النص المفهرس
صفحات 61-80
سورة الفاتحة الآية - ٧،٦ وهو قول جميع المفسرين(٨٥). وفي غضب الله عليهم ، أربعة أقاويل : أحدها : الغضب المعروف من العباد(٨٦). والثاني : أنه إرادة الإِنتقام ، لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة ، وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى . والثالث : أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم . والرابع : أنه نوع من العقوبة سُمَِّ غضباً، كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً . والضلال ضد الهدى ، وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب ، لأنهم أشد عداوة . وقرأ عمر بن الخطاب (٨٧) (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ ). الشيخ الدوسري حفظه الله في كتابه النهج السديد ( ص ٥٣) ((وعزو الحديث لأحمد وهم ولذلك = لم يعز السيوطي في الدر الحديث إليه)). فوهم منه حفظه الله فقد رواه الإمام أحمد في مسنده كما رأيت ... وأما قوله: (( ولذلك لم يعزُ السيوطي في الدر الحدیث إليه )) فیقال کم من حديث رواه أحمد في مسنده وفات السيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور والأمثلة على ذلك كثير لا يتسع المقام لها . (٨٥) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (١٥٩/٨) قال ابن أبي حاتم لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافاً قال السهيلي وشاهد ذلك في قوله تعالى في اليهود : ﴿ فباؤا بغضب على غضب وفي النصارى﴾ ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً﴾ اهـ ثم اعلم أيها القارىء أن تفسير غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) ورد من حديث أبي ذر واسناده حسن حسنه الحافظ رحمه الله في نفس المكان من الفتح (١٥٩/٨ ) أخرجه ابن مردويه . (٨٦) إن الله سبحانه وتعالى يغضب ولا سيما يوم القيامة فإنه يغضب غضبة لم يغضب مثلها ولا قبلها ولا بعدها وأن غضب الله تعالى لا يتأثر بالانفعالات ولا يوصف بالمزاجية الناشئة عن الضعف وعدم التمالك لأن الله سبحانه وتعالى «ليس كمثله شيء)» لا في ذاته ولا في صفاته وكذلك فقد وصف الرب جل وعلا نفسه بقوله ((ولم يكن له كفوا أحد)) أي ليس لله شبيهاً أحد. لذا فمن جعل صفة من صفات الله تعالى كصفات المخلوقات متأثرة بالانعكاسات والانفعالات فقد خيل ضلالاً بعيداً وقد قال الإمام أبو جعفر الطحاوي وهو من السلف الصالح. (من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر). (٨٧) وقد رواها أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتابه فضائل القرآن وسعيد بن منصور بإسناد صحيح صححه ابن حجر في الفتح (١٥٩/٨) وابن كثير من قبله (٢٩/١) لكن الحافظ ابن كثير رحمه الله قال: ((وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير)). ٦١ . سورة البقرة الآية - ١ سُورَةِ البَّقْرَة مدنية في قول الجميع ، إلا آية منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بِمِنَى . بِسْمِاللَّهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ المـ ١ قوله عز وجل : ﴿الَمَ ﴾ اختلف فيه المفسرون على ثمانية أقاويل : أحدها : أنه اسم من أسماء القرآن كالفرقان والذكر ، وهو قول قتادة وابن جريج(٨٨). والثاني : أنه من أسماء السور ، وهو قول زيد بن أسلم . والثالث: أنه اسم الله الأعظم ، وهو قول السدي (٨٩) والشعبي (٩٠). (٨٨) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأسوي مولاهم ، المكي ، أبو الوليد ، أبو خالد محدث ، حافظ ، فقيه ، مفسر، ولد بمكة وحدث بالبصرة وأكثروا عنه . من آثاره : السنن ، مناسك الحج ، تفسير القرآن . توفي رحمه الله سنة ١٥٠ هـ . أنظر : - سير أعلام النبلاء (٢٦٢/٥) تهذيب التهذيب (٤٠٢/٦)، تاريخ بغداد (٤٠٠/١٠). (٨٩) هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، تابعي ، حجازي الأصل ، سكن الكوفة ، صاحب التفسير والمغازي والسير ، كان إماماً عارفاً بالوقائع وأيام الناس. توفي رحمه الله سنة ١٢٨ هـ، من آثاره: التفسير . أنظر : - الأعلام للزركلي (٣١٧/١)، روضات الجنات (١٠١)، طبقات ابن سعد (٣٢٣/٦)، ميزان الاعتدال (٢٣٦/١). (٩٠) هو عامر بن شرحبيل بن ذي كبار، أبو عمرو. رأى علياً وصلى خلفه . وحدث عن جمع من= ٦٣ سورة البقرة الآية - ١ والرابع : أنه قسم أقسم الله تعالی به ، وهو من أسمائه ، وبه قال ابن عباس وعكرمة . والخامس : أنها حروف مقطعة من أسماء وأفْعال ، فالألف من أنا واللَّام من الله ، والميم من أعلم ، فكان معنى ذلك : أنا الله أعلم ، وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن جبير ، ونحوه عن ابن عباس أيضاً . والسادس : أنها حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ مختلفة ، فالألف مِفتاح أسمه الله ، واللام مفتاح اسمه لطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد ، والألف آلاء الله، والميم مجدُه، والألِفُ سَنَةٌ ، واللامُ ثلاثون سنة ، والميم أربعون سنة ، آجال قد ذكرها الله . والسابع : أنها حروف من حساب الجمل ، لما جاء في الخبر عن(٩١) عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ، قال : مَرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله وَ ﴿ وهو يتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة: ﴿الَّمَ. ذُلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حُبَيَّ بْنَ أَخْطبَ في رجال من اليهود إلى رسول الله وَلهم فقالوا : يا محمد ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل اللّهُ عليك: ﴿الَمَ. ذُلِكَ = الصحابة ، وكان حافظاً، متقناً توفي سنة ١٠٥ رحمه الله. قال أبو مجلز عنه: ـ ما رأيت أحداً أفقه من الشعبي . أنظر : - طبقات ابن سعد (٢٤٦/٦)، سير أعلام النبلاء (٢٩٤/٤)، البداية والنهاية (٢٣٠/٩)، تذكرة الحفاظ (٧٤/١)، تهذيب التهذيب (١١٤/٢). (٩١) رواه الطبري في التفسير (٢٢٦/١) والبخاري في التاريخ الكبير (٢٠٧/٢/١) وقال الطبري خبر في اسناده نظر وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٥٧/١) والشوكاني في فتح القدير (٢٠/١) وزاد السيوطي نسبته في الدر لابن اسحق وقال أخرجه ابن المنذر في تفسيره من وجه آخر عن ابن جريج مفصلاً قال الحافظ ابن كثير (٦٩/١، ٧٠) أما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أؤل على بطلان هذا المسلك والتمسك به مع صحته . ثم قال رحمه الله فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ولقد كان أجدر بالحافظ السيوطي أن يحكم على الحديث بالضعف الشديد كما حكم الشيخ أحمد شاكر (٢١٦/١) وقد توسع العلامة أحمد شاكر في نقد روايات هذا الحديث في الطبري أنظره هناك (١٦/١) وما بعدها . ٦٤ سورة البقرة الآية - ١ الكِتَابُ﴾ فقال رسول الله وَالقر: ((بلى))، فقالوا: ((أجاءك بها جبريل من عند الله)). قال: ((نعم))، قالوا: ((لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلم أنه بُيِّنَ لنبي منهم مدة ملكه وما أكل أمته غيرك))، فقال حُبِيُّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم: ((الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة))، ثم أقبل على رسول الله وَ له، ثم قال: ((يا محمد هل كان مع هذا غيره))؟، قال: ((نعم))، قال: ((ماذا))؟ قال: ((الَمَصّ))، قال هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، فهل مع هذا يا محمد غيره))، قال: ((نعم))، قال: ((ماذا)) قال: ((الَرَّ)) قال: ((هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ ، فهل مع هذا يا محمد غيره ))، قال : ((نعم)) قال: ((ماذا))؟، قال: ((الَّمَر))، قال هذه أثقل وأطول، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة .. ، ثم قال: ((لقد التبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً))، ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حُبّيٍّ بن أخطبَ ولمن معه من الأحبار: ((ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة))، قالوا: ((لقد تشابه علينا أمره)). فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتُ هُنَّ أُمّ الْكِتَابِ وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾. والثامن(٩٢): أنه حروف هجاء أَعلَم الله تعالى بها العَرَب حين تحداهم بالقرآن ، أنه مُؤَلَف من حروف كلام ، هي هذه التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم ، إذ لم يخرج عن كلامهم . فأما حروف أبجدَ فليس بناء كلامهم عليها ، ولا هي أصل ، وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقاويل : (٩٢) وهذا الوجه لعله أقرب إلى الصواب من غيره والله أعلم . ٦٥ سورة البقرة الآية - ١ أحدها : أنها الأيام الستة ، التي خلق الله تعالى فيها الدنيا ، وهذا قول الضحاك بن مزاحم (٩٣). والثاني : أنها أسماء ملوك مَدْيَن ، وهذا قول الشعبي وفي قول بعض شعراء مَدْيَن دليل على ذلك قال شاعرهم : سَبَيْتَ بِهَا عَمْراً وَحَيَّ بني عَمْرِو أَلَا يَا شُعَيْبٌ قَدْ نَطَقْتَ مَقَالَةٌ وَسَعْفَصُ أَصْلٌ لِلْمَكَارِمِ وَالْفَخْرِ مُلُوكُ بني حِطَّى وَهَوَّزُ مِنْهُمُ كَمِثْل شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ مَطْلَعِ الْفَجْرِ هُمُ صَبَّحُوا أَهْلَ الْحِجَازِ بغارَةٍ = والثالث : ما روى ميمون بن مهران (٩٤)، عن ابن عباس ، أن لأبي جاد حديثاً عجباً : ( أبى ) آدمُ الطاعة، و(جد) في أكل الشجرة ، وأما ( هوّز)، فنزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض ، وأما ( حطي ) فحطت خطيئته ، وأما ( كلمن ) فأكل من الشجرة ، ومَنَّ عليه بالتوبة ، وأما ( سعفص ) فعصى آدم ، فأخرج من النعيم إلى النكد ، وأما قرشت فأقرّ بالذنب ، وسَلِمَ من العقوبة (٩٥). والرابع : أنها حروف من أسماء الله تعالى ، رَوَى ذلك معاوية بن قرة(٩٦)، عن أبيه ، عن النبي ◌َِّيَ(٩٧). (٩٣) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي ، أبو محمد وقيل أبو القاسم . صاحب التفسير . كان من أوعية العلم ، ليس بالمجوّد لحديثه ، وهو صدوق في نفسه ، حدث عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر وغيرهم . وحدث عنه عمارة بن أبي حفصة ، أبو روق بن عطية نقل غير واحد وفاة الضحاك في سنه إثنتين ومئة . أنظر : - طبقات ابن سعد (٣٠٠/٦، ٣٦٩/٧)، تاريخ البخاري (٣٣٢/٤)، البداية والنهاية (٢٢٣/٩). (٩٤) هو ميمون بن مهران أبو أيوب الجزري الرقي . حدث عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم . له الكثير من الأخبار المروية في الزهد . مات سنة سبع عشرة ومئة وقيل سنة عشرة . أنظر : - حلية الأولياء (٨٢/٤)، طبقات ابن سعد (١٧٧/٧)، البداية والنهاية (٣١٤/٩) تذكرة الحفاظ (٩٨/١) وغيرهم. (٩٥) هذا من الاسرائيليات التي تلقاها بعض الصحابة عن أهل الكتاب والتي يحكيها بعض المفسرين على سبيل الحكاية لا على سبيل الاستشهاد ولا الاعتماد . (٩٦) هو معاوية بن أبي قرة بن اياس بن هلال أبو اياس ولد يوم الجمل . وثقة ابن معين والعجلي وأبو حاتم وغيرهم . أنظر : - طبقات ابن سعد (٢٢١/٧)، سير أعلام النبلاء (١٥٣/٥)، تاريخ البخاري (٣٣٠/٧) تهذيب التهذيب ( ٢١٦/١٠). (٩٧) لم أهتدٍ إلى تخريجه . ٦٦ سورة البقرة الآية - ٢ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَآَرَيْبُّ فِيهِ هُدَى لِلْمُتَّفِينَ ٢ قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ الكِتَابُ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يعني التوراة والإِنجيل ، ليكون إخباراً عن ماضٍ . والثاني : يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة ، وهذا قول الأصم . والثالث : يعني هذا الكتاب ، وقد يستعمل ذلك في الإِشارة إلى حاضر ، وإن كان موضوعاً للإشارة إلى غائب ، قال خُفاف بن ندبة : بـ أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنِّي أَنَا ذَلِكًا (٩٨) ومن قال بالتأويل الأول : أن المراد به التوراة والإنجيل ، اختلفوا في المخاطب به على قولين : أحدهما : أن المخاطب به النبي وَلغيره ، أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل ، هو الذي أنزلته عليك يا محمد . والقول الثاني : أن المخاطب به اليهود والنصارى ، وتقديره : أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب ، الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام . قوله عز وجل : ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وفيه تأويلان : أحدهما : أن الريب هو الشك ، وهو قول ابن عباس ، ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَىْ : لَيْسَ فِي الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ والتأويل الثاني : أن الريب التهمة ومنه قول جميل : فَقُلْتُ : كِلَانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيبُ بُثَّيْنَةُ قَالَتْ: يَا جَمِيلُ أَرَبْتَنِي قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴾، يعني به هدىًّ من الضلالة . وفي المتقين ثلاثة تأويلات : (٩٨) أنظر الأغاني (٣٢٩/٢)، (١٣٤/١٣، ١٣٥)، (١٣٤/١٦). ٦٧ سورة البقرة الآية - ٣ أحدها : أنهم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدَّوا ما افترض عليهم ، وهذا قول الحسن البصري . والثاني : أنهم الذين يحذرون من الله تعالى عقوبته ويرجون رحمته وهذا قول ابن عباس . والثالث : أنهم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا فاسد (٩٩)، لأنه قد يكون كذلك ، وهو فاسق وإنما خص به المتقين ، وإن كان هدئً لجميع الناس ، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه . الَّذِّينَ يُؤْ مِنُونَ بِالْغَيَبِ قوله تعالى : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يصدقون بالغيب ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : يخشون بالغيب ، وهذا قول الربيع بن أنس(١٠٠). وفي أصل الإِيمان (١٠١) ثلاثة أقوال: أحدها : أن أصله التصديق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ﴾ أي بمصدِّق لنا . والثاني : أن أصله الأمان فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله ، والله المؤمِنُ لأولیائه من عقابه . (٩٩) هذا القول الثالث الذي ذكره المؤلف ورده تبع في ذلك الإمام الطبري فلا يظن ظان أنه انتصر في هذا القول لمذهب المعتزلة. أنظر الطبري (٢٣٤/١). (١٠٠) هو الربيع بن أنس بن زياد البكري . الخرساني ، المروزي ، بصري ، سمع أنس بن مالك وأبا العالية الرياحي والحسن البصري وغيرهم . وعنه سليمان التيمي والأعمش وابن المبارك . كان عالم مرو في زمانه توفي سنة تسع وثلاثين ومئة رحمه الله . أنظر : - طبقات ابن سعد (١٠٢/٧) تهذيب التهذيب (٢٣٨/٣)، سير أعلام النبلاء (١٦٩/٦) ثقات ابن حبان (٦٤/٣). (١٠١) يعني به المؤلف رحمه الله أصله في اللغة، أي مفهوم الإيمان من حيث الأصل اللغوي. ٦٨ ے سورة البقرة الآية - ٣ والثالث : أن أصله الطمأنينة ، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن، لأنه مطمئن. وفي الإِيمان ثلاثة أقاويل : أحدها : أنّ الإِيمان اجتناب الكبائر . والثاني : أن كل خصلة من الفرائض إيمان . والثالث : أن كل طاعةٍ إيمان . وفي الغيب ثلاثة تأويلات : أحدها : ما جاء من عند الله ، وهو قول ابن عباس . والثاني : أنه القرآن ، وهو قول زر بن حبيش(١٠٢). والثالث : الإِيمان بالجنة والنار والبعث والنشور . وَيُقِيُمُونَ الصَّلَوةَ وَبِمَا رَزَقْتَّاهُمْ يُتْفِقُونَ ٣ وفي قوله تعالى : ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ تأويلان: أحدهما : يؤدونها بفروضها . والثاني : أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها ، وهذا قول ابن عباس . وأختُلف لِمَ سُمِّي فعل الصلاة على هذا الوجه إقامةً لها ، على قولين : أحدهما : من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه . والثاني : أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها ، لما فيها من القيام فلذلك قيل : قد قامت الصلاة . وفي قوله : ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها : إيتاء الزكاة احتساباً لها ، وهذا قول ابن عباس . (١٠٢) هو زر بن حبيش بن حباشة بن أوس أبو مريم وأبو مطرف أدرك أيام الجاهلية وحدث عن عمر وعثمان وعلي وعمار وغيرهم ، وحدث عنه عدي بن ثابت ، المنهال بن عمرو، عبدة بن أبي لبابة . قال عاصم : كان زر من أعرب الناس وكان ابن مسعود يسأله في العربية توفي رحمه الله وهو ابن سبع وعشرين ومئة . أنظر : - طبقات ابن سعد (١٠٤/٦)، تذكرة الحفاظ (٥٤/١)، الحلية (١٨١/٤) الإصابة ت ٠:٢٩٧١ ٦٩ سورة البقرة الآية - ٤ والثاني : نفقة الرجل على أهلِهِ ، وهذا قول ابن مسعود . والثالث : التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى ، وهذا قول الضحاك : وأصل الإِنفاق الإِخراج ، ومِنْهُ قيل : نَفَقَّتِ الدابة إذا خرجت رُوحها . واختلف المفسرون ، فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه ، على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم ، لأنه قال بعد هذا : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أَنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني به أهْلَ الكتاب ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب ، لأنه ذكرهم في بعضها . والثالث : أن الآيات الأربع من أول السورة ، نزلت في جميع المؤمنين ، وروى ابن أبي نجيح(١٠٣)، عن مجاهد قال: ((نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثَلَاثَ عَشْرَةَ في المنافقين . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَِّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِهُمْ لُوقِنُونَ ٤ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ وما بعدها . أما قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن، ﴿ وَمَآ أَنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ يعني به التوراة والإنجيل ، وما تقدم من كتب الأنبياء ، بخلاف ما فعلته اليهود والنصارى ، في إيمانهم ببعضها دون جميعها . وَبِآلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ فيه تأويلان : (١٠٣) هو عبد الله بن يسار بن أبي نجيح، أبو يسار، هو مفتي أهل مكة بعد عمرو بن دينار قال البخاري كان يتهم بالاعتزال والقدر توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة . ظهر له من المرفوع نحو مئة حديث . أنظر : - التاريخ الكبير (٢٣٣/٥)، الجرح والتعديل (٢٠٣/٥)، الكامل في التاريخ (٤٤٥/٥). ٧٠ سورة البقرة الآية - ٦،٥ أحدهما : يعني الدار الآخرة . والثاني : يعني النشأة الآخرة وفي تسميتها بالدار الآخرة قولان : أحدهما : لتأخرها عن الدار الأولى . والثاني : لتأخرها عن الخلق ، كما سميت الدنيا لدنوّها من الخلق . وقوله : ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ أي يعلمون ، فسمى العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً . . أُوْلِِّكَ عَلَى هُدََّى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْلِحُونَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَىْ هُدَّى مِنْ رَبِّهُمْ ﴾ يعني بيان ورشد . ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنهم الفائزون السعداء ، ومنه قول لبيد : لَوْ أَنَّ حَيّاً مُدْرِكُ الْفَلاَحِ أَدْرَكَهُ مُلَعِبُ الرِّمَاحِ والثاني : المقطوع لهم بالخير ، لأن الفلح في كلامهم القطع ، وكذلك قيل للأكار فلاح ، لأنه يشق الأرض ، وقد قال الشاعر : لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمَّ صحصحْ أن الحديدَ بالحديدِ يُفلح واختلف فيمن أرِيدَ بهم ، على ثلاثة أوجه : أحدها : المؤمنون بالغيب من العرب ، والمؤمنون بما أنزل على محمد ، وعلى من قبله من سائر الأنبياء من غير العرب . والثاني : هم مؤمنو العرب وحدهم . والثالث : جميع المؤمنين . إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْلَمْ تُنذِرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ وأصل الكفر عند العرب التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿أُعْجَبَ الكُفَّار نَبَاتُهُ﴾ يعني الزُّرَّاع لتغطيتهم البذر في الأرض ، قال لبيد : ٧١ سورة البقرة الآية - ٧ فِي لَيْلَةٍ كَفَّرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (١٠٤) أي غطَّاها ، فسمى به الكافر بالله تعالى لتغطيته نعم الله بجحوده . وأما الشرك فهو في حكم الكفر ، وأصله في الإِشراك في العبادة . واختلف فِيمَنْ أُرِيدَ بذلك ، على ثلاثة أوجه : أحدها : أنهم اليهود الذين حول المدينة ، وبه قال ابن عباس ، وكان يسميهم بأعيانهم . والثاني : أنهم مشركو أهل الكتاب كلهم ، وهو اختيار الطبري . والثالث : أنها نزلت في قادة الأحزاب ، وبهِ قال الربيع بن أنس . خَتَمَ الَهُعَلَى قُلُوبِهِمْ وَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَنْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ ٧ قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم الطبع ، ومنه ختم الكتاب ، وفيه أربعة تأويلات : أحدها : وهو قول مجاهد(١٠٥): أن القلب مثل الكف ، فإذا أذنب العبْدُ ذنباً ضُمَّ منه كالإِصبع ، فإذا أذنب ذنباً ثانياً ضم منه كالإِصبع الثانية ، حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع . والثاني : أنها سمة تكون علامة فيهم ، تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين . (١٠٤) معلقة لبيد المشهورة . أنظر شرح المعلقات لابن بكر الأنباري ص ٥٦٠. (١٠٥) وقول مجاهد هذا نصره الطبري وأيده بما رواه هو (٢٦٠/١) وأحمد برقم ( ٧٩٣٩) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (٥١٧/٢) والترمذي وصححه (٢١٠/٤) وابن ماجة (٢٩١/٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقلت قلبه فإن زاد زادت حتى تغلق قلبه فذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)) ( سورة المطففين ١٤) وقد رد ابن جرير القول الثالث رداً بارعاً فانظره (٢٦٠/١) والقول الثاني أورده ابن القيم في شفاء العليل من أقوال القدرية ورده أيضاً (٨٢، ٨٣٠، ٨٤) وأورد الثالث من أقوال القدرية أيضاً . ٧٢ سورة البقرة الآية - ١٠،٨ والثالث : أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق ، تشبيهاً بما قد آنسدًّ وختم عليه ، فلا يدخله خير . والرابع : أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم ، بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغى إليه ، والغشاوة : تعاميهم عن الحق . وسُمِّي القلب قلباً لتقلُِّهِ بالخواطر ، وقد قيل : وَالرَّأَيُ يَصْرِفُ، وَاَلْإِنْسَانُ أَطْوَارُ مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّ مِنْ تَقَلَّبِهِ والغشاوة : الغطاء الشامل . وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ ٨ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٩ قوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ يعني المنافقين يخادعون(١٠٦) رسول الله و لتر والمؤمنين، بأن يُظهروا من الإِيمان خلاف ما يبطنون من الكفر ، لأن أصل الخديعة الإِخفاء ، ومنه مخدع البيت ، الذي يخفى فيه ، وجعل الله خداعهم لرسوله خداعاً له ، لأنه دعاهم برسالته . ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ في رجوع وباله عليهم . ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني وما يفطنون، ومنه سُمِّي الشاعر، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره ، ومنه قولهم ليت شعري . فِي قُلُوبِهِم مَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ ١٠ يَكْذِ بُونَ قوله تعالى : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : (١٠٦) قال الإمام الطبري (٢٧٢/١) وخداع المنافق ربه والمؤمنين إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي في قلبه من الشك والتكذيب ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم الله عز وجل اللازم من كان بمثل حاله من التكذيب ولم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإِقرار من القتل والسباء فذلك خداعه ربه وأهل الإِيمان بالله ا هـ. . ٧٣ سورة البقرة الآية - ١٢،١١ أحدها : شك ، وبه قال ابن عباس . والثاني : نفاق ، وهو قول مقاتل ، ومنه قول الشاعر : أُجَامِلُ أَقْوَاماً حَيَاءً وَقَدْ أَرَى صُدُورَهُمُ تَغْلِي عَلَيَّ مِراضُها والثالث: أن المرض الغمُّ بظهور أمر النبي ◌َّ على أعدائه ، وأصل المرض الضعف ، يقال : مرَّض في القول إذا ضعَّفه . فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : أنه دعاء عليهم بذلك . والثاني : أنه إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم عند نزول الفرائض ، والحدود . وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يعني مؤلم . وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُ واْ فِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١٢ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ١١ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنه الكفر . والثاني : فعل ما نهى الله عنه ، وتضييع ما أمر بحفظه . والثالث : أنه ممالأة الكفار . وكل هذه الثلاثة ، فساد في الأرض ، لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها . واختلف فِيمَنْ أُرِيدَ بهذا القول على وجهين : أحدهما : أنها نزلت في قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت ، وإنما یجیئون بعد ، وهو قول سليمان . والثاني : أنها نزلت في المنافقين ، الذين كانوا موجودين ، وهو قول ابن عباس ومجاهد . ٧٤ سورة البقرة الآية - ١٣ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : أنهم ظنوا أن في ممالأة الكفار صلاحاً لهم ، وليس كما ظنوا ، لأن الكفار لو يظفرون بهم ، لم يبقوا عليهم ، فلذلك قال: ﴿أَلَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾. والثاني : أنهم أنكروا بذلك ، أن يكونوا فعلوا ما نهوا عنه من ممالأة الكفار ، وقالوا إنما نحن مصلحون في اجتناب ما نهينا عنه . والثالث : معناه أن ممالأتنا الكفار ، إنما نريد بها الإِصلاح بينهم وبين المؤمنين ، وهذا قول ابن عباس . والرابع : أنهم أرادوا أن ممالأة الكفار صلاح وهدى ، وليست بفساد وهذا قول مجاهد . فإن قيل : فكيف يصح نفاقهم مع مجاهدتهم بهذا القول؛ ففيه جوابان : أحدهما : أنهم عرَّضوا بهذا القول ، وكُنَّوا عنه من غير تصريح به . والثاني : أنهم قالوا سراً لمن خلوا بهم من المسلمين ، ولم يجهروا به ، فبقوا على نفاقهم . وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْأَنُؤْمِنُ كَمَآءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ ١٣ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ يعني أصحاب النبي وَ﴿ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِن كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنهم عنوا بالسفهاء أصحاب النبي وَالر . والثاني : أنهم أرادوا مؤمني أهل الكتاب(*). والسفهاء جمع سفيه ، وأصل السَّفَهِ الخِفَّةُ ، مأخوذ من قولهم ثوب سفيه ، (*) زيادة من تفسير القرطبي وليست في المحفوظة . ٧٥ سورة البقرة الآية - ١٤، ١٥ إذا كان خفيف النسيج ، فسمَّى خفةُ الحلم سفهاً ، قال السَمَوْأَلُ : نَخَافُ أَنْ تَسْفَهَ أَحْلَامُنَا فَتَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الْخَامِلِ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَأْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ١٥ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُذَّهُمْ فِي طُغْكِنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١٤ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ في شياطينهم قولان : أحدهما : أنهم اليهود ، الذين يأمرونهم بالتكذيب ، وهو قول ابن عباس . والثاني : رؤوسهم في الكفر ، وهذا قول ابن مسعود . وفي قوله : ﴿ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: معناه مع شياطينهم، فجعل ((إلى)) موضع ((مع))، كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله. والثاني : وهو قول بعض البصريين : أنه يقال خلوت إلى فلان ، إذا جعلته غايتك في حاجتك ، وخلوت به يحتمل معنیین : أحدهما : هذا . والآخر: السخرية والاستهزاء منه فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أفصح (١٠٧) ، وهو على حقيقته مستعمل . والثالث : وهو قول بعض الكوفيين : أن معناه إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله : ﴿ إلى﴾ مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به . فأما الشيطان ففي اشتقاقه ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه فيعال من شطن، أي بَعُدَ ، ومنه قولهم : نوى شطون (١٠٨) أي (١٠٧) قال الحافظ في الفتح والنكتة في تعدية خَلَوْا بإلى مع أن أكثر ما يتعدى بالباء أن الذي يتعدى بالباء يحتمل الانفراد والسخرية تقول خلوت به إذا سخرت منه والذي يتعدى بإلى نص في الانفراد أفاد ذلك الطبري ( ١٦١/٨ ). (١٠٨) وشاهده من الشعر قول النابغة : نأت بسعاد عنك نوى شطون ديوانه ٢٠ . فبانت والفؤاد بها رهين ٧٦ سورة البقرة الآية - ١٤، ١٥ بعيدة ، وشَطَنَتْ دارُه ، أي بعدت ، فسمي شيطاناً، إما لبعده عن الخير ، وإما لبعد مذهبه في الشر ، فعلى هذا النون أصلية . والقول الثاني : أنه مشتق من شاط يشيط ، أي هلك يهلك كما قال الشاعر : وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ(١٠٩) أي يهلك ، فعلى هذا يَكون النون فيه زائدة . والقول الفاصل : أنه فعلان من الشيط وهو الاحتراق ، كأنه سُمِّ بما يؤول إليه حاله . ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ أي على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة ، ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة . قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ فيه خمسة أوجه : أحدها (*) : معناه أنه يحاربهم على استهزائهم ، فسمى الجزاء باسم المجازَى عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾، وليس الجزاء اعتداءً(١١٠)، قال عمرو بن كلثوم : أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ(١١١) والثاني : أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين . والثالث : أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا ، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة ، وكانوا فيه اغترار به ، صار كالاستهزاء [ بهم ](*). (١٠٩) هذا عجز بيت للأعشى" وصدره: قد نطعن العير من مكنون فائله والبيت في ديوانه : ١٣٤. (١١٠) وهذا الوجه وإن كان صحيحاً فهناك ما هو أصوب منه فإن هذه الأفعال من الله تعالى التي ذكرها في كتابه كالمكر والكيد والاستهزاء والخداع على حقيقتها في بابها وهو نوعان قبيح وحسن؛ فالقبيح مذموم والثاني حسن وإنما يفعل الرب منها الحسن الذي يحمد عليه عدلاً منه وحكمة وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز إطلاق أسماء على الله تعالى من هذه الأفعال فإن باب الأفعال أوسع من باب الأسماء وقد أخطأ أقبح الخطأ من اشتق له من كل فعل اسماً . (١١١) من معلقة عمرو الشهيرة. أنظر: شرح المعلقات السبع لأبي بكر الأنباري ص ٤٢٦. (٥) زيادة يقتضيها السياق . ٧٧ سورة البقرة الآية - ٥،١٤ والرابع : أنه لما حسن أن يقال للمنافق: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، صار القول كالاستهزاء به . والخامس : ما حكي : أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم ، فيرون أنهم يخرجون منها ، فيزدحمون للخروج ، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة ، بمقامع النيران ، حتى يرجعوا ، وهذا نوع من العذاب ، وإن كان كالاستهزاء . قوله عز وجل : ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُونَ ﴾ وفي يمدهم تأويلان: أحدهما : يملي لهم ، وهو قول ابن مسعود . والثاني : يزيدهم ، وهو قول مجاهد . يقال مددت وأمددت ، فحُكِيَ عن يونس أنه قال : مددت فيما كان من الشر ، وأمددت فيما كان من الخير ، وقال بعض الكوفيين : يقال : مددتُ فيما كانت زيادته منه ، كما يقال مَدّ النصر ، وأُمَدَّه نهر آخر ، وأمددت فیما حدثت زيادته من غيره ، كقولك أمْدَدْتُ الجيش بمددٍ ، وأمِد الجرح ، لأن المدة من غيره . فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ يعني تجاوزهم في الكفر، والطغيان مجاوزة القدر ، يقال طغى الماء ، إذا جاوز قدره ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. [الحاقة: ١١]. ﴿ يَعْمَهُونَ﴾ في ثلاثة أقوال : أحدها : يترددون ، ومنه قول الشاعر : خَيْرَانُ يَعْمَهُ فِي ضَلَالَتِهِ مستورد بشرائع والثاني : معناه يتحيرون ، قال رؤبة بن العجاج : وَمَهْمٍَ أَطْرَافُهُ فِي مَهمَهٍ أَعْمَىْ أَلْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ العمَّهِ(١١٢) والثالث : يعمهون عن رشدهم ، فلا يبصرونه ، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه ، قال الأعشى : أَرَانِي قَدْ عَمِهْتُ وَشَابَ رَأْسِي وَهْذَا اللَّعْبُ شَيْنُ لِلْكَبِيرِ (١١٢) ديوانه ص ١١٦ . ٧٨ سورة البقرة الآية - ١٦ - ١٨ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آَشْتَرَوْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَحَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ ١٦ />> مُهْتَدِين قوله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾ الضلالة : الكفر ، والهدى : الإِيمان . وفي قوله : ﴿أَشْتَرَوُا الضَّلَاَلَةَ ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها : أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإِيمان . والثاني : أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإِيمان ، فعبر عنه بالشراء ، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه ، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم . والثالث : أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإِيمان ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود . ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : وما كانوا مهتدين ، في اشتراء الضلالة . والثاني : وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون . والثالث : أنه لما كان التاجر قد لا يربح ، ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء ، مبالغة في ذمهم . مَثَلُهُمْ كَمَثَلٍ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (٢٧) صُ بُكْمُّ ◌ُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرَجِعُونَ ١٨ قوله عز وجل: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي أَسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ المثل بالتحريك والتسكين ، والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة ، والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره . وقوله : ﴿كَمَثَلِ الَّذِي أَسْتَوْقَدَ نَاراً ﴾ فيه وجهان : ٧٩ سورة البقرة الآية - ١٦ - ١٨ أحدهما : أنه أراد كمثل الذي أوقد ، فدخلت السين زائدة في الكلام ، وهو قول الأخفش . والثاني : أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء ، والنار مشتقة من النور . ﴿ فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ يقال ضاءت في نفسها ، وأضاءت ما حولها قال أبو الطمحان : أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نَظّمَ اَلْجِزْعَ ثَاقِبُهُ(*) قوله عز وجل : ﴿ ذَهَبَ آللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : نور المستوقد ، لأنه في معنى الجمع ، وهذا قول الأخفش . والثاني : بنور المنافقين ، لأن المثل مضروب فيهم ، وهو قول الجمهور . وفي ذهاب نورهم وجهان : أحدهما : وهو قول الأصم ذهب الله بنورهم في الآخرة ، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها . والثاني : نه عَنّى النور الذي أظهروه للنبي ◌ّه من قلوبهم بالإِسلام. وفي قوله : ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ قولان : أحدهما : معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به . والثاني : أنه لم يخرجهم منه ، كما يقال تركته في الدار ، إذا لم تُخرجْهُ منها، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة ، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة ، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين . ٠ وفيما كانوا فيه من الضياء ، وجعلوا فيه من الظلمة قولان : أحدهما : أن ضياءهم دخولهم في الإِسلام بعد كفرهم ، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم . والثاني : أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين ، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة ، وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةً . ٨٠