النص المفهرس

صفحات 501-520

تفسير سورة العلق الآيات: ١ - ١٩
٥٠١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْعَلِقْ
وهي مكية بإجماع. وهي أول ما نزل من كتاب الله تعالى، نزل صدرها في غار حراء حسبما ثبت في
صحيح البخاري وغيره، وروي من طريق جابر بن عبد الله أن أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١]
وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل فاتحة الكتاب، والقول الأول أصح، والترتيب في أخبار
النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي ذلك.
قوله عز وجل :
عَلَّمَ
◌َ خَلَقَ اْإِنِسَنَ مِنْ عَلَقِ (٢) اقْرَأْوَرَبُكَ الْأَكْرَمُ (٢) الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ ف﴾
اقْرَأْبِأَسْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ!
اُلْإِنْسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَلَّ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَطْغَى (٦َأَنْ رَّءَاهُ أُسْتَغْنَى ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىَّ (٢٨) أَرَءَيْتَ الَّذِى يَنْهَىّ
عَبْدًا إِذَا صَلَّ ﴿ أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ (َ أَوْأَمَرَ بِالنَّقْوَ ﴿َ أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَ (٣) أَلَمْيَعلَمِأَنَّاللَّ يَرَى
٩
◌َلَّا لَكِن لَّْبَنْتَهِ لَنَسْفَعَابِالنَّاصِيَةِ ﴿ نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ
(١٤)
كَلَّا
سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
١٧
١٩
لَانُطِعُهُ وَاُسْجُدْ وَاقْرِب ◌ُّ
- -------- ------------
في صحيح البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها، قال: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه التحنث
في غار حراء، فكان يخلو فيه فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ثم ينصرف حتى جاءه الملك وهو في غار
حراء، فقال له: ﴿اقرأ﴾، فقال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذني فغطني ثم كذلك ثلاث مرات، فقال له في
الثالثة: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق﴾ إلى قوله ﴿ما لم يعلم﴾، قال فرجع بها
رسول ترجف بوادره الحديث بطوله، ومعنى هذه الآية، ﴿اقرأ﴾ هذا القرآن ﴿باسم ربك﴾، أي ابدأ فعلك
بذكر اسم ربك، كما قال: ﴿اركبوا فيها بسم الله﴾ [هود: ٤١] هذا وجه. ووجه آخر في كتاب الثعلبي أن
المعنى: (اقرأ) في أول كل سورة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم ووجه آخر أن يكون المقروء الذي أمر
بقراءته هو ﴿باسم ربك الذي خلق﴾، كأنه قال له: ﴿اقرأ﴾ هذا اللفظ، ولما ذكر الرب وكانت العرب في
الجاهلية تسمي الأصنام أرباباً جاءه بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، وهي قوله تعالى: ﴿الذي خلق﴾،
ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا مدافعة فيه، وما يجده كل مفطور في نفسه، فقال: ﴿خلق الإنسان من

٥٠٢ ..
تفسير سورة العلق الآيات: ١ - ١٩
علق﴾، وخلقة الإنسان من أعظم العبر حتى أنه ليس في المخلوقات التي لدينا أكثر عبراً منه في عقله
وإدراكه ورباطات بدنه وعظامه، والعلق جمع علقة، وهي القطعة اليسيرة من الدم، و﴿الإنسان﴾ هنا:
اسم الجنس، ويمشي الذهن معه إلى جميع الحيوان، وليست الإشارة إلى آدم، لأنه مخلوق من طين، ولم
يكن ذلك متقرراً عند الكفار المخاطبين بهذه الآية، فلذلك ترك أصل الخلقة وسيق لهم الفرع الذي هم به
مقرون تقريباً لأفهامهم، ثم قال تعالى: ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ على جهة التأثيس، كأنه يقول: امض لما
أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص، فهو ينصرك ويظهرك، ثم عدد
تعالى نعمة الكتاب ﴿بالقلم﴾ على الناس وهي موضع عبرة وأعظم منفعة في المخاطبات وتخليد
المعارف، وقوله تعالى: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ قيل: المراد محمد عليه السلام، وقيل: اسم الجنس
وهو الأظهر، وعدد نعمته اكتساب المعارف بعد جهله بها، وقوله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ الآية
نزلت بعد مدة من شأن أبي جهل بن هشام، وذلك أنه طغى لغناه ولكثرة من يغشى ناديه من الناس، فناصب
رسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ونهاه عن الصلاة في المسجد، ويرونى أنه قال: لئن رأيت محمداً
يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليه القول وانتهره
وتوعده، فقال أبو جهل: أيتوعدني، وما والي بالوادي أعظم ندياً مني، ويروى أيضاً أنه جاء والنبي صلى
الله عليه وسلم يصلي فهمَّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، ثم كع عنه وانصرف، فقيل له: ما هذا؟ فقال:
لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار، وهول وأجنحة، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو
دنا مني لأخذته الملائكة عياناً))، فهذه السورة من قوله: ﴿كلا﴾ إلى آخرها نزلت في أبي جهل، و﴿كلا﴾:
هي رد على أقوال أبي جهل وأفعاله، ويتجه أن تكون بمعنى: حقاً، فهي تثبيت لما بعدها من القول
والطغيان: تجاوز الحدود الجميلة، والغني: مطغ إلا من عصم الله والضمير في ﴿رآه﴾ للإنسان المذكور،
كأنه قال: أن رأى نفسه غنياً، وهي رؤية قلب تقرب من العلم، ولذلك جاز أن يعمل فعل الفاعل في
نفسه، كما تقول: وجدتني وطننتني ولا يجوز أن تقول: ضربتني، وقرأ الجمهور: ((أن رآه))، بالمد على
وزن رعاه، واختلفوا في الإمالة وتركها، وقرأ ابن كثير من طريق قنبل: ((أن رأه))، على وزن رعه، على
حذف لام الفعل وذلك تخفيف، ثم حقر غنى هذا الإنسان وما له بقوله: ﴿إِن إلى ربك الرجعى﴾ أي
الحشر والبعث يوم القيامة، و﴿الرجعى﴾: مصدر كالرجوع، وهو على وزن: العقبى ونحوه، وفي هذا
الخبر: وعيد للطاغين من الناس، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام، ولم يختلف أحد من
المفسرين في أن الناهي: أبو جهل، وأن العبد المصلي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى:
﴿أرأيت﴾ توقيف وهو فعل لا يتعدى إلى مفعولين على حد الرؤية من العلم بل يقتصر به، وقوله تعالى:
﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح مع كل واحد منهما فجاء
بها في نسق ثم جاء بالوعيد الكافي لجميعها اختصاراً واقتضاباً، ومع كل تقرير من الثلاثة تكملة مقدرة تتسع
العبارات فيها، وقوله: ﴿ألم يعلم﴾ دال عليها مغن، وقوله تعالى: ﴿إن كان﴾ يعني العبد المصلي،
وقوله: ﴿إن كذب وتولى﴾، يعني الإنسان الذي ينهى، ونسب الرؤية إلى الله تعالى بمعنى يدرك أعمال
الجميع بإدراك: سماه رؤية، والله منزه عن الجارحة وغير ذلك من المماثلات المحدثات، ثم توعد تعالى

٥٠٣
تفسير سورة العلق الآيات: ١ - ١٩
إن لم ينته بأن يؤخذ بناصيته فيجر إلى جهنم ذليلاً، تقول العرب: سفعت بيدي ناصية الفرس، والرجل إذا
جذبتها مذللاً له، قال عمرو بن معد يكرب: [الكامل]
قوم إذا سمعوا الصياح رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع
فالآية على نحو قوله: ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١] وقال بعض العلماء بالتفسير:
﴿النسفعاً﴾ معناه: لنحرقن من قولهم سفعته النار إذا أحرقته، واكتفى بذكر الناصية لدلالتها على الوجه،
وجاء ﴿لنسفعاً﴾ في خط المصحف بألف بدل النون، وقرأ أبو عمرو في رواية هارون: ((لنسفعن)) مثقلة
النون، وفي مصحف ابن مسعود: ((لأسفعن بالناصية ناصية كاذبة فاجرة))، وقرأ أبو حيوة: ((ناصيةً كاذبةٌ
خاطئةً)) بالنصب في الثلاثة، وروي عن الكسائي أنه قرأ بالرفع فيها كلها، والناصية مقدم شعر الرأس، ثم
أبدل النكرة من المعرفة في قوله: ﴿ناصية كاذبة﴾ ووصفها بالكذب والخطإ من حيث صفة لصاحبها، كما
تقول: يد سارقة، وقوله: ﴿فليدع ناديه﴾ إشارة إلى قول أبي جهل، وما بالوادي أكثر نادياً مني، والنادي
والندى المجلس ومنه دار الندوة ومنه قول زهير: [الكامل]
وأندية ينتابها القول والفعل
وفيهم مقامات حسان وجوههم
ومنه قول الأعرابية: سيد ناديه، وثمال عافية، و﴿الزبانية﴾ ملائكة العذاب واحدهم زبنية، وقال
الكسائي زبني، وقال عيسى بن عمر والأخفش: زابن وهم الذين يدفعون الناس في النار، والزبن الدفع،
ومنه حرب زبون أي تدفع الناس عن نفسها، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ومستعجب مما يرى من أناتنا
ومنه قول عتبة بن أبي سفيان: وقد زبنتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا، ومنه قول الشاعر:
[الوافر]
وحالت بيننا حرب زبون
عدتني عن زيارتك الأعادي
وحذف الواو من ﴿سندع﴾ في خط المصحف اختصاراً وتخفيفاً، والمعنى: ﴿سندع الزبانية﴾ لعذاب هذا
الذي يدعو ناديه، وقرأ ابن مسعود: ((فليدع إلى ناديه))، ثم قال تعالى لمحمد عليه السلام: ﴿كلا﴾ رداً
على قول هذا الكافر وأفعاله ﴿لا تطعه﴾ أي لا تلتفت إلى نهية وكلامه، واسجد لربك واقترب إليه بسجودك
وبالطاعة والأعمال الصالحة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرب ما يكون العبد من
ربه إذا سجد، فأكثروا من الدعاء في السجود فقمين أن يستجاب لكم)). وقال مجاهد: ثم قال ألم تسمعوا:
﴿واسجد واقترب﴾، وروى ابن وهب عن جماعة من أهل العلم أن قوله تعالى: ﴿واسجد﴾ خطاب
لمحمد صلی الله عليه وسلم، وأن ﴿اقترب﴾ خطاب لأبي جهل، أي إن كنت تجتریء حتى ترى كيف
تهلك، وهذه السورة فيها سجدة عند جماعة من أهل العلم، منهم في مذهب مالك ابن وهب.
İ
:

٥٠٤
تفسير سورة القار الآيات: ١-٥
بِسْمِ اللّهِ الزَّحمَن الرَّحِيِ
سُورَةُ القَدْرِ
اختلف الناس في موضع نزول هذه السورة، فقال قتادة: هي مكية، وقال ابن عباس وغيره: هي
مدنية .
قوله عز وجل :
٣
! لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ خَيْرٌمِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ [١] وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِيُّ
ثَّلُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّنْ كُلِّ أَمْرِ ﴿١ سَلَمُ هِىَ حَتَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِيّ
الضمير في ﴿أنزلناه﴾ للقرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة المعنى عليه، فقال ابن عباس وغيره: أنزله
الله تعالى ﴿ليلة القدر) إلى السماء الدنيا جملة، ثم نجمه على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين
سنة، وقال الشعبي وغيره: ﴿إنا﴾ ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك ﴿في ليلة القدر﴾، وقد روي أن نزول
الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل وقد روي أنه قد نزل في الرابع
عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول من يقول إن ليلة القدر تستدير الشهر كله ولا تختص
بالعشر الأواخر، وهو قول ضعيف، حديث النبي صلى الله عليه وسلم يرده في قوله: ((فالتمسوها في العشر
الأواخر من رمضان)) وقال جماعة من المتأولين معنى قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، إنا أنزلنا هذه
السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها. وإذا كانت السورة من القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيماً وتحسيناً،
فقوله تعالى: ﴿في ليلة) هو قول عمر بن الخطاب: لقد خشيت أن ينزل في قرآن ليلة نزول سورة الفتح،
ونحو قول عائشة في حديث الإفك: لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن، و﴿ليلة القدر﴾: هي ليلة
خصها الله تعالى بفضل عظيم وجعلها أفضل ﴿من ألف أشهر﴾، لا ليلة قدر فيها، قاله مجاهد وغيره،
وخصت هذه الأمة بهذه الفضيلة لما رأى محمد عليه السلام أعمال أمته فتقاصرها، وقوله تعالى: ﴿وما
أدراك ما ليلة القدر﴾ ليلة القدر عبارة عن تفخيم لها، ثم أداره تعالى بعد قوله: ﴿ليلة القدر خير﴾، قال
ابن عيينة في صحيح البخاري ما كان في القرآن: ﴿وما أدراك﴾ فقد أعلمه، وما قال: ((وما يدريك)) فإنه
لم يعلم، وذكر ابن عباس وقتادة وغيره: أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق
وحوادث العالم كلها ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله، وقد روي مثل هذا في ليلة النصف من شعبان،
ولهذا ظواهر من كتاب الله عز وجل على نحو قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤]، وأما

٥٠٥
تفسير سورة القدر الآيات: ١ - ٥
الصحة المقطوع بها فغير موجودة، وقال الزهري معناه: ليلة القدر العظيم والشرف الشأن من قولك: رجل
له قدر، وقال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر لأنها تكسب من أحياها قدراً عظيماً لم يكن من قبل، وترده
عظيماً عند الله تعالى، وقيل سميت بذلك لأن كل العمل فيها له قدر خطير، وليلة القدر مستديرة في أوتار
العشر الأواخر من رمضان، هذا هو الصحيح المعول عليه، وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في
الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر، لأن الأوتار مع كمال
الشهر، ليست الأوتار مع نقصانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الثالثة تبقى لخامسة تبقى،
السابعة تبقى))، وقال: ((التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة))، وقال مالك: يريد بالتاسعة ليلة
إحدى وعشرين، وقال ابن حبيب: يريد مالك إذا كان الشهر ناقصاً، فظاهر هذا أنه عليه السلام احتاط في
كمال شهر ونقصانه، وهذا لا تتحصل معه الليلة إلا بعمارة العشر كله، وروي عن أبي حنيفة ،قوم: أن ليلة
القدر رفعت، وهذا قول مردود، وإنما رفع تعيينها، وقال ابن مسعود: من يقم السنة كلها يصبها، وقال أبو
رزين هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن: هي ليلة سبع عشرة، وهي التي كانت في صبيحتها
وقعة بدر، وقال كثير من العلماء: هي ليلة ثلاث وعشرين، وهي رواية عبد الله بن أنيس الجهني، وقاله ابن
عباس، وقال أيضاً هو وجماعة من الصحابة: هي ليلة سبع وعشرين، واستدل ابن عباس على قوله بأن
الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في سبع، واستحسن ذلك عمر رضي الله عنه، وقال زيد بن ثابت
وبلال: هي ليلة أربع وعشرين، وقال بعض العلماء: أخفاها الله تعالى عن عباده ليجدوا في العمل ولا
يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها، ثم عظم تعالى أمر ليلة القدر على نحو قوله: ﴿وما أدراك ما
الحاقة﴾ [الحاقة: ٢] وغير ذلك، ثم أخبر أنها أفضل لمن عمل فيها عملًا ﴿من ألف شهر)، وهي ثمانون
سنة وثلاثة أعوام وثلث عام. وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه قال حين عوتب
في تسليمه الأمر لمعاوية: إن الله تعالى أرى نبيه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم
لذلك فأعطاه الله ليلة القدر، وهي خير من مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون الناس هذا القدر من
الزمان .
قال القاضي أبو محمد: ثم كشف الغيب أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي هذا القدر
من الزمان بعينه مع أن القول يعارضه أنه قد ملك بنو أمية في غرب الأرض مدة غير هذه، وفي الصحيح عن
النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)). و﴿الروح﴾ هو
جبريل وقيل: هم صنف حفظة الملائكة وقوله تعالى: ﴿بإذن ربهم من كل أمر﴾ اختلف الناس في معناه،
فمن قال إن في هذه الليلة تقدر الأمور للملائكة قال: إن هذا التنزل لذلك، و﴿من﴾ لابتداء الغاية أي
نزولهم من أجل هذه الأمور المقدرة وسببها، ويجيء ﴿سلام﴾ خبراً بنداء مستأنفاً أي سلام هذه الليلة إلى
أول يومها، وهذا قول نافع المقرىء والفراء وأبي العالية، وقال بعضهم ﴿من﴾ بمعنى الباء أي بكل أمر،
ومن لم يقل بقدر الأمور في تلك الليلة قال معنى الآية ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم﴾ بالرحمة
والغفران والفواضل، ثم جعل قوله ﴿من كل أمر﴾ متعلقاً بقوله: ﴿سلام هي﴾ أي من كل أمر مخوف ينبغي
أن يسلم منه فهي سلام، وقال مجاهد: لا يصيب أحداً فيها داء. وقال الشعبي ومنصور: ﴿سلام﴾ بمعنى

٥٠٦
تفسير سورة القدر الآيات: ١ - ٥
التحية أي تسلم الملائكة على المؤمنين، وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي: ((من كل امرىء)) أي يسلم فيها
من كل امرىء سوء، فهذا على أن سلاماً بمعنى سلامة، وروي عنه أن سلاماً بمعنى تحية، ((وكل امرىء))
يراد بهم الملائكة أي من كل ملك تحية على المؤمنين، وهذا للعاملين فيها بالعبادة." وذهب من يقول
بانتهاء الكلام في قوله: ﴿سلام﴾ إلى أن قوله ﴿هي﴾ إنما هذا إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين من
الشهر، إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة، وذكر هذا الغرض ابن بكير وأبو بكر
الوراق والنقاش عن ابن عباس، وقرأ جمهور السبعة: «حتى مطلع الفجر»، بفتح اللام، وقرأ الكسائي
والأعمش وأبو رجاء وابن محيصن وطلحة: ((حتى مطلع)) بكسر اللام، فقيل هما بمعنى مصدران في لغة
بني تميم، وقيل الفتح المصدر والكسر موضع الطلوع عند أهل الحجاز، والقراءة بالفتح أوجه على هذا
القول، والأخرى تتخرج على تجوز كان الوقت ينحصر في ذلك الموضع ويتم فيه، ويتجه الكسر على وجه
آخر، وهو أنه قد شذ من هذه المصادر ما كسر كالمعجزة، وقولهم علاه المكبر بفتح الميم وكسر الباء، ومنه
المحيض فيجري المطلع مصدراً مجرى ما شذ، وفي حرف أبيّ بن كعب رضي الله عنه: ((سلام هي إلى
مطلع الفجر)).
٤٠
١,٠٠

٥٠٧
تفسير سورة البينة الآيات : ١ - ٥
بسم الله الرحمن الرحيم
سُورَةِ البَيْنَةِ
نورا
وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار إنها مدنية والأول أشهر.
قوله عز وجل :
﴿ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ
يَنْلُواْ صُحْفًا مَُّهَّرَةً ﴿َفِيهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ فُهُمُ
اٌلْبِهِنَةُ ﴿﴿ وَمَا أُمِرُ وا إِلَّا لِيَعْبُدُواْاللّه ◌ُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْالزَّكَوَةَ وَذَالِكَ
دِينُ الْقَيِمَةِ
وفي حرف أبي بن كعب: ((ما كان الذين))، وفي حرف ابن مسعود: ((لم يكن المشركين وأهل
الكتاب منفكين)). وقوله تعالى: ﴿منفكين﴾ معناه منفصلين متفرقين، تقول انفك الشيء عن الشيء إذا
انفصل عنه، وما انفك التي هي من أخوات كان لا مدخل بها في هذه الآية، ونفى في هذه الآية أن تكون
هذه الصنيعة منفكة، واختلف الناس عماذا، فقال مجاهد وغيره: لم يكونوا ﴿منفكين﴾ عن الكفر والضلال
حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موضع الماضي في ﴿تأتيهم﴾، لأن باقي الآية وعظمها لم يرده بعد،
وقال الفراء وغيره: لم يكونوا ﴿منفكين﴾ عن معرفة صحة نبوة محمد عليه السلام، والتوكف لأمره حتى
جاءتهم البينة تفرقوا عند ذلك، وذهب بعض النحويين إلى هذا النفي المتقدم مع ﴿منفكين﴾ يجعلها تلك
التي هي مع كان، ويرى التقدير في خبرها عارفين أمر محمد أو نحو هذا، ويتجه في معنى الآية قول ثالث
بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم ﴿منفكين﴾ من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم
حتى يبعث إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا
سدى وبهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، وقرأ بعض الناس: ((والمشركون)) بالرفع، وقرأ الجمهور:
((والمشركين)) بالخفض ومعناهما بين، و﴿البينة﴾ معناه: القصة البينة والجلية، والمراد محمد عليه
السلام، وقرأ الجمهور: ((رسولُ الله)) بالرفع وقرأ أبي: ((رسولاً)) بالنصب على الحال، والصحف
المطهرة: القرآن في صحفه، قاله الضحاك وقتادة، وقال الحسن الصحف المطهرة في السماء، وقوله عز
وجل: ﴿فيها كتب قيمة﴾ فيه حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب وقيمة: معناه قائمة معتدلة آخذة للناس

٥٠٨
تفسير سورة البينة الآيات: ٦ -٨
بالعدل وهو بناء مبالغة، فإلى ﴿قيمة﴾ هو ذكر من آمن من الطائفتين، ثم ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من
أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا
من قبل مصفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب حسدوه، وقرأ جمهور الناس: ((مخلصين)) بكسر
اللام، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((مخلَصين)) بفتح اللام، وكأن ﴿الدين﴾ على هذه القراءة منصوب
بـ ﴿بعد﴾ أو بمعنى يدل عليه على أنه كالظرف أو الحال، وفي هذا نظر، وقيل لعيسى عليه السلام: من
المخلص لله؟ قال الذي يعمل العمل لله ولا يحب أن يحمده الناس عليه، و﴿حنفاء﴾: جمع حنيف وهو
المستقيم المائل إلى طرق الخير، قال ابن جبير: لا تسمي العرب حنيفاً إلا من حج واختتن، وقال ابن
عباس: ﴿حنفاء﴾: حجاجاً مسلمين، و﴿حنفاء﴾ نصب على الحال، وكون ﴿الصلاة﴾ مع ﴿الزكاة﴾ في
هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها يقوي من قول السورة مدنية، لأن ﴿الزكاة﴾ فرضت بالمدينة، ولأن
النبي صلى الله عليه وسلم إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة، وقرأ الجمهور: ((وذلك دين القيمة)»
على معنى الجماعة القيمة أو الفرقة القيمة، وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: هنا الكتب التي جرى
ذكرها، وقرأ بعض الناس: ((وذلك الدين القيمة))، فالهاء في ((القيمة)) على هذه القراءة كعلامة ونسابة،
ويتجه ذلك أيضاً على أن يجعل ﴿الدين﴾ بمنزلة الملة.
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْمِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِجَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبِيَّةِ
٦
جَزَآؤُهُمْ عِندَرَيْهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ
إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُم
٨
حكم الله في هذه الآية بتخليد الكافرين من ﴿أهل الكتاب والمشركين﴾ وهم عبدة الأوثان في النار
وبأنهم ﴿شر البريّة﴾، و﴿البريّة﴾ جميع الخلق لأن الله تعالى برأهم أو أوجدهم بعد العدم، وقرأ نافع
وابن عامر والأعرج: ((البريئة)) بالهمز من برأ، وقرأ الباقون والجمهور: ((البريّة)) بشد الياء بغير همز على
التسهيل، والقياس الهمز إلا أن هذا مما ترك همزه كالنبي والذرية، وقرأ بعض النحويين: ((البرية)) مأخوذ
من البراء وهو التراب، وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ وغلطاً وهو اشتقاق غير مرضي، و﴿الذين آمنوا
وعملوا الصالحات﴾ شروط جميع أمة محمد، ومن آمن بنبيه من الأمم الماضية، وقرأ بعض الناس ((خير)).
وقرأ بعض قراء مكة: ((خيار)» بالألف، وروي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه
الآية: ((أولئك هم خير البريئة)).
ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ((أنت يا علي وشيعتك من خير البرية))، ذكره الطبري، وفي
الحديث: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((يا خير البرية))، فقال له: ذلك إبراهيم عليه السلام،
وقوله تعالى: ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار﴾ فیه حذف مضاف تقديره سكنى

٥٠٩
تفسير سورة البينة الآيات: ٦ - ٨
﴿جنات عدن﴾ أو دخول ﴿جنات عدن﴾، والعدن الإقامة والدوام، عدن بالموضع أقام فيه، ومنه المعدن
لأنه رأس ثابت، وقال ابن مسعود: ﴿جنات عدن﴾ بطنان الجنة أي سوطها، وقوله: ﴿رضي الله عنهم
ورضوا عنه﴾ قيل ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم
عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار. قال بعض الصالحين: رضى العباد عن
الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال أبو بكر بن طاهر: الرضى عن
الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور، وقال السري السقطي: إذا كنت لا ترضى
عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟ وقيل ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من
النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم
ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما
أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، وخص الله بالذكر أهل الخشية لأنها رأس كل بركة الناهية عن
المعاصي الآمرة بالمعروف.

٥١٠
تفسير سورة الزلزلة الآيات : ١ - ٨
..
بِسْمِ اللهِ الزَحمَن الرَّحِيةِ
سُورَةُ الَُّلَهُ
وهي مكية، قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة ومقاتل: هى مدنية، لأن آخرها نزل بسبب رجلين كانا
بالمدينة .
قوله عز وجل :
◌ْ يَوْمَئِذٍ
(هَا وَقَالَ الْإِنسَنُ مَالَهَا
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا ◌ِجَ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ (أَ بِأَنَّ رَّكَ أَوْحَى لَهَا (٢٥ يَوْمَئِذٍ يَصْدُ رُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ
٨
] وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّايَرَهُ
٧
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
العامل في: ﴿إذا﴾ على قول جمهور النحاة، وهو الذي يقتضيه القياس فعل مضمر يقتضيه المعنى
وتقديره: تحشرون أو تجازون، ونحو هذا، ويمتنع أن يعمل فيه ﴿زلزلت﴾ لأن ﴿إذا﴾ مضافة إلى
﴿زلزلت﴾، ومعنى الشرط فيها ضعيف وقال بعض النحويين: يجوز أن يعمل فيها ﴿زلزلت﴾، لأن معنى
الشرط لا يفارقها، وقد تقدمت نظائرها في غير سورة، و﴿زلزلت﴾ معناه: حركت بعنف، ومنه الزلزال،
وقوله تعالى: ﴿زلزالها﴾ أبلغ من قوله: زلزال، دون إضافة إليها، وذلك أن المصدر غير مضاف يقع على
كل قدر من الزلزال وإن قل، وإذا أضيفت إليها وجب أن يكون على قدر ما
يستحقه ويستوجبه جرمها وعظمها، وهكذا كما تقول: أكرمت زيداً كرامة فذلك يقع على كل كرامة وإن
قلت بحسب زيد، فإذا قلت كرامته أوجبت أنك قد وفيت حقه، وقرأ الجمهور: ((زلزالها)) بكسر الزاي
الأولى، وقرأ بفتحها عاصم الجحدري، وهو أيضاً مصدر كالوسواس وغيره. و ((الأثقال)»: الموتى الذين في
بطنها قاله ابن عباس، وهذه إشارة إلى البعث، وقال قوم من المفسرين منهم منذر بن سعيد الزجاج
والنقاش: أخرجت موتاها وكنوزها .
قال القاضي أبو محمد: وليست القيامة موطناً لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال.
و ((قول الإنسان ما لها)) هو قول على معنى التعجب من هول ما يرى، قال جمهور المفسرين: ﴿الإنسان)
هنا يراد به الكافر، وهذا متمكن لأنه يرى ما لم يظن به قط ولا صدقه، وقال بعض المتأولين هو عام في
المؤمن والكافر، فالكافر على ما قدمناه، والمؤمن وإن كان قد آمن بالبعث فإنه استهول المرأى، وقد قال
صلى الله عليه وسلم: ((ليس الخبر كالمعاينة)). و((أخبار الأرض)) قال ابن مسعود والثوري وغيره: هو

٥١١
تفسير سورة الزلزلة الآيات : ١ - ٨
شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد، فالحديث على هذا حقيقة، والكلام بإدراك وحياة
يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها وحصلتها، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى:
﴿تحدث أخبارها﴾ أن قول المحدث: حدثنا وأخبرنا سواء، وقال الطبري وقوم: التحديث في الآية مجاز،
والمعنى أن ما تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها
وأخبارها، ويؤيد القول الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس
ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة))، وقرأ عبد الله بن مسعود: ((تنبىء أخبارها))، وقرأ سعيد بن جبير: ((تبين))
وقوله تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ الباء باء السبب، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى: ﴿أوحى
لها﴾، وهذا الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام، ويحتمل أن يكون وحياً برسول من
الملائكة، وقد قال الشاعر:
وشدها بالراسيات الثبت
أوحى لها القرار فاستقرت
والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفياً، وقال بعض المتأولين: ﴿أوحى لها﴾ معناه:
﴿أوحى﴾ إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال، وقوله تعالى: ﴿لها﴾
بمعنى: من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها ، وقوله تعالى : ﴿يومئذ يصدر الناس
أشتاتاً﴾ بمعنى: يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد الأشتات: شت، فقال جمهور الناس:
الورد، هو الكون في الأرض بالموت والدفن، والصدر: هو القيام للبعث، و ﴿أشتاتاً﴾ : معناه: قوم
مؤمنون وقوم كافرون، وقوم عصاة مؤمنون، والكل سائر إلى العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقال
النقاش: الورد هو ورد المحشر، والصدر ﴿أشتاتاً﴾: هو صدر قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار، وقوله
تعالى: ﴿ليروا أعمالهم﴾ إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار بالعذاب،
وإما أن يكون قوله تعالى: ﴿ليروا أعمالهم﴾ متعلقاً بقوله: ﴿بان ربك أوحى لها﴾، ويكون قوله: ﴿يومئذ
يصدر الناس أشتاتاً﴾ اعتراضاً بين أثناء الكلام، وقرأ جمهور الناس: ((ليُروا))، بضم الياء على بناء الفاعل
للمفعول، وقرأ الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة: ((ليروا)) بفتح الياء على بنائه للفاعل،
ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملاً رآه قليلاً كان أو كثيراً، فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل، وهذا هو
الذي يسميه أهل الكلام مفهوم الخطاب، وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد، ومنه قوله
تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهذا كثير، وقال ابن عباس وبعض المفسرين: رؤية هذه
الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى الخير كله من كان مؤمناً، والكافر لا
يرى في الآخرة خيراً، لأن خيره قد عجل له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضاً تعجل له سيئاته الصغار في
دنياه في المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين ﴿مثقال ذرة﴾ من
خير أو شررآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيراً في الآخرة. ومنه حديث عائشة رضي الله عنها،
قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله من البر وصلة الرحم وإطعام الطعام، ألَّهُ
في ذلك أجر؟ قال: ((لا، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)). وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة، وقد نص على ذلك حين سئل عن الحمر الحديث، وأعطى

٥١٢
تفسير سورة الزلزلة الآيات: ١ - ٨
سعد بن أبي وقاص سائلاً ثمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد: ما هذا؟ إن الله تعالى قبل منا مثاقيل الذر
وفعلت نحو هذا عائشة في حبة عنب وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التيمي عند النبي صلى الله عليه
وسلم ، فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها، وسمعها رجل عند الحسن، فقال: انتهت الموعظة،
فقال الحسن: فقه الرجل، وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ((يره))، بسكون الهاء في الأولى.
والأخيرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ونافع فیما روى عنه ورش
والحلواني عن قالون عنه في الأولى ((ير هو))، وأما الآخرة فإنه سكون وقف، وأما من أسكن الأولى فهي
على لغة من يخفف أمثال هذا ومنه قول الشاعر:
ونضواي مشتاقان له أرقان
وهذه على لغة لم يحكها سيبويه، لكن حكاها الأخفش، وقرأ أبو عمرو: ((يرهُ)) بضم الهاء فيهما
مشبعتان، وقرأ أبان عن عاصم وابن عباس وأبو حيوة وحميد بن الربيع عن الكسائي: ((يُره))، بضم الياء،
وهي رؤية بصره بمعنى: يجعل يدركه ببصره، والمعنى: يرى جزاءه وثوابه، لأن الأعمال الماضية لا ترى
بعين أبداً، وهذا الفعل كله هو من رأيت بمعنى أدركت ببصري، فتعديه إنما هو إلى مفعول واحد، وقرأ
عكرمة: ((خيراً يراه)) و((شراً يراه))، وقال النقاش: ليست برؤية بصر، وإنما المعنى يصيبه ويناله، ويروى
أن هذه السورة نزلت وأبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فترك أبو بكر الأكل وبكى، فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك، فقال: يا رسول الله: أو أسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر: ما رأيت في الدنيا مما تكره، فمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر
الخير إلى الآخرة، و((الذرة)) نملة صغيرة حمراء رقيقة لا يرجح لها ميزان ، ويقال إنها تجري إذا مضى لها
حول، وقد تؤول ذلك في قول امرىء القيس: [الطويل]
من الذر فوق الإتب منها لأثرا
من القاصرات الطرف لو دب محول
وحكى النقاش أنهم قالوا: كان بالمدينة رجلان، أحدهما لا يبالي عن الصغائر يرتكبها، وكان
الآخر: يريد أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من الصدقة، فنزلت الآية فيهما، كأنه يقال لأحدهما:
تصدق باليسير، فإن مثقال ذرة الخير ترى، وقيل للآخر: كف عن الصغائر فإن مقادير ذر الشر ترى.
نجز تفسيرها والحمد لله كثيراً .
. . . ..

٥١٣
تفسير سورة العاديات الآيات: ١ - ١١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيِ
شُورَةُ العَادِيَاتِ
وهي مكية في قول جماعة من أهل العلم، وقال المهدوي عن أنس بن مالك: وهي مدنية.
قوله عز وجل :
وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا (٣) فَالْمُورِبَتِ قَدْحًا ﴿َ فَالْغِيرَتِ صُبْحًا (٦) فَأَثَرَّنَ بِهِ نَفْعًا (٢) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا
إِنَّ اُ لْإِنِسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ [®) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدُ
٨
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِ الْقُبُورِ ﴿﴿ وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ ﴿ إِنَّ رَبَّهُم ◌ِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ
اختلف الناس في المراد: بـ ﴿العاديات﴾، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: أراد الخيل
لأنها تعدو بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم: وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً
إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله عليه
السلام قد فعلت جميع ما في الآية، وقال آخرون: القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة قديماً
وحديثاً، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب
وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير: ﴿العاديات﴾ في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال
علي: والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في الغزوة
غير فرسين: فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح : تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل
ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعتاد من صوت الحيوان الذي يضبح. وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه
أنه قال: ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه،
وذلك أن الإبل تضبح والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، والقوس هذه كلها قد
استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس: [الرجز]
1
تضبح في الكف صباح الثعلب
حنانة من نشم أو تالب
والظاهر في الآية، أن القسم بالخيل أو بالإبل أو بهما، قوله تعالى: ﴿فالموريات قدحاً﴾ قال
علي بن أبي طالب وابن مسعود: هي الإبل، وذلك أنها في عدوها ترجم الحصى بالحصى فيتطاير منه النار
فذلك القدح. قال ابن عباس: هي الخيل، وذلك بحوافرها في الحجارة وذلك معروف. وقال عكرمة:
:

٥١٤
تفسير سورة العاديات الآيات: ٠١-١١
﴿الموريات قدحاً﴾: هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج وتظهرها. وقال مجاهد:
﴿الموريات قدحاً﴾، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة: ﴿الموريات﴾، الخيل تشعل الحرب، فهذا أيضاً
على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من العلماء: الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر
بقدحه ناراً، وذلك شائع في الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله تعالى، وقد وقف عليه في قوله
تعالى: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ [الواقعة: ٧١] معناه: تظهرون بالقدح، قال عدي بن زيد:
[الخفيف]
فوق جرثومة من الأرض نار
فقدحنا زناداً وورينا
وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صبحاً﴾ قال علي وابن مسعود: هي الإبل من مزدلفة إلى منى أو في
بدر، والعرب تقول: أغار إذا عدا جرياً ونحوه، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيل واللفظة من
الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الأمم، وعرف الغارات أنها مع الصباح لأنها تسري ليلة الغارة
والنقع: الغبار الساطع المثار، وقرأ أبو حيوة: ((فأثّرن)) بشد الثاء، والضمير في: ﴿به﴾ ظاهر أنه للصبح
المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى وإن كان لم يجر له ذكر، ولهذا أمثلة
كثيرة، ومشهورة إثارة النقع هو للخيل ومنه قول الشاعر [البسيط]
كأن آذانها أطراف أقلام
يخرجن من مستطير النقع دامية
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها، وقوله تعالى: ﴿فوسطن به
جميعاً﴾ قال ابن عباس وعلي: هي الإبل، و﴿جمعاً﴾: هي المزدلفة، وقال ابن عباس: هي الخيل،
والمراد جمع من الناس هم المغيرون، وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى: ((فوسّطن)) بشد
السين. وقال بشر بن أبي حازم: [الكامل]
تحت العجاجة في الغبار الأقتم
فوسطن جمعهم وأفلت حاجب
وذكر الطبري عن زيد بن أسلم: أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ، ويقول: هو قسم أقسم الله به،
وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا، والقسم واقع على قوله: ﴿إن الإنسان لربه لكنود﴾ وروي
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أتدرون ما الكنود؟ قالوا لا يا رسول الله، قال: هو الكفور
الذي يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده)). وقد يكون من المؤمنين الكفور بالنعمة، فتقدير الآية: إن
الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود لا تنبت شيئاً، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكنود اللائم لربه الذي
يعد السيئات وينسى الحسنات، والكنود العاصي بلغة كندة، ويقال للخيل كنود، وقال أبو زبيد: [الخفيف]
إن تفتني فلم أطب بك نفساً غير أني أمنى بدهر كتود
وقال الفضيل: الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على عقد عوض، وقوله
تعالى: ﴿وإنه على ذلك لشهيد﴾ يحتمل الضمير أن يعود على الله تعالى، وقاله قتادة: أي وربه شاهد
عليه، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة بذلك، ويحتمل أن يعود على ﴿الإنسان﴾ أي أفعاله وأقواله وحاله

٥١٥
تفسير سورة العادیات الآيات: ١ - ١١
المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول الحسن ومجاهد، والضمير
في قوله تعالى: ﴿وإنه لحب الخير﴾ عائد على ﴿الإنسان) لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه
﴿الشديد﴾، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه قول الشاعر [طرفة بن العبد]: [الطويل]
عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
و﴿الخير﴾ المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى، قال عكرمة: ﴿الخير) حيث وقع في القرآن
فهو المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من مال وصحة وجاه عند الملوك ونحوه، لأن الكفار
والجهال لا يعرفون غير ذلك، فأما المحب في خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى: ﴿أفلا
يعلم﴾، توقيف على المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له، و((بعثرة ما في القبور)): تقصيه مما يستره
والبحث عنه، وهذه عبارة عن البحث، وفي مصحف ابن مسعود: ((بحث ما في القبور))، وفي حرف أبي :
((وبحثرت القبور))، و((تحصيل ما في الصدور)): تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية،
ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم))، وقرأ يحيى بن يعمر
ونصر بن عاصم: بفتح الحاء والصاد، ثم استؤنف في الخبر الصادق، الجزم بأن الله تعالى خبير بهم
﴿يومئذ﴾، لكن خصص ﴿يومئذ﴾ لأنه يوم المجازاة، فإليه طمحت النفوس، وهذا وعيد مصرح.
نجز تفسير سورة ((العاديات)).
i

.٥١٦
تفسير سورة القارعة. الآيات: ١-١١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةُ القَطِعَةِ
وهي مكية بلا خلاف.
قوله عز وجل :
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ
٣
أَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْقَارِعَةُ
ـولا
اٌلْقَارِعَةُ [
اٌلْمَبْثُوتِ ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ؟ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهٌ
فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴿﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ
١١
نَارٌ حَامِيَةٌ
١٠
وَمَآ أَدْرَنِكَ مَاهِيَهْ
قرأ: ((القارعةَ ما القارعةَ)) بالنصب عيسى، قال جمهور المفسرين: ﴿القارعة﴾ يوم القيامة نفسها
لأنها تقرع القلوب بهولها، وقال قوم من المتأولين: ﴿القارعة): صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع
الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب، وفي قوله تعالى: ﴿وما أدراك﴾ تعظيم لأمرها، وقد تقدم مثله،
و﴿يوم﴾: ظرف، والعامل فيه ﴿القارعة). وأمال أبو عمرو: ﴿القارعة)، و((الفراش)): طير دقيق يتساقط
في النار ويقصدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق، ومنه قول الرسول صلى الله عليه
وسلم: ((أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب))، وقال الفراء:
((الفراش)) في الآية: غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء، و﴿المبثوث﴾ هنا معناه:
المتفرق، جمعه وجملته موجودة متصلة، وقال بعض العلماء: الناس أول قيامهم من القبور ﴿كالفراش
المبثوث﴾، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم
حينئذ كالجراد المنتشر، لأن الجراد إنما توجهه إلى ناحية مقصودة، واختلف اللغويون في: ((العهن))، فقال
أكثرهم: هو الصوف عاماً، وقال آخرون: وهو الصوف الأحمر، وقال آخرون: هو الصوف الملون ألواناً،
واحتج بقول زهير:
نزلن به حب الفنا لم يحطم
كأن فتات العهن في كل منزل
والفنا: عنب الثعلب، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر، وكذلك الجبال جدد بيض
وحمر وسود وصفر، فجاء التشبيه ملائماً، وكون ﴿الجبال كالعهن﴾، إنما هو وقت التفتيت قبل النسف

٥١٧
تفسير سورة القارعة الآيات: ١ - ١١
ومصيرها هباء، وهي درجات، والنفش: خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، وفي قراءة ابن مسعود وابن
جبير: ((كالصوف المنفوش))، و((الموازين)): هي التي في القيامة، فقال جمهور العلماء والفقهاء
والمحدثين: ميزان القيامة بعمود ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه، وقال مجاهد: ليس تم ميزان إنما
هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس، وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات
كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان هو بالإيمان والأعمال، وخفته بعدمها وقلتها، ولن يخف خفة موبقة ميزان
مؤمن. و﴿عيشة راضية﴾ معناه: ذات رضى على النسب، وهذا قول الخليل وسيبويه، وقوله تعالى:
﴿فأمه هاوية﴾ قال كثير من المفسرين: المراد بالأم نفس الهاوية، وهي درك من أدراك النار، وهذا كما يقال
للأرض: أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب: فنحن بنوها وهي أمنا، فجعل
الله الهاوية أم الكافر لما كانت مأواه، وقال آخرون: هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد، كما قالوا: أمه
ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا، وقال أبو صالح وغيره: المراد أم رأسه لأنهم يهوون على
رؤوسهم، وقرأ طلحة: ((فإمُّه)) بكسر الهمزة وضم الميم مشددة، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها
وتعظيمه ثم أخبره أنها ﴿نار حامية﴾، وقرأ: ((ما هى)) بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش، وروى
المبرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرجل: لا أم لك، فقال: يا رسول الله، أتدعوني إلى الهدى
وتقول: لا أم لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أردت لا نار لك، قال الله تعالى: ﴿فأمه
هاوية﴾ .
--

٥١٨
ـد تفسير سورة التكاثر: الآيات: ١ -٨
بِسْمِ الّهِ الرَّحْمَ الزَّهـ
ـمِ
سُورَةُ التَّكَاثِ
وهي مكية لا أعلم فيها خلافاً .
قوله عز وجل:
٤
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [® كَلََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(
أَلْهَنْكُمُ التَّكَائِرُ(
كَلَا لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ اُلْيَقِينِ
٧
ثُمَّلَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
٨
((ألهى)) معناه: شغل بلذاته، ومنه لهو الحديث والأصوات واللهو بالنساء، وهذا خبر فيه تقريع
وتوبيخ وتحسر، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح: (أألهاكم)) على الاستفهام، و﴿التكاثر﴾ هي
المفاخرة بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا هجيرى أبناء الدنيا: العرب وغيرهم لا يتخلص منهم إلا
العلماء المتقون، وقد قال الأعشى: [السريع]
وإنما العزة للكاثر
ولست بالأکثر منھم حصی
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت
أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت))، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿حتى زرتم المقابر﴾،
فقال قوم: حتى ذكرتم الموت في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثرتم بالعظام الرمام، وقال المعنى: حتى
متم وزرتم بأجسادكم مقابرها أي قطعتم بالتكاثر أعماركم، وعلى هذا التأويل روي أن أعرابياً سمع هذه
الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وحكى النقاش هذه النزعة من
عمر بن عبد العزيز، وقال آخرون: هذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم
القاطعة بكم عن العبادة والتعلم زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره، وقال ثم قال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا هجراً)) فكان نهيه عليه السلام في معنى الآية،
ثم أباح بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة
والرخام وتلوينها شرفاً وبنيان النواويس عليها، وقوله تعالى: ﴿كلا سوف تعلمون﴾ زجر ووعيد ثم كرر
تأكيداً ، ويأخذ كل إنسان من الزجر والوعيد المكررين على قدر حظه من التوغل فيما يكره ، هذا تأويل

٥١٩
تفسير سورة التّکاثر الآيات: ١ -٨
جمهور الناس، وقال علي بن أبي طالب: ((كلا ستعلمون في القبور ثم كلا ستعلمون في البعث))، وقال
الضحاك: الزجر الأول وعيده هو للكفار والثاني للمؤمنين، وقرأ مالك بن دينار: ((كلا ستعلمون)) فيهما،
وقوله تعالى: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين﴾ جواب ﴿لو﴾ محذوف مقدر في القول أي لازدجرتم وبادرتم
إنقاذ أنفسكم من الهلكة، و﴿اليقين﴾ أعلى مراتب العلم، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يرون الجحيم، وقرأ
ابن عامر والكسائي: ((لتُرون)) بضم التاء، وقرأ الباقون بفتحها وهي الأرجح، وكذلك في الثانية، وقرأ
علي بن أبي طالب بفتح التاء الأولى وضمها في الثانية، وروي ضمها عن ابن كثير وعاصم، و((ترون)) أصله
ترأيون نقلت حركة الهمزة إلى الراء وقلبت الياء ألفاً لحركتها بعد مفتوح، ثم حذفت الألف لسكونها.
وسكون الواو بعدها ثم جلبت النون المشددة فحركت الواو بالضم لسكونها وسكون النون الأولى من
المشددة إذ قد حذفت نون الإعراب للبناء، وقال ابن عباس: هذا خطاب للمشركين، فالمعنى على هذا
أنها رؤية دخول. وصلي وهو ﴿عين اليقين﴾، وقال آخرون: الخطاب للناس كلهم، فهي كقوله تعالى:
﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]، فالمعنى أن الجميع يراها، ويجوز الناجي ويتكردس فيها الكافر،
وقوله تعالى: ﴿ثم لتر ونها عین الیقین﴾ تأكيداً في الخبر، و ﴿عین الیقین﴾ حقيقته وغايته، وروي عن
الحسن وأبي عمرو أنهما همزا ((لترؤن)) ولترؤنها) بخلاف عنهما، وروى ابن كثير: ((ثم لتُرونها)) بضم التاء،
ثم أخبر تعالى أن الناس مسؤولون يومئذ عن نعيمهم في الدنيا كيف نالوه ولم آثروه وتتوجه في هذا أسئلة
كثيرة بحسب شخص شخص من منقادة لمن أعطي فهما في كتاب الله تعالى، وقال ابن مسعود والشعبي
وسفيان ومجاهد: ﴿النعيم) هو الأمن والصحة، وقال ابن عباس: هو البدن والحواس يسأل المرء فيما
استعملها، وقال ابن جبير: هو كل ما يتلذذ به من طعام وشراب، وأكل رسول الله عليه السلام هو وبعض
أصحابه رطباً وشربوا عليها ماء فقال لهم: ((هذا من النعيم الذي تسألون عنه)) ومضى يوماً عليه السلام هو
وأبو بكر وعمر وقد جاؤوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان فذبح لهم شاة وأطعمهم خبزاً ورطباً واستعذب
لهم ماء وكانوا في ظل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا
الیوم))، وروي عنه علیه السلام أنه قال: ((النعيم المسؤول عنه کسرة تقوته وماء یرویه وثوب یواریه))، وروى
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أن النعيم المسؤول عنه الماء البارد في الصيف))، وقال عليه
السلام: ((من أكل خبز البر وشرب الماء البارد فذلك النعيم الذي يسأل عنه))، وقال عليه السلام: ((بيت
يكنك وخرقة تواريك وكسرة تشد قلبك، وما سوى ذلك فهو نعيم)). وقال النبي عليه السلام: ((كل نعيم فهو
مسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله عز وجل)).
نجز تفسير سورة ﴿التكاثر﴾
!
i
أ

٥٢٠
تفسير سورة العصر الآيات: ١ - ٣
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةُ العَصْرِ
وهي مكية .
قوله عز وجل :
وَالْعَصْرِ ﴿أَ إِنَّ الْإِنسَئِنَ لَفِى خُسْرِ جَ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
٣
قال ابن عباس: ﴿العصر﴾: الدهر، يقال فيه عصر وعصر بضم العين والصاد، وقال امرؤ القيس:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وقال قتادة: ﴿العصر﴾ العشي، وقال أبي بن كعب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر
فقال: ((أقسم ربكم بآخر النهار))، وقال بعض العلماء: وذكره أبو علي ﴿العصر﴾: اليوم، ﴿والعصر):
الليلة ومنه قول حميد: [الطويل]
ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال بعض العلماء: ﴿العصر﴾: بكرة والعصر: عشية وهما الأبردان، وقال مقاتل: ﴿العصر﴾ هي
الصلاة الوسطى أقسم بها، و﴿الإنسان﴾ اسم الجنس، و((الخسر)): النقضان وسوء الحال، وذلك بين
غاية البيان في الكافر لأنه خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر
دنياه في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة وربحه الذي لا
يفنى، ومن كان في مدة عمره في التواصي بالحق والصبر والعمل بحسب الوصاة فلا خسر معه، وقد جمع
له الخير كله، وقرأ علي بن أبي طالب: ((والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان))، وفي مصحف عبد الله:
((والعصر لقد خلقنا الإنسان في خسر)) وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ((إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه
إلى آخر الدهر إلا الذين))، وقرأ عاصم والأعرج: ((لفي خسُر)) بضم السين، وقرأ سلام أبو المنذر:
((والعصِر)) بكسر الصاد ((وبالصبر)) بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وروي عن
أبي عمرو: ((بالصبر)) بكسر الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يكون إلا في الوقف.
نجز تفسير سورة ﴿العصر﴾.