النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
تفسير سورة القيامة / الآيات: ١ - ١٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القِيْمَة
وهي مكية بإجماع من المفسرين وأهل التأويل، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:
من سأل عن القيامة أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعها، فليقرأ هذه السورة، وقال المغيرة بن شعبة: يقول
الناس القيامة القيامة، وإنما قيامة المرء موته، وروي أيضاً عن ابن جبير أنه حضر جنازة رجل فقال: أما هذا
فقد قامت قيامته. ويروى مثله عن علقمة، وذكره الثعلبي .
قال القاضي أبو محمد: وقيامة الرجل في خاصته ليست بالقيامة الجامعة لجميع الخلق بعد البعث.
لكن المغيرة رضي الله عنه كأنه قال: هذا لمن يستبعد قيام الآخرة، ويظن طول الأمد بينه وبينها فتوعده
بقيام نفسه .
قوله عز وجل :
لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ ﴿أَوَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ الْكَوَامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ (أَلَى قَدِرِينَ عَلَى
أَنْ تُسَوِّىَ بَنَانَهُ (أَبَلْ يُرِبُ اُلْإِنِسَنُ لِيَفْجُرَأَمَامَهُ ﴿لَ يَسْتَلُ أَيَانَ يَوْمُ الْقِيْمَةِ (١) فَإِذَا بِقَ الْبَصَرُ [٢] وَخَسَفَ الْقَمَرُ
﴿ وَجُمِعَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [®َيَقُولُ اْإِنْسَنُ يَوْمَيِدٍ أَيْنَ الْمَغَرُّ [(ب) كَّ لَ وَزَرَ (١) إِلَى رَبِكَ يَوْمَيِذٍ الْمُسْنَقَرُ (ب) يُنَّوَّأَ
الْإِسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ(٤) وَلَوْأَلْقَى مَعَاذِيرَهُ
قرأ جمهور السبعة: ((لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة)) وقرأ ابن كثير والحسن
بخلاف عنه والأعرج ((لأقسم بيوم القيامة ولأقسم بالنفس))، فأما القراءة الأولى فاختلف في تأويلها فقال ابن
جبير: ((لا)) استفتاح كلام بمنزلة ألا وأنشدوا على ذلك [المتقارب]
لا يعلم القوم أني أفر
فلا وأبيك ابنة العامري
وقال أبو علي الفارسي: ((لا)) صلة زائدة كما زيدت في قوله ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩]
ويعترض هذا بأن هذه في ابتداء كلام. ولا تزاد ((لا)) وما نحوها من الحروف إلا في تضاعيف كلام.
فينفصل عن هذا بأن القرآن كله كالسورة الواحدة وهو في معنى الاتصال فجاز فيه هذا، وقال الفراء: ((لا)»
نفي لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم، ثم استأنف على هذه الأقوال الثلاثة قوله: ﴿أقسم﴾، ويوم القيامة
أقسم الله به تنبيهاً منه لعظمه وهوله. وقوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)) القول في ((لا)) على نحو ما

٤٠٢
تفسير سورة القيامة / الآيات: ١-١٥
تقدم، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين. إما أن تكون اللام دخلت على فعل الحال. التقدير لأنا أقسم فلا
تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل
في الأكثر، وإما أن يكون الفعل خالصاً للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما الخفيفة وإما
الثقيلة، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة الاستقبال وتغني اللام عنها. كما تسقط اللام
وتغني النون عنها وذلك في قول الشاعر: [الكامل]
وقتيل مرة أثارن فإنه
فرغ وإن قتيلهم لم يثأر
المراد لأثارن، وأما قوله ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)) فقيل ((لا)) نافية، وإن الله تعالى أقسم بيوم
القيامة، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه الحسن، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ ((لا أقسم
ولأقسم))، وذلك قلق وهو في القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بالأمرين،
واختلف الناس في ﴿النفس اللوامة﴾ ما معناه، فقال الحسن هي ﴿اللوامة﴾ لصاحبها في ترك الطاعة
ونحوه، فهي على هذا ممدوحة، ولذلك أقسم الله تعالى بها، وقال ابن عباس: هي الفاجرة الجشعة
﴿اللوامة﴾ لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها فهي على هذا ذميمة وعلى هذا التأويل يحسن
نفي القسم بها والنفس في الآية اسم جنس لنفوس البشر، وقال ابن جبير ما معناه: إن القسم بها هي اسم
الجنس لأنها تلوم على الخير وعلى الشر، وقيل المراد نفس آدم لأنها لم تزل اللائمة له على فعله الذي
أخرجه من الجنة .
قال القاضي أبو محمد: وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء، فإنها لوامة في
الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت. وقوله
تعالى: ﴿أيحسب الإنسان﴾ تقرير وتوبيخ، و﴿الإنسان﴾ اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعلها
هو الرد، وقرأ جمهور الناس: ((نجمع عظامَه)) بالنون ونصب الميم من العظام، وقرأ قتادة ((أن لن يجمع
عظامُه)) بالياء ورفع الميم من العظام، ومعنى ذلك في القيامة وبعد البعث من القبور، وقرأ أبو عمرو بإدغام.
العين ثم قال تعالى: ﴿بلى﴾ وهي إيجاب ما نفي، وبابها أن تأتي بعد النفي والمعنى بل يجمعها ﴿قادرين﴾
بنصب ﴿قادرين﴾ على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة ((قادرون)) بالرفع، وقال بالقتبي: ﴿نسوي بنائه﴾ معناه
نتقنها سوية، والبنان: الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم إنما
تجمع ويسوى أكثرها تفرقاً وأدقها أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث، وقال ابن
عباس وجمهور المفسرين: ﴿نسوي بنائه﴾ معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظماً واحداً كخف البعير
لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين لأن في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بيده، فكأن
التقدير ﴿بلى﴾ نحن أهل أن نجمعها﴿قادرين﴾ على إزالة منفعة بيده، ففي هذا تؤعد ما، والقول الأول
أحرى مع رصف الكلام، ولكن على هذا القول جمهور العلماء، وقوله تعالى: ﴿بل يريد الإنسان ليُفجر
أمامه﴾ قال بعض المتأولين: الضمير في ﴿أمامه﴾ عائد على ﴿الإنسان﴾، ومعنى الآية أن الأنسان إنما
پريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبداً قدماً راكب رأسه ومطيع أمله ومسوفاً بتوبته، قاله مجاهد والحسن
وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي، وقال السدي: المعنى ليظلم على قدر طاقته، وقال الضحاك

-
-
٤٠٣
تفسير سورة القيامة / الآيات : ١ - ١٥
المعنى يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، وقوله تعالى: ﴿ليفجر أمامه﴾ تقديره لكن يفجر، وقال ابن
عباس ما يقتضي أن الضمير في ﴿أمامه﴾ عائد على ﴿يوم القيامة)، والمعنى أن الإنسان هو في زمن وجوده
أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه فهو یرید شهواته لیفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي
يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ليفجر﴾ قول قيس بن سعد
(أردت لكيما يعرف الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود).
و﴿بل﴾ في أول الآية هي إضراب على معنى الترك لا على معنى إبطال الكلام الأول، وقد تجيء
بل لإبطال القول الذي قبلها، وسؤال الكافر ﴿أيان يوم القيامة) هو على معنى التكذيب والهزء كما تقول
لمحدث بأمر تكذبه متى يكون هذا؟ و﴿أيان﴾ لفظة بمعنى متى، وهي مبينة لتضمنها معنى الاستفهام
فأشبهت الحروف المتضمنة للمعاني. وكان حقها أن تبنى على السكون، لكن فتحت النون لالتقاء
الساكنين الألف وهي وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد وقتادة والجحدري وعاصم والأعمش وأبو جعفر وشيبة
((برق البصر)) بكسر الراء بمعنى شخص وشق وحار. وقرأ نافع وعاصم بخلاف، وعبد الله بن أبي إسحاق
وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم ((برَق)) بفتح الراء، بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت، والمعنى
متقارب في القراءتين، وقال أبو عبيدة ((بَرَق)) بالفتح شق، وقال مجاهد هذا عند الموت، وقال الحسن هذا
في يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس: ((وخسف القمرُ)) على أنه فاعل، وقرأ أبو حيوة: ((خُسِف)) بضم الخاء
وكسر السين و((القمرُ)) مفعول لما يسم فاعله. يقال خسف القمر وخسفه الله، وكذلك الشمس، وقال أبو
عبيدة وجماعة من اللغويين الخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض
الضوء والخسوف ذهاب جميعه، وروي عن عروة وسفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا
تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت)). وقوله تعالى: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ غلب عليه التذكير
على التأنيث، وقيل ذلك لأن تأنيث الشمس غير حقيقي، وقيل المراد بين الشمس والقمر، وكذلك قرأ ابن
أبي عبلة. واختلف المتأولون في معنى الجمع بينهما فقال عطاء بن يسار: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل
في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل يجمع الضوءان فيذهب بهما، وقرأ جمهور الناس ((أين المفر))
بفتح الميم والفاء على المصدر أي أين الفرار، وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وأيوب السخيتاني وكلثوم بن
عياض ومجاهد ويحيى بن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق: ((أين المَفِر)) بفتح
الميم وكسر الفاء على معنى أين موضع الفرار، وقرأ الزهري: ((أين المِفَر)) بكسر الميم وفتح الفاء بمعنى
أين الجيد الفرار، و﴿كلا﴾ زجر يقال للإنسان يومئذ ثم يعلن أنه ﴿لا وزر﴾ له أي ملجأ، وعبر المفسرون
عن الوزر بالحبل، قال مطرف بن الشخير وغيره، وهو كان وزر فرار العرب في بلادهم، فلذلك استعمل،
والحقيقة أنه الملجأ كان جبلاً أو حصناً أو سلاحاً أو رجلاً أو غيره. وقوله تعالى: ﴿إلى ربك يومئذ
المستقر﴾ معناه إلى حكم ربك أو نحوه من التقدير و ﴿المستقر﴾ رفع بالابتداء وخبره في المقدر الذي يتعلق به
المجرور المتقدم. تقدير الكلام المستقر ثابت أو كائن إلى ربك يومئذ، و ﴿المستقر﴾: موضع الاستقرار،
وقوله تعالى: ﴿بما قدم وأخر﴾ قسمة تستوي في كل عمل، أي يعلم بكل ما فعل ويجده محصلاً، قال ابن
عباس وابن مسعود المعنى ﴿بما قدم﴾ في حياته ﴿وأخر﴾ من سنة يعمل بها بعده، وقال ابن عباس أيضاً:

٤٠٤
تفسير سورة القيامة / الآيات: ١٦ - ٣٠
﴿بما قدم﴾ من المعاصي ﴿وأخر﴾ من الطاعات، وقال زيد بن أسلم: ﴿بما قدم﴾ لنفسه من ماله وبما أخر
منه للوارث، وقوله تعالى: ﴿بل الإنسان﴾ إضراب بمعنى الترك لا على معنى إبطال القول الأول،
و﴿بصيرة﴾ يحتمل أن يكون خبراً عن الإنسان ولحقته هاء التأنيث كما لحقت علامة ونسابة، والمعنى فيه
وفي عقله وفطرته حجة وطلبعة وشاهد مبصر على نفسه، والهاء للتأنيث، ويراد به ((البصيرة)) جوارحه أو
الملائكة الحفظة وهذا تأويل ابن عباس، و((المعاذير)) هنا قال الجمهور: هي الأعذار جمع معذرة، وقال
السدي والضحاك: هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر المعذار، وقال الحسن: المعنى ﴿بل الإنسان على
نفسه﴾ بلية ومحنة، كأنه ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدم وداعية طلب الثأر وفي هذا نظر.
قوله عز وجل :
ا ◌ُمَّإِنَّ عَلَيْنَا
لَا تُحَرِّكِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ لَّـ
بَيَانَهُ الـ
] كَلَّابَلْ تُحِبُّونَ الْعَاَِةَ (﴿ وَذَرُونَ الْآَخِرَةَ ﴿ وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
٢٣
ووجوه
يَوَمَِّذٍ بَاسِرَةٌ (٨) تَظُنُّأَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (
كَلَّا إِذَا بَغَتِ التَّافِىَ ﴿٢٠) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (*) وَظَنّ ◌َنَّهُ أَلْفِرَاقُ ﴿٢) وَاَلْنَفَّتِ
٢٥
السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِدٍ الْمَسَاقُ
الضمير في ﴿به﴾ عائد على كتاب الله تعالى ولم يجر له ذكر، ولكن القرائن تبينه، فهذا كقوله
تعالى: ﴿توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]، وكقوله تعالى: ﴿كلا إذا بلغت التراقي﴾ يعني النفس، واختلف
المتأولون في السبب الموجب أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فقال الشعبي: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى ربما أراد النطق ببعض ما
أوحي إليه قبل كمال إيراد الوحى، فأمر أن لا يعجل بالقرآن من قبل أن يفضى إليه وحيه. وجاءت هذه الآية
في هذا المعنى. وقال الضحاك: كان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن
فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق، فنزلت الآية في ذلك، وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح
البخاري عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك
شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه، فنزلت الآية بسبب ذلك وأعلمه الله تعالى أنه يجمعه له في صدره،
﴿وقرآنه﴾ يحتمل أن يريد به وقراءته أي تقرأه أنت يا محمد، والقرآن مصدر كالقراءة ومنه قول الشاعر
[حسان بن ثابت] في عثمان رضي الله عنه وأرضاه: [البسيط]
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطّع الليل تسبيحاً
ويحتمل أن يريد ﴿إن علينا جمعه﴾ وتأليفه في صدر صدرك فهو مصدر من قولك قرأت أي
جمعت، ومنه قولهم في المرأة التي لم تلد ما قرأت سلا قط، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم]: الوافر]
ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا.
وقوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي قراءة الملك الرسول عنا. وقوله تعالى: ﴿فاتبع﴾ يحتمل

٤٠٥
تفسير سورة القيامة / الآيات: ١٦ - ٣٠
أن يريد بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته وقاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد ﴿فاتبع﴾ في الأوامر
والنواهي، قاله ابن عباس أيضاً وقتادة والضحاك. وقرأ أبو العالية: ((قرته))، ((فإذا قَرَته فاتبع قَرْتَه)) بفتح
القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثالثة، وقوله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾، قال قتادة وجماعة
معه: معناه أن نبينه لك ونحفظكه، وقال كثير من المتأولين معناه أن تبينه أنت، وقال قتادة أيضاً وغيره معناه
أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره، وقوله تعالى: ﴿كلا بل تحبون العاجلة﴾ رجوع إلى مخاطبة
قريش، فرد عليهم وعلى أقوالهم في رد الشريعة بقوله: ﴿كلا﴾ ليس ذلك كما تقولون. وإنما أنتم قوم قد
غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبونها حباً تتركون معه الآخرة والنظر في أمرها. وقرأ الجمهور ((تحبون))
بالتاء على المخاطبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد والجحدري وقتادة ((يحبون)) بالياء على ذكر
الغائب وكذلك ((يذرون)). ولما ذكر الآخرة أخبر بشيء من حال أهلها بقوله: ﴿وجوه﴾ رفع بالابتداء وابتداء
بالنكرة لأنها تخصصت بقوله ﴿يومئذ﴾ و﴿ناضرة﴾ خبر ﴿وجوه﴾. وقوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ جملة
هي في موضع خبر بعد خبر، وقال بعض النحويين: ﴿ناضرة﴾ نعت ل﴿وجوه﴾، و﴿ إلى ربها ناظرة﴾ خبر عن
﴿وجوه﴾، فعلى هذا كثر تخصص الوجوه فحسن الابتداء بها. و﴿ناضرة﴾ معناه ناعمة، والنضرة النعمة
وجمال البشرة، قال الحسن: وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾
حمل هذه الآية أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى، وهي رؤية دون محاذاة ولا تكييف ولا
تحديد كما هو معلوم، موجود لا يشبه الموجودات كذلك هو لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله
شيء لا إله إلا هو، وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حدثتكم عن الدجال أنه
أعور وأن ربكم ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنكم ترون
ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته))، وقال الحسن: تنظرون إلى الله تعالى بلا
إحاطة، وأما المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى، فذهبوا في هذه الآية إلى أن المعنى إلى رحمة ربها
ناظرة أو إلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافاً محذوفاً، وهذا وجه سائغ في العربية كما تقول، فلان ناظر إليك
في كذا، أي إلى صنعك في كذا. والرواية إنما تثبتها بأدلة قاطعة غير هذه الآية، فإذا ثبتت حسن تأويل
أهل السنة في هذه الآية وقوي، وذهب بعض المعتزلة في هذه الآية إلى أن قوله ﴿إلى﴾ ليست بحرف الجر
وإنما هي إلى واحد الآلاء فكأنه قال نعمة ربها منتظرة، أو ﴿ناظرة﴾ من النظر بالعين، ويقال نظرتك بمعنى
انتظرتك، ومنه قول الحطيئة: [البسيط]
وقد نظرتكم أبناء عائشة للخمس طال بها حبسي وتبساسي
والتبساس أن يقال للناقة بس بس لتدر على الحالب، وفسر أبو عبيدة في غريبه هذا البيت على رواية
أخرى وهي: طال بها حوزي وتنساسي بالنون وهو السير الشديد فتأمله، و((الباسرة)) العابسة المغمومة
النفوس. والبسور أشد العبوس، وإنما ذكر تعالى الوجوه لأنه فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غم،
والمراد أصحاب الوجوه، وقوله تعالى: ﴿تظن أن يفعل﴾ إن جعلناه بمعنى توقن فهو لم يقع بعد على ما
بيناه وإن جعلنا الظن هنا على غلبته، فذلك محتمل، و((الفاقرة)): المصيبة التي تكسر فقار الإنسان، قال
ابن المسيب: هي قاصمة الظهر، وقال أبو عبيدة: هي من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار، وقوله
---
أ
i
-

٤٠٦
تفسير سورة القيامة / الآيات: ٣١ - ٤٠
تعالى: ﴿كلا إذا بلغت﴾ زجر آخر لقريش وتذكير لهم بموطن من مواطن الهول وأمر الله تعالى الذي لا
محيد لبشر عنه وهي حالة الموت والمنازعة التي كتبها الله على كل حيوان، و﴿بلغت﴾ يريد النفس،
و﴿التراقي﴾ ترقوة وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثير من
جمع، إذ النفس المرادة اسم جنس، و﴿التراقي﴾ هي موازية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال
الحشرجة ونزاع الموت، يسره الله علينا بمنه، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ﴿من راق﴾ فقال ابن
عباس والضحاك وقتادة وأبو قلابة: معناه من يرقى ويطب ويشفى ونحو هذا مما يتمناه أهل المريض، وقال
ابن عباس أيضاً وسليمان التيمي ومقاتل وابن سليمان: هذا القول للملائكة: والمعنى من يرقى بروحه، أي
يصعد إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقرأ حفص عن عاصم بالوقف على ﴿من﴾ ويبتدىء
﴿راق﴾. وأدغم الجمهور، قال أبو علي: لا أعرف وجه قراءة عاصم، وكذلك قرأ ((بل ران))، وقوله تعالى:
﴿وظن أنه الفراق﴾ يريد وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال والحياة، وهذا يقين فيما لم يقع بعد
ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقرأ ابن عباس ((أيقن أنه الفراق))، وقال في تفسيره ذهب الظن واختلف
في معنى قوله ﴿والتفت الساق بالساق﴾، فقال ابن عباس والحسن والربيع بن أنس وإسماعيل بن أبي
خالد هذه استعارة لشدة كرب الدنيا في آخر يوم منها وشدة كرب الآخرة في أول يوم منها لأنه بين الحالين
قد اختلطا له، وهذا كما تقول شمرت الحرب عن ساق، وعلى بعض التأويلات في قوله تعالى: ﴿يوم
يكشف عن ساق﴾ [القلم: ٤٢] وقال ابن المسيب والحسن: هي حقيقة، والمراد ساق الميت عند تكفينه
أي لفهما الكفن. وقال الشعبي وأبو مالك وقتادة: هو التفافهما بشدة المرض لأنه يقبض ويبسط ويركب هذا
على هذا، وقال الضحاك: المراد أسوق حاضريه من الإنس والملائكة لأن هؤلاء يجهزون روحه إلى
السماء وهولاء بدنه إلى قبره، وقوله تعالى: ﴿إلى ربك﴾ معناه إلى حكم ربك وعدله، فإما إلى جنة وإما
إلى نار، و﴿المساق﴾ مصدر من السوق.
قوله عز وجل :
فَلَ سَ أَ قَ وَلَا صَلَّى (١٦) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَى ﴿٣) ثُمَّذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتَمَطَّىَ ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٦) ثُمَّأَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ
٣٨
فَعَلَ مِنْهُ
◌ُمَّكَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى
﴿ أَيَحْسَبُ اَلْإِنِسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدِّى ٦َ أَلَيَكُ نُطْفَةُ مِّن ◌َِّّ يُمْنَى
الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَوَاُلْأُنَِ ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِ رٍ عَلَى أَنْ يُحْعِىَ المؤَتَى!
٤٠
" :
قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل بن هشام.
قال القاضي أبو محمد: ثم كادت هذه الآية أن تصرح له في قوله تعالى: ﴿يتمطَى﴾ فإنها كانت
مشية بني مخزوم، وكان أبو جهل يكثر منها، وقوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ تقديره فلم يصدق ولم
يصل، وهذا نحو قول الشاعر [طرفة بن العبد]: [الطويل]
فأي خميس فإنا لا نهابه وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
٠

٤٠٧
تفسير سورة القيامة / الآيات: ٣١ - ٤٠
وقول الآخر [أبي خيراش الهذلي]: [الرجز]
إن تغفر اللهم تغفر جمّا وأي عبد لك لا ألمًّا
﴿فلا﴾ في الآية عاطفة، و﴿صدق﴾ معناه برسالة اللّه ودينه، وذهب قوم إلى أنه من الصدقة، والأول
أصوب، و﴿يتمطى﴾ معناه يمشي المطيطى وهي مشية بتبختر قال زيد بن أسلم: كانت مشية بني مخزوم،
وهي مأخوذة من المطا وهو الظهر لأنه يتثنى فيها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مشت أمتي
المطيطى وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض)). وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي
جهل .. وقوله تعالى: ﴿أولى لك﴾ وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيداً، والمعنى ﴿أولى لك﴾ الازدجار
والانتهاء وهو مأخوذ من ولى، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجراً، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولى لهم طاعة﴾
[محمد: ٢٠]، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبب أبا جهل يوماً في البطحاء وقال له: ((إن الله
يقول لك ﴿أولى لك فأولى)))، فنزل القرآن على نحوها. وفي شعر الخنساء:" [المتقارب]
1
سئمت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لها
وقوله تعالى: ﴿أيحسب﴾ توقيف وتوبيخ، و﴿سدى﴾ معناه مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، ثم قرر تعالى
على أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تؤملت لم ينكر معها جواز البعث من القبور عاقل. وقرأ الجمهور:
((ألم يك)) بالياء من تحت، وقرأ الحسن: ((ألم تك)) بالتاء من فوق، و((النطفة)): القطعة من الماء. يقال
ذلك القليل والكثير، و((المني)) معروف، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو عمرو بخلاف وابن
محيصن والجحدري وسلام ويعقوب: ((يمنى)) بالياء، يراد بذلك المني، ويحتمل أن يكون يمنى من قولك
أمنى الرجل، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الخلق، فكأنه قال: من مني تخلق، وقرأ جمهور السبعة
والناس. ((تمنى)) بالتاء، يراد بذلك النطفة، و((تمنى)) يحتمل الوجهين اللذين ذكرت، و((العلقة)»: القطعة
من الدم، لأن الدم هو العلق، وقوله تعالى: ﴿فخلق فسوى﴾ معناه فخلق الله منه بشراً مركباً من أشياء
مختلفة فسواه شخصاً مستقلاً، وفي مصحف ابن مسعود ((يخلق)) بالياء فعلاً مستقبلاً، و﴿الزوجين﴾:
النوعين، ويحتمل أن يريد المزدوجين من البشر، ثم وقف تعالى توقيف التوبيخ وإقامة الحجة بقوله:
﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ وقرأ الجمهور بفتح الياء الأخيرة من ((يحييَ))، وقرأ طلحة بن
مصرف وسليمان والفياض بن غزوان بسكونها، وهي تنحذف من اللفظ لسكون اللام من﴿الموتى﴾،
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك وبلی))،
ويروى أنه كان يقول: ((بلى)) فقط.
نجز تفسير سورة ﴿القيامة﴾ والحمد لله رب العالمين.

٤٠٨
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ١ -٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الرَّحِيةِ
٠٠٩
و
سُورَةُ الأسْنَاءِ
قال بعض المفسرين هي مكية كلها، وحكى النقاش والثعلبي عن مجاهد وقتادة أنها مدنية، وقال
الحسن وعكرمة: منها آية مكية وهي قوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقي
مدني، وأنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلة، ثم
ليتيم ليلة، ثم لأسير ليلة متواليات، وقيل نزلت في صنيع ابن الدحداح والله أعلم.
قوله عز وجل :
إِنَّا خَلَقْنَا اُلْإِ نِسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنِسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا
إِنَّا أَعْتَدْنَا
٣
نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (
٤
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا (٥ْ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرَالِيَ
﴿هل﴾ في كلام العرب قد يجيء بمعنى ((قد)». حكاه سيبويه. لكنها لا تخلو من تقرير وبابها
المشهور الاستفهام المحض والتقرير أحياناً. فقال ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى ((قد))، و﴿الإنسان﴾
يراد به آدم عليه السلام، و((الحين)): هي المدة التي بقي طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح؛ أي أنه شيء ولم
يكن مذكوراً منوهاً به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل ﴿لم يكن شيئاً﴾ ولا ﴿مذكوراً﴾، وقال أكثر
المتأولین: ﴿هل﴾ تقریر، و ﴿الإنسان﴾ اسم الجنس، أي إذا تأمل كل إنسان نفسه علم بأنه قد مر ﴿حین
من الدهر﴾ عظيم ﴿لم يكن﴾ هو فيه ﴿شيئاً مذكوراً﴾، أي لم يكن موجوداً، وقد يسمى الموجود ﴿شيئاً﴾
فهو مذكور بهذا الوجه، و((الحين)) هنا: المدة من الزمن غير محدودة تقع القليل والكثير، وإنما تحتاج إلى
تحديد الحين في الأيمان، فمن حلف أن لا يكلم أخاه حيناً، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحين سنة،
وقال بعضهم: ستة أشهر، والقوي في هذا أن ﴿الإنسان﴾ اسم جنس وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من
الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته.
وقوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان﴾ هو هنا اسم الجنس بلا خلاف. لأن آدم لم يخلق ﴿من نطفة﴾،
و﴿أمشاج﴾ معناه أخلاط واحدها مَشَج بفتح الميم والشين قاله ابن السكيت وغيره، وقيل: مشج مثل عدل

٤٠٩
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ١ - ٦
وأعدال، وقيل: مشيج مثل شريف وأشراف، واختلف في المقصود من الخلط، فقيل هو ﴿أمشاج﴾ ماء
الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثاً وهو أيضاً في بعض المصنفات ((إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء
الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة)). وقيل هو اختلاط أمر الجنين بالنقلة من النطفة إلى العلقة إلى
المضغة إلى غير ذلك. فهو أمر مختلط، وقيل هو اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء فيه، و ﴿نبتليه﴾
معناه نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا هو حال من الضمير في ﴿خلقنا﴾ كأنه قال: مختبرين له بذلك،
وقوله تعالى: ﴿فجعلناه﴾ عطف جملة تعم على جملة تعم، وقال بعض النحويين إنما المعنى فنبتليه جعلناه
﴿سميعاً بصيراً﴾، ثم ترتب اللفظ موجزاً متداخلاً كأنه قال ﴿نبتليه﴾ فلذلك جعلناه، والابتلاء على هذا
إنما هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاب وليس ﴿نبتليه﴾ حالاً، وقوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ يحتمل
أن يريد ﴿السبيل﴾ العامة للمؤمن والكافر فذلك يختلق الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على
الصانع، فـ ﴿هديناه﴾ على هذا بمعنى أرشدناه كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه، ويحتمل أن
يريد ﴿السبيل﴾ اسم الجنس، أي هدى المؤمن لإيمانه والكافر لكفره فـ ﴿هديناه﴾ على هذا معناه أريناه
وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله تعالى: ﴿إما شاكراً وإما كفوراً﴾. حالان
وقسمتهما ﴿إِما﴾، قاله أبو عمرو الداني، وقرأ أبو العاج ((إما شاكراً وإما كفوراً)) وأبو العاج كثير بن عبد الله
السلمي شامي ولى البصرة لهشام بن عبد الملك، و﴿أعتدنا﴾ معناه أعددناه، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر
عن عاصم (سلاسلًا)) بالصرف وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كل ما لا يصرف إلا أفعل
وهي لغة الشعراء. ثم كثر حتى جرى في كلامهم، وقد علل بعبة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع
يجمع لشبه الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم صواحب وصاحبات وفي قول الشاعر
[الفرزدق]: [الكامل]
نواكسي الأبصار
بالياء جمع نواكس، وهذا الإجراء في ((سلاسلًا وقواريراً)) أثبت في مصحف ابن مسعود ومصحف
أبي بن كعب ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة: ((سلاسل))، على
ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة فيما روي عنهما:
((سلاسل)» في الوصل و((سلاسلاً)) دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر لأن العرب من يقول
رأيت عمرا يقف بألف، وأيضاً فالوقوف، بالألف ((سلاسلا)) اتباع لخط المصحف، و﴿الأبرار﴾ جمع بار
كشاهد وأشهاد، وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر، و((الكأس)): ما فيه نبيذ ونحوه
مما يشرب به، قال ابن كيسان: ولا يقال الكأس إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال ظعينة إلا إذا كان عليها
امرأة ولا مائدة إلا وعليها طعام وإلا فهي خوان. والمزاج: ما يمزج به الخمر ونحوها، وهي أيضاً مزاج له
لأنهما تمازجا مزاجاً، قال بعض الناس: ((المزاج)) نفس الكافور، وقال قتادة نعم قوم يمزج لهم بالكافور
ويختم لهم بالمسك، وقال الفراء: يقال إنه في الجنة عين تسمى ﴿كافوراً﴾. وقال بعض المتأولين إنما
أراد ﴿كافوراً﴾ في النكهة والعرف كما تقول إذا مزجت طعاماً هذا الطعام مسك. وقوله تعالى: ﴿عيناً﴾ هو
بدل من قوله ﴿كافوراً﴾، وقيل هو مفعول بقوله ﴿يشربون﴾، أي ﴿يشربون﴾ ماء هذه العين من كأس

٤١٠
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ٧ - ١٠٣
عطرة كالكافور، وقيل نصب ﴿عيناً﴾ على المدح أو بإضمار أعني، وقوله ﴿يشرب بها﴾ بمنزلة يشربها. فالباء
زائدة، وقال الهذلي: شربن بماء البحر. أي شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة: ((يشربها عباد الله))،
و﴿عباد الله﴾ هنا خصوص في المؤمنين الناعمين لأن جميع الخلق عباده، و﴿يفجرونها﴾ معناه يبثقونها
بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، وقال الثعلبي : وقيل هي
عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين، وهذا قول حسن.
قوله عز وجل :
إِنَّمَا
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَّا كَانَ شَرُهُ مُسْتَطِيرًا () وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
تُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الَّهِلَا نُرِدُ مِنْكُ جَزَآءُ وَ شُكُورًا (٢٦) إِنَّا تَخَافُ مِن ◌َّبِنَ يَوْمًّا عَبُوسَا فَتْطَرِيًّا (٤) فَوَقَدْهُمُ اللَّهُ شَرّ
ذَلِكَ الْيَؤْمِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿ وَجَزَئُهُم بِمَا صَبَرُ واْجَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿ مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِّلَا يَرَوْنَ
فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا!
١٣
وصف الله تعالى حال الأبرار أنهم كانوا ﴿يوفون بالنذر﴾، أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهداً. يقال
وفى الرجل وأوفى، و((اليوم)) المشار إليه يوم القيامة، و﴿مستطيراً﴾ معناه متصلاً شائعاً كاستطارة الفجر
والصدع في الزجاجة. وبه شبه في القلب، ومن ذلك قول الأعشى: [المتقارب]
٠٠
صدعاً على نأيها مستطيرا
فبانت وقد أسأرت في الفؤاد
وقول ذي الرمة: [الوافر]
فهاجوا صدع قلبي فاستطاروا
أراد الظاعنون لحيزنوني
وقوله تعالى: ﴿على حبه﴾ يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، أي وهو محبوب للفاقة والحاجة.
وهذا قول ابن عباس ومجاهد. ويحتمل أن يعود على الله تعالى أي لوجهه وابتغاء مرضاته، قاله أبو سليمان
الدراني. والأول أمدح لهم لأن فيه الإيثار على النفس. وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر.
وقال الحسين بن الفضل: الضمير عائد على الإطعام، أي محبين في فعلهم ذلك لا رياء فيه ولا تكلف،
و((المسكين)) الطواف المتكشف في السؤال، و((اليتيم)) الصبي الذي لا أب له من الناس. والذي لا أم له
من البهائم وهي صفة قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يتم بعد حلم)). و((الأسير))
معروف. فقال قتادة: أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام، وقال الحسن: ما كان أسراهم إلا
مشركين، لأن كل كبد رطبة ففيها أجر. وقال بعض العلماء: هذا إما نسخ بآية السيف وإما أنه محكم
لتحفظ حياة الأسير إلى أن يرى الإمام فيه ما يرى، وقال مجاهد وابن جبير وعطاء: أراد المسجونين من
الناس. ولهذا يحض على صدقة السجن، فهذا تشبيه، ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يؤسر
أحد في الإسلام بغير العدول. وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الأسير هنا بالمملوك
والمسجون. وقال: أراد أسرى المسلمين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا في طلب الفداء،

٤١١
-
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ١٤ - ٢٠
وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير هنا المرأة، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالنساء خيراً فإنهن
عوانٍ عندكم))، وقوله تعالى: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ المعنى يقولون لهم عند الإطعام، وهذا إما أن
يكون المطعم يقول ذلك نصاً فحكي ذلك. وإما أن يكون ذلك مما يقال في الأنفس وبالنية فمدح بذلك،
هذا هو تأويل ابن مجاهد وابن جبير، وقرأ أبو عمرو في رواية عباس بجزم الميم من ((نطعمْكم))، قال أبو
علي أسكن تخفيفاً، و((الشكور)): مصدر الشكر، ووصف اليوم بعبوس هو على التجوز، كما تقول ليل
نائم أي فيه نوم، و ((القمطرير)) والقماطر: هو في معنى العبوس والارتداد، تقول اقمطر الرجل إذا جمع ما
بين عينيه غضباً، ومنه قول الشاعر [القرطبي]: [الطويل]
عليكم إذا ما كان يوم قماطر
بني عمنا هل تذكرون بلاءنا
وقال آخرون :
ولج بها اليوم العبوس القماطر
ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها
وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه مثل القطران. وعبر ابن عباس عن
((القمطرير)) بالطويل. وعبر عنه ابن الكلبي بالشديد، وذلك كله قريب في المعنى. وقرأ الجمهور
((فوقَاهم)) بتخفيف القاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((فوقّاهم)) بشد القاف. و((النضرة)): جمال البشرة،
وذلك لا يكون إلا مع فرح النفس وقرة العين. وقرأ علي بن أبي طالب ((وجازاهم)) بألف، وقوله ﴿بما صبروا﴾،
عام عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، ففي هذا يدخل كل ما خصص الناس من صوم وفقر ونحوه.
و﴿متكئين﴾ حال من الضمير المنصوب في (جزاهم) وهو الهاء والميم، وقرأ أبو جعفر وشيبة ((متكيين))
بغير همز، و ﴿الأرائك﴾ السرر المستورة بالحجال، هذا شرط لبعض اللغويين، وقال بعض اللغويين : كل ما يتوسد
ويفترش مما له حشو فهو أريكة وإن لم يكن في حجلة، وقوله تعالى: ﴿لا يرون فيها﴾ الأية عبارة عن
اعتدال مس هوائها وذهاب ضرري الحر والقر عنها، وكون هوائها سجسجاً كما في الحديث المأثور ومس
الشمس وهو أشد الحر، و((الزمهرير)): هو أشد البرد، وقال ثعلب: ((الزمهرير)) بلغة طّىء القمر.
قوله عز وجل :
وَدَانِيَّةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا (٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِثَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرًا (٥) فَوَارِيرَاً
وَيَطُوفُ
١٨
مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا نَقْدِيِرًا (٨) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَ تَجَبِيلًا (١٧) عَيْنَا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً
عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُ ونَ إِذَارَأَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُؤَا مَنْتُورًا (١٦) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُذْكَا كَبِيرًا
٢٠
اختلف النحويون في إعراب قوله تعالى: ﴿ودانية﴾، فقال الزجاج وغيره: هو حال عطفاً على
﴿متكئين﴾ [الإنسان: ١٣]، وقال أيضاً: ويجوز أن يكون صفة للجنة، فالمعنى وجزاهم جنة دانية. وقرأ
جمهور الناس ((دانية)). وقرأ الأعمش ((ودانياً عليهم)). وقرأ أبو جعفر ((ودانيةٌ)) بالرفع. وقرأ أبيّ بن كعب

٤١٢
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ١٤ - ٢٠
((ودانٍ)) مفرد مرفوع في الإعراب، ودنو الظلال بتوسط أنعم لها، لأن الشيء المظل إذا بعد فترة ظله لا سيما
من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى وتنعكس نحو الأرض، و((التذليل)) في الجنة هو بحسب إرادة
ساكنيها . قال قتادة ومجاهد وسفيان: إن كان الإنسان قائماً تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعداً فكذلك.
وإن كان مضطجعاً فكذلك. فهذا تذليلها لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك. ومن اللفظة قول امرىء القيس:
[الطويل]
كأنبوب السقي المذلل
ومنه قول الأنصاري: والنخل قد ذللت فهي مطوقة بثمرها. و﴿القطوف﴾: جمع قطف وهو العنقود
من النخل والعنب ونحوه. و﴿آنية﴾ جمع إناء. و﴿الكوب﴾ ما لا عروة له ولا أذن من الأواني. وهي
معروفة الشكل في تلك البلاد. وهو الذي تقول له العامة القب، لكنها تسمي بذلك ما له عروة. وذلك خطأ
أيضاً. وقال قتادة: الكوب القدح. والقوارير: الزجاج. واختلف القراء فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن
عاصم ((قواريراً قواريراً)) بالإجراء فيهما على ما قد تقدم في قوله ((سلاسلًا))، وقرأ ابن عامر وحمزة
والكسائي ((قواريرَ قواريرَ)) بترك الإجراء فيهما. وقرأ ابن كثير ((قواريراً)) بالإجراء في الأول، ((قواريرَ)) بترك
الإجراء في الثاني، وقرأ أبو عمرو ((قواريرا))، ووقف بألف دون تنوين ((قوارير)) بترك الإجراء في الثاني. وقوله
تعالى: ﴿من فضة﴾ يقتضي أنها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه و﴿من
فضة﴾ في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة. وقال أبو على جعلها ﴿من فضة﴾ لصفائها وملازمتها لتلك
الصفة وليست من فضة في حقيقة أمرها. وإنما هذا كما قال الشاعر [البعيث]: [الطويل]
وضنت عليها والضنين من البخل
ألا أصبحت أسماء جاذمة الوصل
وقوله تعالى: ﴿قدروها﴾ يحتمل أن يكون الضمير للملائكة، ويحتمل أن يكون للطائفين، ويحتمل
أن يكون للمنعمين، والتقدير إما أن يكون على قدر الأكف قاله الربيع، أو على قدر الري قاله مجاهد،
وهذا كله على قراءة من قرأ ((قَدروها)) بتخفيف القاف، وقرأ ابن أبزى وعلي والجحدري وابن عباس
والشعبي وقتادة: ((قُدِروها)) بضم القاف وكسر الدال، قال أبو علي: كأن اللفظ قدروا عليها، وفي المعنى
قلب لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم فهي مثل قوله: ﴿ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾
[القصص: ٧٦]، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألفى العود على الحرباء، حكاه أبو علي، وكون
الزنجبيل مزاجها هو على ما ذكرناه في العرف ولذع اللسان. وذلك من لذات المشروب، و((الزنجبيل)):
طيب حار، وقال الشاعر [الأعشى]: [الرجز]
بات بفيها وأرياً مشورا
كأن جنياً من الزنجبيل
وقال المسيب بن علس: [الكامل]
إذ ذقته وسلافة الخمر
وكأن طعم الزنجبيل به
وقال قتادة: ((الزنجبيل))، اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل

٤١٣
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ٢١ - ٢٦
الجنة، و﴿عيناً﴾ بدل من كأس أو من عين على القول الثاني، و﴿سلسبيلاً﴾ قيل هو اسم بمعنى السلس
المنقاد الجرية، وقال مجاهد: حديدة الجرية، وقيل: هي عبارة عن حسن إيساغها، قال ابن الأعرابي : لم
أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن، وقال آخرون: ﴿سلسبيلاً﴾ صفة لقوله ﴿عيناً﴾. وتسمى بمعنى توصف
وتشهر وكونه مصروفاً مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسماً، وقال بعض المقرئين والتصحيح من الألوسي :
﴿سلسبيلاً﴾ أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسؤال السبيل إليها. وهذا قول ضعيف لأن براعة
القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان وأن السلسل والسلسبيل، بمعنى واحد
ومتقارب. و﴿مخلدون﴾ قال جمهور الناس: معناه باقون من الخلود، وجعلهم ولداناً لأنهم في هيئة
الولدان في السن لا يتغيرون عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة وغيره ﴿مخلدون﴾ معناه مقرطون، والخلدات
حلي يعلق في الآذان، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
أعجازهن أقاوب الكثبان
ومخلدات باللجين كأنما
وشهرة هذه اللغة في حمير، وشبههم بـ ((اللؤلؤ المنثور)) في بياضهم وانتشارهم في المساكن يجيئون
ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت المرأة درة وجوهرة، ثم كرر ذكر الرؤية مبالغة، و﴿ثم﴾ ظرف والعامل
فيه ﴿رأيت﴾ أو معناه؟ وقال الفراء التقدير: ﴿رأيت﴾ ما ﴿ثم﴾ وحذفت ما، وقرأ حميد الأعرج ((ثُم)) بضم
الثاء، و((النعيم)): ما هم فيه من حسن عيش، و((الملك الكبير)): قال سفيان: هو استئذان الملائكة
وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك كالملوك، وقال أكثر المفسرين: ((الملك الكبير)) اتساع
مواضعهم، فروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام كلهم
مختلف شغله من شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه
کما یری أدناه.
قوله عز وجل :
عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقُّ وَحُلُّواْأَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٦) إِنَّ هَذَا
كَانَ لَكُرْ جَزَآءُ وَكَانَ سَعْيُكُ مَّشْكُورًا ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا ﴿ فَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا
تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا [®] وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ
لَيْلًاطَوِيلًا
قرأ نافع وحمزة وأبان عن عاصم: ((عاليهم)) على الرفع بالابتداء وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة
وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه، وقرأ الباقون وعاصم ((عاليَهم)) بالنصب على الحال، والعامل فيه
﴿لقاهم﴾ [الإنسان: ١١] أو ﴿جزاهم﴾ [الإنسان: ١٢]، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس
والحسن ومجاهد والجحدري وأهل مكة، وقرأ الأعمش وطلحة: ((عاليتهم))، وكذلك هي في مصحف
عبد الله، وقرأ أيضاً الأعمش ((عاليتهم)) بالنصب على الحال، وقد يجوز في النصب في القراءتين أن يكون

٤١٤
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ٢١ - ٢٦
على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة رضي الله عنها ((علتهم)) بتاء فعل ماض، وقرأ مجاهد وقتادة
وابن سيرين وأبو حيوة ((عليهم))، و((السندس)): رقيق الديباج والمرتفع منه، وقيل: ((السندس)): الخرير
الأخضر، و((الاستبرق)) والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي ((خضرٍ
واستبرقٍ)) بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه على أن
((خضر)) نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسماً مفرداً كما قالوا: أهلك الناس الدينار
الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد اسم الجنس وهو جمع أحياناً فيقولون: حصى
أبيض، وفي القرآن ﴿الشجر الأخضر﴾ [يس: ٨٠] و﴿نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠]. فكيفته بأن لا يفرد هذا
الذي هو صفة لواحد في معنى جمع. ((واستبرق)» في هذه القراءة عطف على ﴿سندس﴾، وقرأ نافع
وحفص عن عاصم والحسن وعيسى ((خضرٌ واستبرقٌ)) بالرفع فيهما، ((خضرٌ)) نعت لـ ﴿ثياب﴾. و((استبرق)»
عطف على الثياب. وقرأ أبو عمرو وابن عامر ((خضرٌ)) بالرفع صفة لـ ﴿ثياب﴾، ((وإستبرقٍ)) خفضاً، عطف
على ﴿سندس﴾، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ((خضرٍ)) خفضاً ((وإستبرقٌ)) رفعاً فخفض ((خضرٍ))
على ما تقدم أولاً. ((واستبرقٌ)) على الثياب. والاستبراق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن: ((واستبرقٌ))
موصولة الألف مفتوحة القاف كأنه مثال الماضي من برق واستبرق وتعجب واستعجب، قال أبو حاتم: لا
يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً، ويؤيد ذلك دخول اللام المعرفة عليه،
والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة ((عليهم ثيابٌ)) بالرفع ((سندسٌ خضرٌ
واستبرقٌ)) رفعاً في الثلاثة، وقوله تعالى: ﴿وحلوا﴾ أي جعل لهم حلي، و﴿أساور) جمع أسورة وأسورة
جمع سوار وهي من حلي الذراع، وقوله تعالى: ﴿شراباً طهوراً﴾ قال أبو قلابة والنخعي معناه لا يصير بولاً
بل يكون رشحاً من الأبدان أطيب من المسك، وهنا محذوف يقتضيه القول تقديره يقول الله لهم والملائكة
عنه: ﴿إن هذا كان لكم جزاء﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا﴾ الآية تثبيت لمحمد عليه السلام
وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم وحكم ربه هو أن يبلغ ويكافح ويتحمل المشقة ويصبر على الأذى
ليعذر الله إليهم، وقوله تعالى: ﴿آثماً أو كفوراً﴾ هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي
وصف كان من هذين لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة بحيث يقع
الإثم على العاصي .
قال القاضي أبو محمد: واللفظ أيضاً يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة أو كفور من
المشركين، وقال أبو عبيدة: ﴿أو﴾ بمعنى الواو وليس في هذا تخيير، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً ﴿بكرة
وأصيلاً﴾ ومن الليل بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أن يريد قول سبحان الله، وذهب قوم من
أهل العلم إلى أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس منهم ابن حبيب وغيره. فالبكرة: صلاة الصبح،
والأصيل: الظهر والعصر ﴿ومن الليل﴾: المغرب والعشاء، وقال ابن زيد وغيره كان هذا فرضاً ونسيخ فلا
فرض إلا الخمس، وقال قوم هو محكوم على وجه الندب.
قوله عز وجل :
إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَ هُمْ يَوْمَاتَقِيلًا
٢٧
تَّحْنُ خَلَقْنَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ
:
1

٤١٥
تفسير سورة الإنسان / الآيات: ٢٧ - ٣١
﴿ وَمَا
إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا
جمع
٢٨
وَإِذَا شِئْنَا بَذَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا
يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ
تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
لَمْ عَذَابَ أَلِيًّا
الإشارة بـ ﴿هؤلاء﴾ إلى كفار قريش، و﴿العاجلة﴾ الدنيا وحبهم لها، لأنهم لا يعتقدون غيرها،
﴿ويذرون وراءهم﴾ معناه فيما يأتي من الزمن بعد موتهم، وقال لبيد: [الطويل]
أدب مع الولدان إن خف كالنسر
أليس ورائي إن تراخت منيتي
ووصف اليوم بالثقل على جهة النسب، أي: ذا ثقل من حيث الثقل فيه على الكفار، فهو كليل نائم،
ثم عدد النعمة على عباده في خلقهم وإيجادهم وإتقان بنيتهم وشدِّ خلقتهم، والأسر: الخلقة واتساع
الأعضاء والمفاصل، وقد قال أبو هريرة والحسن والربيع الأسر : المفاصل والأوصال ، وقال بعضهم
الأسر: القوة، ومنه قل الشاعر: [الوافر]
شديد الأسر عض على اللجام
فأنجاه غداة الموت مني
وقول آخر [الأخطل]: [الكامل]
سلس القياد تخاله مختالا
من كل محتدب شديد أسره
قال الطبري ومنه قول العامة: خذه بأسره یریدون خذه کله.
قال القاضي أبو محمد: وأصل هذا في ما له شد ورباط كالعظم ونحوه، وليس هذا مما يختص
بالعامة بل هو من فصيح كلام العرب. اللهم إلا أن يريد بالعامة جمهور العرب ومن اللفظة الإسار وهو القيد
الذي يشد به الأسير، ثم توعد تعالى بالتبديل واجتمع من القولين تعديد النعمة والوعيد بالتبدل احتجاجاً
على منكري البعث، أي من هذا الإيجاد والتبديل إذا شاء في قدرته، فكيف تتعذر عليه الإعادة، وقوله
تعالى: ﴿إن هذه تذكرة﴾ يحتمل أن يشير إلى هذه الآية أو إلى السورة بأسرها أو إلى الشريعة بجملتها.
وقوله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ﴾ ليس على جهة التخيير بل فيه قرينة التحذير، والحض على اتخاذ السبيل،
و ((السبيل)) هنا: ليس النجاة، وقوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ نفي لقدرتهم على الاختراع
وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب والميل إلى الكفر.
وقرأ عبد الله ((وما تشاؤون إلا ما شاء الله)). وقرأ يحيى بن وثاب ((تشاؤون)) بكسر التاء. وقوله تعالى:
﴿عليماً حكيماً﴾ معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو. ﴿والظالمين)
نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، وفي قراءة ابن مسعود ((وللظالمين أعد لهم)) بتكرير
اللام، وقرأ جمهور السبعة ((وما تشاؤون)) بالتاء على المخاطبة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((يشاؤون)) بالياء،
وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة ((والظالمون)) بالرفع، قال أبو الفتح : وذلك على ارتجال جملة
مستأنفة. (انتهى).
نجز تفسير سورة ﴿الإنسان﴾ بحمد الله وعونه.

٤١٦
تفسير سورة المرسلات / الآيات: ١-١٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَحمية
شُورَةُ المُرسِلَتِ
١٠٠
وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وحكى النقاش أنه قيل إن فيها من المدني قوله: ﴿وإذا قيل
لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨] على قول من قال إنها حكاية عن حال المنافقين في القيامة،
وإنها بمعنى قوله تعالى: ﴿يدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم: ٤٢] وقال ابن مسعود: نزلت هذه
السورة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء، الحديث بطوله.
قوله عز وجل :
وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا (أَفَالْعَصِفَتِ عَصْفًا ( وَالنَّشِرَتِ نَشْرًا !
٥
فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا ﴿فَالْمُلْفِيَتِ ذِكْرًا
٣
عُذْرًا أَوْنُذْرًا ﴿َ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَقِّعٌ ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ طِمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ
وَمَآ أَذْرَنِكَ مَايَوْمُالْفَصْلِ
١٣
نُِّفَتْ ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أَقِّنَتْ ﴿ لِأَبِّ يَوْمٍ أُعِلَتْ ل لِيَّوْمِ الْفَصْلِ
١٤
١٥
وَيٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
قال كثير من المفسرين: ﴿المرسلات﴾، الرسل إلى الناس من الأنبياء كأنه قال: والجماعات
المرسلات، وقال أبو صالح ومقاتل وابن مسعود: ﴿المرسلات﴾ الملائكة المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على
العباد طرفي النهار، وقال ابن مسعود أيضاً وابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿المرسلات﴾، الرياح، وقال
الحسن بن أبي الحسن: ﴿المرسلات﴾ السحاب. و﴿عرفاً﴾ معناه على القول الأول ﴿عرفاً﴾ من الله
وإفضالاً على عباده ببعثة الرسل.
ومنه قول الشاعر [الحطيئة]: [البسيط]
من يفعل الخير لا يعدمْ جوازيَهُ لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بقوله ﴿عرفاً﴾ أي متتابعة على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو
ذلك، والعرب تقول: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد بالعزف أي بالحق،
والأمر بالمعروف، وهذه الأقوال في عرف تتجه في قول من قال في ﴿المرسلات﴾ إنها الملائكة، ومن قال
إن ﴿المرسلات﴾ الرياح اتجه في العرف القول الأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة وبها الأرزاق
والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا فقه فيه، ويكون الصنف الآخر من الرياح في قوله ﴿فالعاصفات

!
٤١٧
تفسير سورة المرسلات / الآيات: ١ - ١٥
عصفاً﴾، ويحتمل أن يكون بمعنى ﴿والمرسلات﴾ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر
الصنف المستنكر الضار وهي ﴿العاصفات﴾، ويحتمل أن يريد بالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس
ونحوه، وتقول العرب هب عرف من ريح، والقول في العرف مع أن ﴿المرسلات﴾ هي الرياح يطرد على
أن ﴿المرسلات﴾ السحاب، وقرأ عيسى ((عُرُفاً)) بضم الراء، و﴿العاصفات﴾ من الريح الشديدة العاصفة
للشجر وغيره، واختلف الناس في قولهم ﴿والناشرات﴾، فقال مقاتل والسدي هي الملائكة تنشر صحف
العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض
المتأولين: ﴿الناشرات﴾ الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت، ومنه قول الأعشى:
[السريع]
يا عجباً للميت الناشر
وقال آخرون: ﴿الناشرات﴾ التي تجيء بالأمطار تشبه بالميت ينشر، وقال أبو صالح: ﴿الناشرات﴾
الأمطار التي تحيي الأرض، وقال بعض المتأولين: ﴿الناشرات) طوائف الملائكة التي تباشر إخراج
الموتى من قبورهم للبعث فكأنهم يحيونهم، و ﴿الفارقات﴾ قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ومجاهد
والضحاك: هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. وقال قتادة والحسن وابن كيسان:
﴿الفارقات﴾، آيات القرآن، وأما ﴿الملقيات ذكراً﴾ فهي في قول الجمهور الملائكة. قال مقاتل جبريل
وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور الناس: ((فالملْقيات)) بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره
إلى الرسل.
وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، ((فالملَّقَّيات)) بفتح اللام والقاف وشدها، أي تلقيه من قبل الله
تعالى، وقرأ ابن عباس أيضاً ((فالملَّقَّيات)) بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و((الذكر))
الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها. واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿عذراً أو نذراً﴾، فقرأ ابن كثير ونافع
وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في ((عذْر)) وضمها في ((نذُر))، وقرأ أبو
عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى
والحسن بخلاف، وزيد بن ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما.
فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذْر وعذير ونذْر ونذير كنكر ونكير، وضم الذال يصح معه
المصدر، ويصح أن يكون جمعاً لنذير وعاذر للذين هما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار
وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قوله ﴿عذراً أو نذراً﴾ فيصح إذا كانا
مصدرين أن يكون ذلك على البدل من الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال ﴿فالملقیات﴾
أن يذكر ﴿عذراً﴾، ويصح أن يكون ﴿عذراً﴾ مفعولً لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان
﴿عذراً أو نذراً﴾ جمعاً فالنصب على الحال. وقرأ إبراهيم التيمي ((عذراً ونذراً)) بواو بدل ﴿أو﴾. وقوله
تعالى: ﴿إن ما توعدون لواقع﴾ هو الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و«طمس النجوم)): إزالة
ضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و((فرج السماء)): هو بانفطارها حتى يحدث فيها فروج، و((نسف
-

٤١٨
تفسير سورة المرسلات / الآيات: ١٦ - ٢٨
الجبال)): هو بعد التسيير وقيل كونها هباء وهو تفريقها بالريح. وقرأ جمهور القراء: ((أقَّتت)) بالهمز وشد
القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده ((وقتت)) بالواو، وأبو الأشهب
وعيسى وعمرو بن عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي
قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((ووقت)) بواوين على وزن فوعلت، والمعنى نجعل
لها وقت منتظر فجاء وحان. والواو في هذا كله الأصل والهمزة بدل. وقوله تعالى: ﴿لأي يوم أجلت﴾
تعجيب على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فسر تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله ﴿ليوم الفصل﴾ يعني بين الخلق
في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل
القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله: ﴿وما أدراك ما يوم الفصل﴾ على نحو قوله تعالى:
﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ [الحاقة: ٢] وغير ذلك، ثم أثبت الويل ﴿للمكذبين﴾ في ذلك اليوم، والمعنى
﴿للمكذبين﴾ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و((الويل)): هو الحرب والحزن على نوائب تحدث
بالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير وعمار بن ياسر أن وادياً في جهنم اسمه («ويل)).
قوله عز وجل :
أَوْ نُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ ﴿٨َ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ { وَيْلٌ يُؤْمَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ
٢٢
أَرْ فَخْلُفْكُمْ مِن مَّآءٍقَهِينٍ (٢) فَجَعَلَهُ فِ قَرَارٍ قَّكِينٍ ﴿ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
١٩٦
وَيْلٌ يُوَمَِّدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٦ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا(٥) أَحْيَاءَ وَأَمْوَنَا [®] وَجَعَلْنَافِيَهَا رَوَسَِ شَمِخَتٍ
٢٣
٢٨
وَأَسْقَيْنَكُمْ مَّآءَ فُرَاتًا (٦) وَيْلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
قرأ جمهور القراء ((ثم نتبعُهم)) بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه ((ثم نتبعْهم))
بجزم العين عطفاً على ﴿نهلك﴾ وهي قراءة الأعرج وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في
﴿الأولين﴾، فمن قرأ الأولى جعل ﴿الأولين﴾ الأمم التي قدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع
﴿الآخرين﴾ من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم. ومن قرأ الثانية جعل ﴿الأولين﴾ قوم
نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و﴿الآخرين﴾ قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه
وسلم. وفي حرف عبد الله ((وسنتبعهم)) ثم قال ﴿كذلك نفعل بالمجرمين﴾ أي في المستقبل فتدخل هنا
قريش وغيرها من الكفار، وأما تكرار ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ في هذه السورة فقيل إن ذلك لمعنى التأكيد
فقط، وقيل بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب بذلك الذي في الآية. ثم
وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث. و((الماء المهين)): معناه الضعيف وهو
المني من الرجل والمرأة. و((القرار المكين)): الرحم أو بطن المرأة، و((القدر المعلوم)): وقت الولادة
ومعلوم عند الله في شخص، فأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه. وقرأ علي بن
أبي طالب رضي الله عنه ونافع والكسائي ((فقدّرنا)) بشد الدال، وقرأ الباقون ((فُقدّرنا)) بتخفيف الدال، وهما
بمعنى من القدرة، والقدر من التقدير والتوقيف. وقوله ﴿القادرون﴾ يرجح قراءة الجماعة. أما أن ابن

٤١٩
تفسير سورة المرسلات / الآيات: ٢٩ - ٤٠
مسعود روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر القادرين بالمقدرين. وقدر ابن أبي عبلة ((فقدّرنا)) بشد
الدال ((فنعم المقتدرون))، و((الكفات)): الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع، تقول كفت الرجل شعره إذا
جمعه بخرقة، فالأرض تكفت الأحياء على ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها و﴿أحياء﴾ على هذا التأويل
معمول لقوله ﴿كفاتاً﴾ لأنه مصدر. وقال بعض المتأولين ﴿أحياء وأمواتاً﴾، إنما هو بمعنى أن الأرض فيها
أقطار أحياء وأقطار أموات يراد ما ينبت وما لا ينبت، فنصب ﴿أحياء﴾ على هذا إنما هو على الحال من
﴿الأرض﴾، والتأويل الأول أقوى.
وقال بنان خرجنا مع الشعبي إلى جنازة فنظر إلى الجبانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى
البيوت فقال: هذه كفات الأحياء، وكانت العرب تسمي بقيع الغرقد كفتة لأنها مقبرة تضم الموتى، وفي
الحديث ((خمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم واكفتوا صبيانكم وأجيفوا أبوابكم وأطفئوا مصابيحكم)). ودفن ابن
مسعود قملة في المسجد ثم قرأ ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾.
قال القاضي أبو محمد: ولما كان القبر ﴿كفاناً﴾ كالبيت قطع من سرق منه. و ((الرواسي)): الجبال،
لأنها رست أي ثبتت، و((الشامخ)): المرتفع، ومنه شمخ بأنفه أي ارتفع واستعلى شبه المعنى بالشخص،
و((أسقى)) معناه: جعله سقياً للغلات والمنافع، وسقى معناه للشفة خاصة، هذا قول جماعة من أهل اللغة .
وقال آخرون هما بمعنى واحد. و((الفرات)): الصافي العذب، ولا يقال للملح فرات وهي لفظة تجمع ماء
المطر ومياه الأنهار وخص النهر المشهور بهذا تشريفاً له وهو نهر الكوفة، وسيحان هو نهر بلخ، وجيحان هو
دجلة، والنيل نهر مصر. وحكي عن عكرمة أن كل ماء في الأرض فهو من هذه، وفي هذا بعد والله أعلم.
قوله عز وجل :
لَّاظَلِيلِ وَلَا يُغْنِ مِنَ اَللَّهَبِ
أَنْطَائِقُواْإِلَى مَا كُنْتُمِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ أَنَطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَبٍ لـ
إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرِ كَالْقَصْرِ ﴿َ كَأَنَُّ جَمَلَتُ صُفْرٌ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ
◌َْ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ (٦)وَيَلْ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٦) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْوَاَلْأَوَّلِينَ (﴿ فَإِن
كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [٦َاوَيُّلٌ يَوْمَِّدٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٤٠
الضمير في قوله ﴿انطلقوا﴾، هو ﴿للمكذبين﴾ [الإنسان: ١٩ - ٢٤] الذين لهم الويل يقال لهم
﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون﴾ من عذاب الآخرة، ولا خلاف في كسر اللام من قوله ﴿انطلقوا﴾ في
هذا الأمر الأول، وقرأ يعقوب في رواية رويس ((انطلقوا إلى ظل)) بفتح اللام على معنى الخبر، وقرأ جمهور
الناس ((انطلقوا)) بكسر اللام على معنى تكرار، الأمر الأول وبيان المنطلق إليه، وقال عطاء الظل الذي له
﴿ثلاث شعب﴾ هو دخان جهنم، وروي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يراه الكفار فيظنون أنه مغن فيهرعون إليه
فيجدونه على أسوأ وصف. وقال ابن عباس: المخاطبة إنما تقال يومئذ لعبدة الصليب إذا اتبع كل واحد ما
كان يعبد فيكون المؤمنون في ظل الله ولا ظل إلا ظله، ويقال لعبدة الصليب ﴿انطلقوا إلى ظل﴾ معبودكم

٤٢٠
تفسير سورة المرسلات / الآيات: ٢٩ - ٤٠
وهو الصليب وله ﴿ثلاث شعب﴾، والتشعب تفرق الجسم الواحد فرقاً ثم نفى عنه تعالى محاسن الظل،
والضمير في ﴿إنها﴾ لجهنم، وقرأ عيسى بن عمر ((بشرار)) بألف جمع شرارة وهي لغة تميم، و((القصر)) في
قول ابن عباس وجماعة من المفسرين اسم نوع القصور وهو إلا دوراً لكبار مشيدة، وقد شبهت العرب بها
النوق ومن المعنى قول الأخطل: [البسيط]
لز بجص وآجر وجيار
كأنها برج رومي يشيده
وقال ابن عباس أيضاً: ((القصر)): خشب كان في الجاهلية يقطع من جزل الحطب من النخل وغيره
على قدر الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء يسمى ((القَصَر)) واحده قصرة وهو المراد في الآية، وإنما سمي
القَصَّار لأنه يخبط بالقصرة، وقال مجاهد: ((القصر)) حزم الحطب. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس
وابن جبير ((القَصَر)) جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل وكذلك أيضاً هي في الناس، وقال ابن عباس
جذور النخل، وقرأ ابن جبير أيضاً والحسن: ((كالقِصَر)) بكسر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قصرة كحلقة
وحلق من الحديد، واختلف الناس في ((الجمالات))، فقال جمهور من المفسرين: هو جمع جمال على
تصحيح البناء كرجال ورجالات، وقال آخرون أرادبـ ((الصفر)) السود، وأنشد على ذلك بيت الأعشى:
[الخفيف]
هن صفر أولادها : كالزبيب
تلك خيلي منه، وتلك رکابي
وقال جمهور الناس: بل ((الصفر)) الفاقعة لأنها أشبه بلون الشرر بالجمالات، وقرأ الحسن ((صُفُر))
بضم الصاد والفاء، وقال ابن عباس وابن جبير: ((الجمالات)) قلوس من السفن وهي حبالها العظام إذا
جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام، وقال ابن عباس: ((الجمالات)) قطع النحاس
الكبار وكان اشتقاق هذه من اسم الجملة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((جمالة)) بكسر الجيم
لحقت التاء جمالاً لتأنيث الجمع فهي كحجر وحجارة، وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والأعمش:
((جُمالة)) بضم الجيم، وقرأ باقي السبعة والجمهور وعمر بن الخطاب ((جمالات)) على ما تفسر بكسر
الجيم، وقرأ ابن عباس أيضاً وقتادة وابن جبير والحسن وأبو رجاء بخلاف عنهم ((جُمالات)) بضم الجيم،
واختلف عن نافع وأبي جعفر وشيبة وكان ضم الجيم فيهما من الجملة لا من الجمل وكسرها من الجمل لا
من الجملة. ولما ذكر تعالى المكذبين قال مخاطباً لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ أي
يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، و﴿هذا﴾ في موطن قاض بأنهم ﴿لا ينطقون﴾ فيه إذ قد نطق
القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا. فهي مواطن. و﴿يوم﴾ مضاف إلى قوله ﴿لا ينطقون﴾. وقرأ
الأعرج والأعمش وأبو حيوة ((هذا يومَ)) بالنصب لما أضيف إلى غير متمكن بناه فهي فتحة بناء
وهو في موضع رفع، ويحتمل أن يكون ظرفاً وتكون الإشارة بـ ﴿هذا﴾ إلى رميها ﴿بشرر كالقصر﴾، وقوله
﴿فيعتذرون﴾ معطوف على ﴿يؤذن﴾ ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان،
وقوله تعالى: ﴿هذا يوم الفصل جمعناكم﴾ مخاطبة للكفار يومئذ. و((الأولون)) المشار إليهم قوم نوح وغيرهم