النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
تفسير سورة الفجر / الآيات: ٢٣ - ٣٠
٢٤
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُوَأَحَدٌ ﴿ يَأَيَّنُهَا النَّفْسُ اَلْمُطْمَيِنَّةُ (٦) أَرْجِعِىّ إِلَى
رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ (٤٦) فَادْ خُلِ فِ عِبَدِىِ ﴿٣) وَآَدْ خُلِ جَنَِّى
٣٠
روي في قوله تعالى: ﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ أنها تساق إلى الحشر بسبعين ألف زمام، يمسك كل
زمام سبعون ألف ملك فيخرج منها عنق فينتقي الجبابرة من الكفار في حديث طويل مختلف الألفاظ،
و ((جهنم)) هنا: هي النار بجملتها، وروي أنه لما نزلت ﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ تغير لون النبي صلى الله
عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿يتذكر الإنسان﴾ معناه: يتذكر عصيانه وطغيانه، وينظر ما فاته من العمل
الصالح. ثم قال تعالى: ﴿وأنى له الذكرى﴾ ثم ذكر عنه أنه يقول: ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾، واختلف
في معنى قوله: ﴿لحياتي﴾ فقال جمهور المتأولين معناه: ﴿لحياتي﴾ الباقية يريد في الآخرة، وقال قوم من
المتأولين: المعنى ﴿لحياتي﴾ في قبري عند بعثي الذي كنت أكذب به وأعتقد أني لن أعود حياً. وقال
آخرون: ﴿لحياتي﴾ هنا مجاز، أي ﴿ليتني قدمت﴾ عملاً صالحاً لأنعم به اليوم وأحيا حياة طيبة، فهذا كما
يقول الإنسان أحييني في هذا الأمر، وقال بعض المتأولين لوقت أو لمدة حياتي الماضية في الدنيا، وهذا
كما تقول جئت لطلوع الشمس ولتاريخ كذا ونحوه. وقرأ جمهور القراء وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبو
عبد الرحمن: ((يعذِّب)) و((يوثِقٍ)) بكسر الذال الثاء، وعلى هذه القراءة، فالضمير عائد في عذابه ووثاقه لله
تعالى، والمصدر مضاف إلى الفاعل ولذلك معنيان: أحدهما أن الله تعالى لا يكل عذاب الكفار يومئذ إلى
أحد، والآخر أن عذابه من الشدة في حيز لم يعذب قط أحد بمثله، ويحتمل أن يكون الضمير للكافر
والمصدر مضاف إلى المفعول، وقرأ الكسائي وابن سيرين وابن أبي إسحاق وسوار القاضي ((يعذَّب))
و ((يوثَق)) بفتح الذال والثاء ورويت كثيراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالضميران على هذا للكافر الذي
هو بمنزلة جنسه كله والمصدر مضاف إلى المفعول ووضع عذاب موضع تعذيب كما قال [القرطبي]:
[الوافر]
وبعض عطائك المائة الرتاعا
ويحتمل أن يكون الضميران في هذه القراءة لله تعالى، كأنه قال: لا يعذب أحد قط في الدنيا عذاب
الله للكفار، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، وفي هذا التأويل تحامل، وقرأ الخليل بن أحمد ((وثاقه)) بكسر
الواو. ولما فرغ ذكر هؤلاء المعذبين عقب تعالى بذكر نفوس المؤمنين وحالهم فقال: ﴿يا أيتها النفس
المطمئنة﴾ الآية، و﴿المطمئنة﴾ معناه: الموقنة غاية اليقين، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ولكن
ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فهي درجة زائدة على الإيمان، وهي أن لا يبقى على النفس في يقينها
مطلب يحركها إلى تحصيله، واختلف الناس في هذا النداء متى يقع فقال ابن زيد وغيره: هو عند خروج
نفس المؤمن من جسده في الدنيا. وروي أن أبا بكر الصديق سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال له: ((إن الملك سيقولها لك يا أبا بكر عند موتك))، ومعنى (ارجعي إلى ربك﴾ على هذا التأويل،
﴿ارجعي﴾ بالموت، وقال: وقوله ﴿في عبادي﴾ أي في أعداد عبادي الصالحين، وهذه قراءة الجمهور

٤٨٢
تفسير سورة الفجر / الآيات: ٢٣ - ٣٠
بجمع ((عبادي))، وقال قوم: النداء عند قيام الأجساد من القبور، فقوله: ﴿ارجعي إلى ربك﴾ معناه بالبعث
من موتك ارجعي إلى الله. وقيل الرب هنا الإنسان ذو النفس، أي ﴿ادخلي﴾ في الأجساد، و﴿النفس﴾
اسم جنس، وقال بعض العلماء: هذا النداء هو الآن للمؤمنين لما ذكر حال الكفار قال يا مؤمنون دوموا
وجدوا حتى ترجعوا راضين مرضيين، فـ ﴿النفس﴾ على هذا اسم الجنس، وقرأ ابن عباس وعكرمة وأبو
شيخ والضحاك واليماني ومجاهد وأبو جعفر: ((فادخلي في عبدي))، و﴿النفس﴾ على هذا ليست باسم
الجنس، وإنما خاطب مفردة. قال أبو شيخ: الروح يدخل في البدن، وفي مصحف أبي بن كعب: ((يا أيتها
النفس الآمنة المطمئنة إيتي ربك راضية مرضية فارجعي في عبدي))، وقرأ سالم بن عبد الله ((فادخلي في
عبادي ولجي جنتي))، وتحتمل قراءة ((عبدي)) أن يكون العبد اسم جنس جعل عباده كالشيء الواحد دلالة
على الالتحام كما قال عليه السلام وهم يد على من سواهم وقال آخرون: إنما هو في الموقف عندما ينطلق
بأهل النار إلى النار، فنداء النفوس على هذا إنما هو نداء أرباب النفوس، ومعنى ﴿ارجعي إلى ربك﴾ على
هذا إلى رحمة ربك، والعباد هنا الصالحون المنعمون.
٦٠
٠٠

٤٨٣
تفسير سورة البلد / الآيات: ١ - ١٠
--
--
بسْمِ اللّهِ الزَّحْمَ الزَّحِيمِ
شُورَةُ البلد
-
وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وقال قوم هي مدنية .
!
٤
قوله عز وجل :
-
--
لَآ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (®ٍ وَأَنَتَ حِلّ ◌ِهَذَا الْبَلَدِ (﴾ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٢) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ فِي كَبَدٍ
أَيَحْسَبُ أَن ◌َّنْ يَقْدِرَ عَقِهِ أَحَدٌ هَيَقُولُ أَهْلَكْتُ مَا لَاَ لُبَدًا (٢ْ أَيَحْسَبُ أَنْ لَّمْ يَرَهُ أَحَدُ ◌ّ أَلَمْ نَجْعَل
١
١٠
} وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
لَّهُ عَيْنَيْنِ ◌ْوَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴿
۔
قرأ الحسن بن أبي الحسن ((لأقسم)) دون ألف، وقرأ الجمهور: ((لا أقسم))، واختلفوا فقال الزجاج
وغيره: ((لا)) صلة زائدة مؤكدة، واستأنف قوله ﴿أقسم﴾، وقال مجاهد ﴿لا﴾ رد للكلام متقدم للكفار، ثم
استأنف قوله ﴿أقسم﴾، وقال بعض المتأولين ﴿لا﴾ نفي للقسم بالبلد، أخبر الله تعالى أنه لا يقسم به، ولا
خلاف بين المفسرين أن ﴿البلد﴾ المذكور هو مكة، واختلف في معنى قوله ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ فقال
ابن عباس وجماعة: معناه وأنت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتل من شئت، وكان هذا يوم فتح مكة،
وعلى هذا يتركب قول من قال السورة مدنية نزلت عام الفتح، ويتركب على التأويل قول من قال: ﴿لا﴾
نافية أي إن هذا البلد لا يقسم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته، ويتجه أيضاً أن تكون
﴿لا﴾ غير نافية. وقال بعض المتأولين: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ معناه: حال ساكن بهذا البلد، وعلى هذا
يجيء قول من قال هي مكية، والمعنى على إيجاب القسم بين وعلى نفيه أيضاً يتجه على معنى القسم ببلد
أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم، وذكر الثعلبي عن شرحبيل بن سعد أن معنى ﴿وأنت حل﴾ أي
قد جعلوك حلالاً مستحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا، وإعراب ﴿البلد﴾ عطف بيان، وقوله
تعالى: ﴿ووالد وما ولد﴾ قسم مستأتف على قول من قال ﴿لا) نافية، ومعطوف على قول من رأى ﴿لا﴾
غير نافية، واختلف الناس في معنى قوله: ﴿ووالد وما ولد﴾، فقال مجاهد: هو آدم وجميع ولده، وقال
بعض رواة التفسير: هو نوح وجميع ولده، وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وجميع ولده، وقال ابن
عباس ما معناه: أن الوالد والولد هنا على العموم فهي أسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان، وقال ابن
عباس وابن جبير وعكرمة: ﴿ووالد﴾ معناه: كل من ولد وأنسل، وقوله ﴿وما ولد﴾، لم يبق تحته إلا العاقر
الذي ليس بوالد البتة، والقسم واقع على قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، واختلف الناس في
أ

٤٨٤
تفسير سورة البلد / الآيات: ١ - ١٠
((الكَبد))، فقال جمهور الناس: ﴿الإنسان﴾ اسم الجنس كله، و((الكبد)) المشقة والمكابدة، أي يكابد أمر
الدنيا والآخرة، ومن ذلك قول لبيد: [المنسرح]
يا عين هلا بكيت أربد إذا
قمنا وقام الخصوم في كبد
وقول ذي الإصبع: [البسيط]
لظل محتجراً بالنبل يرميني
لي ابن عم لو ان الناس في كبد
وبالمشقة في أنواع أحوال الإنسان فسره الجمهور، وقال الحسن: لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد
ابن آدم، وقال ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبو صالح والضحاك ومجاهد ﴿في كبد﴾ معناه: منتصف
القامة واقفاً، وقال ابن زيد: ﴿الإنسان﴾: آدم عليه السلام، و﴿في كبد﴾ معناه: في السماء سماها كبداً،
وهذان قولان قد ضعفا والقول الأول هو الصحيح، وروي أن سبب الآية وما بعدها هو أبو الأشدين رجل من
قريش شديد القوة، اسمه أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحداً لا يقدر عليه، ويقال بل نزلت في
عمرو بن ود، ذكره النقاش، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق،
وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بالكفارة
فقال: لقد ﴿أهلكت مالاً﴾ في الكفارات والنفقات مذ تبعت محمداً، وكان كل واحد منهم قد ادعى أنه
أنفق مالاً كثيراً على إفساد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو في الكفارات على ما تقدم، فوقف القرآن على
جهة التوبيخ للمذكور، وعلى جهة التوبيخ لاسم الجنس كله. و﴿يقدر﴾ نصب بـ ﴿لَنْ﴾ و﴿أن﴾ مخففة من
الثقيلة، وكان قول هذا الكافر: ﴿أهلكت مالاً لبدأ﴾ كذباً منه، فلذلك قال: ﴿أيحسب أن لم يره أحد﴾
أي أنه رُئي وأُحْصِيَ فعله فما باله يكذب؟ ومن قال إن المراد اسم الجنس غير مفرد، جعل قوله تعالى:
﴿أيحسب أن لم يره أحد﴾ بمعنى أيظن الإنسان أن ليس عليه حفظة يرون أعماله ويحصونها إلى يوم
الجزاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وجسمه فيما
أبلاه وماله من أين كسبه وأين أنفقه))، واختلف القراء في قوله ((لبدآ))، فقرأ جمهور القراء بضم اللام وفتح
الباء، وقرأ مجاهد ((لُبُدا)) بضمهما وذلك جمع لبدة أو جمع لَبود بفتح اللام، وقرأ أبو جعفر يزيد ((لَبِّدآ))
بضم اللام وفتح الباء وشدها فيكون مفرداً نحو ((زمَّل)) ويكون جمع لابد، وقد روي عن أبي جعفر ((الْبْدآ))
بسكون الباء، والمعنى في هذه القراءات كلها مالاً كثيراً متلبداً بعضه فوق بعض من التكاثف والكثرة، وقرأ
الأعمش: ((لم يرْه)) بسكون الراء لتوالي الحركات، ثم عدد تعالى على الإنسان نعمه التي بها تقوم الحجة،
وهي جوارحه. وقرن تعالى ((الشفتين)) باللسان لأن نعمة العبارة والكلام، لا يصح إلا بالجميع .. وفي
الحديث: يقول الله تعالى: ((ابن آدم إن نازعك لسانك إلى ما لا يحل، فقد أعنتك عليه بشفتين فأطبقهما
عليه)). واختلف الناس في ﴿النجدين) فقال ابن مسعود وابن عباس والناس: طريقا الخير والشر، أي
عرضنا عليه طريقهما، وليست الهداية هنا بمعنى الإرشاد. وقال ابن عباس أيضاً والضحاك: ((النجدان)):
ثديا الأم وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع، وأنشد الأصمعي : [الطويل]
صبور على الأرزاء طلاع أنجدٍ
كميش الإزار خارج نصف ساقه

٤٨٥
تفسير سورة البلد / الآيات: ١١ - ٢٠
قوله عز وجل :
فَلَا أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ() وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿ فَكُ رَقَبَةٍ [٣] أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمِ ذِى مَسْغَبَةٍ (١) يَتِيمَاذَا
مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ [٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِالْمَرْحَمَةِ
١٧
أُوْلَئِكَ أَضْخَبُاَلْيَّعَنَةِ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوْبِتَابَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ [٤٦ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
في هذه الآية على عرف كلام العرب، استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال
تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صعب منه وكان صعوداً، و﴿اقتحم﴾ معناه: دخلها وجاوزها بسرعة وضغط
وشدة، وأما المفسرون فرأوا أن ﴿العقبة﴾ يراد بها جبل في جهنم، لا ينجي منه إلا هذه الأعمال ونحوها،
قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: ﴿العقبة﴾ جهنم، قال هو وقتادة فاقتحموها بطاعة الله، وفي
الحديث: ((إن اقتحامها للمؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء))، واختلف الناس في قوله ﴿فلا﴾ فقال
جمهور المتأولين: هو تحضيض بمعنى ((فألا))، وقال آخرون وهو دعاء بمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى
عليه بأن لا يفعل خيراً، وقيل هي نفي، أي ((فما اقتحم))، وقال أبو عبيدة والزجاج وهذا نحو قوله تعالى:
﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١] فهو نفي محض كأنه قال: وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل فما
فعل خيراً، ثم عظم الله تعالى أمر العقبة في النفوس بقوله: ﴿وما أدراك ما العقبة﴾؟ ثم فسر اقتحام العقبة
بقوله ﴿فك رقبة﴾ وذلك أن التقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ هذا على قراءة من قرأ ((فكُّ رقبة)) بالرفع
على المصدر، وأما من قرأ ((فكّ)) على الفعل الماضي ونصب الرقبة، فليس يحتاج أن يقدر ﴿وما أدراك﴾
ما اقتحام، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها، ويجيء ((فكَّ)) بدلاً من ﴿اقتحم﴾ ومبيناً. وقرأ نافع وعاصم
وابن عامر وحمزة ((فك رقبة أو إطعام))، وقرأ أبو عمرو ((فك رقبةً)) بالنصب، ((أو أطعم))، وقرأ بعض
التابعين ((فكِّ رقبة)) بالخفض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضاً والكسائي ((فكّ رقبة)) بالنصب ((أو إطعام)).
وترتيب هذه القراءات ووجوهها بينة، وفك الرقبة معناه: بالعتق من ربقة الأسر أو الرق، وفي الحديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار)). وقال
أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل أنجو به، فقال: ((لئن قصرت القول لقد عرضت
المسألة فك رقبة، وأعتق النسمة))، فقال الأعرابى: أليس هما واحداً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها)).
قال القاضي أبو محمد: وكذلك فك الأسير إن شاء اللّه، وفداؤه أن ينفرد الفادي به، ثم قال النبي
صلى الله عليه وسلم للأعرابي: ((وأبق على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق هذا كله، فكف لسانك إلا من
خير))، و((المسغبة)): المجاعة. والساغب: الجائع. وقرأ جمهور الناس ((ذي مسغبة)) على نعت ﴿يوم﴾،
وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وأبو رجاء ((ذا مسغبة)) على أن يعمل فيها ((أطعم)) أو ((إطعام)) على
القراءتين المذكورتين، وفي هذا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لأن التقدير إنساناً ذا مسغبة
ووصفت الصفة لما قامت مقام موصوفها المحذوف، وأشبهت الأسماء، و((المسغبة)): الجوع العام، وقد

:٤٨٦
اتفسير صورة البلد/ الأمات: ٠١١_٢٠
يقال في الخاص: سغب الرجل إذا جاع. وقوله تعالى: ﴿ذا مقربة﴾ معناه: ذا مقربة لتجتمع الصدقة
والصلة، وهذا نحو ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: ((تصدقي على
زوجك فهي صدقة لك وصلة))، و﴿أو﴾ في قوله ﴿أو مسكيناً ذا متربة﴾ فيها معنى الإباحة ومعنى التخيير، لأن
الكلام يتضمن معنى الحض والأمر فيها أيضاً معنى التفضيل المجرد، لأن الكلام يجري مجرى الخبر الذي
لا تكون ﴿أو﴾ فيه إلا منفصلة، وأما معنى الشك أو الإبهام فلا مدخل لها في هذه الآية، والإبهام نحو قوله
تعالى: ﴿وإنا أو إياكم﴾ [سبأ: ٢٤]، وقول أبي الأسود: [الوافر]
أحب محمداً حباً شديداً وعباساً
وعباساً وحمزة أو عليا
و﴿ذا متربة﴾ معناه: مذقعاً قد لصق بالتراب وهذا مما ينحو إلى أن المسكين أشد فاقة من الفقير،
قال سفيان: هم المطروحون على ظهر الطريق قعوداً على التراب لا بيوت لهم. وقال ابن عباس هو الذي
يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إلى بيته مستيقناً أنه ليس فيه إلا التراب، وقوله تعالى: ﴿ثم كان﴾ معطوف
على قوله ﴿اقتحم﴾ وتوجه فيه معاني، ﴿فلا اقتحم﴾ المذكورة من النفي والتحضيض والدعاء، ورجح أبو
عمرو بن العلاء قراءته ﴿فك﴾ بقوله ﴿ثم كان﴾، ومعنى قوله ﴿ثم كان﴾ أي كان وقت اقتحامه العقبة
﴿من الذين آمنوا﴾ وليس المعنى أنه يقتحم، ثم يكون بعد ذلك لأن الاقتحام كان يقع من غير مؤمن وذلك
غير نافع .
وقوله تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ معناه: على طاعة اللّه وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي.
و﴿بالرحمة﴾، قال ابن عباس: كل ما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. وقال آخرون: هو التراحم وعطف
بعض من الناس على بعض، وفي ذلك قوام الناس ولو لم يتراحموا جملة هلكوا، و﴿الميمنة﴾ مفعلة،
وهي فيما روي عن يمين العرش، وهو موضع الجنة ومكان المرحومين من الناس، و ﴿المشأمة﴾ الجانب
الأشأم وهو الأيسر، وفيه جهنم، وهو طريق المعذبين يؤخذ بهم ذات الشمال، وهذا مأخوذ من اليمن
والشام للواقف بباب الكعبة متوجهاً إلى مطلع الشمس، واليد الشؤمى هي اليسرى، وذهب الزجاج وقوم إلى
ذلك من اليمن والشؤم، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم ((موصدة)) على وزن
موعدة وكذلك في سورة الهمزة، وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ((مؤصدة)) بهمز الواو في
السورتين، ومعناهما جميعاً، مطبقة معلقة. يقال: أوصدت وآصدت، بمعنى أطبقت وأغلقت، فهي
((موصدة)) دون همز من أوصدت، وقد يحتمل أن يهمز من يراها من أوصدت من حيث قبل الواو حرف
مضموم على لغة من قرأ بالسوق، ومنه قول الشاعر [جرير]:
أحب المؤقدان إليَّ مؤسى
بالهمز فيهما، و((مؤصدة)) من آصدت، ويحتمل أن تسهل الهمزة فتجيء ((موصدة)) من أصدت ومن
اللفظة الوصيد. وقال الشاعر [الأعشى]: [الكامل]
وسلاسلًا حلقاً وباباً موصدا.
قوماً يعالج قملا أبناؤهم

٤٨٧
تفسير سورة الشمس / الآيات : ١ - ١٥
بِسْمِ اللهِالرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةُ الشَّمْسِنْ
وهي مكية.
قوله عز وجل :
﴿ وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنِهَا (٥) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
وَالشَّمْسِ وَضُحَنَا ﴿ وَاَلْقَمَرِ إِذَا نَا (® وَالنَّهَارِ إِذَا جََّهَا !
٣
أَوَ اُلْأَرْضِ وَ مَا لَهَا (٦) وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنَهَا ﴿ فَأَهَمَهَا تُورَهَا وَتَقْوَنِهَا الشََّقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنْهَا
أَوَقَدْ خَابَ مَن دَسَنِهَا ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا ﴿ إِذِ اُنُبَعَثَ أَشْقَنِهَا ﴿أَفَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَئِهِمْ فَسَوَّنهَا
اُللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا
أَ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
١٥
أقسم الله تعالى بـ ﴿الشمس) إما على التنبيه منها وإما على تقدير ورب الشمس، و((الضُّحى)) بضم
الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبهذا فسر مجاهد. وقال قتادة: هو النهار كله، وقال مقاتل:
﴿ضحاها) حرها كقوله تعالى في سورة (طه) ﴿ولا تضحى﴾ [طه: ١١٩]، و((الضّحاء)) بفتح الضاد والمد
ما فوق ذلك إلى الزوال، ﴿والقمر﴾ يتلو الشمس من أول الشهر إلى نصفه في الغروب تغرب هي ثم يغرب
هو ويتلوها في النصف الآخر بنحو وآخر، وهي أن تغرب هي فيطلع هو، وقال الحسن بن أبي الحسن:
﴿تلاها﴾ معناه: تبعها دأباً في كل وقت لأنه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك.
قال القاضي أبو محمد: فهذا اتباع لا يختص بنصف أول من الشهر ولا بآخره، وقاله الفراء أيضاً،
وقال الزجاج وغيره: ﴿تلاها): معناه امتلأ واستدار، فكان لها تابعاً في المنزلة والضياء والقدر، لأنه ليس
في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر، قال قتادة: وإنما ذلك ليلة البدر تغيب هي
فيطلع هو.
﴿والنهار﴾ ظاهر هذه السورة والتي بعدها أنه من طلوع الشمس، وكذلك قال الزجاج في كتاب
((الأنواء)) وغيره: واليوم من طلوع الفجر، ولا يختلف أن نهايتهما مغيب الشمس، والضمير في ﴿ جلاها﴾
يحتمل أن يعود على ﴿الشمس﴾ ويحتمل أن يعود على الأرض أو على الظلمة وإن كان لم يجر له ذکر
فالمعنى يقتضيه، قاله الزجاج. و((جلى)) معناه كشف وضوى، والفاعل بجلَّى على هذا التأويلات

٤٨٨
تفسير سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
﴿النهار﴾، ويحتمل أن يكون الفاعل الله تعالى كأنه قال: والنهار إذا جلى اللّه الشمس، فأقسم بالنهار في
أكمل حالاته، ويغشى معناه: يغطي: والضمير للشمس على تجوز في المعنى أو للأرض، وقوله تعالى:
﴿وما بناها﴾ وكل ما بعده من نظائره في السورة، يحتمل أن يكون ما فيه بمعنى الذي قال أبو عبيدة: أي
ومن بناها، وهو قول الحسن ومجاهد، لأن ﴿ما﴾، تقع عامة لمن يعقل ولما لا يعقل، فيجيء القسم بنفسه
تعالى، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ في جميع ذلك مصدرية، قاله قتادة والمبرد والزجاج كأنه قال والسماء
وبنيانها، و((طحا)) بمعنى ((دحا)) و((طحا)) أيضاً في اللغة بمعنى ذهب كل مذهب، ومنه قول علقمة بن
عبدة: [ الطويل]
٠٠٠
بعيد الشباب عمر حان مشيب
طحا بك قلب في الحسان طروب
والنفس التي أقسم بها، اسم الجنس، وتسويتها إكمال عقلها ونظرها، ولذلك ربط الكلام بقوله
تعالى: ﴿فألهمها﴾ الآية، فالفاء تعطي أن التسوية هي هذا الإلهام، ومعنى قوله تعالى: ﴿فجورها
وتقواها﴾ أي عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب التقوى، وجواب
القسم في قوله ﴿قد أفلح﴾، التقدير: لقد أفلح، والفاعل بـ زكى)) يحتمل أن يكونُ الله تعالى، وقاله ابن
عباس وغيره كأنه قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زكاها الله تعالى، و﴿من﴾: تقع على جمع
وإفراد، ويحتمل أن يكون الفاعل بـ((زكى)) الإنسان وعليه تقع ﴿من﴾ وقاله الحسن وغيره، كأنه قال: ﴿قد
أفلح﴾ من زكى نفسه أي اكتسب الزكاء الذي قد خلقه الله، و﴿زكاها﴾ معناه: طهرها ونماها بالخيرات،
و﴿دساها﴾ معناه: أخفاها وحقرها أي وصغر قدرها بالمعاصي والبخل بما يجب، يُقال دساً يُدَسْو ودُسّى
بشد السين يدسي وأصله دسس، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
حلائله يبكين للفقد ضعفا
ودسست عمراً في التراب فأصبحت
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: ((اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت
خير من زكاها أنت وليها ومولاها))، هذا الحديث يقوي أن المزكي هو الله تعالى، وقال ثعلب معنى الآية
﴿وقد خاب من دساها﴾ في أهل الخير بالرياء وليس منهم في حقيقته، ولما ذكر تعالى خيبة من دسی نفسه،
ذكر فرقة فعلت ذلك يعتبر بهم وينتهى عن مثل فعلهم، و((الطغوى)) مصدر، وقرأ الحسن وحماد بن سليمان
((بُطُغواها)) بضم الطاء مصدر كالعقبى والرجعى، وقال ابن عباس: ((الطغوى)) هنا العذاب كدّبوا به حتى
نزل بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥]، وقال جمهور المتأولين الباء
سببية، والمعنى كذبت ثمود بنبيها بسبب طغيانها وكفرها، و﴿انبعث﴾ عبارة عن خروجه إلى عقر الناقة بنشاط
وحرص، و﴿أشقاها﴾ هو قد أربى سالف وهو أحد التسعة الرهط المفسدين، ويحتمل أن يقع ﴿أشقاها﴾
على جماعة حاولت العقر، ويروى أنه لم يفعل فعله بالناقة حتى مالأه عليه جميع الحي، فلذلك قال
تعالى: ﴿فعقروها﴾ لكونهم متفقين على ذلك ورسول الله صالح عليه السلام، وقوله تعالى: ﴿ناقة الله
وسقياها﴾ نصب بفعل مضمر تقديره احفظوا أو ذروا أو احذروا على معنى: احذروا الإخلال بحق ذلك،
وقد تقدم أمر الناقة والسقيا في غير هذه السورة بما أغنى عن إعادتها، وقدم تعالى التكذيب على العقر لأنه

:
٤٨٩
تفسير سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
كان سبب العقر، ويروى أنهم كانوا قد أسلموا قبل ذلك وتابعوا صالحاً مدة ثم كذبوا وعثروا، والجمهور من
المفسرين على أنهم كانوا على كفرهم، و﴿دمدم﴾ معناه: أنزل العقاب مقلقاً لهم مكرراً ذلك وهي
الدمدمة، وفي بعض المصاحف ((فدهدم)) وهي قراءة ابن الزبير بالهاء بين الدالين، وفي بعضهم ((فدمر))،
وفي مصحف ابن مسعود ((فدماها عليهم))، وقوله تعالى: ﴿بذنبهم﴾ أي بسبب ذنبهم، وقوله تعالى:
﴿فسواها﴾، معناه: فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم أحد، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأهل
الحجاز وأبي بن كعب: ((فلا يخاف)) بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون ((ولا))
بالواو وكذلك في مصاحفهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((ولم يخف عقباها))، والفاعل
بـ ﴿يخاف﴾ على قراءة من قرأ بالفاء يحتمل أن يكون الله تعالى، والمعنى فلا درك على الله في فعله بهم
لا يسأل عما يفعل، وهذا قول ابن عباس والحسن، وفي هذا المعنى احتقار للقوم وتعفية لأثرهم، ويحتمل
أن يكون صالحاً عليه السلام، أي لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم إذ كان قد أنذرهم وحذرهم، ومن قرأ
((ولا يخاف)) بالواو فيحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، ويحتمل أن يكون الفاعل بـ ﴿يخاف﴾ ﴿أشقاها﴾
المنبعث، قاله الزجاج وأبو علي، وهو قول السدي والضحاك ومقاتل، وتكون الواو واو الحال كأنه قال
انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه، والعقبى: جزاء المسيء وخاتمته وما يجيء من
الأمور بعقبه، واختلف القراء في ألفات هذه السورة والتي بعدها ففتحها ابن كثير وعاصم وابن عامر، وقرأ
الكسائي ذلك كله بالإضجاع، وقرأ نافع ذلك كله بين الفتح والإمالة، وقرأ حمزة ((ضحاها)) مكسورة
و ((تليها وضحاها)) مفتوحتين وكسر سائر ذلك، واختلف عن أبي عمرو فمرة كسر الجميع ومرة كقراءة نافع،
قال الزجاج سمى الناس الإمالة كسراً وليس بكسر صحيح، والخليل وأبو عمرو يقولان إمالة. (انتهى).
نجز تفسيرها والحمد لله كثيراً .
٠
أ

٤٩٠
تفسير سورة الليل + الآيات :- ١-٢١٠
بسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَّحِية
..... ؟
١ ..
٠٫٠٠
سُورَةُ الليك
وهي مكية في قول الجمهور، وقال المهدوي وقيل هي مدنية وقيل فيها مدني وعددها عشرون آية
بإجماع .
قوله عز وجل :
وَالَّلِ إِذَا يَغْشَىْ ١٦﴾ وَلْنَهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَوَالْأُنْقَىَ ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَ ﴾ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى
فَسَتْيَسِرُُ
وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى (١٥) وَكَذَّبَ بِالْحُسْفَ
٧
فَسَنُيَسُِّ لِلْيُسْرَى
وَصَدَّقَبِالْحُسْنَى
فَأَنْذَرْتُكُم نَارًا
وَإِنَّلَنَا لِلْأَخِرَةَ وَالْأُولَى
١٢
لِلْعُسْرَى ﴿ وَمَا يُغْنِ عَنْهُ مَا لُهُ إِذَا تَرَدََّ ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى
تَلَظَّى ﴿ لَا يَصْلَهَا إِلَّا الْأَشْقَىِّ [٥] الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ® وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْفَىِّ الَّذِى يُؤْتِى مَا لَهُ
يَتَزَّكَى لَ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَ (٩) إِلَّ أَبِغَاءَ وَجْدِرَبِّهِالْأَعْلَى (٥) وَلَسَوْفَ يَرْضَى
٢١
أقسم الله بـ ﴿الليل إذا يغشى) الأرض وجميع ما فيها وب ﴿النهار إذا تجلى﴾، أي ظهر وضوى
الآفاق، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تجلى السرى من وجهه عن صحيفة على السير مشراق كريم شجونها
وقوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ يحتمل أن تكون بمعنى الذي كما قالت العرب في سبحان
ما سبح الرعد بحمده، وقال أبو عمرو وأهل مكة يقولون للرعد سبحان ما سبحت له، ويحتمل أن تكون
﴿ما﴾ مصدرية، وهو مذهب الزجاج. وقرأ جمهور الصحابة ((وما خلق الذكر))، وقرأ علي بن أبي طالب
وابن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وسمعها من النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلقمة وأصحاب
عبد الله: ((والذكر والأنثى)) وسقط عندهم ﴿وما خلق﴾. وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ ((وما خلق الذكرٍ
والأنثى)) بخفض ((الذكر)) على البدل من ﴿ما﴾ على أن التقدير وما خلق الله وقراءة علي ومن ذكر تشهد
لهذه، وقال الحسن: المراد هنا بـ ﴿الذكر والأنثى﴾ آدم وحواء، وقال غيره عام، و((السعي)) العمل. فأخبر
تعالى مقسماً أن أعمال العباد شتى، أي مفترقة جداً بعضها في رضى الله وبعضها في سخطه، ثم قسم
تعالى الساعين فذكر أن من أعطى وظاهر ذلك إعطاء المال، وهي أيضاً تتناول إعطاء الحق في كل شيء،
قول وفعل، وكذلك البخل المذكور بعد أن يكون بالإيمان وغيره من الأقوال التي حق الشريعة أن لا يبخل

٤٩١
تفسير سورة الليل الآيات: ١ - ٢١
بها، ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه كان يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا وكان
ينفق في رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله، وكان الكفار بضد ذلك، وهذا قول من قال السورة
كلها مكية، قال عبد الله بن أبي أوفى: نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق وأبي سفيان بن حرب، وقال
مقاتل: مر أبو بكر على أبي سفيان وهو يعذب بلالاً فاشتراه منه، وقال السدي: نزلت هذه الآية بسبب أبي
الدحداح الأنصاري، وذلك أن نخلة لبعض المنافقين كانت مطلة على دار امرأة من المسلمين لها أيتام
فكانت التمر تسقط عليهم فيأكلونه فمنعهم المنافق من ذلك، واشتد عليهم، فقال له رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: ((بعنيها بنخلة في الجنة))، فقال: لا أفعل، فبلغ ذلك أبا الدحداح فذهب إليه واشترى منه
النخلة بحائط له، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أنا أشتري النخلة في الجنة
بهذه، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على الحائط
الذي أعطى أبو الدحداح وقد تعلقت أقناؤه فيقول: ((وكم قنو معلق لأبي الدحداح في الجنة))، وفي
البخاري أن هذا اللفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله في الأقناء التي كان أبو الدحداح يعلقها
في المسجد صدقة، وهذا كله قول من يقول بعض السورة مدني. واختلف الناس في ﴿الحسنى﴾ ما هي
في هذه السورة، فقال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: هي لا إله إلا الله، وقال ابن عباس وعكرمة
وجماعة: هي الخلف الذي وعد الله تعالى به، وذلك نص في حديث الملكين إذ يقول أحدهما: اللهم
أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً. وقال مجاهد والحسن وجماعة: ﴿الحسنى﴾:
الجنة. وقال كثير من المفسرين ﴿الحسنى﴾: الأجر والثواب مجملاً. وقوله تعالى: ﴿فسنيسره لليسرى﴾،
ومعناه: سيظهر تيسيرنا إياه يتدرج فيه من أعمال الخير وختم بتيسير قد كان في علم الله أولاً، و((اليسرى)):
الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة، و((العسرى)): الحال السيئة في الدنيا والآخرة ولا بد ومن جعل
بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال أيضاً لتعظم المذمة، ومن جعل البخل عاماً في جميع ما
ينبغي أن يبذل من قول وفعل قال استغنى عن الله ورحمته بزعمه، ثم وقف تعالى على موضع غناء ماله عنه
وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن
الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما في المال، واختلف الناس في معنى ﴿تردى﴾: فقال قتادة وأبو صالح
معناه ﴿تردى﴾ في جهنم، أي سقط من حافاتها، وقال مجاهد: ﴿تردى﴾ معناه هلك من الردى، وقال قوم
معناه ﴿تردى﴾ بأكفانه من الرداء، ومنه قول مالك بن الربيب: [الطويل]
وردًا على عينيّ فضل ردائيا
وخطًا بأطراف الأسنّة مضجعي
ومنه قول الآخر: [الطويل]
نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط
ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعاً، أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك، كما قال
تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [النحل: ٩] ثم كل أحد بعد يتكسب ما قدر له، وليست هذه الهداية
بالإرشاد إلى الإيمان، ولو كان كذلك لم يوجد كافر. ثم أخبر تعالى أن ((الآخرة والأولى)) أي الدارين.

٤٩٢
تفسير سورة الليل الآيات: ١ - ٢١
وقوله تعالى: ﴿فأنذرتكم﴾ إما مخاطبة منه وإما على معنى قل لهم يا محمد، وقرأ جمهور السبيعة ((تلظى))
بتخفيف التاء، وقرأ البزي عن ابن كثير بشد التاء وإدغام الراء فيها. وقرأها كذلك عبيد بن عمير، وروي
أيضاً عنه ((تتلظى)) بتاءين وكذلك قرأ ابن الزبير وطلحة، وقوله تعالى: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾ أي ﴿لا
يصلاها﴾ صلي خلود، ومن هنا ضلت المرجئة لأنها أخذت نفي الصلي مطلقاً في قليله وكثيره،
و﴿الأشقى﴾ هنا، الكافر بدليل قوله الذي كذب، والعرب تجعل أفعل في موضع فاعل مبالغة كما قال
طرفة: [الطويل]
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بـ ﴿الأتقى﴾ إلى آخر السورة أبو بكر الصديق، ثم هي تتناول كل
من دخل في هذه الصفات، وقوله تعالى: ﴿يتزكى﴾ معناه: يتطهر ويتنمى وظاهر هذه الآية أنه في
المندوبات، وقوله تعالى: ﴿وما لأحد عنده﴾ الآية، المعنى: وليس إعطاؤه ليجزي نعماً قد أزلت إليه، بل
هو مبتدىء ابتغاء وجه الله تعالى، وروي في سبب هذا أن قريشاً قالوا لما أعتق أبو بكر بلالاً كانت لبلال
عنده يد، وذهب الطبري إلى أن المعنى وليس يعطي ليبث نعماً يجزي بها يوماً ما وينتظر ثوابها، وحوم في
هذا المعنى وحلق بتطويل غير مغْنٍ ويتجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله وذلك أن التقدير ﴿وما لأحد
عنده﴾ إعطاء ليقع عليه من ذلك لأحد جزاء بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه، وقوله تعالى: ﴿إلا
ابتغاء﴾ نصب بالاستثناء المنقطع وفيه نظر والابتغاء الطلب، ثم وعده تعالى بالرضى في الآخرة، وهذه عدة
لأبي بكر رضي الله عنه، وقرأ ((يُرضى)) بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وهذه الآية تشبه الرضى في
قوله تعالى: ﴿ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ [الفجر: ٣١] الآية. انتهى.
٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠
٠
٠
٦

٤٩٣
تفسير سورة الضحى الآيات: ١ - ١١
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنُ الزَّحِيةِ
سُورَةُ الصَّحَى
وهي مكية لا خلاف في ذلك بين الرواة.
قوله عز وجل :
٤
وَلَلْأَخِرَةُ خَيْلَّكَ مِنَ الْأُولَ
٣
مَاوَدَّعَكَرَبُّكَ وَمَاقَلَى
٢
وَالضُّحَى جَ وَالَِّلِ إِذَا سَجَى
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَّ ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ بَتِيمًا فَشَاوَى ﴾ وَوَجَدَكَ ضُآلًّا فَهَدَى
٧
وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَا نَنْهَرْ
! فَأَمَّا الْتِيَمَ فَلَا نَقْهَرْ
٨
وَوَجَدَكَ عَآَيٍلًا فَأَغْنَ
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
١٠
فَحَدِّثْ لـ
١١
تقدم تفسير ﴿الضحى﴾ بأنه سطوع الضوء وعظمه، وقال قتادة: ﴿الضحى﴾ هنا، النهار كله،
و﴿سجى﴾ معناه سكن واستقر ليلاً تاماً. وقال بعض المفسرين ﴿سجى﴾ معناه أقبل، وقال آخرون:
معناه أدبر والأول أصح، ومنه قول الشاعر [الحارثي]: [الرجز]
وطرق مثل ملاء النساج
يا حبذا القمراء والليل الساج
ويقال بحر ساج أي ساكن ومنه قول الأعشى: [الطويل]
وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم
وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
وطرف ساج إذا كان ساكناً غير مضطرب النظر، وقرأ جمهور الناس ((ودّعك)) بشد الدال من التوديع،
وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ((ودَعك)) بتخفيف الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ((ودَعك))
بتخفيف الدال بمعنى ترك، و﴿قلى﴾ معناه: أبغض. واختلف في سبب هذه الآية فقال ابن عباس وغيره:
أبطأ الوحي مرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة مدة اختلفت في حدها الروايات حتى شق
ذلك عليه فجاءت امرأة من الكفار هي أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد
تركك، فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن وهب عن رجال عن عروة بن الزبير أن خديجة قالت له: ما أرى
الله إلا قد خلاك لإفراط جزءك لبطء الوحي عنك، فنزلت الآية بسبب ذلك، وقال زيد بن أسلم: إنما
احتبس عنه جبريل لجرو كلب كان في بيته، وقوله تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ يحتمل أن یرید
الدارين الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حاليه في الدنيا قبل نزول السورة

٤٩٤
: تفسير سورة الضحى الآيات: ١-١١
وبعدها فوعده الله تعالى على هذا التأويل بالنصر والظهور، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك﴾
الآية، قال جمهور الناس: ذلك في الآخرة، وقال بعضهم من أهل البيت هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى
لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى وأحد من أمته في النار، وروي أنه عليه السلام لما نزلت قال:
(إذاً لا أرضى وأحد من أمتي في النار))، وقال ابن عباس: رضاه أن لا يدخل أحد من أهل بيته في النار،
وقال ابن عباس أيضاً: رضاه أن اللّه تعالى وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم،
وقال بعض العلماء رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره، وفي مصحف ابن مسعود: ((ولسيعطيك ربك
فترضى))، ثم وقفه تعالى على المراتب التي رجه عنها بإنعامه ويتمه، كان فقد أبيه وكونه في كنف عمه أبي
طالب، وقيل لجعفر بن محمد الصادق لم يتم النبي عليه السلام من أبويه، فقال لئلا يكون عليه حق
لمخلوق، وقرأ الأشهب العقيلي ((فأوى)) بالقصر بمعنى رحم، تقول أويت لفلان أي رحمته، وقوله تعالى :
﴿ووجدك ضالاً﴾ أي وجده إنعامه بالنبوة والرسالة على غير الطريقة التي هو عليها في نبوته، وهذا قول
الحسن والضحاك وفرقة، والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد، فالبعيد ضلال الكفار الذين يعبدون
الأصنام ويحتجون لذلك ويعتبطون به، وكان هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه عليه السلام أقرب
ضلال وهو الكون واقفاً لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر، وقال السدي:
أقام على أمر قومه أربعين سنة، وقيل معنى ﴿وجدك ضالاً﴾ أي تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي ووجدُك
في قوم ضلال فكأنك واحد منهم .
قال القاضى أبو محمد: ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنماً قط، ولكنه أكل ذبائحهم
حسب حديث زيد بن عمرو في أسفل بارح وجرى على يسير من أمرهم وهو مع ذلك ينظر خطأ ما هم فيه
ودفع من عرفات وخالفهم في أشياء كثيرة، وقال ابن عباس هو ضلاله وهو صغير في شعاب مكة، ثم رده
الله تعالى إلى جده عبد المطلب، وقيل هو ضلاله من حليمة مرضعته، وقال الترمذي وعبد العزيز بن
يحيى: ﴿ضالاً﴾ معناه خامل الذكر لا يعرفك الناس فهداهم إليك ربك، والصواب أنه ضلال من توقف لا
يدري كما قال عز وجل: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] قال ثعلب قال أهل
السنة: هو تزويجه بنته في الجاهلية ونحوه، والعائل الفقير، وقرأ اليماني ((عيَّلاً)) بشد الياء المكسورة ومنه
قول الشاعر: [أحيحة]: [الوافر]
وما يدري الغني متى يعيل
وما يدري الفقير متى غناه
وأعال: كثر عياله، وعال: افتقر، ومنه قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله
تعالى: ﴿فأغنى﴾ قال مقاتل معناه رضاك بما أعطاك من الرزق، وقيل فقيراً إليه فأغناك به، والجمهور على
أنه فقر المال وغناه، والمعنى في النبي صلى الله عليه وسلم أنه أغني بالقناعة والصبر وحيبا إليه فقر الحال
وغناه، وقيل أغني بالكفاف لتصرفه في مال خديجة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط كثير المال
ورفعه الله عن ذلك، وقال: ((ليس الغنى عن كثرة العرض ولكنه غنى النفس)). وكما عدد اللّه عليه هذه
النعم الثلاث وصاه بثلاث وصايا في كل نعمة وصية مناسبة لها، فبإزاء قوله ﴿ألم بجدك يتيماً فآوى﴾ قوله

٤٩٥
تفسير سورة الضحى الآيات: ١ - ١١
﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾، وبإزاء قوله ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ قوله ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾، هذا عليه قول
من قال إن ﴿السائل﴾ هنا هو السائل عن العلم والدين وليس بسائل المال، وهو قول أبي الدرداء والحسن
وغيره، وبإزاء قوله ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ قوله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾. ومن قال إن ﴿السائل) هو
سائل المحتاج وهو قول الفراء عن جماعة، ومعنى ﴿فلا تنهر﴾ جعلها بإزاء قوله ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾،
وجعل قوله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ بإزاء قوله ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾، وقال إبراهيم بن أدهم نعم
القول السؤال يجملون زادنا إلى الآخرة، ﴿فلا تنهر﴾، معناه: فرد رداً جميلاً إما بعطاء وإما بقول حسن،
وفي مصحف ابن مسعود ((ووجدك عديماً فأغنى))، وقرأ ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي، ((فأما اليتيم
فلا تكهر)) بالكاف، قال الأخفش هي بمعنى القهر، ومنه قول الأعرابي: وقاكم الله سطوة القادر وملكة
الكاهر، وقال أبو حاتم لا أظنها بمعنى القهر لأنه قد قال الأعرابي الذي بال في المسجد: فأكهرني النبي
صلى الله عليه وسلم فإنها هي بمعنى الإشهار وأمره الله تعالى بالتحدث بالنعمة، فقال مجاهد والكسائي :
معناه: بث القرآن وبلغ ما أرسلت به، وقال آخرون بل هو عموم في جميع النعم، وكان بعض الصالحين
يقول: لقد أعطاني الله كذا وكذا، ولقد صليت البارحة كذا وذكرت الله كذا، فقيل له: إن مثلك لا يقول
هذا، فقال إن الله تعالى يقول: ﴿وأما بنعمة ربك بحدث﴾، وأنتم تقولون لا تحدث، وقال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((التحدث بالنعم شكر))، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أسديت إليه نعمة فذكرها
فقد شكرها ومن سترها فقد كفرها))، ونصب ﴿اليتيم) بـ ﴿تقهر) والتقدير مهما يكن من شيء فلا تقهر
الیتیم .
نجز تفسيرها والحمد لله كثيراً .

٤٩٦
تفسير سورة الشرح الآيات: ١ -٨
بسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الرَّحِيةِ
سُورَةُ الشّريح
وهي مكية بإجماع من المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك.
قوله عز وجل :
٤
الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (*) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ جَّ
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيُسْرًا ﴿ فَإِذَا فَرَّغْتَ فَأَنْصَبْ ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب
٨
عدد الله على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه في أن شرح صدره للنبوة وهيأه لها، وذهب
الجمهور إلى أن شرح الصدر المذكور هو تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما یوحی إلیه، وقال ابن عباس
وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء إذ التشريح شق
اللحم. وقرأ أبو جعفر المنصور ((ألم نشرحَ)) بنصب الحاء على نحو قول الشاعر [طرفة]: [المنسرح]
ضربك بالسيف قونس الفرس
أضرب عنك الهموم طارقها
ومثله في نوادر أبي زيد: [الرجز]
من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر
كأنه قال: ((ألم نشرحن)) ثم أبدل من النون ألفاً ثم حذفها تخفيفاً، وهي قراءة مردودة، و((الوزر))
الذي وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيرته قبل
المبعث إذ كان يرى سوء ما قريش فيه من عبادة الأصنام. وكان لم يتجه له من الله تعالى أمر واضح، فوضع
الله تعالى عنه ذلك الثقل بنبوته وإرساله. وقال أبو عبيدة وغيره المعنى: خففنا عليك أثقال النبوة وأعناك
على الناس، وقال قتادة وابن زيد والحسن وجمهور من المفسرين: الوزر هنا، الذنوب. وأصله الثقل،
فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل النبوة وزره صحبة قومه وأكله من ذبائحهم ونحو
هذا، وقال الضحاك: وفي كتاب النقاش حضوره مع قومه المشاهد التي لا يحبها الله تعالى.

٤٩٧
تفسير سورة الشرح الآيات: ١ - ٨ -
قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها ضمها المنشأ كشهوده حرب الفجار ينبل على أعماله وقلبه، وفي
ذلك كله منيب إلى الصواب، وأما عبادة الأصنام فلم يلتبس بها قط، وقرأ أنس بن مالك ((وخططنا عنك
وزرك))، وفي حرف ابن مسعود ((وحللنا عنك وقرك)). وفي حرف أبي ((وخططنا عنك وقرك))، وذكر أبو عمرو
أن النبي صلى الله عليه وسلم صوب جميعها، وقال المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي
صغائر مغفورة لهمهم بها وتحسرهم عليها، و﴿أنقض﴾ معناه جعله نقضاً، أي هزيلاً معيباً من الثقل، وقيل
معناه أسمع له نقيضاً وهو الصوت. وهو مثل نقيض السفن وكل ما حملته ثقلاً فإنه ينتقض تحته، وقال
عباس بن مرداس: [الطويل]
وكنت عليهم مشفقاً متحتنا
وأنقض ظهري ما تطوقت مضهم
وقوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ معناه، نوهنا باسمك، وذهبنا به كل مذهب في الأرض، وهذا
ورسول الله بمكة، وقال أبو سعيد الخدري والحسن ومجاهد وقتادة: معنى قوله ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ أي
قرنا اسمك باسمنا في الأذان والخطب. وروي في هذا الحديث ((إن الله تعالى قال: إذا ذكرت معي)).
وهذا متجه إلى أن الآية نزلت بمكة قديماً. والأذان شرع بالمدينة، ورفع الذكر نعمة على الرسول، وكذلك
هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة، وقد جعل الله تعالى
النعم أقساماً بحسب ما يصلح لشخص شخص، وفي الحديث: ((إن الله تعالى يوقف عبداً يوم القيامة
فيقول له: ألم أفعل بك كذا وكذا؟ يعدد عليه نعمه، ويقول في جملتها: ألم أحمل ذكرك في الناس))،
والمعنى في هذا التعديد الذي على النبي صلى الله عليه وسلم أي يا محمد؛ قد فعلنا بك جميع هذا فلا
تكترث بأذى قريش، فإن الذي فعل بك هذه النعم سيظفرك بهم وينصرك عليهم ثم قوى رجاءه بقوله: ﴿فإن مع
العسر يسراً﴾، أي ما تراه من الأذى فرج يأتي، وكرر تعالى ذلك مبالغة وتثبيتاً للخير، فقال بعض الناس:
المعنى ﴿إن مع العسر يسرا﴾ في الدنيا، وإن مع العسر يسراً في الآخرة، وذهب كثير من العلماء إلى أن
مع كل عسر يسرين بهذه الآية من حيث العسر معروف للعهد واليسر منكر، فالأول غير الثاني، وقد روي
في هذا التأويل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لن يغلب عسر يسرين)). وأما قول عمر به
فنص في الموطأ في رسالته إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقرأ عيسى ويحيى بن وثاب وأبو جعفر: ((العُسر
واليُسر)) بضمتين، وقرأ ابن مسعود ﴿فإن مع العسر يسراً﴾ واحداً غير مكرر، ثم أمر تعالى نبيه إذا فرغ من
شغل من أشغال النبوة والعبادة أن ينصب في آخر، والنصب التعب، فالمعنى أن يرأب على ما أمر به ولا
يفتر، وقال ابن عباس: المعنى ﴿فإذا فرغت﴾ من فرضك ﴿فانصب﴾ في النفل عبادة لربك، وقال ابن
مسعود: ﴿فانصب﴾ في قيام الليل، وعن مجاهد، ﴿فإذا فرغت﴾ من شغل دنياك ﴿فانصب﴾ في عبادة
ربك، وقيل المعنى إذا فرغت من الركعات فاجلس في التشهد وانصب في الدعاء، وقال ابن عباس
وقتادة: معنى الكلام ﴿فإذا فرغت﴾ من العبادة ﴿فانصب﴾ في الدعاء. وقال الحسن بن أبي الحسن:
المعنى ﴿فإذا فرغت﴾ من الجهاد ﴿فانصب﴾ في العبادة، ويعترض هذا التأويل بأن الجهاد فرض
بالمدينة، وقرأ أبو السمال ((فرغت)) بكسر الراء وهي لغة، وقرأ قوم ((فانصبَّ)) بشد الباء وفتحها، ومعناه إذا
:

٤٩٨
تفسير سورة الشرح: الآيات: ١ -٨
فرغت من الجهاد ((فانصب)) إلى المدينة، ذكرها النقاش منبهاً على أنها خطأ، وقرأ آخرون من الإمامية
((فانصِب)) بكسر الصاد بمعنى إذا فرغت من أمر النبوة ((فانصِب)) خليفة، وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم
تثبت عن عالم، ومر شريح على رجلين يصطرعان، وقال ليس بهذا أمر الفراغ تلا هذه الآية. وقوله تعالى:
﴿و إلى ربك فارغب﴾ أمر بالتوكل على الله تعالى، وصرف وجه الرغبات إليه لا إلى سواه، وقرأ إبن أبي عبلة
((فرَغّب) بفتح الراء وشد الغين مكسورة.
نجز تفسيرها والحمد لله على كل حال.
٣٠٠

٤٩٩
تفسير سورة التين الآيات: ١ -٨
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةُ التّيْر
قوله عز وجل :
لَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنِسَنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (
وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ الْهَ وَطُورِسِيِنِينَ ﴿ وَهَذَا الْبَدِ اَلْأَمِينِ
٤
فَمَا يُكَذِّبُكَ
ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٢) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٨
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحَكَمِ الْحُكِمِينَ
٧
بَعْدُ بِالدِّينِ
اختلف الناس في معنى ﴿التين والزيتون﴾ اللذين أقسم الله تعالى بهما، فقال ابن عباس والحسن
ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل: هو ﴿التين﴾ الذي يؤكل ﴿والزيتون﴾ الذي
يعصر، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه تيناً أهدي إليه، فقال: ((لو قلت إن فاكهة أنزلت من
الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس))، وقال عليه
السلام: ((نعم السواك سواك الزيتون ومن الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي))، وقال كعب
وعكرمة: القسم. بمنابتها، وذلك أن ﴿التين﴾ ينبت بدمشق، ﴿والزيتون﴾ ينبت بإيلياء فأقسم الله تعالى
بالأرضين، وقال قتادة: هما جبلان بالشام، على أحدهما دمشق، وعلى الآخر بيت المقدس، وقال ابن
زيد: ﴿التين) مسجد دمشق، ﴿والزيتون) مسجد إلياء، وقال ابن عباس وغيره: ﴿التين) مسجد نوح
﴿والزيتون﴾ مسجد إبراهيم، وقيل ﴿التين والزيتون وطور سينين﴾، ثلاثة مساجد بالشام، وقال محمد بن
كعب القرظي: ﴿التين) مسجد أصحاب الكهف، ﴿والزيتون) مسجد إيلياء، وأما ﴿طور سينين﴾، فلم
يختلف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ومنه نودي، وفيه مسجد موسى فهو الطور، واختلف في قوله
﴿سينين﴾، فقال مجاهد وعكرمة: معناه حسن مبارك، وقيل معناه ذو الشجر، وقرأ الجمهور بكسر السين
((سينين))، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو رجاء بفتح السين وهي لغة بكر وتميم ((سَينين))، وقرأ عمر بن الخطاب
وطلحة والحسن وابن مسعود: ((سيناء)) بكسر السين، وقرأ أيضاً عمر بن الخطاب: ((سيناء)) بالفتح،
و﴿البلد الأمين﴾ مكة بلا خلاف، وقيل معنى ﴿سينين﴾: المبارك، وقيل معنى ﴿سينين﴾: شجر واحدتها
سينية، قاله الأخفش سعيد بن مسعدة و ((أمين)): فعيل من الأمن بمعنى آمن أي آمن من فيه ومن دخله وما
فيه من طير وحيوان، والقسم واقع على قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ ينبغي له، ولا
يدفع هذا أن يكون غيره من المخلوقات كالشمس وغيرها أحسن تقويماً منه بالمناسبة، وقال بعض العلماء
بالعموم أي ﴿الإنسان﴾ أحسن المخلوقات تقويماً، ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن زوجته

٥٠٠
تفسير سورة التين الآيات :- ١ ٠- ٨
أحسن من الشمس، واحتجوا بهذه الآية، واختلف الناس في تقويم الإنسان ما هو؟ فقال النخعي ومجاهد
وقتادة: حسن صورته وحواسه، وقال بعضهم: هو انتصاب قامته، وقال أبو بكر بن طاهر في كتاب الثعلبي:
هو عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز، وقال عكرمة: هو الشباب والقوة، والصواب أن جميع هذا هو حسن
التقويم إلا قول عكرمة، إذ قوله يفضل فيه بعض الحيوان، و﴿الإنسان﴾ هنا اسم الجنس. وتقدير الكلام
في تقويم ﴿أحسن تقويم﴾، لأن ﴿أحسن﴾ صفة لا بد أن تجري على موصوف، واختلف الناس في معنى
قوله تعالى: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾، فقال عكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه بالهرم وذهول
العقل وتفلت الفكر حتى يصير لا يعلم شيئاً، أما إن المؤمن مرفوع عنه القلم، والاستثناء على هذا منقطع،
وهذا قول حسن وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة،
وقرأ ابن مسعود: ((السافلين)) بالألف واللام، ثم أخبر أن ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وإن نال
بعضهم هذا في الدنيا ﴿فلهم﴾ في الآخرة ﴿أجر غير ممنون﴾، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو
العالية: المعنى ﴿رددناه أسفل سافلين﴾ في النار على كفره ثم استثنى ﴿الذين آمنوا﴾ استثناء منفصلاً،
فهم على هذا ليس فيهم من يرد أسفل سافلين في النار على كفره، وفي حديث عن أنس قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله تعالى حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة،
فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين
غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئاً كتب الله له ما كان
يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة)). وفي حديث ((إن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب الله له خير ما
كان يعمله في قوته، وذلك أجر غير ممنون)). و﴿ممنون﴾ معناه: محسوب مصَرَّد یمن عليهم، قاله مجاهد
وغيره، وقال كثير من المفسرين معناه مقطوع من قولهم حبل منين، أي ضعيف منقطع، واختلف في
المخاطب بقوله تعالى: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ فقال قتادة والفراء والأخفش: هو محمد عليه السلام،
قال الله له: فماذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبر التي يوجب النظر
فيها صحة ما قلت، ويحتمل أن يكون ((الدين)) على هذا التأويل جميع دينه وشرعه، وقال جمهور من
المتأولين: المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذاباً بالدين، تجعل له أنداداً، وتزعم أن لا
بعث بعد هذه الدلائل، وقال منصور قلت لمجاهد: قوله تعالى: ﴿فما يكذبك﴾ يريد به النبي صلى الله
عليه وسلم قال معاذ الله يعني به الشاك، ثم وقف تعالى جميع خلقه على أنه ﴿أحكم الحاكمين﴾ على
جهة التقرير، وروي عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه السورة قال: بلى وأنا
على ذلك من الشاهدين .
:
1
٠٫٠٠