النص المفهرس
صفحات 161-180
سورة البقرة الآية - ٩٤، ٩٦ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ اَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِ يهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ وَلَنَجِدَ تَهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُأَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَُّ أَلْفَ سَنَّةٍوَمَا هُوَ بِمُزَحْرِحِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ٩٦ قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُون النَّاسِ فَتَمَنَّواْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني اليهود تزعم أن الجنة خالصة لهم من دون الناس ، وفيه قولان : - أحدهما : من دون الناس كلهم . والثاني : من دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به ، وهذا قول ابن عباس . فقيل : ﴿فَتَمَنَّوَأْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأنه من اعتقد أنه من أهل الجنة ، كان الموت أحب إليه من الحياة ، لما يصير إليه من نعم الجنة ، ويزول عنه من أذى الدنيا، ويروى عن النبي ◌َ ◌َّ أنه قال: ((لَو أَنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَامَهُم مِنَ النَّارِ))(٢٠٧). ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوهُ أَبَدَآَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ تحقيقاً لكذبهم ، وفي تركهم إظهار التمني قولان : أحدهما : أنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، كما قاله النبي ◌َّر ، فلذلك لم يتمنوه وهذا قول ابن عباس . (٢٠٧) رواه أحمد (١٤٨/١)، ابن جرير (٣٦٢/٢) وصححه الشيخ أحمد شاكر ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢٢٠/١) إلى الشيخين الترمذي والنسائي وابن مردويه وأبي نعيم وقال الهيثمي في المجمع (٢٢٨/٨) رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وقال الشيخ شاكر معقباً ورجال أحمد في الإِسناد (٢٢٢٦) رجال الصحيح أيضاً. تخريج الطبري (٣٦٣/١) قلت ورواه البزار ضمن حديث كما في كشف الأستار (٤٠/٣) وقال الهيثمي في المجمع (٣١٤/٦) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . ١٦١ سورة البقرة الآية - ٩٨،٩٧ الثاني: أن الله صرفهم عن إظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيه والين . ثم قال تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ يعني اليهود . ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني المجوس، لأن المجوس هم الذين ﴿ يَودُّ أَحَذْهُمْ لو يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تحيتهم ( عش ألف سنة ) حرصاً على الحياة ، فهؤلاء الذين يقولون : أن لهم الجنة خالصة أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء . ﴿ وَمَا هُو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ أي بمباعده من العذاب ﴿أَن يُعْمَّرُ﴾ لأنه لو عمَّر ما تمنى، لما دفعه طول العمر من عذاب الله على معاصيه . قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا مَن كَانَ عَدُوًّالِلَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِّلْكَفِينَ ٩٨ قوله تعالى : ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ وسبب نزول هذه الآية ، أن ابن صوريا (٢٠٨) وجملة من يهود (فدك ) ، لما قدم النبي ولي المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك؟ فإنه قد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان، فقال: ((تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ)) قالوا : صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال: ((أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ فَمِنَ المَرْأَةِ ))، قالوا : صدقت يا محمد ، فما بال الولد يشبه أعمامه ، ليس فيه من شبه أخواله شيء، أو يشبه أخواله ، ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال: ((أيهما علا ماؤه كان الشبه له))، قالوا : صدقت يا محمد ، فأخبرنا عن ربك ما هو ؟ فأنزل الله (٢٠٨) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٩. ذكره الثعلبي والواحدي والبغوي فقالوا : روى ابن عباس أن حبراً من أحبار اليهود من فدك يقال له عبد الله بن صوريا فذكره . ولم أقف له على سند ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عنه اهـ. أقول : إن كان من هذا الطريق فهو ضعيف جداً من أجل الكلبي فهو متروك الحديث . على أن بعض فقرات هذا الحديث وردت في أحاديث صحيحة منها في الصحيحين ومسند أحمد وغيرهما . ١٦٢ سورة البقرة الآية - ٩٩ - ١٠٢ تعالى: قال ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص الآية: ١] إلى آخر السورة، قال له ابن صوريا: خصلة إن قلتها آمنتُ بك واتبعتُك، أي ملك يأتيك بما يقول الله؟ قال: ((جبريل))، قال: ذاك عدونا، ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك ، فقال : عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند ذلك : فإني أشهد أن من كان عدوّاً لجبريل ، فإنه عدو لميكائيل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأما جبريل وميكائيل فهما اسمان ، أحدهما عبدالله والآخر عبيد الله، لأن إيل هو الله وجبر هو عبد ، وميكا هو عبيد ، فكان جبريل عبد الله ، وميكائيل عبيد الله ، وهذا قول ابن عباس ، وليس له من المفسرين مخالف . فإن قيل: فلم قال: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنهما خُصًّا بالذكر تشريفاً لهما وتمييزاً . والثاني : أن اليهود لما قالوا جبريل عدوُنا، وميكائيل ولينا، خُصًّا بالذكر ، لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء الله وملائكته ، لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة ، فنص عليهما لإِبطال ما يتأولونه من التخصيص ، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾، ولم يقل لهم، لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإِيمان . وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَايَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ أَوَ كُلَّمَا ـمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ هَا وَلَمَّا عَهَدُ واْعَهْدَا تَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُـ جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيْقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُ واْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ١٦٣ سورة البقرة الآية - ١٠٢ - ١٠٣ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنْ أَشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِتْسَ مَا أَ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ شَرَوْابِهِ أَنفُسَهُمّ لَوْكَانُوايَعْلَمُونَ اللَّ ٠٣ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قوله عز وجل: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ اختلف أهل التفسير في سبب ذلك ، على قولين : أحدهما : أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر ، فَأَطْلَعَ الله سليمان بن داود عليه ، فاستخرجه من أيديهم ، ودفنه تحت كرسيه ، فلم تكن الجن تقدر على أن تدنو من الكرسي ، فقالت الإِنس بعد موت سليمان : إن العلم الذي كان سليمان يُسَخَّر به الشياطين والرياح هو تحت كرسيه ، فاستخرجوه وقالوا : كان ساحراً ولم يكن نبياً ، فتعلموه وعلّموه ، فأنزل الله تعالى براءة سليمان بهذه الآية . والثاني: أن ((آصف بن برخيا)) وهو كاتب سليمان وَاطَأْ نَفَراً من الشياطين على كتاب كتبوه سحراً ودفنوه تحت كرسي سليمان ، ثم استخرجوه بعد موته وقالوا هذا سحر سليمان ، فبرأه الله تعالى من قولهم، فقال: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾، وهم ما نسبوه إلى الكفر ، ولكنهم نسبوه إلى السحر ، لكن لما كان السحر كفراً صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر . قال تعالى : ﴿وَلَكِنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر . والثاني : أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر . يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فيه وجهان : ١٦٤ سورة البقرة الآية - ١٠٢ - ١٠٣ أحدهما : أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه . والثاني : أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه . وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ وفي ﴿ مَا﴾ ها هنا وجهان : أحدهما : بمعنى الذي ، وتقديره الذي أنزل على الملكين . والثاني : أنها بمعنى النفي ، وتقديره(٢٠٩): ولم ينزل على الملكين. وفي الملكين قراءتان : إحداهما : بكسر اللام ، كانا من ملوك بابل وعلوجها هاروت وماروت ، وهذا قول أبي الأسود الدؤلي ، والقراءة الثانية : بفتح اللام من الملائكة(٢١٠). وفيه قولان : أحدهما : أن سحرة اليهود زعموا ، أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبهم الله بذلك ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا ، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ، وهما رجلان ببابل . والثاني : أن هاروت وماروت مَلَكان(٢١١)، أُهْبَطَهُما الله عز وجل إلى (٢٠٩) وهذا الوجه ليس بشيء قال ابن الأنباري : وهذا الوجه ضعيف جداً لأنه خلاف الظاهر والمعنى فكان غيره أولى . أنظر : البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري (١١٤/١ ). (٢١٠) وردت هذه القراءة عن الضحاك بن مزاحم رواها عنه ابن أبي حاتم بسنده إليه كما أفاده ابن كثير (١٣٧/١). (٢١١) هذه القصة اختلف في صحتها كثير من أهل العلم فبعضهم حكم عليها بأنها من الاسرائيليات وأنها لا تصح بل باطلة كإبن جزم والقاضي عياض والحافظ العراقي وابن كثير والشيخ الألباني وأحمد شاكر والشيخ عبد الله الصديق الغماري وبعضهم حسنها كالحافظ ابن حجر بل أفرد لها جزءاً وادعى بعضهم تواتر القصة كالمحدث الكناني كما في النظم المتناثر والحق ، أن هذه القصة من قبيل الإسرائيليات التي تلقاها بعض الرواة عن أهل الكتاب وقد استفاض محدث العالم العربي ومصر أحمد شاكر في بطلانها بما لا تجده في كتاب فانظره عند حديث رقم (٦١٧٨ ) في المسند وللمزيد راجع التفسير الصحيح لهذه الآيات في التعليق على زاد المسير (١٢٣/١) لابن الجوزي وقد نقل الإمام القرطبي خبر هذه القصة ثم عقب على القصة بقوله: ((هذا كله ضعيف وبعيد لا يصح منه شيء)) وقال إن الملائكة عباد مكرمون وإن الكواكب خلقت قبل الإنسان وكوكب الزهرة منها (٥٢/٢ ). ١٦٥ سورة البقرة الآية - ١٠٢ - ١٠٣ الأرض ، وسبب ذلك ، أن الله تعالى لما أطلع الملائكة على معاصي بني آدم ، عجبوا من معصيتهم له مع كثرة أَنْعُمِهِ عليهم ، فقال الله تعالى لهم : أما أنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم ، فقالوا : سبحانك ما ينبغي لنا ، فأمرهم الله أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت فأُهْبِطًا إلى الأرض ، وأحل لهما كل شيء ، على ألا يُشْرِكا بالله شيئاً ، ولا يسرقا ، ولا يزنيا ، ولا يشربا الخمر ، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فعرضت لهما امرأة - وكان يحكمان بين الناس - تُخَاصِمُ زوجها واسمها بالعربية : الزهرة ، وبالفارسية : فندرخت ، فوقعت في أنفسهما ، فطلباها ، فامتنعت عليهما إلا أن يعبدا صنماً ويشرب الخمر ، فشربا الخمر ، وعبدا الصنم ، وواقعاها، وقتلا سابلاً مر بهما خافا أن يشهر أمرهما، وعلّماها الكلام الذي إذا تكلم به المتكلم عرج إلى السماء ، فتكلمت وعرجت ، ثم نسيت ما إذا تكلمت به نزلت فمسخت كوكبا ، قال : كعب فوالله ما أمسيا من يومهما الذي هبطا فيه ، حتى استكملا جميع ما نهيا عنه ، فتعجب الملائكة من ذلك . ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء ، فكانا يعلّمان السحر . وذکر عن الربيع أن نزولهما کان في زمان ( إدريس ). وأما السحر فقد اختلف الناس في معناه : فقال قوم : يقدر الساحر أن يقلب الأعيان بسحره ، فيحول الإِنسان حماراً ، وينشىء أعياناً وأجساماً . وقال آخرون : السحر خِدَع وَمَعَانٍ يفعلها الساحر ، فيخيل إليه أنه بخلاف ما هو، كالذي يرى السراب من بعيد(٢١٢)، فيخيل إليه أنه ماء ، وكواكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً ، يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائرة معه . (٢١٢) ومن المعلوم عند أهل السنة والجماعة أن السحر له حقيقة لا كما ذهب إلى إنكار حقيقته المعتزلة قديماً ومن سار على دربهم حديثاً فظنوه مجرد خيالات وأوهام وإذا لم يكن للسحر حقيقة ولا تأثير فلماذا ذكر الله تعالى في كتابه الاستعاذة منه في قوله تعالى : ﴿ من شر النفاثات في العقد ﴾ ولماذا ذكر الله تعالى في سورة البقرة أن السحرة بسحرهم يفرقون بين المرء وزوجه فهل ما ذكره الله تعالى في هاتين الآيتين إلا دليل على أن للسحر تأثير وحقيقة وهذا لا يخفى على من أعطي حظاً من نظر وسلامة فطرة. ١٦٦ سورة البقرة الآية - ١٠٢ - ١٠٣ وقد روى هشام(٢١٣) بن عروة (٢١٤) عن أبيه عن عائشة(٢١٥) رضي الله عنها قالت : سَحَرَ رسولَ اللهِ وَّه يهوديٌ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول الله وَلّه يُخيّل إليه أنه يفعل الشيءَ وما فعله(٢١٦). قالوا : ولو كان في وسع الساحر إنشاء الأجسام وقلب الأعيان عما هي به من الهيئات ، لم يكن بين الباطل والحق فصل ، ولجاز أن يكون جميع الأجسام مما سحرته السحرة ، فقلبت أعيانها ، وقد وصف الله تعالى سحرة فرعون ﴿ ... فَإِذَا حِبَالُهُمُ وَعِصِيُّهُمُ يُخَيَّلُ إِليْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. وقال آخرون : - وهو قول الشافعي - إن الساحر قد يوسوس بسحره فيمرض وربما قتل ، لأن التخيل بدء الوسوسة ، والوسوسة بدء المرض ، والمرض بدء التلف . فأما أرض ﴿ بيابل ﴾ ففيها ثلاثة أقاويل: (٢١٣) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، أبو المنذر. الإِمام الثقة سمع من أبيه وطائفة من كبار التابعين . أنظر : - تاريخ البخاري (١٩٣/٤)، العبر (٢٠٦/١)، مرآة الجنان (٣٠٢/١). (٢١٤) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد، أبو عبد الله. أحد الفقهاء السبعة تابعي ، ثقة . توفي رحمه الله سنة ثلاث وتسعين وقيل غير ذلك . أنظر : - طبقات ابن سعد (١٧٨/٥) تاريخ البخاري (٣١/٧). البداية والنهاية (١٠١/٩)، تاريخ ابن عساكر (١١/ ٢٨٠ ب). (٢١٥) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة . أفقه نساء الأمة على الإطلاق توفيت رضي الله عنها سنة سبع وخمسين وقيل غير ذلك . أنظر : - طبقات ابن سعد (٥٨/٨)، حلية الأولياء (٤٢/٢)، أسد الغابة (١٨٨/٧). البداية والنهاية. (٩١/٨). (٢١٦) رواه البخاري (١٩٢/١٠ - ١٩٧)، مسلم (١٨٠/٢)، أحمد (٦٣/٦، ٦٩، ٥٧). ابن ماجة (٤٥، ٣٥)، ابن جرير الطبري (٤٣٧/٢) وابن سعد (٤/٢/٢) كلهم من طريق هشام عن عائشة رضي الله عنها وقد تعرض هذا الحديث لهجوم شديد من معتزلة العصر الذين ينكرون الأحاديث الصحيحة ويدعون أنها لا تتفق مع عقولهم فبعضهم قابل الحديث بالانكار وبعضهم طعن في إسناده كصاحب المنار وبعضهم حط على الشيخين بما لا يليق بجلالتيهما والحق الذي لا ريب فيه أن الحديث لا مجال للطعن فيه راجع ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (١٩٢/١٠ ) والقاضي عياض في الشفا (١٩٠/٢ - ١٩٣) وقد جمعنا رسالة في جمع طرق الحديث والكلام عليه سنداً ومتناً ورددنا فيها على شبهات المشار إليهم نسأل الله تعالى إتمامها وطبعها . ١٦٧ سورة البقرة الآية - ١٠٢ - ١٠٣ أحدها : أنها الكوفة وسوادها ، وسميت بذلك حيث تبلبلت الألسن بها وهذا قول ابن مسعود . والثاني : أنها من نصيبين إلى رأس عين ، وهذا قول قتادة . والثالث : أنها جبل نهاوند . وهي [ فطر ](*) من الأرض ( ** ). وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَاَ: إِنَّمَا نَحنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُر ﴾ بما تتعلمه من سحرنا . فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ في المراد بقوله ((منهما)) ثلاثة أوجه : أحدها : يعني من هاروت وماروت . والثاني : من السحر والكفر . والثالث : من الشيطان والملكين ، فيتعلمون من الشياطين السحر ، ومنّ الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه . ﴿ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ يعني السحر . ﴿إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني بأمر الله . والثاني : بعلم الله . وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ يعني ما يضرهم في الآخرة ، ولا ينفعهم في الدنيا . وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ يعني السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه . مَا لَهُ فِي الْأُخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أن الخلاق النصيب ، وهو قول مجاهد والسدي . (*) زيادة يقتضيها السياق . ( ** ) لاحظ أنه لم يذكر القول الثاني . ١٦٨ سورة البقرة الآية - ١٠٤، ١٠٥ والثاني : أن الخلاق الجهة ، وهو قول قتادة . والثالث : أن الخلاق الدين ، وهو قول الحسن . قوله عز وجل: ﴿وَلَيْسَ مَا شَرَواْ بِهِ أَنْفُسَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله . والثاني : من إضافتهم السحر إلى سليمان ، وتحريضهم على الكذب . يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ ] مَايَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ (١٠٤ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ اٌلْكِتَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ١٠٥ قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : معناه لا تقولوا ... وهو قول عطاء . والثاني : يعني ارعنا سمعك ، أي اسمع منا ونسمع منك ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد . واختلفوا لِمَ نُهِي المسلمون عن ذلك ؟ على ثلاثة أقاويل : أحدها: أنها كلمة كانت اليهود تقولها لرسول الله وَلّر على وجه الاستهزاء والسب؛ كما قالوا سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع ، وراعنا ليّاً بألسنتهم ، فُهِيَ المسلمون عن قولها ، وهذا قول ابن عباس وقتادة . والثاني : أن القائل لها ، كان رجلاً من اليهود دون غيره ، يقال له رفاعة بن زيد ، فَتُهِيَ المسلمون عن ذلك ، وهذا قول السدي . والثالث : أنها كلمة ، كانت الأنصار في الجاهلية تقولها ، فنهاهم الله في الإِسلام عنها . ١٦٩ سورة البقرة الآية - ١٠٧،١٠٦ وَقُولُوا انظُرْنَا ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : معناه أَفْهِمْنَا وبين لنا ، وهذا قول مجاهد . والثاني : معناه أَمْهِلْنا . والثالث : معناه أَقْبِلْ علينا وانظر إلينا . : وَاسْمَعُوا ﴾ يعني ما تؤمرون به . مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنِسِهَا نَأْتِ مِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاْ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ (٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهُلَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِِّ وَمَالَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧ قوله تعالى: ﴿ مَا نَنْسَحْ مِنْ ءَايَةٍ ﴾ في ( معنى ) نسخها ثلاثة تأويلات: أحدها : أنه قبضها ، وهو قول السدي . والثاني : أنه تبديلها ، وهو قول ابن عباس . والثالث : أنه إثبات خطها وتبديل حكمها ، وهو قول ابن مسعود . ﴾ فيه قراءتان : او ننسِھًا ٤ أحدهما : هذه، والثانية (٢١٧): ﴿ أو ننسأها﴾. فمن قرأ : ﴿ أو ننسها﴾ ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها : أنه بمعنى أو نمسكها ، وقد ذكر أنها كانت في مصحف عبد الله ابن مسعود : ﴿ما تُمْسِكُ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ تَتْسَخْهَا نَجِيءُ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وذلك أن النبي وََّ، كان يقرأ الآية، ثم يُنْسَى وَتُرْفَعُ، وكان سعد(٢١٨) بن أبي وقاص (٢١٧) وهي قراءة بفتح النون مع الهمزة لابن كثير وأبي عمر. [ السبعة في القراءات لابن مجاهد ١٦٨ ]. (٢١٨) هو سعد بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة . أبو إسحاق أحد العشرة وأحد من شهد بدراً والحديبية ، روى جملة صالحة من الحديث وله في الصحيحين خمسة عشر حديثاً . توفي رضي الله عنه سنة خمس وخمسين . أنظر : - طبقات ابن سعد (٩٧/١/٣)، حلية الأولياء (٩٢/١)، الاستيعاب (١٧٠/٤). تاريخ ابن عساكر (٢/١٦/٧)، تاريخ بغداد (١٤٤/١). ٠ ١٧٠ سورة البقرة الآية - ١٠٧،١٠٦ يقرأ: ﴿مَا تَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَو نَنسَهَا﴾، بمعنى الخطاب لرسول الله وَله، فيكون تقديره أو تنسى أنت يا محمد ، وقال القاسم بن ربيعة لسعد بن أبي وقاص : فإن سعيد بن المسيب يقرأ: ﴿ أو ننسها﴾، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ، ولا على آل المسيب(٢١٩) قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَسَىْ﴾ [الأعلى: ٦] ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهذا معنى قول مجاهد وقتادة. والثاني : أن ذلك بمعنى الترك، من قوله تعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَسِيَهُم﴾، أي تركوه فتركهم ، فيكون تقدير الكلام: ﴿ما ننسخ من آية﴾ يعني نَرفَعُها ونبذِّلُها ، ﴿ أو نْسِهَا﴾ أي نتركها ولا نبدلها ولا ننسخها، وهذا قول ابن عباس والسدي . والثالث : أن قوله ما ننسخ من آية أو ننسها قال : الناسخ والمنسوخ ، وهذا قول الضحاك . والرابع : أن معنى ننسها أي نَمْحُها ، وهذا قول ابن زيد . وأما من قرأ: ﴿ أو نَّنْسَأُهَا﴾ فمعناه نؤخرها، من قولهم نَسَأَتُ هذا الأمر ، إذا أخرته ، ومن ذلك قولهم : بعت بنسَاءٍ أي بتأخير ، وهذا قول عطاء وابن أبي نجيح . تَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهاَ أَو مِثْلِهَآَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أي خير لكم في المنفعة ، وأرفق بكم ، وهذا قول ابن عباس : والثاني : أن معنى خير منها ، أي أخف منها ، بالترخيص فيها ، وهذا معنى قول قتادة . فيكون تأويل الآية ، ما نغير من حكم آية فنبدله ، أو نتركه فلا نبدله ، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكماً منها ، إما بالتخفيف في العاجل ، كالذي كان من نسخ قيام الليل تخفيفاً ، وإما بالنفع بكثرة الثواب في الآجل ، كالذي كان من نسخ صيام أيام معدودات بشهر رمضان . . وقوله تعالى: ﴿أُوَ مِثْلِهَا﴾ يعني مثل حكمها، في الخفة والثقل والثواب والأجر، كالذي كان من نسخ استقبال بيت المقدس ، باستقبال الكعبة ، وذلك (٢١٩) قال الحافظ في الفتح أخرجه النسائي وصححه الحاكم (١٦٧/٨ فتح). ١٧١ سورة البقرة الآية - ١٠٨ - ١١٠ مثله في المشقة والثواب ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمُواتِ وَالأَرْضِ ﴾ فإن قيل : أو كان النبي وزير غير عالم بأن الله على كل شيء قدير، وأن الله له ملك السموات والأرض؟ قيل : عن هذا ثلاثة أجوبة : أحدها : أن قوله ألم تعلم بمعنى أعلمت . والثاني : أنه خارج مخرج التقرير ، لا مخرج الاستفهام . كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ: آللَّهُ يَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأَمَِّ إِلَهَيْنٍ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام. والثالث: أن هذا الخطاب للنبي وَلغيره، والمراد به أمته ، ألا تراه قال بعد ذلك: ﴿ وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾. أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُچِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ وَمَن يَتَبَدَّلِ وَدَّكَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ١٠٨ اَلْكُفْرَبِالْإِيمَن فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ الْكِنَبِ لَوْيَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقَُّّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْيَِّإِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٣٦) وَأَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةٌ وَمَا نُقَدِّمُو ◌ْلِأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ یرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾ سبب نزولها، ما رُوِيَ أن نفراً من اليهود ، منهم فنحاص ، وزيد بن قيس ، دعوا حذيفة(٢٢٠) وعمار(٢٢١) إلى دينهما، وقالوا نحن أهدى منكم سبيلاً، (٢٢٠) هو حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي اليماني. أبو عبد الله. من نجباء الصحابة وهو صاحب. له في الصحيحين إثنا عشر حديثاً ، شهد هو وابنه أُحداً . واستشهد أبوه خطأ في غزوة أحد . مات حذيفة بالمدائن بعد عثمان . أنظر : - طبقات ابن سعد (٣١٧/٧٢١٥/٦)، أسد الغابة (٤٦٨/١)، حلية الأولياء (٢٧٠/١). (٢٢١) هو عمار بن ياسر بن عامر بن كنانة . أبو اليقظان صحابي جليل وردت في فضله الأخبار المروية = ١٧٢ سورة البقرة الآية - ١١١ - ١١٣ فقال لهم عمار : وكيف نقض العهد عندكم ؟ قالوا: شديد ، قال عمار: فإني عاهدت ربي ألا أكفر بمحمد أبداً ، ولا أتبع ديناً غير دينه ، فقالت اليهود : أما عمار فقد صبأ وضل عن سواء السبيل ، فكيف أنت يا حذيفة ؟ فقال حذيفة : الله ربي ، ومحمد نبي ، والقرآن إمامي ، أطيع ربي ، وأقتدي برسولي ، وأعمل بكتاب ربي . فقالا : وإلهِ موسى ، لقد أُشْرِبَتْ قلوبُكُما حبَّ محمد ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقِ﴾ يعني من بعد ما تبين لليهود ، أن محمداً نبي صادق ، وأن الاسلام دين حق . فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ﴾ يعني بقوله فاعفوا، أي اتركوا اليهود ، واصفحوا عن قولهم ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأُمْرٍهٍ ﴾ يعني مَا أَذِنَ بِهِ في (بني قريظة)، من القتل والسبي ، وفي ( بني النضير) من الجلاء والنفي . وَقَالُواْ لَنْ يَدْ خُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْنَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمّقُلْ هَاتُواْبُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ. لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ عِندَرَبِّهِ، وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١١٢ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُوُدُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِشَبَّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قَالَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١١٣ /٠١٠/٠١ قوله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنَ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ أما المساجد فهي مواضع العبادات ، وفي المراد بها هنا قولان : أحدهما : ما نسب إلى التعبد من بيوت الله تعالى استعمالاً لحقيقة الاسم . = والأحاديث المرفوعة رضي الله عنه عاش عمار ثلاثاً وتسعين سنة وقتل عمار في معركة صفين . أنظر : - طبقات ابن سعد (١٧٦/١/٣)، حلية الأولياء (١٣٩/١)، أسد الغابة (١٢٩/٤) الإصابة (٦٤/٧ ). ١٧٣ سورة البقرة الآية - ١١٤ والثاني : أنَّ كُلَّ موضع من الأرض ، أقيمت فيه عبادة من بيوت الله وغيرها مسجد ، لقول النبي ◌َّمَ: ((جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً))(٢٢٢). وفي المانع مساجدَ الله أن يُذْكَرَ فيها اسمه ، أربعة أقاويل : أحدها : أنه بُخْتَ نصر وأصحابه من المجوس الذين خربوا بيت المقدس ، وهذا قول قتادة . والثاني : أنهم النصارى الذين أعانوا ( بُخْتَ نَصّر) على خرابه ، وهذا قول السدي . والثالث: أنهم مشركو قريش، منعوا رسول الله و له من المسجد الحرام عام الحديبية ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد . والرابع : أنه عَامٌّ في كل مشرك ، منع من كل مسجد . وفي قوله تعالى : ﴿ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ تأويلان: أحدهما : بالمنع من ذكر الله فيها . والثاني : بهدمها . ﴿ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّ خَائِفِينَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : خائفين بأداء الجزية ، وهذا قول السدي . والثاني : خائفين من الرعب ، إن قُدر عليهم عوقبوا ، وهذا قول قتادة . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْ خُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَّ لَهُمْ فِى الذُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى اْلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١١٤ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ فيه تأويلان : (٢٢٢) حديث ورد عن عدد من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وأبو هريرة وحذيفة وأبو ذر وغيرهم وتقتصر في التخريج على رواية أبي هريرة رضي الله عنه . رواها مسلم (٦٤/٢) وأبو عوانة (٣٩٥/١) والترمذي (٢٩٣/١) وأحمد (٤١٢/٢) وقال الترمذي حديث حسن صحيح . ١٧٤ سورة البقرة الآية - ١١٥ أحدهما : أنه قتل الحربي وجزية الذمي . والثاني : أنه فتح مدائنهم عمورية ، وقسطنطينية ، ورومية ، وهذا قول ابن عباس . ﴿وَلَهُمْ فِي الْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ هو أشد من كل عذاب ، لأنهم أظلم من كل ظالم . وَلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ وَسِعُ عَلِيمٌ ١١٥ قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويلها ، وسبب نزولها ، على سبعة أقاويل : أحدها : أن سبب ذلك، أن النبي وَلّر، كان يستقبل بصلاته بيت المقدس بعد هجرته ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً ، حتى قالت اليهود : إن محمداً وأصحابه ، ما دروا أين قبلتهم حتى هديناهم ، فأمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة ، فتكلمت اليهود ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أن هذه الآية نزلت قبل أن يفرض استقبال القبلة ، فأباح لهم أن يتوجهوا بصلاتهم حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب ، وهذا قول قتادة وابن زید . والثالث : أنها نزلت في صلاة التطوع للسائر حيث توجه ، وللخائف حيث تمكن من مشرق أو مغرب ، وهذا قول ابن عمر ، روى سعيد بن جبير عنه أنه قال : لما نزلت هذه الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُولُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعاً، كان رسول الله وَ ﴿ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعاً ، يومىء برأسه نحو المدينة (٢٢٣). والرابع : أنها نزلت ، فيمن خفيت عليهم القبلة ، ولم يعرفوا جهتها ، فَصَلُّوا إلى جهات مختلفة . (٢٢٣) رواه مسلم (١٩٥/١) وأحمد (٤٧١٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/٢) والطبري (٥٠٣/٢) برقم (١٨٤٠). ١٧٥ سورة البقرة الآية - ١١٥ روى عاصم بن عبد الله ، عن عبد الله (٢٢٤) بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال : كنا مع رسول الله و # في ليلة مظلمة ، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار ، فيعمل مسجداً يصلي فيه ، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة ، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه إلى غير القبلة (٢٢٥)، فأنزل الله تعالى هذه الآية . والخامس: أنها نزلت في النجاشي، ورَوَى أبو قتادة (٢٢٦) أن النبي وَّل قال: ((إِنَّ أَخَكُمُ النَّجَاشِيَ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ )) قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم، قال فنزلت : ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا (٢٢٤) هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم ، أبو عمران. مقرىء الشام ، قرأ على أبي الدرداء وسمع من عثمان بن عفان مات يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة ومئة . أنظر : - طبقات خليفة ( ٢٣٥)، تهذيب التهذيب (١/١٥٦/٢)، ميزان الاعتدال (٤٤٩/٢). (٢٢٥) رواه الترمذي (١٧٦/٢) وابن ماجه (١٦٥/١) وابن جرير الطبري (٥٣١/٢) والبيهقي في السنن (١١/٢) والدارقطني في السنن (١٠١/١) وأبو داود الطيالسي (١١٤٥) وأبو نعيم في الحلية (١٧٩/١) وزاد السيوطي في الدر (٢٦٦/١) نسبته لعبد بن حميد وابن حاتم والعقيلي وقال الترمذي هذا حديث ليس إسناده بذاك لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان وأشعث بن سعيد وأبو الربيع السمان يضعف في الحديث ، وقال الحافظ ابن كثير(( قلت وشيخه أي شيخ أشعث في هذه الرواية عاصم أيضاً ضعيف)) قال البخاري منكر الحديث وقال ابن معين ضعيف لا يحتج به وقال ابن. حبان متروك (١٥٨/١) ١هـ وقد ضعف الحديث الإِمام العقيلي كما نقله السيوطي عنه في الدر المنثور (٢٦٦/١) والسيوطي نفسه في نفس المصدر والشيخ أحمد شاكر كما في تخريج الطبري (١٧٧/٢) وقد أورد له الشيخ شاكر في تخريج الترمذي (١٧٧/٢) شاهد من حديث جابر رواه الدارقطني (١٠١/١) والحاكم في المستدرك (٢٠٦/١) والبيهقي (١٠/٢ -١١ -١٢) وضعفه أيضاً . وقد حسن الحديث بهذا الشاهد العلامة الألباني في الارداء (٣٢٣/١). تنبيه : - قول الإمام الترمذي رحمه الله لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان يوحي بأنه انفرد به وليس كذلك بل تابعه عليه عمروبن قيس كما في رواية الطيالسي فلعل الإمام الترمذي رحمه الله لم يطلع على هذه المتابعة كما قال الشيخ أحمد شاكر. (٢٢٦) هو أبو قتادة الأنصاري، فارس رسول الله # شهد بدراً والحديبية وله عدة أحاديث مات وهو ابن سبعين سنة رضي الله عنه . أنظر : - طبقات ابن سعد (١٥/٦)، أسد الغابة (٢٥٠/٦)، الإصابة (٣٠٢/١١) تاريخ الاسلام (١٨٨/٢ ). ١٧٦ سورة البقرة الآية - ١١٧،١١٦ أُنزِلَ إِلَيْهِم خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: ١٩٩] قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة (٢٢٧)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمغْرِبُ فَأَيْتَمَا تُوَلَّوا فَثَمَّ وَجْهُ للهِ﴾. والسادس: أن سبب نزولها أن الله تعالى لما أنزل قوله : ﴿ادعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ قالوا إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. والسابع : أن معناه وحيثما كنتم من مشرق أو مغرب ، فلكم قبلة تستقبلونها ، يعني جهة إلى الكعبة ، وهذا قول مجاهد . ويجيء من هذا الاختلاف في قوله: ﴿فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ تأويلان: أحدهما : معناه فثم قبلة(٢٢٨) الله. والثاني : فثم الله تعالى ، ويكون الوجه عبارة عنه ، كما قال تعالى : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وأما ﴿ ثَمَّ ﴾ فهو لفظ يستعمل في الإِشارة إلى مكان ، فإن كان قريباً قيل : ( هنا زيد)، وإن كان بعيداً قيل : ( هناك زيد). وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَّةٌ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ ١١٦ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِّ وَإِذَا قَضَى أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ قَانِئُونَ ١١٧ فَيَكُونُ (٢٢٧) رواه ابن جرير (٥٣٣/٢) ونسبه السيوطي في الدر (٢٦٧/١) لابن المنذر وقال الحافظ ابن كثير (٢٩١/١) هو غريب وسياقه يدل على ضعفه ونكارته ، وقال الشيخ أحمد شاكر في تخريج الطبري (٥٣٣/٢) حديث ضعيف لأنه مرسل . ملاحظة : نسبة الحديث إلى أبي قتادة الصحابي خطأ لعله من الناسخ فإن الحديث معروف من حديث قتادة وليس معروفاً من حديث أبي قتادة الصحابي فما وقع في نسخه المخطوطة خطأ وكذا ما وقع في المطبوعة . (٢٢٨) إعلم أن طريقة السلف بوجه عام ((أمرُوها كما نزلت)) فكان يغلب عليهم التسليم مع التأويل الإجمالي أي يؤمنون بالنصوص إيماناً يليق بكمال الله وجلاله من غير تجسيم ولا تكيف مع العلم أن الشافعي وهو من رءوس السلف أول هذه الآية تأويلاً تفصيلياً فقال عن الوجه قبلته. والله تعالى أعلم. ١٧٧ سورة البقرة الآية - ١١٧،١١٦ قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم النصارى في قولهم : المسيح ابن الله . والثاني : أنهم مشركو العرب في قولهم : الملائكة بنات الله . سُبْحَانَهُ، بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ﴾ قوله: ﴿سُبْحَانَهُ ﴾ تنزيهاً له من قولهم ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾. قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ ﴾ أي خالق ما في السموات والأرض . فيه ثلاثة تأويلات : کل له قانتون أحدها : أي مطيعون ، وهذا قول قتادة ، والسدي ، ومجاهد . والثاني : أي مقرون له بالعبودية ، وهو قول عكرمة . والثالث : أي قائمون ، يعني يوم القيامة ، وهذا قول الربيع ، والقانت في اللغة القائم ، ومنه القنوت في الصلاة ، لأنه الدعاء في القيام . قوله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني منشئها على غير حد ولا مثال ، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه ، يقال له مبدع ، ولذلك قيل لمن خالف في الدين : مبتدع، لإحداثه ما لم يسبق إليه ﴿ وَإِذَا قَضَىْ أَمْراً ﴾ أي أحكمه وحتمه ، وأصله الإِحكام والفراغ ، ومنه قيل للحاكم قاض ، لفصله الأمور وإحكامه بين الخصوم ، وقيل للميت قد قَضَى أي فرغ من الدنيا ، قال أبو ذؤيب : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تُبَع (٢٢٩) معنى قضاهما أي أحكمهما . وقال الشاعر في عمر بن الخطاب : قضيت أموراً ثم غادرت بعدها بوائج في أكمامها لم تفتق (٢٣٠) فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فإن قيل في أي حال يقول له كن فيكون ؟ (٢٢٩) ديوانه (١٩)، تأويل مشكل القرآن (٣٤٢). (٢٣٠) أنظر طبقات فحول الشعراء (١١١) والطبقات لابن سعد (٢٤١/٢). والأغاني (١٥٩/٩) ومشكل القرآن (٣٤٣). ١٧٨ سورة البقرة الآية - ١١٨ أفي حالة عدمه أم في حال وجوده ؟ فإن كان في حال عدمه ، استحال أن يأمر إلا مأموراً ، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر ، وإن كان في حال وجوده ، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث ، لأنه موجود حادث ؟. قيل : عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة : أحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود ، كما أمر في بني إسرائيل ، أن يكونوا قردة خاسئين ، ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات . الثاني : أن الله عز وجل عالم ، بما هو كائن قبل كونه ، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه ، قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها كوني ، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم . الثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى ، عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه ، ويكوّنه ، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله ، وإنما هو قضاء يريده ، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً ، كقول أبي النجم : قد قالت الأنساع للبطن الحق قدما فاضت كالغسق المحقق (٢٣١) ولا قول هناك ، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن ، وكقوله عمرو بن حممة الدوسي .. فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطياراً يقال له قَعٍ (٢٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُ قَدْ بَيَّنَا الَيَتِ لِقَوْمِ ١١٨ يُوقِنُونَ (٢٣١) أنظر اللسان مادة [ حَقَقَ]. (٢٣٢) أنظر حماسة البحتري (٢٠٥) ومعجم الشعراء (٢٠٩) والمعمرين (٢٢). ١٧٩ سورة البقرة الآية - ١١٩ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا آللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل : - أحدها : أنهم النصارى ، وهو قول مجاهد . والثاني : أنهم اليهود ، وهو قول ابن عباس . والثالث : أنهم مشركو العرب ، وهو قول قتادة والسدي . وقوله : ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ﴾ يعني هَلَّ يكلمنا الله ، كقول الأشهب بن رملية : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضَوْطَرَى لولا الكمى المقنعا(٢٣٣) بمعنى هل لا تعدون الكمى المقنعا . كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ فيهم قولان: أحدهما : أنهم اليهود ، وهو قول مجاهد . والثاني : أنهم اليهود والنصارى ، وهو قول قتادة . قوله تعالى : ﴿تَشَابَهتْ قُلُوْبُهُمْ ﴾ يعني في الكفر ، وفيه وجهان : أحدهما : تشابهت قلوب اليهود لقلوب النصارى ، وهذا قول مجاهد . والثاني : تشابهت قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى ، وهذا قول قتادة . إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرٌّاً وَلَا تُشَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْحَحِيمِ! ١١٩ قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ يعني محمداً أرسله بدين الحق . ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ يعني بشيراً بالجنة لمن أطاع ، ونذيراً بالنار لمن عصى . ◌ٍ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ أي لا تكون مؤاخذاً بكفرةٍ من كفر بعد البشرى والإِنذار ، وقرأ بعض أهل المدينة : ولا تَسَلْ(٢٣٤) عن أصحاب الجحيم ، (٢٣٣) ديوان جرير (٣٣٨) والنقائض. والبيت لجرير وليس للأشهب بن رميلة أنظر تفسير الطبري (٥٥٢/٢). (٢٣٤) وهي قراءة نافع وحده [ السبعة في القراءات ص ١٦٩ ]. ١٨٠