النص المفهرس
صفحات 181-200
سورة البقرة الآية - ١٢٠، ١٢١ بفتح التاء وجزم اللام ، وذكر أن سبب نزولها ، ما رواه موسى بن عبيد عن محمد (٢٣٥) بن كعب القرظي قال: قال رسول الله وَله: ((لَيْتَ شِعرِي مَا فَعَلَ أَبَوَاي))(٢٣٦)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾. وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَتَّعَ مِلَّتُهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىّ وَلَبِنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَاءَ هُمْ بَعْدَالَّذِى جَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَنِهِ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْبِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ١٢١ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَوَتِهِ ﴾ فيه قولان : (٢٣٥) هو محمد بن كعب بن سليم القرظي ، أبو حمزة وأبو عبد الله . كان من أئمة التفسير وهو تابعي عالم بالقرآن وكان ثقة عالماً كثير الحديث ورعاً توفي رحمه الله سنة ثمان ومئة وقيل غير ذلك . أنظر : - الجرح والتعديل (٦٧/٨)، حلية الأولياء (٢١٢/٣)، تاريخ الاسلام (١٩٩/٤) البداية والنهاية (٢٥٧/٩). (٢٣٦) رواه الطبري (٥٥٨/٢، ٥٥٩) وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٢٧١/١) لوكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحديث ضعفه ابن جرير في تفسير (٥٦٠/٢) والإِمام السيوطي في الدر (٢٧١/١) قال: مرسل ضعيف الإِسناد. اهـ. لأن في إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جداً قال البخاري فيه : منكر الحديث وكذا قال أبو حاتم وقال ابن معين لا يحتج بحديثه وقال أحمد بن حنبل : لا تحل الرواية عن موسى بن عبيدة وضعف الحديث الشيخ شاكر في تخريج الطبري وقال الحافظ ابن كثير (٢٩٦/١) ((والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام ليس في شيء من الكتاب والسنة ولا غيرها واسناده ضعيف)) اهـ. وقد ورد الحديث مرسلاً بل معضلاً من حديث داود بن عاصم رواه ابن جرير (٥٨٩/٢) وضعفه السيوطي في الدر (٢٧١/١) بقوله معضل الاسناد ضعيف لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة . اهـ يقصد بالحديث الذي قبله حديث محمد بن كعب القرظي السابق أقول : وهذه المسألة حدث فيها نزاع كبير بين أهل العلم وألف فيها الإِمام السيوطي عدة رسائل أنظر بعضها في الحاوي للفتاوي له وأنظر كذلك مجموعة الفتاوى لشيخ الاسلام ابن تيمية (٣٢٤/٤). ١٨١ سورة البقرة الآية - ١٢٢ - ١٢٤ أحدهما: أنهم المؤمنون برسول الله وَلاير، والكتاب هو القرآن، وهذا قول قتادة . والثاني : أنهم علماء اليهود ، والكتاب هو التوراة ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد . يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يقرؤونه حق قراءة . والثاني : يتبعونه حق اتباعه ، فيحللون حلاله ، ويحرمون حرامه ، وهذا قول الجمهور . ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني بمحمد ◌ِ له، لأن من قرأ أحد الكتابين ، آمن به ، لِما فيهما من وجوب اتباعه . يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ أَذْكُرُواْنِعْمَتِىَ الَّبِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ وَأَتَّقُواْيَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسَ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَنْفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَاهُمْ يُنْصَرُونَ ١٢٣ وَإِذٍ أَبْتَلَىَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ وَمِن ـلے ١٢٤ ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَّمَّهُنَّ ﴾ فيه محذوف وتقديره : واذكر إذا ابتلى يعني اختبر ، وإبراهيم بالسريانية أب رحيم ، وفي الكلمات التي ابتلاه الله عز وجل بها ، ثمانية أقاويل : أحدها : هي شرائع الإِسلام ، قال ابن عباس : ما ابتلى الله أحداً بهن ، فقام بها كلها ، غير إبراهيم ، ابتلي بالإِسلام فأتمه ، فكتب الله له البراءة فقال : ﴿وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَى﴾ [النجم: ٣٧] قال: وهي ثلاثون سهماً: عشرة منها في سورة براءة: ﴿التَّائُِونَ، الْعَابِدُونَ، الْحَامِدُونَ، السَّائِحُونَ، الرَّاكِعُونَ، السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ١٨٢ سورة البقرة الآية - ١٢٢ - ١٢٤ وعشرة في الأحزاب: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتٍ ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، وَالصَادِقِينَ وَالصَادِقَاتِ ، وَالصَابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ، وَالصَائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، وَالْحَافِظِينَ فروجَهُم وَالْحَافِظَاتِ، وَالذَاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالْذَّاكِرَاتِ ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغَفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وعشرة في سورة ((المؤمنون)): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمٍ خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغُوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّ عَلَى أَزْوَاجِهِم أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيِمَانُهُمْ فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ ، فَمن ابتغىْ وَرَاءَ ذُلِكَ فَأُولِئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمُ لِمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونِ الْفِرْدَوسَ هَمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ -١١] وفي سورة سأل سائل من ﴿إلا المُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. [المعارج: ٣٤]. والقول الثاني : إنها خصال من سُنَّنِ الإِسلام ، خمس في الرأس ، وخمس في الجسد ، فروى ابن عباس في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس . وفي الجسد تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر البول والغائط بالماء . وهذا قول قتادة . والقول الثالث : إنها عشر خصال ، ست في الإِنسان وأربع في المشاعر ، فالتي في الإِنسان : حَلْقُ العانة ، والختان ، ونَتْفُ الإِبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والغُسل يوم الجمعة . والتي في المشاعر : الطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، والإِفاضة . روى ذلك الحسن عن ابن عباس . والقول الرابع : إن الله تعالى قال لإِبراهيم : إني مبتليك يا إبراهيم ، قال : تجعلني للناس إماماً؟ قال نعم ، قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟ قال : نعم ، قال : وأمناً ؟ قال : نعم ، قال : وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ؟ قال: نعم، قال : وأرنا مناسكنا وتب علينا؟ قال : نعم ، قال : وتجعل هذا البلد آمناً ؟ قال : نعم ، ١٨٣ سورة البقرة الآية - ١٢٢ - ١٢٤ قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن ؟ قال : نعم ، فهذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ، وهذا قول مجاهد . والخامس : أنها مناسك الحج خاصة ، وهذا قول قتادة . والقول السادس : أنها الخلال الست : الكواكب ، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والختان ، التي ابتلي بهن فصبر عليهن ، وهذا قول الحسن . والقول السابع: ما رواه سهل بن معاذ بن أنس عن أمه قال: كان النبي وَّ يقول: ((ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحُونَ، وله الحمْدُ في السّمْوَاتِ والأَرْضِ وعَشِيّاً وحين تُظْهِرُونَ». والقول الثامن : ما رواه القاسم (٢٣٨) بن محمد، عن أبي أمامة(٢٣٩) قال: قال رسول الله وَّه: ((وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَقَّى﴾ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا وَقَّى؟ قَالُوا: اللَّهُ (٢٣٧) رواه الطبري (١٥/٣) وأحمد (١٥٦٨٨) والديلمي (٧٣٧٤) وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير (١٦٦/١) كلهم من طريق زبان بن فائد عن سهل بن معاذ عن معاذ الجهني وهذا سند ضعيف لضعف زبان بن فائد وسهل بن معاذ. قال ابن حبان في زبان : منكر الحديث جداً . ينفرد عن سهل ابن معاذ بنسخة كأنها موضوعة ، المجروحين (٣٠٩/١) وقال في سهل روی عن زبان بن فائد منکر الحديث جداً فلست أدري وقع التخليط في حديثه منه أو من زبان بن فائد فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها أحدهما ساقطة وفي سنده عند الطبري رشدين بن سعد لكنه لم ينفرد به بل تابعه ابن لهيعة عند أحمد وابن أبي حاتم والحديث ضعفه الطبري نفسه (١٧/٣) والحافظ ابن كثير (٣٠٤/١) وذكره الشوكاني في فتح القدير (١١٥/٥) وضعفه بابن لهيعة فقط وهذا إعلال قاصر وذهول عن العلة الحقيقية للحديث؛ لأن ابن لهيعة لم ينفرد به كما علمت وضعفه الشيخ شاكر في تخريج الطبري (١٥/٣) وقال: إسناده مُنهار لا تقوم به قائمة. تنبيه : -وقع في نسخة المخطوطة: عن سهل بن معاذ عن أمه، وهو خطأ من الناسخ فالحديث معروف عن سهل عن أبيه فلیتنبه. (٢٣٨) هو أبو محمد عالم وقته بالمدينة ، روى عن ابن مسعود مرسلاً، وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم . توفي رحمه الله ست ستة ومئة وقيل غير ذلك . انظر : - طبقات ابن سعد (١٨٧/٥)، تذكرة الحفاظ (٩٦/١)، تاريخ الإسلام (١٨٢/٤) الحلية (١٨٣/٢). (٢٣٩) صاحب رسول الله وَّل# روى علماً كثيراً. هو صدي بن عجلان أبو أمامة مات سنة ست وثمانين وقيل غير ذلك . انظر : - الإصابة (١٨٢/٢)، أسد الغابة (١٦/٣)، الاستيعاب (٧٣٦) البداية والنهاية (٧٣/٩). ١٨٤ سورة البقرة الآية - ١٢٥ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: وَفَى عَمَلَ يَوْمٍ بِأَرْبَعِ رَكْعَاتٍ فِي النَّهَارِ)) (٢٤٠). قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ أي مقصوداً متبوعاً، ومنه إمام المصلين ، وهو المتبوع في الصلاة . قال ومن ذريتي ﴾ فاحتمل ذلك وجهين : أحدهما : أنه طمع في الإِمامة لذريته ، فسأل الله تعالى ذلك لهم . والثاني : أنه قال ذلك استخباراً عن حالهم ، هل يكونون أهل طاعة فيصيروا أئمة ؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصياً وظالماً، لا يستحق الإِمامة ، فقال: ﴿لَا يَثَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ . وفي هذا ((العهد ))، سبعة تأويلات : أحدها : أنه النبوة ، وهو قول السدي . والثاني : أنه الإِمامة ، وهو قول مجاهد . والثالث : أنه الإِيمان ، وهو قول قتادة . والرابع : أنه الرحمة ، وهو قول عطاء . والخامس : أنه دين الله وهو قول الضحاك . والسادس : أنه الجزاء والثواب . والسابع : أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه ، وهو قول ابن عباس . وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًّا وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّ (٢٤٠) رواه ابن جرير في التفسير (١٦/٣) والديلمي برقم (٧٣٧٣) وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير (١٥٨/٤) وزاد السيوطي نسبته في الدر (٦٦٠/٧) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والشيرازي في الألقاب كلهم من حديث جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة ، وهذا سندضعيف لضعف جعفر بن الزبير الحنفي، وهو ضعيف جدا حتى قال أبو حاتم روى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة أكثر من مائة حديث. وفيه أيضاً القاسم بن عبد الرحمن طعن فيه ابن حبان وحمل عليه أحمد كما في الميزان (٣٧٣/٣) والحديث ضعفه الطبري (١٧/٣) وابن كثير (١٦٧/١) والسيوطي في الدر (٦٦٠/٧) والشوكاني في الفتح (١١/٥) والشيخ أحمد شاكر في تخريج الطبري (١٦/٣). ١٨٥ سورة البقرة الآية - ١٢٥ قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : مجمعاً لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة . والثاني : مرجعاً من قولهم قد ثابت العلة إذا رجعت . وقال الشاعر : تحب إليها اليعملات الذوامل (٢٤١) مثاباً لأفناءِ القبائل كلها وفي رجوعهم إليه وجهان : أحدهما : أنهم يرجعون إليه المرة بعد المرة . والثاني : أنهم في كل واحد من نُسُكَيِ الحج والعمرة يرجعون إليه من حل إلى حرم ؛ لأن الجمع في كل واحد من النسكين بين الحل والحرم شرط مستحق . قال تعالى: ﴿وَأَمْنَاً ﴾ فيه قولان : أحدهما: لأمنه في الجاهلية من مغازي العرب، لقوله: ﴿وَءَامَنَّهُم مِنْ خَوفٍ﴾. [قريش: ٤]. والثاني : لأمن الجناة فيه من إقامة الحدود عليهم حتى يخرجوا منه . وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَى﴾ روى حماد(٢٤٢)، عن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : قلت يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى (٢٤٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلِّى﴾ بكسر الخاء (٢٤١) شعر أبي طالب في وصف الكعبة أنظر: اللسان مادة (ثوب)، الشافعي في الأم (١٢٠/٢) لكن نسبه لورقة بن نوفل . وفي الطبري (٢٦/٣). (٢٤٢) هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة، الإِمام ، القدوة ، النحوي . كان مع إمامته في السنة إماماً كبيراً في العربية ، فقيهاً فصيحاً مات رحمه الله في ذي الحجة سنة سبع وستين ومئة أنظر : - طبقات ابن سعد (٢٨٢/٧)، العبر (٢٤٨/١)، حلية الأولياء (٢٤٩/٦) تذكرة الحفاظ (٢٠٢/١). (٢٤٣) رواه البخاري (١٢٨/٨) وأحمد في المسند برقم (١٥٧، ١٦، ٢٥٠) والترمذي برقم (٢٩٦٢) وقال حسن صحيح وابن ماجه (٣٢٢/١ برقم ١٠٠٩) وأبو نعيم في الحلية (٤٢/١٠) والطبري بنفس سياق المؤلف برقم (١٩٨٥، ١٩٨٦، ١٩٨٧). والدارمي (٤٤/٢) وابن حبان (٢٢/٩) وابن أبي داود في المصاحف (ص ٩٨). وزاد السيوطي نسبته في الدر (٨٩/١ - ٩٠) للبيهقي في سننه ولسعيد بن منصور والعدني وابن المنذر والنسائي وابن مردويه والدارقطني في الافراد والطحاوي كلهم من حديث أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . ١٨٦ سورة البقرة الآية - ١٢٦ - ١٢٨ من قوله واتخذوا على وجه الأمر، وقرأ بعض (٢٤٤) أهل المدينة: ﴿وَاتَّخَذُوا بفتح الخاء على وجه الخبر . واختلف أهل التفسير في هذا المقام ، الذي أُمِرُوا باتخاذه مصلى ، على أربعة أقاويل : أحدها : الحج كله ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنه عرفة ومزدلفة والجمار ، وهو قول عطاء والشعبي . والثالث : أنه الحرم كله ، وهو قول مجاهد . والرابع : أنه الحجر الذي في المسجد ، وهو مقامه المعروف ، وهذا أصح . وفي قوله : ﴿مُصَلَّى﴾ تأويلان: أحدهما : مَدْعَى يَدْعِي فيه ، وهو قول مجاهد . والثاني : أنه مصلى يصلي عنده ، وهو قول قتادة ، وهو أظهر التأويلين . وَعَهِدْ نَآ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ١٢٥ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدَاءَامِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اُلْأَخِّقَالَ وَمَنْكَفَرَ فَأُمِتِّعُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ اَلْمَصِيُ ﴿ وَ إِذْ يَرْفَعُ إِنَّهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَيَّنَا فَقَبَّلْ مِنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَِّنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةً ◌َّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨ قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : أي أَمَرْنَا . (٢٤٤) وهي قراءته لنافع وابن عامر [ السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ١٧٠ ]. ١٨٧ سورة البقرة الآية - ١٢٦ - ١٢٨ والثاني : أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل . أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : من الأصنام . والثاني : من الكفار . والثالث : من الأنجاس . وقوله تعالى : ﴿ بَيْتِيَ ﴾ يريد البيت الحرام. فإن قيل : فلم يكن على عهد إبراهيم ، قبل بناء البيت بيت يطهر ، قيل : عن هذا جوابان : أحدهما : معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن آبنيا بيتي مُطَهَّراً، وهذا قول السدي : والثاني : معناه أن طهرا مكان البيت . لِلطَائِفِينَ ﴾ فيهم تأويلان: أحدهما : أنهم الغرباء الذين يأتون البيت من غربة ، وهذا قول سعيد بن جبير . والثاني : أنهم الذين يطوفون بالبيت ، وهذا قول عطاء . وَالْعَاكِفِينَ﴾ فيهم أربعة تأويلات : أحدها : أنهم أهل البلد الحرام ، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة . والثاني : أنهم المعتكفون وهذا قول مجاهد . والثالث : أنهم المصلون وهذا قول ابن عباس . والرابع : أنهم المجاورون للبيت الحرام بغير طواف ، وغير اعتكاف ، ولا صلاة ، وهذا قول عطاء . والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ يريد أهل الصلاة ، لأنها تجمع ركوعاً وسجوداً . قوله تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ يعني مكة ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ ليجمع لأهله الأمن والخصب ، فيكونوا في رغد من العيش . ١٨٨ سورة البقرة الآية - ١٢٦ - ١٢٨ ﴿ مَنْ ءَآمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن هذا من قول إبراهيم متصلاً بسؤاله ، أن يجعله بلداً آمناً ، وأن يرزق أهله الذين آمنوا به من الثمرات ، لأن الله تعالى قد أعلمه بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أن فيهم ظالماً هو بالعقاب أحق من الثواب ، فلم يسأل أهل المعاصي سؤال أهل الطاعات . والوجه الثاني : أنه سؤاله كان عاماً مرسلاً، وأن الله تعالى خص الإِجابة لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر ، ثم استأنف الإِخبار عن حال الكافرين ، بأن قال : وَمَنْ كَفَرَ فَأَمَتِّعُهُ قَلِيلًا ﴾ يعني في الدنيا . ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىْ عَذَابِ النَّارِ ﴾ يعني بذنوبه إن مات على كفره . واختلفوا في مكة ، هل صارت حرماً آمناً بسؤال إبراهيم أو كانت ليه كذلك ؟ على قولين : أحدهما : أنها لم تزل حرماً مِنَ الجَبَابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ ، ومن الخسوف والزلازل ، وإنما سأل إبراهيم ربَّه : أن يجعله آمناً من الجدب والقحط ، وأن يرزق أهله من الثمرات ، لرواية سعيد بن المقبري ، قال : سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: إن رسول الله وَليل لما افتتح مكة، قتلت خزاعة رجلاً من هذيل ، فقام رسول الله وَيَ خطيباً فقال: ((يأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَّةً يَوْمَ خَلَقَ السَّمْواتِ وَالأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَ يَحِلُّ لِمْرِىءٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليومِ الآخرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيها دَماً أَوْ يُعَضِّدُ بِهَا شَجَراً، وَأَنَّهَا لَا تَحِلَّ لُإِحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلُّ لِي إِلَّ هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَباً عَلَى أَهْلِهَا، أَلَ وَهِيَ قَدْ رَجِعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالأَمْسِ، أَلَ لِيَبلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَتَلَ بِهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أُحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَْ))(٢٤٥). ۔۔۔ والثاني : أن مكة كانت حلالاً قبل دعوة إبراهيم ، كسائر البلاد ، وأنها (٢٤٥) رواه ابن جرير الطبري (٤٥/٣) وابن إسحق مطولاً (٥٧/٤ - ٥٨) السيرة وأحمد برقم (١٦٤٤٨) من طريق ابن اسحق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي رواه البخاري (١٧٦/١ - ١٧٧) (٣٥/٤ - ٣٩) ومسلم (٣٨٣/١ - ٣٨٤) وأحمد (١٦٤٤٤) كلهم من طريق الليث بن سعيد عن سعيد به . ١٨٩ سورة البقرة الآية - ١٢٦ - ١٢٨ بدعوته صارت حرماً آمناً ، وبتحريمه لها ، كما صارت المدينة بتحريم رسول الله وَلفي حراماً، بعد أن كانت حلالاً، لرواية أشعب، عن نافع، عن ابن عمر(٢٤٦)، أن رسول الله وَ﴿ه قال: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَخَلِيلِه، وَإِنِّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وِإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَبَتَيْهَا عَضَاهَا وَصَيْدُهَا ، لَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ ، وَلَ يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ لَعَلَفٍ )). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ أول من دله الله تعالى على مكان البيت إبراهيمُ ، وهو أول من بناه مع إسماعيل ، وأول من حجه ، وإنما كانوا قَبْلُ يصلون نحوه ، ولا يعرفون مكانه . والقواعد من البيت واحدتها قاعدة ، وهي كالأساس لما فوقها. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ والمعنى: يقولان ربنا تقبل منا، كما قال تعالى: ﴿ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم ﴾ أي يقولون سلام عليكم ، وهي كذلك في قراءة أبيّ بن كعب: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. وتفسير ((إسماعيل)): إسمع يا الله ، لأن إيل بالسريانية هو الله ، لأن إبراهيم لما دعا ربه قال : اسمع يا إيل ، فلما أجابه ورزقه بما دعا من الولد ،سمّى بما دعا . قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينٍ لَكَ﴾ على التثنية، وقرأ عوف (٢٤٦) وقول المؤلف: لرواية أشعب عن نافع عن ابن عمر ... أن رسول الله ويّاير قال : ... الخ فيه نظر : أولاً : هذا الحديث معروف من رواية أشعث عن نافع عن أبي هريرة فالحديث حديث أبي هريرة وليس ابن عمر، فقد رواه من حديث أبي هريرة ابن جرير الطبري في التفسير (٤٨/٣) وهذه الرواية ضعيفة لأن في سندها أشعث بن سوار الكندي صاحب التوابيت قاضي الأهواز . قال الحافظ عنه في التقريب ضعيف وقال الحافظ ابن كثير وهذه الطريقة غريبة وقال الشيخ مقبل الوادعي في تخريج ابن كثير (٣٠٣/١) ذلك أنه تفرد به أشعث بن سوار وهو صعيف فهي تُعَدُّ منكرة . اهـ. ثانياً : وأظنه خطأ من الناسخ فقوله برواية أشعب ... خطأ والصحيح أنه أشعث وهو ابن سوار كما سبق وقد وقع هذا الخطأ أيضاً في المطبوعة . والحديث وإن كان غريباً من هذه الطريق إلا أن معناه ثابت وصحيح من وجه آخر عن أبي هريرة كما رواه مسلم (٣٧٨/١) وهو في الموطأ (ص ٨٨٥) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة . ١٩٠ سورة البقرة الآية - ١٢٩ الأعرابي: ﴿ مُسْلِمِينَ لك﴾ على الجمع. ويقال: أنه لم يدع نَبِيُّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ ﴾ والمسلم هو الذي استسلم لأمر الله وخضع له ، وهو في الدين القابل لأوامر الله سراً وجهراً . ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ أي عرفنا مناسكنا، وفيها تأويلان : أحدهما : أنها مناسك الحج ومعالمه ، وهذا قول قتادة والسدي . والثاني : أنها مناسك الذبائح التي تنسك لله عز وجل ، وهذا قول مجاهد وعطاء . والمناسك جمع منسك ، واختلفوا في تسميته منسكاً على وجهين : أحدهما : لأنه معتاد ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة ، من قولهم إن لفلان منسكاً ، إذا كان له موضع معتاد لخير أو شر، فسميت بذلك مناسك الحج لاعتيادها . والثاني : أن النسك عبادة الله تعالى ، ولذلك سُمِّي الزاهد ناسكاً لعبادة ربه ، فسميت هذه مناسك لأنها عبادات . رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكْبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم﴾ يعني في هذه الأمة ﴿ رَسُولاً مِنْهُمِ﴾ يعني محمداً وََّ، وقيل في قراءة أبيّ بن كعب ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِي آخِرِ هِم رَسُولاً مِنْهُم ﴾. وقد رَوَى خالد(٢٤٧) بن معدان: أن نفراً من أصحاب رسول الله و التر قالوا: (٢٤٧) هو خالد بن معدان بن أبي کرب ، أبو عبد الله ، هو معدود في أئمة الفقه. قال ابن سعد : أجمعوا على أنه مات رحمه الله سنة ثلاث ومئة . انظر : - الحلية (٢١٠/٥)، طبقات ابن سعد (٤٥٥/٧)، البداية والنهاية (٢٣٠/٩). ١٩١ سورة البقرة الآية - ١٣٠ - ١٣٢ يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: ((نَعَم، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَىْ عِيسَى))(٢٤٨). ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يقرأ عليهم حجتك . والثاني : يبين لهم دينك . ويُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن . وَالْحِكْمَةَ ﴾ فيها تأويلان : أحدهما : أنها السنة ، وهو قول قتادة . والثاني : أنها المعرفة بالدين ، والفقه فيه ، والاتباع له ، وهو قول ابن زيد . وَيُزَكِّيهِم ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : معناه يطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان . والثاني : يزكيهم بدينه إذا اتبعوه فيكونون به عند الله أزكياء . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً ﴿إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ١٣ وَإِنَُّ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ١٣١ } وَوَصَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ اُلْعَلَمِينَ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ١٣٢ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : (٢٤٨) رواه ابن إسحاق في السيرة في قصة مطولة (١٧٥/١) وابن جرير في التفسير (٨٢/٣) وفي التاريخ مطولاً (١٣٠/٢) والحاكم في المستدرك (٦٠٠/٢) كلهم من طريق محمد بن إسحق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن نفر .... الحديث قال الحاكم رحمه الله : خالد بن معدان من خيار التابعين صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة . فإذا أسند حديثاً إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد وإن لم يخرجاه ووافقه الذهبي على تصحيح الحديث وهذا متعقب فإن في إسناد الحديث عند الحاكم أحمد بن عبد الجبار العطاردي وقال الحافظ في التقريب ضعيف (١ /١٩) وأما = ١٩٢ سورة البقرة الآية - ١٣٣ أحدها : أن ذلك سفّه نفسه ، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً ، وهذا قول الأخفش . والثاني : أنها بمعنى سفه في نفسه ، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي عَلَى عقدة النكاح ، وهذا قول الزجَّاج. والثالث : أنها بمعنى أهلك نفسه وأُوْبَقَهَا، وهذا قول أبي عبيدة . قال المبرِّد وثعلب : سَفِه بكسر الفاء يتعدى ، وسفُه بضم الفاء لا يتعدى . ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي اخترناه ، ولفظه مشتق من الصفوة ، فيكون المعنى : اخترناه في الدنيا للرسالة . وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ لنفسه في إنجائها من الهلكة . قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ﴾ الهاء كناية ترجع إلى الملة لتَقَدُّم قولهِ : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهَيمَ ﴾ ووصّى أبلغ من أوصى ، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة ، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً. ﴿وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ والمعنى أن إبراهيم وصَّى، ثم وَصّى بعده يعقوبُ بَنِيهِ، فقالا جميعاً: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفَىْ لَكُمُ الدِّينَ﴾ يعني اختار لكم الدين ، أي الإِسلام ، ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فإن قيل: كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم ، وإنما يُمَاتُون ؟ قيل : هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى ، لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإِسلام ، لا إلى الموت ، ومعناه : الزموا الإِسلام ولا تفارقوه إلى الموت . أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْقَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْنَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا = عنعنة ابن إسحاق فقد صرح بالتحديث عند الحاكم . قال الشيخ أحمد شاكر في تخريج الطبري (٨٢/٣) هذا الإِسناد مرسل. ١٩٣ سورة البقرة الآية - ١٣٣ - ١٣٦ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَتٌّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ٣٣ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْنَصَرَى (١٣٤ كَسَبْتُمٌّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ تَهْتَدُ وأُقُلْ بَلْ مِلَةَإَِّهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٣٥ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارِى تَهْتَدُوا﴾ يعني أن اليهودَ قالوا : كونوا هوداً تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا ، فرد الله تعالى ذلك عليهم، فقال: ﴿ قُلْ: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ وفي الكلام حذف ، يحتمل وجهين : أحدهما : أن المحذوف بل نتبع ملة إبراهيم ، ولذلك جاء به منصوباً . والثاني : أن المحذوف بل نهتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف حرف الجر ، صار منصوباً ، والملة : الدين ، مأخوذ من الإِملاء ، أي ما يُمْلُون من كتبهم . وأما الحنيف ، ففيه أربعة تأويلات : أحدها : أنه المخلص ، وهو قول السدي . والثاني : أنه المتّبع ، وهو قول مجاهد . والثالث : الحاج ، وهو قول ابن عباس ، والحسن . والرابع : المستقيم . وفي أصل الحنيف في اللغة وجهان : أحدهما : الميل ، والمعنى أن إبراهيم حَنَّفَ إلى دين الله، وهو الإِسلام فسمي حنيفاً ، وقيل للرجل أُحْنَف لميل كل واحدة من قدميه إلى أختها . والوجه الثاني: أن أصله الاستقامة، فَسُمِّي دين إبراهيم (( الحنيفية)) لاستقامته وقيل للرجل أحنف ، تطيّراً من الميل وتفاؤلاً بالاستقامة ، كما قيل لِلَّدِیغ سليم ، وللمُهْلِكةِ من الأرض مفازة . قُولُوَاْءَامَنَا بِلَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ وَيَعْقُوبَ ١٩٤ سورة البقرة الآية - ١٣٦ - ١٣٨ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيِّنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٣) فَإِنْ ءَامَنُواْبِمِثْلِ مَآءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَ إِن ◌َوَلَّوْفَإَِّ هُمْ فِ شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيْكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَمُ عَبِدُونَ ١٣٨ (١٣٧) قوله تعالى : ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآ ءَامَنْتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ فإن قيل : فهل للإِيمان مثل لا يكون إيماناً ؟ قيل معنى الكلام : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدَّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ، وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف . وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعني في مشاقة وعداوة، وأصل الشِّقَاقِ الْبُعْدُ، من قولهم قد أخذ فلان في شِقِّ، وفلان في شِقِّ آخر ، إذا تباعدوا . وكذلك قيل للخارج عن الجماعة ، قد شَقَّ عصا المسلمين لُبُعْدِهِ عنهم . قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : معناه دين الله ، وهذا قول قتادة . وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم(٢٤٩) في ماء لهم ، ويقولون هذا تطهير لهم كالختان ، فرد اللّه تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أي صبغة الله أحسن صبغة ، وهي الإِسلام(٢٥٠). والثاني : أن صبغة اللّه ، هي خلقة اللّه ، وهذا قول مجاهد . فإن كانت الصبغة هي الدين ، فإنما سُمِّيَ الدين صبغة ، لظهوره على صاحبه ، كظهور الصِّبْغِ عَلَى الثوبِ ، وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب . (٢٤٩) وهذه من عادات النصارى التي يزعمون أنها من دينهم وتسمى التعميد حيث يُعَمِّدُونَ أطفالهم بعد سبعة أيام من ولادتهم في حوض به ماء زعماً منهم أنهم بذلك صاروا نصارى وكل هذا كفر وضلال والعياذ بالله . (٢٥٠) قال الحافظ : صبغة بالنصب وهو مصدر انتصب عن قوله ونحن له مسلمون على الأرجح وقيل منصوب على الإفراد أي الزموا وكأن لفظ صبغة ورد بطريق المشاكلة لأن النصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء معموديّة ويزعمون أنهم يطهرونهم بذلك فقيل للمسلمين الزموا صبغة الله فإنها أظهر (١٦١/٨) الفتح. ١٩٥ سورة البقرة الآية - ١٣٩ - ١٤٣ قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِ اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ ◌َ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ١٣٩ لَهُ مُخْلِصُونَ وَاْلْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودَا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ج تِلْكَ أُمَّةٌ ١٤٠ كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ١٤١ قَدْ خَلَتَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَاكَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴿ قوله عز وجل: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يعني قالوا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسَحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ ﴾ وهم إثنا عشر سَبْطاً من ولد يعقوب ، والسَبْطُ الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد ، والسَبْطُ في اللغة : الشجر الذي يرجع بعضه إلى بعض ﴿ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ: أَنْتُم أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ﴾ يعني اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هوداً، والنصارى تزعم أنهم كانوا نصارى ، فرد الله عليهم بأن الله تعالى أعلم بهم منكم ، يعني بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى . ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ من كتمان الشهادة ، والارتشاء عليها من أغنيائهم وسفائهم . سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَنِهِمُ الَِّى كَانُواْ عَلَيَّهَأَّقُل لِلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ () وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لَِّكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًاُ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ إِنَّ اللَّهَبِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ١٤٣ قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾ السُّفَهَاءُ: واحده سَفِيه ، والسَّفِيهُ : الخفيف الحلم ، من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج ، ورمح سفيه إذا أسرع نفوذه . ١٩٦ سورة البقرة الآية - ١٣٩ - ١٤٣ وفي المراد بالسفهاء هَا هُنّا ثلاثة أقاويل : أحدها : اليهود ، وهو قول مجاهد(٢٥١). والثاني : المنافقون ، وهو قول السدي . والثالث : كفار قريش وحكاه الزجاج . ﴿ مَا وَلَّهِم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس، حيث كان يستقبلها رسول الله وسلم بمكة ، بعد هجرته إلى المدينة بستة عشر أو سبعة عشر شهراً في رواية البراء بن عازب (٢٥٢)، وفي رواية معاذ(٢٥٣) بن جبل: ثلاثة عشر شهراً، وفي رواية أنس (٢٥٤) بن مالك تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، ثم نُسِخَتْ قبلةُ بيت المقدس باستقبال الكعبة ، ورسول الله ◌َّر بالمدينة في صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين نحو بيت المقدس ، فانصرف بوجهه إلى الكعبة ، هذا قول أنس بن مالك ، وقال البراء بن عازب : كنا في صلاة العصر بقباء ، فمر رجل على أهل المسجد وهم ركوع في الثانية، فقال: أشهد لقد صَلَّيت مع رسول الله وَهُ قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت ، وقِبَلُ كل شيءٍ : ما قَابَل وَجْهَه . (٢٥١) رواه ابن جرير برقم (٢١٤٣) وورد عن ابن عباس والبراء مثله قال الحافظ في الفتح والأسانيد عنهم صحيحة رواها الطبري (١٧١/٨ فتح ). قلت : رواية ابن عباس برقم ( ٢١٤٧) ورواية البراء برقم (٢١٤٥) ولكن إسناد ابن عباس فيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس وقد قيل إن بينهما سعيد بن جبير فإن كان كذلك فالسند متصل صحيح على أن هذه الرواية رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ارتضاها البخاري في صحيحه فشحن بها كتاب التفسير وابن أبي حاتم وغيرها اهـ. (٢٥٢) رواها البخاري (١٣٢/٨) ومسلم (١٤٨/١) وابن جرير (١٣٣/٤) وصححها الشيخ شاكر ونسبها السيوطي في الدر (٣٤٢/١) للترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه . قلت: ورواها ابن ماجه (١٠ - ١) وفيها أن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت ثمانية عشر شهراً وصححها البوصيري في الزوائد . (٢٥٣) رواها الطبري بنفس رواية المؤلف مختصرة (١٣٦/٤ برقم ٢١٥٦) وأبو داود مطولة (٥٠٧) وأحمد مطولة أيضاً وفيها سبعة عشر شهراً (٢٤٦/٥، ٢٤٧) وأبو داود الطيالسي وفيها نصلي سبعة عشر شهراً والحديث منقطع الإسناد لأن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. راجع الفتح (٨٩/١ - ٩٠) لتقف على طريقة الجمع بين الروايات الواردة في ذلك . (٢٥٤) أخرجها الطبري (٤ /١٣٥) برقم (٢١٥٥) وصححها الشيخ أحمد شاكر في تخريج الطبري . ١٩٧ سورة البقرة الآية - ١٣٩ - ١٤٣ واختلف أهل العلم في استقبال رسول اللّه وَيلو بيت المقدس، هل كان برأيه واجتهاده، أو كان عن أمر الله تعالى لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُوُلَ ﴾، وهذا قول ابن عباس وابن جريج . والقول الثاني : أنه كان يستقبلها برأيه واجتهاده ، وهذا قول الحسن ، وعكرمة ، وأبي العالية ، والربيع . واختلفوا في سبب اختياره بيت المقدس على قولين : أحدهما : أنه اختار بيت المقدس ليتألّف أهل الكتاب ، وهذا قول أبي جعفر الطبري . والثاني : لأن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس ، فأحب الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ، ليعلم من يتبع ممن ينقلب على عَقِبَيْهِ ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج ، فلما استقبل رسول الله وَلقر الكعبة، قال ابن عباس (٢٥٥): أتى رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف والربيع وكنانة بن أبي الحُقَيْقِ ، فقالوا لرسول الله وَله : ما ولّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها ، نتبعك ونصدقك . وإنما يريدون فتنته عن دينه ، فأنزل الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيها؟ قُل : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يعني حيثما أمر الله تعالى باستقباله من مشرق أو مغرب ، والصراط : الطريق : والمستقيم : المستوي . قوله تعالى: ﴿ وَكَذْلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ . فيه ثلاثة تأويلات: أحدها : يعني خياراً، من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه ، إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه ، ومنه قول زهير : (٢٥٥) رواها ابن إسحق في السيرة (١٩٨/٢ - ١٩٩) ومن طريقه ابن جرير الطبري في التفسير (١٣٢/٣ برقم ٢١٤٩) وزاد السيوطي في الدر (٣٢٤/١) نسبته لابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل . والحديث في سنده محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال الذهبي لا يعرف وترجم له البخاري في التاريخ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ووثقه ابن حبان. ١٩٨ سورة البقرة الآية - ١٣٩ - ١٤٣ هُمْ وَسَطْ يَرْضَىْ الإِلَهُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعَظّم (٢٥٦) والثاني : أن الوسط من التوسط في الأمور ، لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين ، فلا هم أهل غلوّ فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، كاليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكَذَبوا على ربهم ، فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط ، لأن أحب الأمور إليه أوسطها . والثالث : يريد بالوسط : عدلاً ، لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان ، وقد روى أبو سعيد الخدري (٢٥٧)، عن النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أَمَّةً وَسَطاً ﴾ أي عَدْلًا. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : لتشهدوا على أهل الكتاب ، بتبليغ الرسول إليهم رسالة ربهم . والثاني : لتشهدوا على الأمم السالفة ، بتبليغ أنبيائهم إليهم رسالة ربهم ، وهذا مروي عن النبي وَيَ(٢٥٨)، أن الأمم السالفة تقول لهم: كيف تشهدون علينا ولم تشاهدونا ، فيقولون أعْلَمَنَّا نبيُّ الله بما أَنْزِلَ عليه من كتاب الله . والثالث : أن معنى قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ أي لتكونوا مُحْتَجِّينَ على الأمم كلها ، فعبر عن الاحتجاج بالشهادة ، وهذا قول حكاه الزجاج . (٢٥٦) ديوانه (٢٧/٢) مع اختلاف في الشطر الأول من البيت ففيه : لي حلال يعصم الناس أمرهم (٢٥٧) جاء مختصراً ومطولاً فرواه بهذا الاختصار الذي في رواية المؤلف ابن جرير (١٤٣/٤) برقم (٢١٦٥ - ٢١٦٦ - ٢١٦٧) ومطولاً برقم (٢١٧٩ - ٢١٨٠) وأحمد في المسند (١١٠٨٤) وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (٣١٦/٦) المجمع، والبخاري (٢٦٤/٦ فتح ) وابن ماجه في الزهد (٣٤/٣) والترمذي (٣: ) تفسير سورة البقرة وقال حسن صحيح والنسائي في التفسير كما في تحفة الأشراف (٣٤٦/٣) وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٣٤٨/١) لسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن حبان والإسماعيلي في صحيحه والحاكم وصححه ونقل السيوطي في الدر تصحيح النسائي للحديث. قلت: وهو عند ابن حبان (١٧٩/٣ ). تنبيه : - وقع في رواية الطبري وغيره عدولاً بدلاً من عدلاً قال الشيخ شاكر: ولعل ما هنا من تحريف الناسخين لأن الأجود صيغة الإفراد ... الخ (١٤٣/٤) تخريج الطبري .. (٢٥٨) تقدم هذا الحديث وتقدم تخريجه قريباً من حديث أبي سعيد الخدري مطولاً ومختصرا . ١٩٩ سورة البقرة الآية - ١٣٩ - ١٤٣ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يكون الرسول شهيداً على أمته أنْ قد بلّغ إليهم رسالة ربه . والثاني : أنّ معنى ذلك أنْ يكون شهيداً لهم بإيمانهم ، وتكون ( عليهم ) بمعنى ( لهم ). والثالث: أن معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ أي مُحْتَجّاً . ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أي بيت المقدس، ﴿إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فإن قيل : الله أعلم بالأشياء قبل كونها ، فكيف جعل تحويل القِبلة طريقاً إلى علمه؟ قيل : في قوله: ﴿إِلَّ لِتَعْلَمَ ﴾ أربعة تأويلات : أحدها : يعني إلا ليعلم رسولي ، وحزبي ، وأوليائي ؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله اتّباعُ الرئيس إليه ، كما قالوا : فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا . والثاني : أن قوله تعالى: ﴿إِلَّ لِتَعْلَمَ﴾ بمعنى: إلا لنرى، والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ [الفيل: ١] يعني: ألم تعلم. والثالث : قوله تعالى: ﴿إِلَّ لِتَعْلَمَ﴾ بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم، فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها . والرابع : أن قوله: ﴿إِلَّ لِتَعْلَمَ﴾ بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك ، وهذا قول ابن عباس . قوله تعالى : ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ بمعنى فيما أمر به من استقبال الكعبة ﴿ مِّمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبْهِ﴾ بمعنى: ممن يَرْتَدُّ عن دينه، لأن المرتد راجع مُنْقَلِب عما كان عليه ، فشبهه بالمُنْقلِب على عقبيه ، لأن القبلة لمّا حُوَّلَتْ ارْتَدَّ من المسلمين قَوْمٌ ، ونافق قوم ، وقالت اليهود : إن محمداً قد اشتاق إلى بلد أبيه ، وقالت قريش : إن محمداً قد علم أننا على هدى وسَيُتَابِعُنَّا . ٢٠٠