النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
تفسير سورة المرسلات / الآيات: ٤١ - ٥٠
ممن جاء فى صدر الدنيا وعلى وجه الدهر، ثم وقف تعالى عبيده الكفار المستوجبين عقابه بقوله: ﴿فإن
کان لکم کید فکیدون﴾ أي إن كان لكم حيلة أو مكيدة تنجيكم فافعلوها.
قوله عز وجل :
إِنَّاُلْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلِ وَعُيُونٍ (١) وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤ كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَّا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢) إِنَّا
اكُواْ وَتَمَنَّعُواْقَلِلًا إِنَّكُ تُجْرِمُونَ (٨٦) وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ
٤٥
كَذَلِكَ تَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴿وَيَلْ يَوْمَيٍِ لِلْمُكَذِّبِينَ لـ
وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ (٦ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ
لِلْمُكَّذِّبِينَ ﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَزْكَعُوْ لَا يَزْكَعُونَ
بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
ذكر تعالى حالة ﴿المتقين) بعقب ذكر حالة أهل النار ليبين الفرق، و((الظلال)) في الجنة عبارة عن
تكاثف الأشجار وجودة المباني وإلا فلا شمس تؤذي هنالك حتى يكون ظل يجير من حرها. وقرأ الجمهور
((في ظلال))، وقرأ الأعرج والأعمش ((في ظُلل)) بضم الظاء، و((العيون)): الماء النافع، وقوله تعالى: ﴿مما
يشتهون﴾ إعلام بأن المأكل والمشرب هنالك إنما يكون برسم شهواتهم بخلاف ما هي الدنيا عليه، فإن
ذلك فيه شاذ ونادر، والعرف أن المرء يرد شهوته إلى ما يقتضيه وجده. وهنا محذوف يدل عليه اللفظ تقديره
يقال لهم ﴿كلوا﴾ و﴿هنيئاً﴾ نصب على الحال، ويجوز أن يكون نصبه على جهة الدعاء، والكاف في
قوله ﴿إنا كذلك﴾ كاف تشبيه، والإشارة بذلك إلى ما ذكره من تنعيم أهل الجنة، وقوله تعالى: ﴿كلوا
وتمتعوا﴾ مخاطبة لقريش على معنى قل لهم يا محمد، وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، وقد بين
ذلك قوله ﴿قليلاً﴾، ثم قرر لهم الإجرام الموجب لتعذيبهم، وقال من جعل السورة كلها مكية: إن هذه
الآية نزلت في المنافقين، وقال مقاتل: نزلت في ثقيف لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حط عنا
الصلاة فإنا لا ننحني فإنها سبة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((لا خير في دين لا صلاة فيه)).
وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ قيل هي حكاية عن حال المنافقين في الآخرة إذا سجد
الناس فأرادوا هم السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض وصارت فقاراتهم كصياصي البقر، قاله ابن
عباس وغيره. وقال قتادة في آخرين هذه حال كفار قريش في الدنيا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدعوهم وهم لا يجيبون، وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، هذا قول الجمهور، وقال بعض المتأولين
عنى بالركوع التواضع كما قال الشاعر: [الطويل]
ترى الأكم فيها سجداً للحوافر
أي متذللة، وتأول قتادة الآية قاصدة الركوع نفسه. وقال: عليكم بحسن الركوع، والذي أقول إن
ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة إنما كان لأن كثيراً من العرب كان يأنف من الركوع
والسجود ويراها هيئة منكرة لما كان في أخلاقهم من العجرفة، ألا ترى أن بعضهم قد سئل فقيل له: كيف

٤٢٢
تفسير سورة المرسلات/ الآيات: ٤١ - ٥٠
تقول؟ استخذات أو استخذيت؟ فقال: كل لا أقول. فقيل له لم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي، فظن أنه
سئل عن المعنى ولم يفهم أنه سئل عن اللفظ. وفي كتاب السير عن بعض العرب أنه استعفى متكلماً عن
قومه ونفسه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال له: ((لا
بد من الصلاة»، فقال عند ذلك سنؤتیکها، وإن كانت دناءة، وقوله تعالى : ﴿فبأي حدیث بعده يؤمنون﴾
يؤيد أن الآية كلها في قريش، والحديث الذي يقتضيه الضمير هو القرآن، وهذا توقيف وتوبيخ، وروي عن
يعقوب أنه قرأ ((تؤمنون)) بالتاء من فوق على المواجهة ورويت عن ابن عامر. (انتهى).

٤٢٣
تفسير سورة النبأ / الآيات: ١ - ١٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةُ التَّيا
وهي مكية بإجماع، وليس فيها نسخ ولا حكم إلا ما قاله بعض الناس في قوله تعالى: ﴿لابثين فيها
أحقاباً﴾ [النبأ: ٢٣] من أنه منسوخ وهو قول خلف لأن الأخبار لا تنسخ وإنما ذكرنا هذا القول تنبيهاً على
فساده .
قوله عز وجل :
عَمَّيَتَّسَاءَ لُونَ ﴿ عَنِ النَّبَاِلْعَظِيمِ ﴿الَّذِى هُفِيهِ مُخْتَلِفُونَ ج ◌َلَّسَيَعْلَمُونَ (٥) تُؤَّكَلَا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْـ
وَجَعَلْنَا
وَالْجِبَالَ أَوْتَدًّا جّ وَخَلَقْنَكُمْأَزْوَجَا (٠َ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُرْ سُبَانًا
نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدَ الـ
اُلَيْلَ لِبَاسًا ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا أَّ
وَجَعَلْنَاسِرَاجًا وَهَاجًا
﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَاجَا (٢)ْلِنُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَنَبَاتَا(٥ّ وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا
أصل ﴿عم﴾ ((عن ما))، ثم أدغمت النون بعد قلبها فبقي ((عما)) في الخبر والاستفهام، ثم حذفوا
الألف في الاستفهام فرقاً بينه وبين الخبر، ثم من العرب من يخفف الميم تخفيفاً فيقول: ((عم))، وهذا
الاستفهام بـ ﴿عم﴾ هو استفهام توقيف وتعجب منهم، وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وعكرمة وعيسى: ((عما)»
بالألف، وقرأ الضحاك: ((عمه)) بهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف. و﴿النيا العظيم﴾ قال ابن عباس وقتادة
هو الشرع الذي جاء به محمد، وقال مجاهد وقتادة: هو القرآن خاصة، وقال قتادة أيضاً: هو البعث من
القبور، ويحتمل الضمير في ﴿يتساءلون﴾ أن يريد جميع العالم فيكون الاختلاف حينئذ يراد به تصديق
المؤمنين وتكذيب الكافرين ونزغات الملحدين. ويحتمل أن يراد بالضمير الكفار من قريش، فيكون
الاختلاف شك بعض وتكذيب بعض. وقولهم سحر وكهانة وشعر وجنون وغير ذلك. وقال أكثر النحاة
قوله: ﴿عن النيا العظيم﴾، متعلق بـ ﴿يتساءلون﴾ الظاهر كأنه قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ، وقال
الزجاج: الكلام تام في قوله: ﴿عم يتساءلون﴾ ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون
﴿عن النيا العظيم﴾، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي تقتضيه الحال
والمجاورة اقتضاباً للحجة وإسراعاً إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة
قل اللّه شهيد﴾ [الأنعام: ١٩] وأمثلة كثيرة، وقد وقع التنبيه عليها في مواضعها. وقرأ السبعة والحسن وأبو
جعفر وشيبة والأعمش: ((كلا سيعلمون)) بالياء في الموضعين على ذكر الغائب، فظاهر الكلام أنه رد على

٤٢٤
تفسير سورة النبأ / الآيات: ١ - ١٦
الكفار في تكذيبهم وعيد لهم في المستقبل وكرر الزجر تأكيداً، وقال الضحاك المعنى: ﴿كلا سيعلمون﴾
يعني الكفار على جهة الوعيد، ﴿ثم كلا سيعلمون﴾: يعني المؤمنين على جهة الوعد. وقرأ ابن عامر فيما
روى عنه مالك بن دينار والحسن بخلاف: ((كلا ستعلمون)» بالتاء في الموضعين على مخاطبة الحاضر كأنه
تعالى يقول: قل لهم يا محمد وكرر عليهم الزجر والوعيد تأكيداً وكل تأويل في هذه القراءة غير هذا
فمتعسف وقرأ ... ((كلا سيعلمون)» بالياء على جهة الرد والوعيد للكفار، ((ثم كلا ستعلمون)» بالتاء من فوق
على جهة الرد على الكفار والوعد والمؤمنين. والعلم في هذه الآية بمعنى ستعرفون، فلذلك لم يتعد، ثم
وقفهم تعالى على آياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي يوجب النظر فيها الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى.
و ((المهاد)): الفراش الممهد الوطيء وكذلك الأرض لبنيتها، وقرأ مجاهد وعيسى وبعض الكوفيين ((مهداً))،
والمعنى نحو الأول، وشبه ﴿الجبال﴾ بـ ((الأوتاد)) لأنها تمسك وتثقل وتمنع الأرض أن تميد، و﴿أزواجاً﴾
معناه أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وقال الزجاج وغيره معناه مزدوجين ذكراً وأنثى، و((السبات)»:
السكون، وسبت الرجل معناه استراح واتدع وترك الشغل، ومنه السبات وهي علة معروفة سميت بذلك لأن
السكون والسكوت أفرط على الإنسان حتى صار ضاراً قاتلاً، والنوم شبيه به إلا في الضرر، وقال أبو
عبيدة: ﴿سباناً﴾ قطعاً للأعمال والتصرف، والسبت: القطع ومنه سبت الرجل رأسه إذا قطع شعره، ومنه
النعال السبتية وهي التي قطع عنها الشعر، و﴿لباساً﴾ مصدر، وكان الميل كذلك من حيث
يغشي الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، وقال بعض المتأولين: جعله ﴿لباساً﴾ لأنه يطمس نور
الأبصار، ويلبس عليها الأشياء والتصريف يضعف هذا القول، لأنه كان يجب أن يكون ملبساً، ولا يقال
﴿لباساً﴾ إلا من لبس الثياب ﴿والنهار معاشاً﴾ على حذف مضاف أو على النسب، وهذا كما تقول ليل
نائم، و((السبع الشداد)): السموات. والأفصح في لفظة السماء التأنيث ووصفها بالشدة، لأنه لا يسرع إليها
فساد لوثاقتها، و((السراج)): الشمس، و((الوهاج)): الحار المضطرم الاتقاد المتعالي اللهب، وقال
عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الشمس في السماء الرابعة إلينا طهرها ولهبها مضطرم علواً. واختلف
الناس في ﴿المعصرات﴾، فقال الحسن بن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل
وقتادة: هي السموات. وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك: ﴿المعصرات﴾ السحاب القاطرة،
وهو مأخوذ من العصر، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء وهذا قول الجمهور وبه فسر عبيد الله بن
الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان: [الكامل]
كلتاهما حلب العصير
وقال بعض من سميت هي السحاب التي فيها الماء تمطر كالمرأة المعصر وهي التي دنا حيضها ولم
تحض بعد، وقال ابن الكيسان: قيل للسحاب معصرات من حيث تغيث فهي من المعصرة ومنه قوله
تعالى: ﴿وفيه يعصرون﴾ [يوسف: ٤٩]. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿المعصرات﴾ الرياح، لأنها
تعصر السحاب، وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وقتادة وعكرمة: ((وأنزلنا بالمعصرات))، فهذا
يقوي أنه أراد الرياح، و((الثجاج)): السريع الاندفاع كما يندفع الدم عن عروق الذبيحة، ومنه قول النبي
صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: ما أفضل الحج؟ قال: ((العج والثج)) أراد التضرع إلى الله بالدعاء الجهير

٤٢٥
تفسير سورة النبأ / الآيات: ١٧ - ٢٣
وذبح الهدي، و((الحب)): جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان، و((النبات)): العشب الذي يستعمل
رطباً لإنسان أو بهيمة، فذكر الله تعالى موضع المنفعتين و﴿ألفافاً﴾ جمع لُف بضم اللام، ولف جمع
لفاء. والمعنى ملتفات الأغصان والأوراق ، وذلك موجود مع النضرة والري ، وقال جمهور اللغويين
﴿ألفافاً﴾ جمع لِفّ بكسر اللام، واللف: الجنة الملتفة بالأغصان، وقال الكسائي: ﴿ألفافً﴾، جمع
لفيف. وقد قال الشاعر: [الطويل]
وجذمهم عن نسبة المتقرب
أحابيش ألفاف تباين فرعهم
قوله عز وجل :
] وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا [®
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًّا؟
وَسُيِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢) إِنَّ جَهَنَّوَ كَانَتْ مِنْ صَادَا لِلِطَّعِينَ مَثَابَالَّالَِّينَ فِيَهَا
١٩٠
أَحْقَابًا
٢٣
﴿يوم الفصل﴾ هو يوم القيامة، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق
والباطل. و((الميقات)) مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد، وقوله: ﴿يوم ينفخ﴾ بدل من اليوم الأول،
و﴿الصور﴾: القرن الذي ينفخ فيه لبعث الناس. هذا قول الجمهور، ويحتمل هذا الموضع أن يكون
﴿الصور﴾ فيه جمع صورة أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، هذا قول بعضهم في ﴿الصور﴾ وجوزه أبو
حاتم، والأول أشهر وبه تظاهرت الآثار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾ [الزمر: ٦٨].
وقرأ أبو عياض ((في الصور)) بفتح الواو، و((الأفواج)): الجماعات يتلو بعضها بعضاً، واحدها فوج، وقرأ ابن
كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة والحسن: ((وفتّحت))، بشد التاء على المبالغة، وقرأ عاصم
وحمزة والكسائي: ((وفتّحت)) دون شد. وقوله تعالى: ﴿فكانت أبواباً﴾ قيل معناه: تتفطر وتتشقق حتى
يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات، وقال آخرون فيما حكى مكي بن أبي طالب: الأبواب هنا فلق
الخشب التي تجعل أبواباً لفتوح الجدارات أي تتقطع السماء قطعاً صغاراً حتى تكون كألواح الأبواب.
والقول الأول أحسن، وقال بعض أهل العلم: تتفتح في السماء أبواب للملائكة من حيث يصعدون
وينزلون. وقوله تعالى: ﴿فكانت سراباً﴾ عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثاً، ولم يرد أن الجبال
تعود تشبه الماء على بعد من الناظر إليها، و﴿مرصاداً﴾: موضع الرصد، ومنه قوله تعالى: ﴿إن ربك
لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤]، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: ((لا يدخل أحد الجنة حتى
يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك)). وقال قتادة: تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة
حتى تقطع النار، وفي الحديث الصحيح: ((إن الصراط جسر ينصب على متن جهنم ثم يجوز عليه الناس
فناج ومكردس))، وقال بعض المتأولين: ﴿مرصادً﴾ مفعال بمعنى راصد، وقرأ أبو معمر المنقري: ((أن
جهنم)) بفتح الألف والجمهور: على كسرها، و((الطاغون)): الكافرون، و((المآب)): المرجع،

٤٢٦
تفسير سورة النبأ / الآيات: ٢٤ - ٣٧
و ((الأحقاب)): جمع حقب بفتح القاف، وحقب: بكسر الحاء، وحقّب: بضم القاف، وهو جمع حقبة
ومنه قول متمم: [الطويل]
وكنا كندماني جذيمة حقبة
من الدهر حتى قيل لن تصدعا
٤
وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، ويقال للسنة أيضاً حقبة، وقال بشربن كعب: خدها
على ما ورد في الكتب المنزلة ثلاثمائة سنة، وقال هلال الهجري: ثمانون سنة قالا في كل سنة ثلاثمائة
وستون يوماً، كل يوم من ألف سنة. وقال ابن عباس وابن عمر: الحقب ستون ألف سنة، وقال الحسن:
الحقب سبعون ألف سنة، وقيل: خمسون ألف سنة، وقال أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه
ثلاثون ألف سنة وكثر الناس في هذا اللازم أن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون ﴿أحقاباً﴾ كلما مر
حقب جاء غيره إلى ما لا نهاية، قال الحسن: ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ومن الناس من ظن الذكر
الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبعة عشر ألف
سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [النبأ: ٣٠]، وقد ذكرنا فساد هذا
القول، وقال آخرون الموصوفون باللبث ﴿أحقاباً﴾ عصاة المؤمنين، وهذا أيضاً ضعيف ما بعده في السورة
يدل عليه، وقال آخرون: إنما المعنى: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ غير ذائقين برداً ولا شراباً، فهذه الحال
يلبثون أحقاباً ثم يبقى العذاب سرمداً وهم يشربون أشربة جهنم، وقرأ الجمهور ((لا بثين))، وقرأ حمزة وحده
وابن مسعود وعلقمة وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وابن جبير: ((لبثن)) جمع لبث، وهي
قراءة معترضة لأن فعلاً إنما يكون فيما صار خلقاً كحذر وفرق، وقد جاء شاذاً فيما ليس بخلق وأنشد
الطبري وغيره في ذلك بيت لبيد: [الكامل]
بسراته ندب له وكلوم
أو مسحل عمل عضادة سمحج
قال المعترض في القراءة: لا حجة في هذا البيت لأن عملاً قد صار كالخلق الذي واظب على العمل
به حتى أنه ليسمى به في وقت لا يعمل فيه كما تقول كاتب لمن كانت له صناعة وإن لم يكتب أكثر أحيانه،
قال المحتج لها: شبه لبث بدوامه بالخلق لما صار اللبث من شأنه.
قوله عز وجل :
جَزَآءَ وِفَاقَّا جَ إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ
لَّايَذُ وقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿ إِلَّا حَمِيعًا وَغَسَاقَارِيّ
فَذُوقُواْفَلَن نَزِيدَكُمْ
وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا إليه
٢٨
حِسَابً (3) وَكَذَّبُواْبَِايَنِنَا كِذَّابًا
إِلَّا عَذَابَا ◌َجَّ إِنَّلِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا (٣) حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا ﴿َّ وَكَوَعِبَ أَثْابًا () وَكَأْسًا دِهَا قَا جَّالََّ يَسَمَعُونَ فِيهَا
لَغْوَ وَلَ كِذَّبَّ جَزَآءُ مِّن رَبِّكَ عَطَاءَ حِسَابَالْثَرَّبِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلَكُونَ مِنْهُ
خِطَابًا
٣٧
قال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي: ((البرد)) في هذه الآية: النوم، والعرب

--
٤٢٧
تفسير سورة النبأ / الآيات: ٢٤ - ٣٧
تسمه بذلك لأنه يبرد سؤر العطش، ومن كلامهم منع البرد البرد، وقال جمهور الناس: ((البرد)) في الآية:
مسر الهواء البارد وهو القر، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر غرب الحر، فالذوق على هذين القولين
مستعار، وقال ابن عباس: ((البرد)): الشراب المستلذ، ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل]
بردى يصفق بالرحيق السلسل
يسقون من ورد البريص عليهم
ومنه قول الآخر: [الطويل]
أماني من سعدى حسان كأنما سقتني بها سعدى على ظمأ بردا
ثم قال تعالى: ﴿ولا شراباً إلا حميماً﴾ فالاستثناء متصل و((الحميم)): الحار الذائب وأكثر استعماله
في الماء السخن والعرق ومنه الحمام، وقال ابن زيد: ((الحميم)): دموع أعينهم، وقال النقاش: ويقال
((الحميم)): الصفر المذاب المتناهي الحر، واختلف الناس في ((الغساق))، فقال قتادة والنخعي وجماعة:
هو ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ونحوه، يقال: غسق الجرح: إذا سال منه قيح ودم، وغسقت
العين: إذا دمعت وإذا خرج قذاها، وقال ابن عباس ومجاهد: ((الغساق)): مشروب لهم مفرط الزمهرير،
كأنه في الطرف الثاني من الحميم يشوي الوجوه ببرده. وقال عبد الله بن بريدة: ((الغساق)): المنتن، وقرأ
ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم وجماعة من الجمهور: ((غسَاقا))، بتخفيف السين وهو اسم
على ما قدمناه، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن أبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتبة وقتادة
وابن وثاب: ((غسّاقا)) مشددة السين وهي صفة أقيمت مقام الموصوف، كأنه قال ومشروب غساق أي سائل
من أبدانهم، وقوله تعالى: ﴿وفاقاً﴾ معناه لأعمالهم وكفرهم أي هو جزاؤهم الجدير بهم الموافق مع
التحذير لأعمالهم فهي كفر، و((الجزاء)): نار، و﴿يرجون﴾ قال أبو عبيدة وغيره: معناه: يخافون، وقال
غيره: الرجاء هنا على بابه، ولا رجاء إلا وهو مقترن بخوف ولا خوف إلا وهو مقترن برجاء، فذكر أحد
القسمين لأن المقصد العبارة عن تكذيبهم كأنه قال: إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب، فلذلك لا يرجونه ولا
يخافونه، وقرأ جمهور الناس: ((كِذّاباً)) بشد الذال وكسر الكاف وهو مصدر بلغة بعض العرب، وهي يمانية
ومنه قول أحدهم وهو يستفتي :
الحلق أحب إليك أم القصار؟
ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حاجة قضاؤها من شفائيا
وهذا عندهم مصدر من فعّل، وقال الطبري: لم يختلف القراء في هذا الموضع في ﴿كذاباً﴾.
قال القاضي أبو محمد: وأراه أراد السبعة، وأما في الشاذ، فقرأ علي بن أبي طالب وعوف الأعرابي
وعيسى والأعمش وأبو رجاء: ((كِذَاباً)) بكسر الكاف وبتخفيف الذال، وقرأ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز:
((كُذّاباً)) بضم الكاف وشد الذال على أنه جمع كاذب ونصبه على الحال قاله أبو حاتم. وقوله تعالى: ﴿وكل
شيء أحصيناه﴾، يريد كل شيء شأنه أن يحضر في هذا الخبر وربط لآخر القصة بأولها أي هم مكذبون

٤٢٨
تفسير سورة النبأ / الآيات: ٣٨ - ٤٠
وكافرون، ونحن قد أحصينا، فالقول لهم في الآخرة ﴿ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابً﴾ رواه أبو هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر تعالى أمر أهل النار عقب بذكر أهل الجنة ليبين الفرق. و((المفاز)):
موضع الفوز لأنهم زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة. و((الحدائق)): البساتين التي عليها حلق وجدارات
وحظائر. و﴿أتراباً﴾ معناه: على سن واحدة، والتربان هما اللذان مسا التراب في وقت واحد،
و ((الدهاق)): المترعة فيما قال الجمهور، وقال ابن جبير معناه: المتتابعة وهي من الدهق، وقال عكرمة:
هي الصفية، وفي البخاري قال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول للساقي: اسقنا كأساً دهاقاً،
و ((اللغو)»: سقط الكلام وهو ضروب، وقد تقدم القول في ﴿كذاباً﴾ إلا أن الكسائي من السبعة قرأ في هذا
الموضع ((كذَابا)) بالتخفيف وهو مصدر، ومنه قول الأعشى: [مجزوء الكامل]
والمرء ينفعه كذابه
فصدقتها وكذبتها
واختلف المتأولون: في قوله: ﴿حساباً﴾، فقال جمهور المفسرين واللغويين معناه: محسباً، كافياً
في قولهم أحسبني هذا الأمر أي كفاني، ومنه حسبي الله، وقال مجاهد معناه: إن ﴿حساباً﴾ معناه بتقسط
على الأعمال لأن نفس دخول الجنة برحمة الله وتفضله لا بعمل، والدرجات فيها والنعيم على قدر
الأعمال، فإذا ضاعف الله لقوم حسناتهم بسبعمائة مثلاً ومنهم المكثر من الأعمال والمقل أخذ كل واحد
سبعمائة بحسب عمله وكذلك في كل تضعيف، فالحساب ها هو موازنة أعمال القوم. وقرأ الجمهور
((حِسَابًا)): بكسر الحاء وتخفيف السين المفتوحة، وقرأ ابن قطب ((حَسّاباً)): بفتح الحاء وشد الشين، قال
أبو الفتح جاء بالاسم من أفعل على فعال، كما قالوا أدرك فهو: دراك، فقرأ ابن عباس وسراج: ((عطاء
حسناً)) بالنون من الحسن وحكى عنه المهدوي أنه قرأ ((حَسْباً)) بفتح الحاء وسكون السين وبالباء، وقرأ
شريح بن يزيد الحمصي: ((حِسَّاباً) بكسر الحاء وشد السين المفتوحة، وقرأ نافع وأبو عمرو والأعرج وأبو
جعفر وشيبة وأهل الحرمين: ((ربُّ)) بالرفع، وكذلك ((الرحمنُ))، وقرأ ابن عامر وعاصم وابن مسعود وابن
أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش ((رب) وكذلك ((الرحمن)) وقرأ حمزة والكسائي ((رَبُّ)): بالخفض
و ((الرحمنُ)) بالرفع وهي قراءة الحسين وابن وثاب وابن محيصن بخلاف عنه ووجوه هذه القراءات بينة،
وقوله تعالى: ﴿لا يملكون﴾ الضمير للكفار أي ﴿لا يملكون﴾ من أفضاله وأجماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا
غيرها، وهذا في موطن خاص.
قوله عز وجل :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ
فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، مَثَابًا (٣٦) إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ اُلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ
اُلْكَافُبَيْتَنِى كُتُ تُرَبًا
٤٠
اختلف الناس في ﴿الروح﴾ المذكورة في هذا الموضع، فقال الشعبي والضحاك: هو جبريل عليه
السلام ذكره خاصة من بين الملائكة تشريفاً، وقال ابن مسعود: هو ملك كريم أكبر الملائكة خلقة يسمى

٤٢٩
۔
تفسير سورة النبأ / الآيات: ٣٨ - ٤٠
بـ ﴿الروح)، وقال ابن زيد: كان أبي يقول هو القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿أوحينا إليك روحاً من
أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] أي من أمرنا.
قال القاضي أبو محمد: فالقيام فيه مستعار يراد ظهوره ومثول آثاره، والأشياء الكائنة عن تصديقه أو
تكذيبه ومع هذا ففي القول قلق، وقال مجاهد: ﴿الروح﴾ خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون،
وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الروح خلق غير الملائكة لهم حفظة للملائكة كما
الملائكة حفظة لنا))، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: ﴿الروح﴾ هنا اسم جنس: يراد به أرواح بني آدم
والمعنى يوم تقوم الروح في أجسادها إثر البعث والنشأة الآخرة، ويكون الجميع من الإنس والملائكة
﴿صفاً﴾ ولا يتكلم أحد هيبة وفزعاً ﴿إلا من أذن له الرحمن﴾ من ملك أو نبي وكان أهلاً أن يقول
﴿صواباً﴾ في ذلك الموطن، وقال ابن عباس: الضمير في ﴿يتكلمون﴾ عائد على الناس خاصة
و((الصواب)) المشار إليه لا إله إلا الله، قال عكرمة أي قالها فى الدنيا. وقوله تعالى: ﴿ذلك اليوم الحق﴾
أي الحق كونه ووجوده، وفي قوله: ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه﴾ مكاناً وعد ووعيد وتحريض، و((المآب)):
المرجع وموضع الأوبة، والضمير الذي هو الكاف والميم في ﴿أنذركم﴾ هو لجميع العالم وإن كانت
المخاطبة لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار، و((العذاب القريب)): عذاب الآخرة، ووصفه
بالقرب لتحقق وقوعه وأنه آت وكل آت قريب والجميع داخل في النذارة منه، ونظر المرء إلى ﴿ما قدمت
يداه﴾ من عمل قيام الحجة عليه، وقال ابن عباس ﴿المرء﴾ هنا المؤمن، وقرأ ابن أبي إسحق: ((المُرء)»
بضم الميم وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ قيل إن هذا تمنّ أن يكون
شيئاً حقيراً لا يحاسب ولا يلتفت إليه، وهذا قد نجده في الخائفين من المؤمنين فقد قال عمر بن الخطاب:
ليتني كنت بعرة، وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر: إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها
من بعض ثم يقول لها من بعد ذلك: كوني تراباً، فيعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله، قال
أبو القاسم بن حبيب: رأيت في بعض التفاسير أن ﴿الكافر﴾ هنا إبليس إذا رأى ما حصل للمؤمنين من بني
آدم من الثواب قال: ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾، أي كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أولاً .
نجز تفسير سورة ﴿النبأ﴾ والحمد لله حق حمده.

٤٣٠
تفسير سورة النازعات / الآيات: ١ -١١
بِسْمِ اللهِ الزَحمَن الرَّحِية
سُورَةُ النَّارِعَاتِ
وهي مكية بإجماع من المتأولين.
قوله عز وجل :
◌َ فَالسَِّقَتِ سَبْقًا ◌ْفَالْمُدَتِرَتِ أَمْرًا
٣
وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا ﴿ وَالنَّشِطَتِ نَشْطَاهْ وَالسَِّحَتِ سَبْحَالـ
﴿ أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ
جَ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاجِفَةٌ
هَ يَوْمَ تَرَجُفُ الرَّاحِفَةُ
يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُ ودُونَ فِ الْحَافِرَةِ ﴿ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا فِرَةُ
١١
قال ابن مسعود وابن عباس: ﴿النازعات﴾، الملائكة تنزع نفوس بني آدم، و﴿غرقاً﴾ على هذا
القول إما أن يكون مصدر بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن يكون كما قال علي وابن عباس:
تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم، وقال السدي وجماعة: ﴿النازعات﴾: النفوس تنزع بالموت إلى ربها،
و﴿غرقاً﴾ هنا بمعنى الإغراق أي تغرق في الصدر، وقال عطاء فيما روي عنه: ﴿النازعات﴾، الجماعات
النازعات بالقسي، و﴿غرقاً﴾ بمعنى الإغراق، وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش:
﴿النازعات﴾: النجوم لأنها تنزع من أفق إلى أفق، وقال قتادة: ﴿النازعات﴾، النفوس التي تحن إلى
أوطانها وتنزع إلى مذاهبها ولها نزاع عند الموت، وقال مجاهد: ﴿النازعاتِ﴾ المنايا لأنها تنزع نفوس
الحيوان، وقال عطاء وعكرمة: ﴿النازعات﴾ القسي أنفسها لأنها تنزع بالسهام. واختلف المتأولون في
﴿الناشطات﴾، فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة لأنها تنشط النفوس عند الموت، أي تحلها كحل
العقال وتنشط بأمر الله أي حيث كان، وقال مجاهد: ﴿الناشطات﴾: المنايا، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة
والأخفش والحسن: ﴿الناشطات﴾ النجوم لأنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب وتسير بسرعة، ومن
ذلك قيل البقر الوحش النواشط لأنهن يذهبن بسرعة من موضع إلى آخر، وقال عطاء: ﴿الناشطات﴾ في
الآية: البقرة الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر، ومن هذا المعنى قول
الشاعر [همان بن قحافة]: [الرجز]
الشام بي طوراً وطوراً واسطا
أرى همومي تنشط المناشطا
وكأن هذه اللفظة في هذا التأويل مأخوذة من النشاط، وقال عطاء أيضاً وعكرمة: ﴿الناشطات)
الأوهان. ويقال: نشطت البعير والإنسان إذا ربطته ونشطته: إذا حللته، وحكاه الفراء وخولف فيه ومنه

٤٣١
تفسير سورة النازعات / الآيات: ١ - ١١
الحديث ((كأنما أنشط من عقال))، وقال ابن عباس أيضاً: ﴿الناشطات﴾ النفوس المؤمنة تنشط عند الموت
للخروج، و((السبح)): العوم في الماء، وقد يستعمل مجازاً في خرق الهواء والتقلب فيه، واختلف في
﴿السابحات﴾ في الآية، فقال قتادة والحسن: هي النجوم لأنها تسبح في فلك، وقال مجاهد وعلي رضي
الله عنه: هي الملائكة لأنها تتصرف في الآفاق بأمر الله تجيء وتذهب، وقال أبو روق: ﴿السابحات﴾:
الشمس والقمر والليل والنهار، وقال بعض المتأولين: ﴿السابحات﴾: السماوات، لأنها كالعائمة في
الهواء، وقال عطاء وجماعة: ﴿السابحات﴾: الخيل، ويقال للفرس: سابح، وقال آخرون: ﴿السابحات﴾
الحيتان، دواب البحر فما دونها وذلك من عظيم المخلوقات، فروي أن الله تعالى بث في الدنيا ألف نوع
من الحيوان، منها أربعمائة في البر وستمائة في البحر، وقال عطاء أيضاً: ﴿السابحات): السفن، وقال
مجاهد أيضاً: ﴿السابحات): المنايا تسبح في نفوس الحيوان. واختلف الناس في ﴿السابقات﴾، فقال
مجاهد: هي الملائكة، وقيل الرياح، وقال عطاء هي الخيل، وقيل: النجوم، وقيل المنايا تسبق الآمال،
وقال الشاعر [عدي بن زيد]: [الخفيف]
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
وأما ﴿المدبرات﴾، فلا أحفظ خلافاً أنها الملائكة ومعناه أنها تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى
وصرفها فيها كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات، وقال ابن زيد: ﴿الراجفة﴾: الأرض تهتز بأهلها لنفخة
الصور الأولى، وقيل ﴿الراجفة﴾: النفخة نفسها، و﴿الرادفة﴾: النفخة الأخرى، ويروى أن بينهما أربعين
سنة، وقال عطاء: الراجفة: القيامة نفسها، و﴿الرادفة﴾: البعث، وقال ابن زيد:
﴿الراجفة﴾: الموت، و﴿الرادفة﴾: الساعة. وقال أبي بن كعب: كان النبي صلى الله عليه وسلم
الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: ((يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء
الموت بما فيه))، ثم أخبر تعالى عن قلوب تجف ذلك اليوم، أي ترتعد خوفاً وفرقاً من العذاب، ووجيف
القلب يكون من الفزع ويكون من الإشفاق، ومنه قول الشاعر قيس بن الحطيم: [المنسرحُ
أكبادنا من ورائهم تجف
إن بني جحجما وأسرتهم
ورفع ﴿قلوب﴾ بالابتداء وجاز ذلك وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله: ﴿يومئذ﴾، واختلف
الناس في جواب القسم أي هو، فقال الفراء والزجاج: هو محذوف دل الظاهر عليه تقديره: لتبعثن أو
التعاقبن يوم القيامة، وقال بعض النحاة: هو في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾
[النازعات: ٢٦]، وهذا ضعيف لبعد القول ولأن المعنى هالك يستحق ابن، وقال آخرون: هو في قوله
﴿يوم﴾ على تقدير حذف اللام كأنه قال ليوم، وقال آخرون: وهو موجود في جملة قوله تعالى: ﴿يوم
ترجف الراجفة قلوب يومئذ راجفة﴾ كأنه قال: لتجفن قلوب يوم كذا، ولما دلت على أصحابها ذكر بعد
ذلك أبصارها، وخشوعها ذلها، وما يظهر فيها من الهم بالحال، وقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ هي حكاية حالهم
في الدنيا، معناه: هم الذين يقولون وقولهم ﴿أثنا﴾ هو على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب، وقرأ ابن
أبي إسحاق وابن يعمر: ((أإنا)) بهمزتين ومدة على الاستفهام، وقرأ جمهور القراء: ((أثنا)) باستفهام وهمزة

٤٣٢
تفسير سورة النازعات / الآيات: ١٢ - ٢٤
واحدة، و﴿الحافرة﴾ لفظة توقعها العرب على أول أمر رجع إليه من آخره، يقال: عاد فلان في الحافرة،
إذا ارتكس في حال من الأحوال ومنه قول الشاعر: [الوافر]
معاذ الله من سفه وعار
أحافرة على صلع وشيب
والمعنى: ﴿أثنا لمردودون﴾ إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت، وقال مجاهد والخليل: ﴿الحافرة):
الأرض فاعلة بمعنى محفورة، وقيل بل هو على النسب أي ذات حفر، والمراد: القبور لأنها حفرت
للموتى، فالمعنى ﴿أثنا لمردودون﴾ أحياء في قبورنا، وقال زيد بن أسلم: ﴿الحافرة﴾ في النار، وقرأ أبو
حيوة ((في الحفرة)) بغير ألف، فقيل: هو بمعنى ﴿الحافرة﴾، وقيل هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد
موتاها من قولهم حفرت أسنانه إذا تأكلت وتغير ريحها، و(الناخرة)): المصوتة بالريح المجوفة، ومنه قول
الشاعر: [الطويل]
قوارير في أجوافها الريح تنخر
وأخلیتھا من مخھا فکأنها
ويروى تصفر وناخرة، هي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن مسعود
وأبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير ومسروق ومجاهد وجماعة سواهم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم
وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والحسن والأعرج وأبو رجاء وجعفر وشيبة وأبو
عبد الرحمن وابن جبير وأهل مكة وشبل وقتادة وأيوب والنخعي: ((نخرة))، دون ألف بعد النون، ومعناه:
بالية متعفنة قد صارت رميماً، يقال: نخر العود والعظم: إذا بلي وصار يتفتت، وحكي عن أبي عبيدة وأبي
حاتم والفراء وغيرهم أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد كطامع وطمع وحاذر وحذر، والأكثر من الناس على ما
قدمناه. قال أبو عمرو بن العلاء: ((الناخرة)) التي لم تنخر بعد والنخرة التي قد بليت.
قوله عز وجل :
هَلْ أَثَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى
١٤
قَالُواْتِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴿ذَفَإَِّاهِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
(١٥) إِذْنَادَنَّهُ رَبُّبِالْوَادِ الْقَدَّسِ طُوَى (٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ◌َ) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّه ◌َ وَأَهْدِيَكَ
ثُمَ أَذَّبَرَ يَسْعَى (١) فَحَشَّرَ فَنَادَى
إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَبُهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَىِ ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى
(٢٣
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى
٢٤
ذكر الله تعالى عنهم قولهم: ﴿تلك إذاً كرة خاسرة﴾ وذلك أنهم لتكذيبهم بالبعث، وإنكارهم،
قالوا: لو كان هذا حقاً، لكانت كرتنا ورجعتنا خاسرة وذلك لهم إذ هي النار، وقال الحسن: ﴿خاسرة﴾
معناه: كاذبة أي ليست بكائنة، وروي أن بعض صناديد مكة قال ذلك، ثم أخبر الله تعالى عن حال القيامة،
فقال ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾، أي نفخة في الصور فإذا الناس قد نشروا وصاروا أحياء على وجه
الأرض، وفي قراءة عبد الله ((فإنما هي رقة واحدة))، و﴿الساهرة﴾: وجه الأرض، ومنه قول أمية بن أبي
الصلت: [الوافر]

٤٣٣
تفسير سورة النازعات / الآيات: ٢٥ - ٣٦
وما فاهوا به فلهم مقيم
وفيها لحم ساهرة وبحر
وقال وهب بن منبه: ﴿الساهرة﴾: جبل بالشام يمده الله لحشر الناس يوم القيامة كيف شاء، وقال أبو
العالية وسفيان: ﴿الساهرة﴾: أرض قريبة من بيت المقدس، وقال قتادة: ﴿الساهرة﴾: جهنم، لأنه لا نوم
لمن فيها وقال ابن عباس: ﴿الساهرة﴾: أرض مكة، وقال الزهري: ﴿الساهرة): الأرض كلها، ثم وقف
تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على جهة جمع النفس لتلقي الحديث، فقال: ﴿هل أتاك حديث
موسى) الآية، و((الوادي المقدس)): واد بالشام، قال منذر بن سعيد: هو بين المدينة ومصر، وقرأ
الحسن بن أبي الحسن والأعمش وابن إسحاق: ((طِوىٍ)) بكسر الطاء منونة، ورويت عن عاصم، وقرأ
الجمهور: ((طُوى)) بضمها، وأجرى بعض القراء ((طوى)) وترك إجراءه ابن كثير وأبو عمرو ونافع وجماعة، وقد
تقدم شرح اللفظة في سورة طه. وقوله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون﴾ تفسير النداء الذي ناداه به، ويحتمل
أن يكون المعنى قال ﴿اذهب﴾ وفي هذه الألفاظ استدعاء حسن، وذلك أنه أمر أن يقول به: ﴿هل لك أن
تزكى﴾، وهذا قول جواب كل عاقل عنده نعم أريد أن أتزكى، والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس
بالفضائل، وفسر بعضهم: ﴿تزكى﴾ بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص وما ذكرناه یعم
جميع هذا، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بخلاف عنه: ((تزّكى)) بشد الزاي، وقرأ الباقون: ((تزكى))
بتخفيف الزاي، ثم أمر موسى أن يفسر له التزكي الذي دعاه إليه بقوله: ﴿وأهديك إلى ربك فتخشى﴾،
والعلم تابع للهدى والخشية تابعة للعلم، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، و﴿الآية
الكبرى﴾: العصا واليد، قاله مجاهد وغيره، وهما نصب موسى للتحدي فوقعت المعارضة في الواحدة
وانقلب فيها فريق الباطل. وقال بعض المفسرين: ﴿أدبر يسعى﴾ حقيقة قام من موضعه مولياً فاراً بنفسه عن
مجالسة موسى عليه السلام، وقال مجاهد: ﴿أدبر) كناية عن إعراضه عن الإيمان، و﴿يسعى﴾ معناه:
يتحذم حل أمر موسى عليه السلام والرد في وجه شرعه، وقوله ﴿فحشر﴾ معناه: جمع أهل مملكته ثم
ناداهم بقوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾. وروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى: فنادى فحشر، وقوله: ﴿أنا
ربكم الأعلى﴾ نهاية في المخرقة ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم.
قوله عز وجل :
رَفَعَ
٢٧
فَأَخَذَهُ اللَّهُنَكَالْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٥) إِنَّفِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٦) ،َ أَنْتُمْ أَشَّدُّ خَلْقَّا أَمِالسَّمَاءَنَهَا.
أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا
٣٠
وَاُلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَاَ!
سَمَّكَهَا فَسَوَّنَهَا ◌ِهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنِهَا ()
وَمَرْ عَنْهَاِهَ وَالْجِبَالَ أَرْسَنِهَا (٦ََّمَنَعَا لَّكُمْوَلِأَنْعَمِكُ ﴿﴾ فَإِذَا جَاءَ تِالطَّائِمَةُ الْكُبْرَىَ (جَ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ
اُلْإِنْسَنُ مَاسَعَى: ﴿ وَيُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى
٣٠
﴿نكال﴾ منصوب على المصدر، قال قوم ﴿الآخرة) قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾
[القصص: ٣٨]، و﴿الأولى) قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وروي أنه مكث بعد قوله:

٤٣٤
تفسير سورة النازعات / الآيات: ٢٥ - ٣٦
﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] أربعين سنة، وقيل هذه المدة بين الكلمتين، وقال ابن عباس:
﴿الأولى) قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]، و﴿الآخرة) قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾
[النازعات: ٢٤]. وقال أبوزيد: ﴿الأولى﴾ كفره وعصيانه، و﴿الآخرة) قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات:
٢٤] وقال ابن زيد: ﴿الأولى﴾ الدنيا، و﴿الآخرة): الدار الآخرة، أي أخذه الله بعذاب جهنم وبالغرق في
الدنيا، وقال مجاهد: عبارة عن أول معاصيه وكفره وآخرها أي نكل بالجميع، و﴿نكال﴾ نصب على المصدر،
والعامل فيه على رأي سيبويه ((أخذ)) لأنه في معناه، وعلى رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ
﴿نكال﴾، ثم وقف تعالى على موضع العبرة بحال فرعون وتعذيبه، وفي الكلام وعيد للكفار المخطابين برسالة
محمد عليه السلام، ثم وقفهم مخاطبة منه تعالى للعالم والمقصد الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: قل
لهم يا محمد ﴿أأنتنم أشد خلقاً﴾ الآية، وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور لا يتعذر على
قدرة الله تعالى، و((السمك)): الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي
يلي ما فوقها، وقوله تعالى: ﴿فسواها﴾ يحتمل أن يريد جعلها ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ومنخفض،
ويحتمل أن يكون عبارة عن إتقان خلقها ولا يقصد معنى إملاس سطحها والله تعالى أعلم كيف هي.
﴿وأغطش﴾ معناه: أظلم، والأغطش الأعمى ومنه قول الشاعر [الأعشى]: [المتقارب]
وليلُهم مدلهمٌّ غطش
نحرت لهم موهناً ناقتي
ونسب الليل والضحى إليها من حيث هما ظاهران منها وفيها، وقوله تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك
دحاها﴾ متوجه على أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها
وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقرأ مجاهد: و((الأرض مع ذلك))، وقال قوم: إن ﴿بعد ذلك﴾ معناه مع
ذلك، والذي قلناه تترتب عليه آيات القرآن كلها، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض حيث هما يظهران
فيها، ودحو الأرض بسطها ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل]
وأقام بالأخرى التي هي أمجد
دار دحاها ثم أسكننا بها
وقرأ الجمهور: ((والأرضَ)) نصباً، وقرأ الحسن وعيسى: و ((الأرضُ)) بالرفع، وقرأ الجمهور:
و ((الجبالَ)) نصباً، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ((والجبالُ)) رفعاً، و﴿أرساها﴾ معناه: أثبتها، وجمع هذه
النعم إذا تدبرت فهي متاع للناس، و((الأنعام)) يتمتعون فيها وبها، وقرأ الجمهور: ((متاعاً)) بالنصب، وقرأ ابن
أبي عبلة: ((متاعٌ)) بالرفع، و﴿الطامة الكبرى﴾ هي القيامة، قاله ابن عباس والضحاك، وقال الحسن وابن
عباس أيضاً: النفخة الثانية، وقوله: ﴿ما سعى﴾ معناه: ما عمل من سائر عمله، ويتذكر ذلك بما يرى من
جزائه، وقرأ جمهور الناس: ((وبُرِّزت)) بضم الباء وشد الراء المكسورة، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار
وعائشة: ((وبَرَزت)) بفتح الباء والراء، وقرأ جمهور الناس: ((لمن يرى)) بالياء أي لمن يبصر ويحصل، وقرأ
عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: ((لمن ترى)) بالتاء أي تراه أنت، فالإشارة إلى كفار مكة أو أشارة إلى
الناس، والمقصد كفار مكة، ويحتمل أن يكون المعنى: لمن تراه الجحيم كما قال تعالى: ﴿إذا رأتهم من
مكان بعيد﴾ [الفرقان: ١٢] وقرأ ابن مسعود: ((لمن رأى)) على فعل ماض ..

٤٣٥
تفسير سورة النازعات / الآيات: ٣٧ - ٤٦
قوله عز وجل :
فَأَمَّا مَنْ طَغَىِّ (٦) وَءَثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنََّّ فَإِنَّالْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى {﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ،وَنَهَى النَّفْسَ
عَنِ الْمَوَّ جَ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى (١) يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرْسَهَا (٤) فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَنَهَا () إِلَى
رَبِّكَ مُنْتَهَنْهَا (٤َ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَنِهَا (٢٥) كَهُمْيَوْمَ يَوْنَهَا لَمْيَكْبَنُواْإِلََّعَشِيَّةً أَوْضُحَهَا !
٤٦
﴿طغى﴾ معناه: تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها بأن كفر وآثر الحياة الدنيا على
الآخرة لتكذيبه بالآخرة. و﴿المأوى﴾ والمسكن حيث يأوي المرء ويلازم، و﴿مقام ربه﴾ هو القيامة،
وإنما المراد مقامه بين يدي ربه، فأضاف المقام إلى الله عز وجل من حيث بين يديه وفي ذلك تفخيم للمقام
وتعظيم لهوله وموقعه من النفوس، قال ابن عباس: المعنى خافه عند المعصية فانتهى عنها، و﴿الهوى﴾:
هو شهوات النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله إنما هو في غير المحمود، قال سهل التستري: لا
يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين، وقال بعض الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك
فخالفه، وقال الفضيل: أفضل الأعمال خلاف الهوى، وقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾ الآية نزلت
بسبب أن قريشاً كانت تلح في البعث عن وقت الساعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم
بها ويتوعدهم بها ويكثر من ذلك، و: ﴿أيان مرساها﴾ معناه: متى ثبوتها ووقت رسوها أي ثبوتها كأنه يسر
إلى غاية ما ثم يقف كما تفعل السفينة التي ترسو. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ((إيان)) بكسر الألف. ثم
قال لنبيه عليه السلام على جهة التوقيف ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ أي من ذكر تحديدها ووقتها أي لست من
ذلك في شيء ﴿إنما أنت منذر﴾، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن
الساعة كثيراً، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقرأ أبو جعفر وعمر بن عبد العزيز وأبو عمرو بخلاف، وابن
محيصن والأعرج وطلحة وعيسى: ((منذرٌ)) بتنوين الراء، وقرأ جمهور القراء: ((منذرُ)) بإضافة ((منذر)) إلى
﴿من﴾، ثم قرب تعالى أمر الساعة بإخباره أن الانسان عند رؤيته إياها لم يلبث إلا عشية يوم أو بكرته،
فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر أحدهما فأضاف الآخر إليه تجوزاً
وإيجازاً .
نجز تفسير ﴿النازعات﴾ والحمد لله كثيراً.

٤٣٦
تفسير سورة عبس / الآيات: ١ - ١٧
بسْمِ اللهِ الرَّحمَن الرَّحِيةِ
شُورَةُ عَبَسَ
وهي مكية بإجماع المفسرين، قصص هذه السورة التي لا تتفهم السورة إلا به أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إسلام قريش وأشرافهم، وكان يتحفى بدعائهم إلى الله تعالى،
فبينما هو يوماً مع رجل من عظمائهم قيل الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل عتيبة بن ربيعة، وقيل شيبة
وقيل العباس، وقيل أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كان في جمع منهم فيهم عتبة والعباس وأبو جهل إذ
أقبل عبد الله بن أم مكتوم القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي وهو رجل أعمى يقوده رجل آخر فأوماً
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قائده أن يؤخر عنه ففعل فدفعه عبد الله نحو رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وقال: استدنني يا محمد، علمني مما علمك الله، وكان في ذلك كله قطع لحديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم مع الرجل المذكور من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأ عليه
القرآن، ثم قال له: أترى بما أقول بأساً، فكان ذلك الرجل يقول: لا والدمى يعني الأصنام، ويروى: لا
والدماء، يعني الذبائح للأصنام، فلما شغب عليه أمر عبد الله بن أم مكتوم عبس وأعرض عنه، وذهب
ذلك الرجل فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى بيته فلوى رأسه وشخص بصره، وأنزلت
عليه هذه السورة. قال سفيان الثوري: فكان بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم بسط له رداءه، وقال له أنس بن
مالك: رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة
مرتین .
قوله عز وجل :
عَسَ وَتَوَلٌَّ ﴿ أَن ◌َهُ اُلْأَعْمَىِ جَ وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّى (٢) أَوْ يَذَّكٌَّ فَتَفَعَهُ الذِّكْرِّ ﴾ أَمَّامَنِ اُسْتَغْنى
فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّىْ ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّايَزَّكَّى ﴿ وَأَمَا مَن جَاءَ يَسْعَىِّ (٤) وَهُوَ يَخْشَى (١) فَأَنْتَ عَنْهُ فَلَغَّى ◌َكَلَّ
IT
ـَجَ ◌َّرْفُوعَةٍمُطَهَّرَةِ (١٦) بِأَيْدِى سَفَرَةِ (١٥) كِرَامِ بَرَةَ (٦) قُتِلَ
إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ (٨) فَنْ شَآءَ ذَكَرَّهُ لَ فِي صُحُفٍ تُكَرَّمَةٍ [
اُلْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ
١٧
((العبوس)): تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر الغائب مبالغة في العتب
لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن زيد وعائشة وغيرها من الصحابة: لو كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش،

.-
٤٣٧
تفسير سورة عبس / الآيات: ١ - ١٧
و((التولي)): هنا الإعراض، و﴿أن﴾: مفعول من أجله، وقرأ الحسن (أن جاءه﴾ بمدة تقرير وتوقيف
والوقف مع هذه القراءة على ﴿تولى﴾ وهي قراءة عيسى. وذكر الله تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر
المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر
هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول المحدثين
سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا.
ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
عائشة تذكر امرأة، فقالت: إنها القصيرة. فقال لها: لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب
تعالى نبيه فقال: ﴿وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله،
ثم ابتدأ القول: ﴿لعله يزكى﴾ أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل ﴿يزكى): يتزكى، فأدغم
التاء في الزاي وكذلك ﴿يذكر﴾، وقرأ الأعرج. ((يذْكُر)) بسكون الذال وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ
جمهور السبعة: ((فتنفعُه)) بضم العين على العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج: ((فتنفعَه)) بالنصب في
جواب التمني، لأن قوله ﴿أو يذكر﴾ في حكم قوله: ﴿لعله يزكى﴾، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام
بقوله: ﴿أما من استغنى﴾ أي بماله، و: ﴿تصدى﴾ معناه: تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع: ((تصّدى))
بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش: ((تصدى))،
بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ((تُصَدى))، بضم التاء وتخفيف الصاد على بناء
الفعل للمجهول، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول: تصدى الرجل وصديته، كما
تقول: تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقراً لشأن الكفار: ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ وما يضرك ألا يفلح،
فهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الاكتراث بهم، ثم قال مبالغاً في العتب: ﴿وأما من جاءك
يسعى﴾ أي يمشي، وقيل المعنى: ﴿يسعى﴾ في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، ﴿وهو يخشى﴾ الله تعالى،
﴿فأنت عنه تلهى﴾، أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من
ذوات الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء: ((تَلهى)) بفتح التاء على حذف التاء
الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه، ((تلهى)) بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف: ((تتلهى)) بتاءين، وروي
عنه ((تَلْهى)) بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ((تُلْهى))
بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي صلى الله عليه
وسلم: ((وما استأثر اللّه به فَالْهَ عنه))، وقوله تعالى في هاتين: ﴿وأما من﴾ فالسبب ما ذكر من كفار
قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف، فحَمَلَهُ الشرع والعلم
مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به
النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة، ثم قال: ﴿كلا﴾ يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن
هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر ﴿تذكرة﴾ لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد،
وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد صلى الله عليه وسلم
وتأنيس له، وقوله تعالى: ﴿فمن شاء ذكره﴾ يتضمن وعداً ووعيداً على نحو قوله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ

٤٣٨
تفسير سورة عبس / الآيات: ١٨ - ٣٢
إلى ربه ومآباً﴾ [النبأ: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿في صحف﴾ يتعلق بقوله: ﴿إنها تذكرة﴾، وهذا يؤيد أن
التذكرة يراد بها جميع القرآن، وقال بعض المتأولين: الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل: صحف الأنبياء
المنزلة، وقيل: مصاحف المسلمين، واختلف الناس في ((السفرة))، فقال ابن عباس: هم الملائكة لأنهم
كتبة يقال: سفرت أي كتبت، ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضاً: الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله
تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة: هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه: هم الصحابة لأنهم
بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعلم، والقول الأول أرجح، ومن اللفظة قول الشاعر: [الوافر].
وما أسعى بغش إن مشيت
وما أدع السفارة بين قومي
و((الصحف)) على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي المصاحف، وقوله
تعالى: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ دعاء على اسم الجنس وهو عموم يراد به الخصوص، والمعنى: قتل
الإنسان الكافر، ومعنى ﴿قتل﴾ أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد: ﴿قتل﴾ بمعنى لعن، وهذا
تحكم، وقوله تعالى: ﴿ما أكفره﴾ يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفاً أي أيّ شيء
﴿أكفره﴾ أي جعله كافراً، وقيل إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله
عليه وسلم وقال: إني كافر برب النجم إذا هوى، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم
ابعث عليه كلبك حتى يأكله))، ويروى أنه قال: ((ما يخاف أن يرسل الله عليك كلبه))، ثم إن عتبة خرج في
سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة .
قوله عز وجل :
٢٢
مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ ﴿٨) مِن نُطْفَةٍ خَقَهُ فَقَدَّرَمُ ﴿لَ ثُمَ السَّبِيلَ يَسَرَهُ ﴿ ثُمَّ أَمَانَهُ فَأَقْبَرَّهُ (٩) ثُمَإِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ ®
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَهُ نَّ فَلْيَنْظُرِاَ لْإِنِسَنُ إِلَى طَعَامِهِ: (١) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّاَ لْ
٢٦
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
٢٥
وَحَدَآبِقَ غُلْبًا
فَأَنْبَنَافِيهَا حَبَّ﴾ وَرِنَبًا وَقَضْبًا ﴿ وَزَيْتُونَاوَنَخْلَا
مَشَعًا لَّكُمْ
وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا (﴾
٣٠
٣٢
وَلِأَنْعَمِكُمْ!
٠٠،
قوله تعالى: ﴿من أي شيء خلقه﴾ استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء الذي خلق الإنسان
منه، وهي عبارة تصلح للتحقير والتعظيم والقرينة تبين الغرض، وهذا نظير قوله: ﴿لأي يوم أجلت ليوم
الفصل﴾ [المرسلات: ١٣] واللفظ المشار إليه ماء الرجل وماء المرأة، وقرأ جمهور الناس: ((فقدّره)) بشد
الدال، وقرأ بعض القراء: ((فقدَره)) بتخفيفها، والمعنى جعله بقدر واحد معلوم من الأعضاء والخلق والأجل
وغير ذلك من أنحائه حسب إرادته تعالى في إنسان إنسان، واختلف المتأولون في معنى قوله: ﴿ثم السبيل
يسره﴾ فقال ابن عباس وقتادة وأبو صالح والسدي: هي سبيل الخروج من بطن المرأة ورحمها، وقال
الحسن ما معناه: إن ﴿السبيل﴾ هي سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان، وتيسره له هو هبة العقل، وقال

٤٣٩
تفسير سورة عبس / الآبات: ١٨ - ٣٢
مجاهد: أراد ﴿السبيل﴾ عامة اسم الجنس في هدى وضلال أي يسر قوماً لهذا كقوله تعالى: ﴿إنا هديناه
السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾ [الإنسان: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠] وقوله تعالى:
﴿فأقبره﴾ معناه أمر أن يجعل له قبر، وفي ذلك تكريم لئلا يطرح كسائر الحيوان، والقابر هو الذي يتناول
جعل الميت في قبره، والمقبر الذي يأمر بقبر الميت، ويقرره، و﴿أنشره﴾ معناه: أحياه، يقال: نشر
الميت وأنشره الله، وقوله: ﴿إذا شاء﴾ يريد إذا بلغ الوقت الذي شاءه وهو يوم القيامة، وقرأ بعض القراء:
﴿شاء أنشره﴾ بتحقيق الهمزتين، وقرأ جمهور الناس: ﴿شاء أنشره﴾ بمدة وتسهيل الهمزة الأولى، وقرأ
شعيب بن أبى حمزة: ((شاء نشره))، وقرأ الأعمش: ((شاء انشره)) بهمزة واحدة، وقوله تعالى: ﴿كلا لما
يقض ما أمره﴾ رد لما عسى أن للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ونفي مؤكد لطاعة الإنسان
لربه وإثبات أنه ترك حق الله تعالى، ولم يقض ما أمره، قال مجاهد: لا يقضي أحد أبداً ما افترض عليه،
ثم أمر تعالى الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه والدليل فيه، وذهب أبيّ بن كعب وابن عباس والحسن
ومجاهد وغيره إلى أن المراد ﴿إلى طعامه﴾ إذا صار رجيعاً ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء
يتفانى أهلها وتستدير رحاها، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر: أن الأنسان إذا أحدث فإن ملكاً يأخذ
بناصيته عند فراغه فيرد بصره إلى نحوه موقفاً له ومعجباً فينفع ذلك من له عقل، وذهب الجمهور إلى أن
معنى الآية: فلينظر إلى مطعوماته وكيف يسرها اللّه تعالى له بهذه الوسائط المذكورة من صب الماء وشق
الأرض، ويروى أن رجلاً أضافه عابد فقدم إليه رغيفاً قفاراً فكأن الرجل استخشنه فقال له: كله فإن الله
تعالى لم ينعم به وكمله حتى سخر فيه ثلاثمائة وستين عاملاً الماء والريح والشمس ثلاثة من ذلك، وقرأ
عاصم وحمزة والكسائي: ((أنّا صيبنا)) بفتح الألف على البدل وهي قراءة الأعرج وابن وثاب والأعمش، ورد
على هذا الإعراب قوم بأن الثاني ليس الأول وليس كما ردوا لأن المعنى: ﴿فلينظر الإنسان﴾ إلى إنعامنا
في طعامه فترتب البدل وصح، ((وأنا)) في موضع خفض، وقرأ الجمهور: ((إنا)) بكسر الألف على استئناف
تفسير الطعام، وقرأ بعض القراء: ((أنى)) بمعنى كيف ذكرها أبو حاتم، و((صب الماء)): هو المطر، و((شق
الأرض)): هو بالنبات، و((الحب)): جمع حبة بفتح الحاء وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح والشعير
ونحوه، والحبة بكسر الحاء كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به ولا هو بمتخذ، و((القضب»
قال بعض اللغويين: هي الفصافص، وهذا عندي ضعيف، لأن الفصافص
هي للبهائم فهي دخل في الأبّ، وقال أبو عبيدة: ((القضب)) الرطبة، قال
ثعلب: لأنه يقضب كل يوم. والذي أقوله إن ((القضب)) هنا هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم، وغضاً من
النبات كالبقول والهِلْيُون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم ولا ذكر له في الآية إلا في هذه اللفظة،
والغُلب الغلاظ الناعمة، و((الحديقة)) الشجر الذي قد أحدق بجدار أو نحوه، و((الأبّ)): المرعى قاله ابن
عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة، وقال الضحاك: ((الأبّ)): التبن، وفي اللفظة غرابة وقد توقف في تفسيرها
أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، و﴿متاعاً﴾ نصب على المصدر، والمعنى تتمتعون به أنتم وأنعامكم، فابن
آدم في السبعة المذكورة والأنعام في الأبّ.

٤٤٠
تفسير سورة عبس / الآيات: ٣٣ - ٤٢
قوله عز وجل :
:
فَإِذَا جَآءَتِ الصَّالَفَّةُ (٦َيَوْمَ يَفِرُّالْرَّهُ مِنْ أَخِيهِ ﴿ وَأَمِّهِ وَأَبِهِ ﴿ وَصَحِبَنِهِ، وَبَنِيهِ (٦) لِكُلِ آَمْرِيٍ مِّنْهُمْ يَوْمَيدٍ
شَأْنٌ يُغْنِهِ (٣٦) وُ جُوهٌ يَوْمَيِذٍمُسْفِرَةٌ ﴿َ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٢٦) وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ(٢) تَرْهَقُهَا قَتَرَةُ (١)
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
٤٢
﴿الصاخة﴾: اسم من أسماء القيامة، واللفظة في حقيقتها إنما هي النفخة الصور التي تصخ الآذان
أي تصمها، ويستعمل هذا اللفظ في الداهية التي يصم نبؤها الآذان لصعوبته، وهذه استعارة وكذلك في
الصيحة المفرطة التي يصعب وقعها على الأذن، ثم ذكر تعالى فرار المرء من القوم الذين معهودهم أن لا
يفر عنهم في الشدائد، ثم رتبهم تعالى الأول فالأول محبة وحنواً، وقرأ أبو أناس جوية ((من أخيهُ وأمهُ وأبيهُ»
بضم الهاء في كلها، وقال منذر بن سعيد وغيره: هذا الفرار هو خوف من أن يتبع بعضهم بعضاً بتبعات إذ
الملابسة تعلق المطالبة، وقال جمهور الناس: إنما ذلك لشدة الهول على نحو ما روي أن الرسل تقول
يومئذ نفسي نفسي لا أسألك غيري، و((الشأن الذي يغنيه)): هو فكرة في سيئاته وخوفه على نفسه من التخليد في
النار، والمعنى ﴿يغنيه﴾ عن اللقاء مع غيره والفكرة في أمره، قال قتادة: أفضى كل إنسان إلى ما يشغله عن
غيره. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: ((لا يضرك في القيامة كان عليك ثياب أم لا))، وقرأ هذه
الآية وقال نحوه: لسودة، وقد قالتا: واسوأتاه ينظر بعض الناس إلى بعض يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس:
(يُغنيه)) بالغين منقوطة وضم الياء على ما فسرناه، وقرأ ابن محيصن والزهري وابن السميفع: ((يَعَنيه)) بفتح الياء
والعين غير منقوطة من قولك عناني الأمر أي قصدني وأردني. ثم ذكر تعالى اختلاف الوجوه من المؤمنين
الواثقين برحمة الله حين بدت لهم تباشيرها من الكفار، و﴿مسفرة﴾: معناه: نيرة باد ضوؤها وسرورها،
و﴿ترهقها﴾ معناه تلح عليها، و: ((الفترة)) الغبار و((الغبرة)) الأولى إنما هي العبوس والهم كما يرى على
وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار، وأما ((القترة)): فغبار الأرض ويقال إن ذلك يغشاهم من التراب
الذي تعوده البهائم، ثم فسر تعالى أصحاب هذه الوجوه المغبرة بأنهم الكفرة قريش يومئذ ومن جرى
مجراهم قديماً وحديثاً .
نجز تفسير سورة ﴿عبس﴾ والحمد الله كثيراً.