النص المفهرس

صفحات 221-240

سورة البقرة الآية - ١٧٠ - ١٧٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيَّنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَتَأْ أَوْلَوْ كَانَ
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ءَابَا ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
١٧١
كَمَثَلِلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءَ وَنِدَآءَ صُمْ بُكْمَّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ يعني في تحليل ما حرموه من الأنعام
والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ﴿قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَآبَاءَنَا ﴾ يعني
في تحريم ذلك عليهم .
قوله تعالى: ﴿وَمَثُلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَ يَسْمَعُ إِلَّ دُعَاءً
وَنِدَاءً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن مثل الكافر فيما يوعظ به مثل البهيمة التي ينعق بها تسمع
الصوت ولا تفهم معناه ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
والثاني : مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي
البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه ، وهذا قول ابن زيد .
صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ أي صم عن الوعظ فلا يسمعونه ، بكم
عن الحق فلا يذكرونه ، عمي عن الرشد فلا يبصرونه فهم لا يعقلونه ، لأنهم إذا لم
يعملوا بما يسمعونه ويقولونه ويبصرونه كانوا بمثابة من فقد السمع والنطق والبصر .
والعرب تقول لمن سمع ما لا يعمل به : أصم . قال الشاعر :
أصُمُّ عَمّا ساءَه سميعُ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُوْلِلَّهِ إِن كُنْتُمْ
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ اُلْخِنْزِيِ وَمَآَ
أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ غَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمُ
(١٧٣
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْئَةَ وَالدَّمَ ﴾ أخبر الله تعالى بما حرم بعد
٢٢١

سورة البقرة الآية - ١٧٠ - ١٧٣
قوله: ﴿كُلُوا مِن طَيَِّاتٍ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ليدل على تخصيص التحريم من عموم
الإِباحة، فقال: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وهو ما فات روحه بغير ذكاة .
وَالدَّمَ ﴾ هو الجاري من الحيوان بذبح أو جرح .
﴿ وَلَخْمَ الْخِزِيرِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : التحريم مقصور على لحمه دون غيره اقتصاراً على النص ، وهذا
قول داود بن علي .
والثاني : أن التحريم عام في جملة الخنزير ، والنص على اللحم تنبيه على
جميعه لأنه معظمه ، وهذا قول الجمهور .
﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يعني بقوله: ﴿أُهِلَّ﴾ أي ذبح وإنما سمي الذبح
إهلالاً لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم ذكروا عنده اسم آلهتهم وجهروا به
أصواتهم ، فسمي كل ذابح جَهَر بالتسمية أو لم يجهر مُهِلاً ، كما سمي الإحرام
إهلالاً لرفع أصواتهم عنده بالتلبية حتى صار إسماً له وإن لم يرفع عنده صوت .
وفي قوله تعالى: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ تأويلان:
أحدهما : ما ذبح لغير الله من الأصنام وهذا قول مجاهد وقتادة .
والثاني : ما ذكر عليه اسم غير الله ، وهو قول عطاء والربيع .
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَ عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ اضطر افتُعل من الضرورة ،
وفيه قولان :
أحدهما : معناه : فمن أكره على أكله فلا إثم عليه ، وهو قول مجاهد .
والثاني : فمن احتاج إلى أكله لضرورة دعته من خوف على نفس فلا إثم
عليه ، وهو قول الجمهور .
وفي قوله : ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ ثلاثة أقاويل:
أحدها : غير باغ على الإِمام ولا عاد على الأمة بإفساد شملهم ، فيدخل
الباغي على الإِمام وأمته والعادي : قاطع الطريق ، وهو معنى قول مجاهد
وسعيد بن جبير .
٢٢٢

سورة البقرة الآية - ١٧٤ - ١٧٦
والثاني : غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد يعني متعدياً بأكلها وهو يجد
غيرها ، وهو قول قتادة ، والحسن ، وعكرمة ، والربيع ، وابن زيد .
والثالث : غير باغٍ في أكلها شهوة وتلذذاً ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد
الشبع ، وهو قول السدي . وأصل البغي في اللغة : قصد الفساد يقال بغت المرأة
تبغي بِغَاءً إذا فَجَرَتْ. وقال الله عز وجل: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الِغَاءِ إِنْ
أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: ٣٣] وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول
خرج الرجل في بغاء إبلٍ له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر:
لا يمنعنّك من بغاء الخير تعقادُ التمائم
إن الأشائم كالأيا من ، والأيامن كالأشائم
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَّرُونَ بِهِ ثَمَنَا قَلِيلًا
أُوْلَئِكَ مَايَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ اْلْضَّلَالَةَ
وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ لَّ
بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (٣٥) ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهُ
نَزَّلَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِ الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقِبَعِيدٍ
(١٧٦
قوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ يعني علماء
اليهود كتموا ما أنزل الله عز وجل في التوراة من صفة محمد وَله وصحة رسالته .
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ يعني قبول الرُشَا على كتم رسالته وتغيير صفته ، وسماه
قليلاً لانقطاع مدته وسوء عاقبته . وقيل : لأن ما كانوا يأخذون من الرُشا كان قليلاً .
أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يريد أنه حرام يعذبهم اللّه عليه بالنار فصار ما يأكلون ناراً ،
فسماه في الحال بما يصير إليه في ثاني الحال ، كما قال الشاعر :
فللموت ما تلد الوالدة
وأمّ سماك فلا تجزعي
وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
٢٢٣

سورة البقرة الآية - ١٧٧
أحدهما : معناه يغضب عليهم ، من قولهم : فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب
عليه .
والثاني : لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية .
والثالث : معناه لا يسمعهم كلامه(٢٧٠).
وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني لا يصلح أعمالهم الخبيثة .
والثاني : لا يثني عليهم ، ومن لا يثني الله عليه فهو معذب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾ أي مؤلم موجع .
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ يعني من تقدم ذكره
من علماء اليهود اشتروا الكفر بالإِيمان ﴿ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ يعني النار بالجنة.
فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : معناه ما أجرأهم على النار ، وهذا قول أبي صالح
والثاني : فما أصبرهم على عمل يؤدي بهم إلى النار .
والثالث : معناه فما أبقاهم على النار ، من قولهم : ما أصبر فلاناً على
الحبس ، أي ما أبقاه فيه .
والرابع : بمعنى أي شيء صبّرهم على النار ؟
◌َيْسَ الْبِرَّأَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الِّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْتِنَ وَءَى الْمَالَ عَلَى خُبِّهِ، ذَوِى
الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِي الرِقَابِ وَأَقَامَ
(٢٧٠) قال أبو جعفر الطبري رحمه الله (٣٣٠/٣) وأما قوله ولا يكلمهم الله يوم القيامة يقول : ولا
يكلمهم بما يحبون ويشتهون فأما بما يسوؤهم ويكرهون فإنه سيكلمهم لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه
يقول لهم إذا قالوا ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) قال: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ الآيتين
سورة المؤمنون ١٠٧، ١٠٨ .
٤ ٢٢

سورة البقرة الآية - ١٧٧
الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَاُلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِرِينَ فِى
اُلْبَأْسَاءِ وَالضَّرَآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ(
(١٧٧
قوله تعالى: ﴿لَيسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾
الآية ، فيها قولان :
أحدهما : أن معناها ليس البر الصلاة وحدها ، ولكن البر الإِيمان مع أداء
الفرائض التي فرضها الله ، وهذا بعد الهجرة إلى المدينة واستقرار الفروض
والحدود ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
والثاني : أن المعني بذلك اليهود والنصارى ، لأن اليهود تتوجه إلى
المغرب ، والنصارى تتوجه إلى المشرق في الصلاة ، ويرون ذلك هو البر ،
فأخبرهم الله عز وجل ، أنه ليس هذا وحده هو البر ، حتى يؤمنوا بالله ورسوله ،
ويفعلوا ما ذَكَرَ ، وهذا قول قتادة ، والربيع .
وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ ﴾ قولان :
أحدهما : معناه ولكن ذا البر من آمن بالله .
والثاني : معناه ولكن البرَّ بِرُ مَنْ آمن بالله ، يعني الإِقرار بوحدانيته وتصديق
رسله ، حكاهما الزَّجَّاجُ .
وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ يعني التصديق بالبعث والجزاء.
﴿ وَالْمَلَائِكَةِ ﴾ يعني فيما أُمِروا به ، مِنْ كَتْبِ الأعمال ، وتولِي الجزاء .
وَالْكِتَابِ﴾ يعني القرآن، وما تضمنه من استقبال الكعبة، وأن لا قبلة
سواها .
﴿وَالنَّبِّينَ﴾ يعني التصديق بجميع الأنبياء ، وأن لا يؤمنوا ببعضهم ويكفروا
ببعض. ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ يعني على حب المال . قال ابن مسعود : أن
يكون صحيحاً شحيحاً يطيل الأمل ويخشى الفقر . وكان الشعبي يروي عن فاطمة
بنت قيس أن النبي وَّ قال: ((إِنَّ فِي المَالِ حَقاً سِوَى الزُّكَاةِ)) (٢٧١) وتلا هذه الآية
(٢٧١) رواه الترمذي (٢٢/٢) وابن جرير (٣٤٣/٣ برقم ٢٥٢٧، ٣٥٣٠) والدارمي (٣٨٥/١) وابن =
٢٢٥

سورة البقرة الآية - ١٧٧
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ﴾ إلى آخرها، فذهب الشعبي والسدي إلى إيجاب
ذلك لهذا الخبر ، وروي عن النبي ◌َليل أنه سئل: أي الصدقة أفضل ؟ قال :
((جُهْدٌ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْكَاشِحِ))(٢٧٢).
وذهب الجمهور إلى أنْ ليس في المال حق سوى الزكاة وأن ذلك محمول
عليها أو على التطوع المختار .
وقوله تعالى : ﴿وَآتَىْ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ يريد قرابة الرجل من
طرفيه من قِبَل أبويه ، فإن كان ذلك محمولاً على الزكاة ، روعي فيهم شرطان :
أحدهما : الفقر .
والثاني : سقوط النفقة . وإن كان ذلك محمولاً على التطوع لم يعتبر واحد
منهما ، وجاز مع الغنى والفقر ، ووجوب النفقة وسقوطها ، لأن فيهم مع الغنى
صلة رحم مبرور .
= ماجه (١٧٨٩) والبيهقي في السنن (٤ /٨٤) وضعفه الترمذي بقوله:
هذا حديث ليس إسناده بذاك. ا. هـ.
ففي سنده أبو حمزة ميمون الأعور جَرَحَه أحمد وابن معين وغيرهما وضَعَّفَ الحديث البيهقيُّ أيضاً
وابن حجر في التلخيص (١٧٧ ) وقال: هذا حديث مضطرب السند وضَعَّفَه السيوطي في الجامع
(٤٧٢/٢) الفيض .
ونقل المناوي في الفيض (٣٧٥/٥) عن النووي تضعيفه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(١٦٧/٢، ٦٢/٥) ونقله الحافظ ابن كثير في التفسير (٢٠٦/١) من رواية ابن أبي حاتم وابن
مردويه .
تنبيه : - وقع في رواية ابن ماجه ليس في المال حق سوى الزكاة وقد تكلم على هذه الرواية العلامة
أحمد شاكر في تفسير الطبري (٣٤٤/٣) فراجع كلامه هناك فقد وضح أنها خطأ ونقل عن الإمام
البيهقي أنه لم يحفظ لها إسناداً .
(٢٧٢) أورده الطبري هكذا معلقاً بدون إسناد (٣٤٤/٣) وقد وردت أحاديث بمعناه ذكر الهيثمي منها
الكثير (١١٦/٣) نقتصر منها على رواية أم كلثوم رضي الله عنها وهي بلفظ ((أفضل الصدقة على
ذي الرحم الكاشح)) رواها الحاكم في المستدرك (٤٠٦/١) وعنه البيهقي في السنن (٢٧٠/٧ )
وابن خزيمة (٢٤٣/١ /٢) وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وكذا المنذري
(٣٣/٢) الترغيب. وقال الهيثمي (١١٦/٣) رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح
وصححه الألباني في الإرواء (٤٠٥/٣) وزاد الحافظ ابن حجر نسبّتَّه في تخريج الكشاف
( ص ١٣ ) لعبد الرزاق .
٢٢٦

سورة البقرة الآية - ١٧٧
﴿ وَالْيَتَامَى﴾ وهم من اجتمع فيهم شرطان : الصغر وفقد الأب ، وفي اعتبار
الفقر فيهم قولان كالقرابة .
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ وهم من عُدِمَ قدرُ الكفاية وفي اعتبار إسلامهم قولان(*):
◌ِوابْنَ السَّبِيلِ﴾ هم فقراء المسافرين ﴿والسَّائِلِينَ﴾ وهم الذين ألجأهم
الفقر إلى السؤال .
وَفِي الرِّقَابِ ﴾ وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم عبيد يعتقون ، وهو قول الشافعي رحمه الله .
والثاني : أنهم مُكَاتَّبُونَ يعاونون في كتابتهم بما يعتقون ، وهو قول الشافعي
وأبي حنيفة .
وَأَقَامَ الصَّلاَةَ ﴾ يعني إلى الكعبة على شروطها وفي أوقاتها .
وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ يعني إلى مستحقها عند وجوبها .
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ وذلك من وجهين :
أحدهما : النذور التي بينه وبين الله تعالى .
والثاني : العقود التي بينه وبين الناس ، وكلاهما يجب عليه الوفاء به .
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ قال ابن مسعود: البأساء الفقر ،
والضراء السقم .
﴿ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ أي القتال .
وفي هذا كله قولان :
أحدهما : أنه مخصوص في الأنبياء عليهم السلام لأنه لا يقدر على القيام بهذا
كله على شروطه غيرهم .
والثاني : أنه عامٌّ، في الناس كلهم لإِرسال الكلام وعموم الخطاب .
أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ فیه وجهان :
(*) أي قول بأن المسكين الذي يتصدق عليه ينبغي أن يكون مسلماً والقول الثاني أن إسلامه ليس شرطاً
وأن الذي يعطي
٢٢٧

سورة البقرة الآية - ١٧٨، ١٧٩
أحدهما : طابقت نياتهم لأعمالهم .
والثاني : صدقت أقوالهم لأفعالهم .
وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أن تخالف سرائرهم لعلانيتهم .
والثاني : أن يحمدهم الناس بما ليس فيهم .
◌َيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِى الْحُّبَلْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
وَأَلْأُنثَى ◌ِالْأُنثَ فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِبَاحٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ
ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِمُ!
١٧٨
وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَ لْبَبٍ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧٩
قوله عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾
معنى قوله : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أي فرض عليكم ، ومنه قول نابغة بني جعدة :
عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا (٢٧٣)
یا بنت عمي کتاب الله أخرجني
وقول عمر بن أبي ربيعة :
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول (٢٧٤)
والقصاص : مقابلة الفعل بمثله مأخوذ من قص الأثر .
ثم قال تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالْأَنْثَى﴾ فاختلف أهل
التأويل في ذلك على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في قوم من العرب كانوا أعزة أقوياء لا يقتلون بالعبد منهم
إلا سيداً وبالمرأة منهم إلا رجلاً، استطالة بالقوة وإدلالاً بالعزة ، فنزلت هذه الآية
فيهم ، وهذا قول الشافعي ، وقتادة .
والثاني: أنها نزلت في فريقين كان بينهما على عهد رسول الله و لل قتال،
(٢٧٣) انظر اللسان مادة [ كتب ] والمقاييس لابن فارس (١٥٩/٥).
(٢٧٤) ديوان عمر (ص ٤٢١) والأغاني (٢٢٩/٩).
٢٢٨

سورة البقرة الآية - ١٧٩،١٧٨
فقتل من الفريقين جماعة من رجال ونساء وعبيد فنزلت هذه الآية فيهم ، فجعل
رسول الله هدية الرجل قصاصاً بدية الرجل ، ودية المرأة قصاصاً بدية المرأة ،
ودية العبد قصاصاً بدية العبد ثم أصلح بينهم . وهذا قول السدي وأبي مالك .
والثالث : أن ذلك أمر من الله عز وجل بمقاصة دية القاتل المُقْتَص منه بدية
المقتول المقتص له واستيفاء الفاضل بعد المقاصة ، وهذا قول عليّ كان يقول في
تأويل الآية : أيما حر قتل عبداً فهو به قود ، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر
قتلوه وقاصّوهم بثمن العبد من دية الحر وأدوا إلى أولياء الحر بقية دِيته ، وأيما عبد
قتل حراً فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وقاصّوهم بثمن العبد وأخذوا
بقية دية الحر ، وأيما رجل قتل امرأة فهو بها قود ، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه ،
وأدوا بقية الدية إلى أولياء الرجل ، وأيما امرأة قتلت رجلاً فهي به قود ، فإن شاء
أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية .
والرابع : أن الله عز وجل فرض بهذه الآية في أول الاسلام أن يُقْتَلَ الرجل
بالرجل ، والمرأة بالمرأة ، والعبد بالعبد ، ثم نَسَخَ ذلك قولُه في سورة المائدة
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة: ٤٥] وهذا قول ابن عباس.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَأَتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ
پإحسَانٍ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف(٢٧٥) وهو أن يطلب
الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
والثاني : أن معنى قوله : ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أُخِيهِ شَيْءٌ ﴾ بمعنى فمن فضل
له فضل وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله واله
قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصًا ديات القتلى بعضهم من بعض ، فمن بقيت له
(٢٧٥) قال الحافظ رحمه الله (١٧٧/٨ فتح ) قال الخطابي في قوله : ﴿فمن عفي له من أخيه شيء
فاتباع ... ) إلخ يحتاج إلى تفسير لأن العفو يقتضي إسقاط الطلب.
فما هو الاتباع . وأجاب بأن العفو في الآية محمول على العفو عن الدية فيتجه حينئذ المطالبة بها
ويدخل فيه بعض مستحقي القصاص فإنه يسقط وينتقل حق من لم يقف إلى الدية فيطالب بحصته .
اهـ.
٢٢٩

سورة البقرة الآية - ١٧٨، ١٧٩
بقية فليتبعها بمعروف ، وليرد من عليه الفاضل بإحسان ، ويكون معنى ﴿ فَمَنْ عُفِيَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أي فضل له قبل أخيه القاتل شيء ، وهذا قول السدي .
والثالث : أن هذا محمول على تأويل عليّ ( رضي الله عنه ) في أول الآية ؟
في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية .
ثم في الاتباع بالمعروف والأداء إليه بإحسان وجهان ذكرهما الزَّجَّاج :
أحدهما : أن الاتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية
بمعروف ، والأداء عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان .
والثاني : أنهما جميعاً عائدان إلى القاتل أن يؤدي الدية بمعروف وبإحسان .
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ يعني خيار الولي في
القود أو الدية ، قال قتادة : وكان أهل التوراة يقولون : إنما هو قصاص أو عفو ليس
بينهما أرش(*)، وكان أهل الإِنجيل يقولون: إنما هو أرش أو عفو ليس بينهما
قود ، فجعل لهذه الأمة القود والعفو والدية إن شاءوا ، أحلها لهم ولم تكن لأمة
قبلهم ، فهو قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِكُم وَرَحْمَةٌ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىْ بَعْدَ ذُلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يعني مَنْ قَتَلَ بعد
أَخْذِهِ الدية فله عذاب أليم ، وفيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن العذاب الأليم هو أن يقتل قصاصاً، وهو قول عكرمة ،
وسعيد بن جبير ، والضحاك .
والثاني : أن العذاب الأليم هو أن يقتله الإِمام حتماً لا عفو فيه ، وهو قول
ابن جريج، وروي أن النبي ◌ّ كان يقول: «لَا أَعَافِي رَجُلاً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ
الدِّيَّةِ)) (٢٧٦) .
(٢٧٦) ورد عن قتادة مرسلاً رواه ابن جرير (٣٧٦/٣) وابن المنذر كما في الدر المنثور (٤٢١/١) وورد
عن سمرة بن جندب مرفوعاً رواه سمويه في فوائده كما في الدر وهو من رواية الحسن عن سمرة وفيها
خلاف شهير والحسن مدلِّس ولم يُصَرِّح بالتحديث وضَعَّفَ هذه الرواية الشيخ مقبل بن هادي في
تخريج ابن كثير (٣٦٧/١) وورد عن جابر مرفوعاً رواه أبو داود ( ٤٥٠٧) وأحمد ( ١٤٩٦٨)
والطيالسي (١٧٦٣) وفي إسناده رَجُلٌ مُبْهَمُ وضَعَّفَه الشيخ شاكر في تخريج الطبري (٣٧٦/٣)
ورمز له السيوطي بالصحة في الجامع (٣٨٠/٦) فَتَعْقَبَهُ المناوي قائلاً (٣٨٠/٦) فيه مطر الوَرَّاق
أورده الذهبي في الضعفاء.
(*) وهو معروف عند الفقهاء بأنه دية الجراحات .
٢٣٠

سورة البقرة الآية - ١٨٠ - ١٨٢
والثالث : أن العذاب الأليم هو عقوبة السلطان .
والرابع : أن العذاب الأليم استرجاع الدية منه ، ولا قود عليه ، وهو قول
الحسن البصري .
قوله تعالى : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : إذا ذكره الظالم المعتدي ، كف عن القتل فحبي ، وهذا قول
مجاهد وقتادة .
والثاني : أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل
حياة للنفوس ، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل
فَحْيِيَ أن يقتل قوداً ، أو حَبِيَ المقتول أن يقتل ظلماً .
وفي المعنيين تقارب ، والثاني أعم ، وهو معنى قول السدي .
وقوله تعالى: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يعني يا ذوي العقول، لأن الحياة في
القصاص معقولة بالاعتبار .
وقوله تعالى: ﴿لَغَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال ابن زيد: لعلك تتقي أن تقتله فتقتل
به .
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ﴿ فَمَنْ بَدَّ لَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنََّا إِثْمُهُ
فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا
(١٨١
عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ لـ
١٨٢)
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله عز وجل : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ أي فرض
عليكم ، وقوله : ﴿إِذَا حَضَرَ ﴾ ليس يريد به ذكر الوصية عند حلول الموت ، لأنه
في شغل عنه ، ولكن تكون العطية بما تقدم من الوصية عند حضور الموت ، ثم
قال تعالى: ﴿إِن تَرََكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، والخير: المال في
قول الجميع، قال مجاهد: الخير في القرآن كله المال. ﴿ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾
٢٣١

سورة البقرة الآية - ١٨٠ - ١٨٢
[العاديات: ٨] أي المال، ﴿إِنِّي أَحْبَيْتُ حُبُّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرٍ رَبِّي﴾، [ص: ٣٢]
﴿فَكَائِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] وقال شعيب: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾
[هود: ٨٤] يعني الغنى والمال.
واختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية ، فذهب الجمهور من التابعين
والفقهاء إلى أن العمل بها كان واجباً قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في
البُعَدَاء طلباً للسمعة والرياء ، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين ،
وتقدير ما يستحقون ، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة ،
وقال آخرون : كان حكمها ثابتاً في الوصية للوالدين ، والأقربين حق واجب ، فلما
نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث ،
وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حالة ، وهذا قول الحسن ،
وقتادة ، وطاوس ، وجابر بن زيد .
فإن أوصى بثُلُثِه لغير قرابته ، فقد اختلف قائلو هذا القول في حكم وصيته
على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أن يرد ثلث الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به ،
وهذا قول قتادة .
والثاني : أن يرد ثلثا الثلث على قرابته ويكون ثلث الثلث لمن أوصى له به ،
وهذا قول جابر بن زيد .
والثالث : أنه يرد الثلث كله على قرابته ، وهذا قول طاوس .
واختلف في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه ألف درهم ، تأويلاً لقوله تعالى: ﴿إِن تَرََكَ خَيْراً ﴾ أن الخير
ألف درهم وهذا قول عليّ .
والثاني : من ألف درهم إلى خمسمائة درهم ، وهذا قول إبراهيم النخعي .
والثالث : أنه غير مقدر وأن الوصية تجب في قليل المال وكثيره ، وهذا قول
الزهري .
ثم قال تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ يحتمل قوله بالمعروف
وجهين :
٢٣٢

سورة البقرة الآية - ١٨٠ - ١٨٢
أحدهما : بالعدل الوسط الذي لا بخس فيه ولا شطط .
والثاني : يعني بالمعروف من ماله دون المجهول .
وقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ يعني بالتقوى من الورثة أن لا
يسرف ، والأقربين أن لا يبخل ، قال ابن مسعود : الأجِل فالأجل ، يعني الأحوج
فالأحوج. وغاية ما لا سرف فيه: الثلث، لقول النبي وَلّر ((الثلث والثلث
کثیر )»(٢٧٧).
وروى الحسن أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وصّياً بالخمس وقالا يوصي
بما رضي الله لنفسه : بالخمس ، وكان يقول : الخمس معروف ، والربع جهد ،
والثلث غاية ما تجيزه القضاة .
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنِ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ يعني فَمَنْ غَيِّرَ الوَصِيَّةَ بعدما
سمعها ، وإنما جُعِلَ اللفظ مذكراً وإن كانت الوصية مؤنثة لأنه أراد قول المُوصِي ،
وقوله مذكر . ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ أي يسمعونه ويَعْدِلون به عن
مستحقه ، إما ميلاً أو خيانة، وللميت أجر قصده وثواب وصيته ، وإن غيّرت
بعده .
قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلَيمٌ﴾ أي سميع لقول الموصِي ، عليم
بفعل الوصي .
قوله عز وجل : ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُم ﴾ اختلف
المفسرون في تأويل ذلك ، على خمسة أقاويل :
أحدها : أن تأويله فمن حضر مريضاً ، وهو يوصي عند إشرافه على الموت ،
فخاف أن يخطىء في وصيته ، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْراً فيها ، فيأمر بما
ليس له ، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه ، أن يصلح بينه وبين ورثته ،
بأن يأمره بالعدل في وصيته ، وهذا قول مجاهد .
(٢٧٧) رواه البخاري (٣٢٦/١، ٤٩/٣، ١٧٥، ٤٧/٤، ٢٠١، ٢٨٤، ٢٨٥) ومسلم (١٦٢٨)
والترمذي (٣٥٠/٦ التحفة) وأبو داود (٢٨٦٤) وابن ماجه (٢٧٠٨ )
والبيهقي (٢٦٨/٦) والطيالسي برقم (١٩٥، ١٩٦) ومالك (٧٦٣/٢ /٤)
والطحاوي (٤١٦/٢) وأحمد في مواضع كثيرة منها برقم (١٥٢٤) وقال الترمذي حسن صحيح.
٢٣٣

سورة البقرة الآية - ١٨٣، ١٨٤
والثاني : أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفاً في وصيته ، فأصلح
بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل ، فلا
إثم عليه ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
والثالث : أن تأويلها فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً في عطيته لورثته عند
حضور أجله ، فأعطى بعضاً دون بعض ، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في
ذلك ، وهذا قول عطاء .
والرابع : أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفاً، أو إثماً في وصيته لغير
ورثته بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته ، فلا إثم عليه ، وهذا قول
طاووس.
والخامس : أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم
لبعض ، فأصلح بين الآباء والأقرباء ، فلا إثم عليه ، وهذا قول السدي .
وفي قوله تعالى: ﴿جَنَّفاً أَوْ إِثْماً ﴾ تأويلان:
أحدهما : أن الجنف الخطأ ، والإِثم العمد ، وهذا قول السدي .
والثاني : أن الجنف الميل، والإِثم أن يكون قد أثم في أَثّرةِ بعضهم على
بعض ، وهذا قول عطاء وابن زيد .
والجنف في كلام العرب هو الجَوْرُ والعُدُولِ عن الحق ، ومنه قول الشاعر :
هم المولى وهمْ جنفوا علينا وإنا من لقائهمُ لَزُورُ(٢٧٨)
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
١٨٣
أَيَّامًا مَّعْدُ ودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَِّيضًا
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
أَوْعَلَى سَفَرِ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّوَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
(٢٧٨) هو عامر الخصفي من بني خصفة بن قيس عيلان والبيت له. انظره في مجاز القرآن لأبي عبيدة
(٦٦، ٦٧) ومشكل القرآن (٢١٩).
٢٣٤

سورة البقرة الآية - ١٨٤
مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَّصُومُواْ خَيْرٌلَكُمٌ إِن كُنْتُمْـ
تَعْلَمُونَ
١٨٤
قوله عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ بمعنى فرض
عليكم الصيام ، والصيام من كل شيء الإمساك عنه، ومن قوله تعالى: ﴿ إِنِّي
نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أي صمتاً، لأنه إمساك عن الكلام ، وذم أعرابي قوماً
فقال : يصومون عن المعروف ويقصون على الفواحش ، وأصله مأخوذ من صيام
الخيل ، وهو إمساكها عن السير والعلف ، قال النابغة الذبياني :
تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما(٢٧٩)
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ
ولذلك قيل لقائم الظهيرة : قد صام النهار ، لإِبطاء الشمس فيه عن السير ،
فصارت بالإِبطاء كالممسكة عنه ، قال الشاعر :
فدعها وسَلِّ الهمَّ عنك بجَسْرةٍ ذمولٍ إذا صام النهار وهجّرا (٢٨٠)
إلا أن الصوم في الشرع : إنما هو إمساك عن محظورات الصيام في زمانه ،
فجعل الصيام من أوكد عباداته وألزم فروضه ، حتى روي عن النبي صل# أنه قال:
(( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلٍّ : كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَّا أُجْزِي بِهِ ،
وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللَّهِ مَنْ رِيحِ المِسْكِ))(٢٨١).
وإنما اختص الصوم بأنه له ، وإن كان كل العبادات له ، لأمرين بَايَنَ الصومُ
بِهِمَا سَائِرَ الْعِبَادَاتِ :
أحدهما : أن الصوم منع من مَلَاذُّ النفس وشهواتها ، ما لا يمنع منه سائر
العبادات .
والثاني : أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له ، فلذلك صار مختصاً
به ، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنّعاً ورياء ، فلهذا صار أخص
بالصوم من غيره .
(٢٧٩) ديوانه ص ١٠٦ .
(٢٨٠) هذا البيت لامرىء القيس .
(٢٨١) رواه البخاري (٢٤/٣) ومسلم (١٣٢/٥) والنسائي (٥٩/٤) من حديث أبي هريرة.
٢٣٥

سورة البقرة الآية - ١٨٤
ثم قال تعالى : ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم النصارى ، وهو قول الشعبي والربيع وأسباط .
والثاني : أنهم أهل الكتاب ، وهو قول مجاهد .
والثالث : أنهم جميع الناس ، وهو قول قتادة .
واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا ، وصوم الذين من قبلنا ، على
قولين :
أحدهما : أن التشبيه في حكم الصوم وصفته ، لا في عدده لأن اليهود
يصومون من العتمة إلى العتمة ، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً ، وكان المسلمون على
ذلك في أول الإِسلام ، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن
الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان ، فأحلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب ، وهذا
قول الربيع بن أنس، وقد روي عن النبي ◌َّه أنه قال: ((بَيْنَ صَومِنَا وَصَومٍ أَهلِ
الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ))(٢٨٢).
والقول الثاني : أن التشبيه في عدد الصوم ، وفيه قولان :
أحدهما : أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض
علينا ، فكان ربما وقع في القيظ ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف ، ثم
كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة ، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم ، وهذا
قول الشعبي .
والثاني : أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء ،
وثلاثة أيام من كل شهر ، فكان على ذلك سبعة عشر شهراً إلى أن نسخ بصوم
رمضان ، قال ابن عباس : كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام الأول .
وفي قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ قولان :
أحدهما : لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام ، من أكل الطعام ،
وشرب الشراب ، ووطء النساء ، وهو قول أبي جعفر الطبري .
(٢٨٢) رواه مسلم برقم (١٠٩٦)، أبو داود (٢٣٤٣)، والنسائي (١٤٦/٤) والترمذي رقم (٧٠٩).
٢٣٦

سورة البقرة الآية - ١٨٤
والثاني : معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله ، لما فيه من قهر
النفس ، وكسر الشهوة ، وإذهاب الأشر ، وهو معنى قول الزجاج .
قوله عز وجل : ﴿ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ ﴾ فيها قولان :
أحدهما : أنها أيام شهر رمضان التي أَبَانَها من بعد ، وهو قول ابن أبي ليلى
وجمهور المفسرين .
والثاني : أنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، كانت مفروضة قبل صيام شهر
رمضان ، ثم نسخت به ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة وعطاء ، وهي الأيام البيض
من كل شهر ، وفيها وجهان :
أحدهما : أنه الثاني عشر وما يليه .
الوجه الثاني : أنها الثالث عشر وما يليه ، وهو أظهر الوجهين ، لأن أيام
الشهر مجزأة عند العرب عشرة أجزاء ، كل جزء منها ثلاثة أيام ، تختص باسم ،
فأولها ثلاث غرر ، ثم ثلاث شهب ، ثم ثلاث بهر ، ثم ثلاث عشر ، ثم ثلاث
بيض ، ثم ثلاث درع ، والدرع هو سواد مقدم الشاة ، وبياض مؤخرها ، فقيل لهذه
الثلاث درع ، لأن القمر يغيب في أولها ، فيصير ليلها درعاً ، لسواد أوله ، وبیاض
آخره ، ثم ثلاث خنس ، لأن القمر يخنس فيها ، أي يتأخر ، ثم ثلاث دهم ، وقيل
حنادس لإِظلامها ، ثم ثلاث فحم ، لأن القمر يتفحم فيها ، أي يطلع آخر الليل ،
ثم ثلاث رادي ، وهي آخر الشهر ، مأخوذة من الرادة ، أن تسرع نقل أرجلها حتى
تضعها في موضع أيديها .
وقد حكى أبو زيد ، وابن الأعرابي ، أنهم جعلوا للقمر في كل ليلة من ليالي
العشر اسماً ، فقالوا ليلة عتمة سخيلة حل أهلها برميلة ، وابن ليلتين حديث مين
مكذب ومبين ، ورواه ابن الأعرابي كذب ومين ، وابن ثلاث قليل اللباث ، وابن
أربع عتمة ربع لا جائع ولا مرضع ، وابن خمس حديث وأنس ، وابن ست سِرْ
وبِتْ ، وابن سبع دلجة الضبع ، وابن ثمان قمر إضحيان ، وابن تسع انقطع
الشسع . وفي رواية غير أبي زيد : يلتقط فيه الجزع ، وابن عشر ثلث الشهر ، عن
أبي زيد وعن غيره ، ولم يجعل له فيما زاد عن العشر اسماً مفرداً .
٢٣٧

سورة البقرة الآية - ١٨٤
واختلفوا في الهلال متى يصير قمراً، فقال قوم يسمى هلالا لليلتين ، ثم
يُسَمَّى بعدها قمراً، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى ثلاث ، ثم يسمى بعدها قمراً،
وقال آخرون يسمى هلالاً إلى ثلاث ، ثم يسمى بعدها قمراً، وقال آخرون يسمى
هلالاً حتى يحجر ، وتحجيره أن يستدير بِخَطَّةٍ دقيقة ، وهو قول الأصمعي ، وقال
آخرون يسمى هلالاً إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل ، فإذا بهر ضوؤه يسمى قمراً،
وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة .
[ ثم عدنا إلى تفسير ما بقي من الآية ].
قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ يعني مريضاً لا يقدر
مع مرضه على الصيام ، أو على سفر يشق عليه في سفره الصيام .
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه مع وجود السفر ، يلزمه القضاء سواء صام في سفره أو أفطر ،
وهذا قول داود الظاهري .
والثاني : أن في الكلام محذوفاً وتقديره : فأفطر فعدة من أيام أخر ، ولو
صام في مرضه وسفره لم يَعِدْ ، لكون الفطر بهما رُخْصَة لا حتماً ، وهذا قول
الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وجمهور الفقهاء .
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ هكذا قرأ أكثر
القراء ، وقرأ ابن عباس ، ومجاهد : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ لَا يَطِيقُونَهُ فدية﴾، وتأويلها:
وعلى الذين يكلفونه ، فلا يقدرون على صيامه لعجزهم عنه ، كالشيخ والشيخة
والحامل والمرضع ، فدية طعام مسكين ، ولا قضاء عليهم لعجزهم عنه .
وعلى القراءة المشهورة فيها تأويلان :
أحدهما : أنها وردت في أول الإِسلام ، خيّر الله تعالى بها المطيقين للصيام
من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا ، وبين أن يفطروا ويكفروا كل يوم
بإطعام مسكين ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾،
وقيل بل نسخ بقوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾، وهذا قول ابن عمر ، وعكرمة ،
والشعبي ، والزهري ، وعلقمة ، والضحاك .
٢٣٨

سورة البقرة الآية - ١٨٥
والثاني: أن حكمها ثابت ، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ ﴾ أي كانوا يطيقونه في حال شبابهم ، وإذا كبروا عجزوا عن الصوم لكبرهم
أن يفطروا ، وهذا قول سعيد بن المسيب ، والسدي .
ثم قال تعالى : ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما: فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له وهذا قول ابن
عباس ومجاهد وطاووس والسدي.
والثاني : فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له وهذا قول الزهري ورواية
ابن جريج عن مجاهد.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم ﴾ يحتمل تأويلين :
أحدهما : أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده .
والثاني : أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثواباً من التكفير لمن أفطر بالعجز .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل وجھین :
أحدهما : إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيِّنْتُه من دينكم .
والثاني : إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم .
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِّلنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ
اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا
أَوْعَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرُّبُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَاَيُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُ واْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ
١٨٥
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ ﴾ أما الشهر فمأخوذ من
الشهرة ، ومنه قيل قد شهر فلان سيفه ، إذا أخرجه ، وأما رمضان فإن بعض أهل
اللغة يزعم أنه سمي بذلك ، لشدة ما كان يوجد فيه من الحر حتى ترمض فيه
الفصال ، كما قيل لشهر الحج ذو الحجة ، وقد كان شهر رمضان يسمى في
الجاهلية ناتقاً .
٢٣٩

سورة البقرة الآية - ١٨٥
وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان(٢٨٣)، ويقول لعله من أسماء الله
عز وجل .
وفي إنزاله قولان :
أحدهما : أن الله تعالى أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى
سماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر منه ، ثم أنزله على نبيه وَير، على ما
أراد إِنْزَالَهُ عليه .
روى أبو المسلم عن وائلة(*) عن النبي ◌َ ﴿ قال: نزلت صحف إبراهيم أول
ليلة من رمضان ، وأَنْزِلَتِ التوراةُ لست مضين من رمضان ، وأَنْزِلَ الإِنجيلُ لثلاث
عشرة خلت من رمضان ، وأَنْزِلَ القرآنُ لأربع وعشرين من رمضان (٢٨٤).
والثاني : أنه بمعنى أنزل القرآن في فرض صيامه ، وهو قول مجاهد .
قوله تعالى: ﴿ هُدِّى لِلنَّاسِ﴾ يعني رشاداً للناس .
﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْقُرْقَانِ ﴾ أي بينات من الحلال والحرام ، وفرقان بين
الحق والباطل .
﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ الشهر لا يغيب عن أحد ، وفي تأويله
ثلاثة أقاويل :
أحدها : فمن شهد أول الشهر، وهو مقيم فعليه صيامه إلى آخره ، وليس له
(٢٨٣) لا وجه لهذه الكراهة التي ذكرت عن مجاهد فقد ورد أن النبي # ذكر رمضان في أكثر من حديث
بدون إضافة وعلى سبيل المثال ما رواه البخاري وغيره (( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما
تقدم من ذنبه)) وقد عقد الإِمام البخاري في صحيحه باباً للرد على من كره ذلك فقال: باب ((هل
يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعاً ثم ساق فيه حديث)) من صيام رمضان .
.
وحديث لا تقدموا رمضان .. الخ)) ولهذا قال الحافظ القسطلاني (٣٤٩/٣) .. وقول الأكثرين يكون
أن يقال رمضان بدون شهر رده النووي في المجموع بأنه الصواب خلافه كما ذهب إليه المحققون
لعدم ثبوت النهي فيه .
(*) كذا في المطبوعة وهو خطأ والصواب واثلة .
(٢٨٤) أخرجه أحمد برقم (٧٠٥١) وابن جرير (٤٤٦/٣) وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤٥٦/١)
لمحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب والحديث
صححه الشيخ أحمد شاكر (٤٤٦/٣) تخريج الطبري والحق أنه حديث حسن من أجل عمران فقد
تكلم فيه بعض أهل العلم .
'ا
٢٤٠