . الثاني : هو السباب ، وهو قول ابن عمر ، وقتادة . والثالث : أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجّاً ، وهذا قول محمد بن كعب . والرابع : أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم ، وهذا قول القاسم بن محمد . ٢٥٩ سورة البقرة الآية - ١٩٨ والخامس : أنه اختلافهم في مواقف الحج ، أيهم المصيب موقف إبراهيم ، وهذا قول ابن زید . والسادس : أن معناه ألّ جدال في وقته لاستقراره ، وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام ، فربما حجوا في ذي القعدة ، وربما حجوا في صفر ، وهذا قول أبي جعفر الطبري . وفي قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ تأويلان: أحدهما : تزوّدوا بالأعمال الصالحة ، فإن خير الزاد التقوى . والثاني : أنها نزلت في قوم من أهل اليمن ، كانوا يحجون ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فنزلت فيهم: ﴿﴿ وَتَزَوَّدُوا﴾، يعني من الطعام. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨ قوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبَّكُم ) روى ابن عباس قال : كان ذو المجاز وعكاظ متجرين للناس في الجاهلية ، فلما جاء الإِسلام تركوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُم ﴾، وكان ابن الزبير يقرأ ﴿فِي مَواقِيتِ الْحَجِّ﴾. فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : معناه فإذا رجعتم من حيث بَدَأْتُم . والثاني : أن الإفاضة : الدفع عن اجتماع ، كفيض الإِناء عن امتلاء . والثالث : أن الإِفاضة الإِسراع من مكان إلى مكان . وفي ﴿ عَرَفَاتٍ ﴾ قولان : أحدهما : أنها ( جمع ) عرفة . والثاني : أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع ، وهذا قول الزجاج . ٢٦٠