النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
تفسير سورة الحاقة / الآيات: ٣٠ - ٤٠
عندي أن سلطان كل أحد حاله في الدنيا من عدد وعدد، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن
الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)».
قوله عز وجل :
مُذُوهُ فَعُوهُ ﴿َ اثُمَّالْبَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿َثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعَ فَاسْلُكُوهُ (جَ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ
اَلْعَظِيمِ ﴿٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(
لَّ
٣٦
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ (٢٥) وَلَ طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
٣٤
يَأَكُلُهُ: إِلَّا الْخَطِئُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِمَانُبْصِرُونَ ﴿ وَمَا لَا نُبْصِرُونَ (٤٦) إِنَُّلَقَوْلُرَسُولِکریمٍ
٤٠
المعنى يقول الله تعالى: أو الملك بأمره للزبانية، خذوه واجعلوا على عنقه غلاً، قال ابن جرير:
نزلت في أبي جهل، و﴿ذرعها﴾ معناه مبلغ أذرع كيلها، وقد جعل الله تعالى السبعمائة والسبعين والسبعة
مواقف ونهايات لأشياء عظام، فذلك مشي البشر: العرب وغيرهم على أن يجعلوها نهايات، وهذه السلسلة
من الأشياء التي جعل فيها السبعين نهاية. وقرأ السدي: ((ذرعها سبعين)) بالياء، وهذا على حذف خبر
الابتداء، واختلف الناس في قدر هذا الذرع، فقال محمد بن المنكدر وابن جرير وابن عباس: هو بذراع
الملك، وقال نوف البكالي وغيره: الذراع سبعون باعاً في كل باع كما بين الكوفة ومكة، وهذا يحتاج إلى
سند، وقال حذاق من المفسرين: هي بالذراع المعروفة هنا، وإنما خوطبنا بما نعرفه ونحصله، وقال
الحسن: اللّه أعلم بأي ذراع هي: وقال السويد بن نجيح في كتاب الثعلبي: إن جميع أهل النار في تلك
السلسلة، وقال ابن عباس: لو وضع حلقة منها على جبل لذاب كالرصاص، وقوله تعالى: ﴿فاسلكوه﴾
معناه: ادخلوه، ومنه قول أبي وجزة السعدي يصف حمر وحش: [البسيط]
حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج
وروي أن هذه السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج من دبره فهي في الحقيقة التي سلك فيها لكن
الكلام جرى مجرى قولهم: أدخلت فمي في الحجر والقلنسوة في رأسي، وروي أن هذه السلسلة تلوى
حول الكافر حتى تغمه وتضغطه، فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك، وقوله تعالى: ﴿ولا يحض
على طعام المسكين) المراد به: ﴿ولا يحض على﴾ إطعام ﴿طعام المسكين)، وأضاف ((الطعام)) إلى
﴿المسكين﴾ من حيث له إليه نسبة ما وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر لأنها من أضر الخلال في
البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم، واختلف المتأولون في قوله: ﴿حميم﴾، فقال جمهور من
المفسرين: هو الصديق اللطيف المودة، فنفى الله تعالى أن يكون للكافر هنالك من يواليه، ونفى أن يكون
له طعام ﴿إلا من غسلين﴾، وقال محمد بن المستنير: ((الحميم)» الماء السخن، فكأنه تعالى أخبر أن الكافر
ليس له ماء ولا شيء مائع ﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾، و((الغسلين)) فيما قال اللغويون: ما يجري من الجراح
إذا غسلت، وقال ابن عباس: هو صديد أهل النار. وقال قتادة وابن زيد: الغسلين والزقوم أخبث شيء
وأبشعه، وقال الضحاك والربيع: هو شجر يأكله أهل النار، وقال بعض المفسرين: هو شيء من ضريع
٣٦٢
تفسير سورة الحاقة / الآيات: ٤١ - ٥٢
النار، لأن الله تعالى قد أخبر أنهم ليس لهم طعام ﴿إلا من غسلين﴾، وقال في أخرى: ﴿من ضريع)
[الغاشية: ٦] فهما شيء واحد أو اثنان متداخلان، ويحتمل أن يكون الإخبار هنا عن طائفة وهناك عن
طائفة، ويكون الغسلين والضريع متباينين على ما يفهم منهما في لسان العرب وخبر ليس في به، قال المهدوي: ولا
يصح أن یکون هاهنا .
:
قال القاضي أبو محمد: وقد يصح أن يكونى هنا ذلك إن شاء الله، والمخاطئ: الذي يفعل ضد
الصواب متعمداً والمخطىء الذي يفعله غير متعمد، وقرأ الحسن والزهري ((الخاطیون)) بالياء دون همز،
وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنه: ((الخاطُون)) بضم الطاء دون همزٍ، وقوله تعالى: ﴿فلا
أقسم﴾، قال بعض النحاة ((لا)) زائدة والمعنى: فأقسم، وقال آخرون منهم: ((لا)) رد لما تقدم من أقوال
الكفار، والبداءة ﴿أقسم﴾ وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((فلأقسم))، لام القسم معها ألفب أقسم، وقوله
تعالى: ﴿بما تبصرون وما لا تبصرون﴾. قال قتادة بن دعامة: أراد الله تعالى أن يعمم في هذا القسم
حميع مخلوقاته. وقال غيره: أراد الأجساد والأرواح. وهذا قول حسن عام، وقال ابن عطاء: ((ما
تبصرون))، من آثار القدرة ﴿وما لا تبصرون﴾ من أسرار القدرة، وقال قوم: أراد بقوله: ﴿وما لا تبصرون)
الملائكة والرسول الكريم جبريل في تأويل جماعة من العلماء، ومحمد صلى الله عليه وسلم في قول
آخرین وأضيف القول إليه من حيث تلاه وبلغه.
قوله عز وجل :
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿أَوَلَوْ
٤٢
وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّانُؤْمِنُونَ (4) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنْ قَلِيلًا مَّانَذَكَّرُونَ
فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ
ـا ثُمَّلَقَطَعْنَا مِنْهُ اَلْوَتِينَ ®
٤٥
نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اَلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَامِنْهُ بِالْيَمِينِ
حَجِزِينَ (®) وَإِنَّهُ لَنَذّكِرَةٌ لِلْمُنَّقِينَ ﴿١٨) وَإِنَّا لَتَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَّذِّبِينَ ﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِرِينَ
٥٠
وَإِنَّهُ لَحَقُ الْيَقِينِ (٦) فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ
٥٢
نفى الله تعالى أن يكون القرآن من ((قول شاعر)) كما زعمت قريش، ونصب ﴿قليلاً﴾. بفعل مضمر
يدل عليه ﴿تؤمنون﴾، و﴿ما﴾ يحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة، ويحتمل أن تكون مصدرية
ويتصف بالقلة، إما الإيمان وإما العدد الذي يؤمنون، فعلى اتصاف إيمانهم، بالقلة فهم الإيمان اللغوي.
لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئاً إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر
به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حق صواب، ثم نفى تعالى أن يكون ((قول كاهن)) كما زعم بعضهم،
وقرأ ابن كثير وابن عامر والحسن والجحدري: ((قليلاً ما يؤمنون وقليلاً ما يذكرون)) بالياء جميعاً .. وقرأ
الباقون: بالتاء من فوق، ورجح أبو عامر قراءة التاء بقوله تعالى: ﴿فما منكم من أحدٍ﴾ وفي مصحف
أبيّ بن كعب ((ما تتذكرون)) بتاءين، و﴿تنزيل﴾ رفع بالابتداء، أي هو ﴿تنزيل﴾، ثم أخبر تعالى أن محمداً
لو تقول عليه شيئاً لعاقبه بما ذكر، والتقول: أن يقول الإنسان عن آخر أنه قال شيئاً لم يقله. وقرأ ذكوان
٣٦٣
تفسير سورة الحاقة / الآيات: ٤١ - ٥٢
وابنه محمد: ((ولو يقول)» بالياء وضم القاف، وهذه القراءة معرضة بما صرحت به قراءة الجمهور، ويبين
التعريض قوله ﴿علينا بعض الأقاويل)، وقوله تعالى: ﴿لأخذنا منه باليمين) اختلف في معناه، فقال ابن
عباس: ﴿باليمين﴾، بالقوة ومعناه: لنلنا منه عقابه بقوة منا، أو يكون المعنى: لنزعنا قوته، وقال آخرون:
هي عبارة عن الهوان، كما يقال لمن يسجن أو يقام لعقوبة قد أخذ بيده وبيمينه، و﴿الوتين﴾: نياط
القلب، قاله ابن عباس وهو عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر، ومنه قول الشماخ: [الوافر]
عرادة فاشرقي بدم الوتين
إذا بلغتني وحملت رحلي
فمعنى الآية لأذهبنا حياته معجلاً، والحاجز: المانع، وجمع ﴿حاجزين﴾ على معنى ﴿أحد﴾ لأنه
يقع على الجميع، ونحوه قوله عليه السلام: ((ولم تحل الغنائم لأحد سوى الرؤوس قبلكم)). والضمير في قوله
تعالى: ﴿وإنه لتذكرة﴾ عائد على القرآن، وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: ﴿وإنا
لتعلم أن منكم مكذبين﴾ وعيد وكونه ﴿لحسرة على الكافرين) هو من حيث كفروا ويرون من آمن به ينعم
وهم يعذبون، وقوله تعالى: ﴿لحق اليقين﴾ ذهب الكوفيون إلى أنها إضافة الشيء إلى نفسه كدار الآخرة
ومسجد الجامع. وذهب البصريون والحذاق إلى أن الحق مضاف إلى الأبلغ من وجوهه، وقال المبرد: إنما
هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين. ثم أمر تعالى نبيه بالتسبيح باسمه العظيم. وفي ضمن ذلك
الاستمرار على رسالته والمضي لأدائها وإبلاغها ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت
هذه الآية: ((اجعلوها فى ركوعكم)) واستحب التزام ذلك جماعة من العلماء، وكره مالك لزوم ذلك لئلا يعد
واجباً فرضاً .
:٣٦٤
تفسير سورة المعارج/ الآيات: ١- ٠١١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَّهِية
◌ُوَرَةُ الْمَعَذَازة
وهي مكية لا خلاف بين الرواة في ذلك.
قوله عز وجل :
3
سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (٢) لِلْكَفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ الْجَمِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ ﴿٣ تَعْرُجُ الْمَلَئِكَةُ
﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
٦
-----
وَثَرَنَّهُ قَرِيبًا (٥) يَوْمُ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ
١٠
◌ْ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ ﴿ وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
== فروع
يُبَصَّرُونُمْ
قرأ جمهور السبعة: ((سأل)) بهمزة مخففة، قالوا والمعنى: دعا داع، والإشارة إلى من قال من قريش:
﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ [الأنفال: ٣٢]. وروي أن قائل
ذلك النضر بن الحارث، وإلى من قال: ﴿ربنا عجل لنا قطنا﴾ [ص: ١٦]، ونحو هذا، وقال بعضهم
المعنى: بحث باحث، واستفهم مستفهم، قالوا والإشارة إلى قول قريش: متى هذا الوعد؟ وما جرى
مجراه قاله الحسن وقتادة، فأما من قال استفهم مستفهم فالباء توصل توصيل عن، كأنه قال عن عذاب،
وهذا كقول علقمة بن عبدة: [الطويل]
بصير بأدواء النساء طبيب
فإن تسألوني بالنساء فإنني
وقرأ نافع بن عامر: ((سال سائل)) ساكنة الألف، واختلفت القراءة بها، فقال بعضهم: هي ((سأل))
المهموزة، إلا أن الهمزة سهلت كما قال لا هناك المرتع ونحو ذلك. وقال بعض هي لغة من يقول سلت
أسأل، ويتساولون، وهي بلغة مشهورة حكاها سيبويه، فتجيء الألف منقلبة من الواو التي هي عين كقال
وحاق، وأما قول الشاعر [حسان بن ثابت]: [البسيط]
ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب
سالت هذيل رسول الله فاحشة
فإن سيبويه قال: هو على لغة تسهيل الهمزة. وقال غيره: هو على لغة من قال: سلت، وقال بعضهم
في الآية: هو من سال يسيل: إذا جرى وليست من معنى السؤال، قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يسمى
سايلاً، والاخبار هاهنا عنه.
:
٣٦٥
تفسير سورة المعارج / الآيات: ١ - ١١
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل إن لم يصح أمر الوادي أن يكون الإخبار عن نفوذ القدر بذلك
العذاب قد استعير له لفظ السيل لما عهد من نفوذ السيل وتصميمه، وقرأ ابن عباس: ((سال سيْل» بسكون
الياء، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود: ((سال سال)) مثل قال قال، ألقيت الياء من الخط تخفيفاً، والمراد
(سائل)). وسؤال الكفار عن العذاب حسب قراءة الجماعة إنما كان على أنه كذب. فوصفه الله تعالى بأنه
﴿واقع﴾ وعيداً لهم. وقوله تعالى: ﴿للكافرين﴾. قال بعض النحويين: اللام توصل المعنى توصيل
(على)). وروي أنه في مصحف أبي بن كعب: ((على الكافرين))، وقال قتادة والحسن المعنى: كأن قائلاً
قال لمن هذا العذاب الواقع؟ فقيل ﴿للكافرين﴾. و﴿المعارج﴾ في اللغة الدرج في الأجرام، وهي هنا
مستعارة في الرتب والفواضل والصفات الحميدة، قاله قتادة وابن عباس. وقال ابن عباس: ﴿المعارج)
السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء. وقال الحسن: هي المراقي إلى السماء، وقوله:
﴿تعرج الملائكة﴾ معناه: تصعد على أصل اللفظة في اللغة. ﴿والروح) عند جمهور العلماء: هو جبريل
عليه السلام خصصه بالذكر تشريفاً. وقال مجاهد: ﴿الروح) ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم
لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة. وقال بعض المفسرين: هو اسم الجنس في أرواح الحيوان.
واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾. فقال منذر بن سعيد وجماعة
من الحذاق: المعنى ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم﴾ من أيامكم هذه مقدار المسافة أن لو عرجها
آدمي خمسون ألف سنة، وقاله ابن إسحاق فمن جعل ﴿الروح﴾ جبريل أو نوعاً من الملائكة قال: المسافة
هي من قعر الأرض السابعة إلى العرش، قاله مجاهد. ومن جعل ﴿الروح﴾ جنس الحيوان قال المسافة من
وجه هذه الأرض إلى منتهى العرش علواً، قاله وهب بن منبه. وقال قوم المعنى: ﴿تعرج الملائكة والروح
إليه في يوم كان مقداره﴾ في نفسه ﴿خمسين ألف سنة﴾ من أيامكم، ثم اختلفوا في تعيين ذلك اليوم،
فقال عكرمة والحكم: أراد مدة الدنيا فإنها خمسون ألف سنة، لا يدري أحد ما مضى منها ولا ما بقي،
فالمعنى ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ في مدة الدنيا، وبقاء هذه البنية ويتمكن على هذا في ﴿الروح)
أن يكون جنس أرواح الحيوان، وقال ابن عباس وغيره: بل اليوم المشار إليه يوم القيامة ثم اختلفوا، فقال
بعضهم قدره في الطول قدر خمسين ألف سنة، وهذا هو ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من
رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له صفائح من نار يوم القيامة، تكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان
مقداره ألف سنة)). وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: بل قدره في هوله وشدته ورزاياه للكفار قدر
﴿خمسين ألف سنة﴾. وهذا كما تقول في اليوم العصيب، إنه كسنة ونحو هذا قال أبو سعيد، قيل يا رسول
الله ما أطول يوماً مقداره خمسون ألف سنة، فقال: ((والذي نفسي بيده ليخف على المؤمن حتى يكون عليه
أخف من صلاة مكتوبة))، وقال عكرمة: المعنى كان مقدار ما ينقضي فيه من القضايا والحساب قدر ما
ينقضي بالعدل في ﴿خمسين ألف سنة﴾ من أيام الدنيا. وقد ورد في يوم القيامة أنه كألف سنة وهذا يشبه أن
يكون في طوائف دون طوائف. والعامل في قوله ﴿في يوم﴾ على قول من قال إنه يوم القيامة قوله ﴿دافع)
وعلى سائر الأقوال ﴿تعرج﴾، وقرأ جمهور القراء: ((تعرج)) بالتاء من فوق، وقرأ الكسائي وحده: ((يعرج))
بالياء لأن التأنيث بالياء غير حقيقي، وبالياء من تحت قرأ ابن مسعود لأنه كان يذكر الملائكة وهي قراءة
i
:
٠
٣٦٦
تفسير سورة المعارج / الآيات: ١-١١
الأعمش، ثم أمر تعالى نبيه بالصبر الجميل، وهو الذي لا يلحقه عيب من فشل ولا بتشكك ولا قلة رضى
ولا غير ذلك. والأمر بالصبر الجميل محكم في كل حالة، وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وقوله
تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيداً﴾ يعني يوم القيامة لأنهم يكذبون به، فهو في غاية البعد عندهم، والله تعالى يراه
﴿قريباً﴾ من حيث هو واقع وآت وكل آت قريب. وقال بعض المفسرين: الضمير في ﴿يرونه﴾ عائد على
العذاب. وقوله تعالى: ﴿يوم تكون﴾ نصب بإضمار فعل أو على البدل من الضمير المنصوب، و((المهل)):
عكر الزيت قاله ابن عباس وغيره، فهي لسوادها وانكدار أنوارها تشبه ذلك. والمهل أيضاً: ماء أذيب من
فضة ونحوها قاله ابن مسعود وغيره: فيجيء له ألوان وتميع مختلط، والسماء أيضاً - للأهوال التي تدركها -
تصير مثل ذلك، و((العهن)): الصوف دون تقييد. وقد قال بعض اللغويين: هو الصوف المصبوغ ألواناً،
وقيل المصبوغ أي لون كان، وقال الحسن: هو الأحمر، واستدل من قال إنه المصبوغ ألواناً بقول زهير:
[الطويل]
نزلن به حب الفنا لم يحطم
كأن فتات العهن في كل منزل
وحب الفنا هو عنب الثعلب، وكذلك هو عند طيبه، وقبل تحطمه ألوان بعضه أخضر، وبعضه أصفر،
وبعضه أحمر، لاختلافه في النضج، وتشبه ﴿الجبال﴾ به على هذا القول لأنها جدد بيض وحمر وسود
فيجيء التشبيه من وجهين في الألوان وفي الانتفاش. ومن قال إن العهن: الصوف دون تقييد، وجعل
التشبيه في الانتفاش وتخلخل الأجزاء فقط. قال الحسن: والجبال يوم القيامة تسير بالرياح ثم يشتد الأمر
فتنهد ثم يشتد الأمر بها فتصير هباء منبئاً. وقرأ السبعة والحسن والمدنيون وطلحة والناس: ((ولا يَسأل)) على
بناء الفعل للفاعل، والحميم في هذا الموضع: القريب والوالي، والمعنى لا يسأله نصرة ولا منفعة لعلمه أنه
لا يجدها عنده، قال قتادة: المعنى لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة قد بصر كل أحد حالة الجميع، وشغل
بنفسه. وقرأ ابن كثير من طريق البزي وأبو جعفر وشيبة بخلاف عنهما وأبو حيوة ((لا يُسأل)) على بناء الفعل
للمفعول. فالمعنى: ولا يسأل إحضاره لأن كل مجرم له سيما يعرف بها، وكذلك كل مؤمن لهَ سيما خير.
وقيل المعنى: لا يسأل عن ذنبه وأعماله ليؤخذ بها وليزر وزره. و﴿يبصرونهم﴾ على هذه القراءة قيل معناه
في النار. وقال ابن عباس في المحشر يبصر بالحميم حميمه ثم يفر عنه لشغله بنفسه. وتقول: بصر فلان
بالشيء، وبصرته به أريته إياه ومنه قول الشاعر: [الوافر]
وأما الآن فاقتصدي وقيلي
إذا بصَّرتك البيداء فاسري
وقرأ قتادة بسكون الباء وكسر الصاد خفيفة، فقال مجاهد: ﴿يبصرونهم﴾ معناه يبصر المؤمنون الكفار
في النار، وقال ابن زيد: يبصر الكفار من أضلهم في النار عبرة وانتقاماً عليهم وخزياً لهم.
قوله عز وجل :
يَوَدُّالْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِذٍ بِيَنِيهِ ﴿ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ ﴿ وَفَصِيلَتِّهِالَّى تُحْوِ ﴿وَ مَن
فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَ يُجِيهِ ﴿ كَلَّ إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةٌ لِّلِشَوَىِ ﴿َتَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ®] وَجَمَعَ فَأَوْعَ
٣٦٧
تفسير سورة المعارج / الآيات: ١١ - ٢٣
إِنَّالْإِنِسَنَ خُلِقَ هُلُوعًا (٦) إِذَا مَسَهُ الشَّرُّ جُرُوعًاْ () وَإِذَا مَسَهُ اْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿ إِلَّ الْمُصَلِّينَ
١٨
٢٣
الَّذِبِنَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ
٢٢
﴿المجرم﴾ في هذه الآية الكافر بدليل شدة الوعد وذكر ﴿لظى﴾ وقد يدخل مجرم المعاصي فيما ذكر
من الافتداء، وقرأ جمهور الناس: ((يومئذ)) بكسر الميم، وقرأ الأعرج بفتحها، ومن حيث أضيف إلى غير
متمكن جاز فيه الوجهان. وقرأ أبو حيوة ((من عذاب)) منوناً ((يومَئذ)) مفتوح الميم، والصاحبة: هنا الزوجة،
والفصيلة في هذه الآية قرابة الرجل الأدنون، مثال ذلك بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وسلم، والفصيلة
في كلام العرب: أيضاً الزوجة، ولكن ذكر الصاحبة في هذه الآية لم يبق في معنى الفصيلة إلا الوجه الذي
ذكرناه. وقوله ﴿ثم ينجيه﴾ الفاعل هو الفداء الذي تضمنه قوله ﴿لو يفتدي﴾ فهو المتقدم الذكر. وقرأ
الزهري ((تؤويهُ)) و ((تنجيهُ)) برفع الهاءين، وقوله تعالى: ﴿كلا إنها لظى﴾ رد لقولهم وما ودوه
أي ليس الأمر كذلك، ثم ابتدأ الإخبار عن ﴿لظى﴾ وهي طبقة من طبقات جهنم، وفي
هذا اللفظ تعظيم لأمرها وهولها. وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر والناس: ((نزاعةٌ)) بالرفع، وقرأ حفص عن
عاصم: ((نزاعةً)) بالنصب، فالرفع على أن تكون ﴿لظى﴾ بدلاً من الضمير المنصوب، ((ونزاعةُ)) خبر ((إن))
أو على إضمار مبتدأ، أي هي نزاعة أو على أن يكون الضمير في ﴿إنّها﴾ للقصة، و﴿لظى﴾ ابتداء
و («نزاعةٌ)) خبره، أو على أن تكون ﴿لظى﴾ خبر و «نزاعةٌ)) بدل من ﴿لظى﴾، أو على أن تكون ﴿لظى﴾ خبراً
و ((نزاعةٌ)) خبراً بعد خبر. وقال الزجاج: ((نزاعةٌ))، رفع بمعنى المدح.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول بأنها خبر ابتداء تقديره هي نزاعة، لأنه إذا تضمن الكلام
معنى المدح أو الذم جاز لك القطع رفعاً بإضمار مبتدأ أو نصباً بإضمار فعل. ومن قرأ بالنصب فذلك إما
على مدح ﴿لظى﴾ كما قلنا، وإما على الحال من ﴿لظى﴾ لما فيها من معنى التلظي، كأنه قال: كلا إنها النار
التي تتلظى نزاعةً، قال الزجاج: فهي حال مؤكدة و: ((الشوى)) جلد الإنسان، وقيل جلد الرأس والهامة،
قاله الحسن. ومنه قول الأعشى: [مجزوء الكامل]
قد جللت شيباً شواته
قالت قتيلة ماله
ورواه أبو عمرو بن العلاء سراته فلا شاهد في البيت على هذه الرواية. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابياً
يقول اقشعرت شواتي، و((الشوى)) أيضاً: قوائم الحيوان، ومنه عبل الشوى، و((الشوى)) أيضاً: كل عضو
ليس بمقتل، ومنه رمى فأشوى إذا لم يصب المقتل، وقال ابن جرير: ((الشوى)) العصب والعقب، فنار لظى
تذهب هذا من ابن آدم وتنزعه. وقوله تعالى: ﴿تدعو من أدبر وتولى﴾ يريد الكفار، واختلف الناس في
دعائها، فقال ابن عباس وغيره: هو حقيقة تدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقال الخليل بن أحمد هي
عبارة عن حرصها عليهم واستدنائها لهم، وما توقعه من عذابها، وقال ثعلب: ﴿تدعو﴾، معناه: تهلك،
تقول العرب: دعاك الله أي أهلكك، وحكاه الخليل عن العرب، و﴿أوعى﴾ معناه: جعلها في الأوعية
تقول: وعيت العلم وأوعيت المال والمتاع، ومنه قول الشاعر [عبيد بن الأبرص]: [البسيط]
٣٦٨
تفسير سورة المعارج / الآيات: ٢٤ - ٣١
والشر أخبث ما أوعيت من زاد
الخير يبقى وإن طال الزمان به
وهذه إشارة إلى كفار أغنياء جعلوا جمع المال أوكد أمرهم، ومعنى حياتهم فجمعوه من غير حل
ومنعوه من حقوق الله، وكان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه، ويقول: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وجمع
فأوعى﴾. وقوله تعالى: ﴿إن الإنسان) عموم لاسم الجنس، لكن الإشارة هنا إلى الكفار، لأن الأمر فيهم
وكيد كثير، والهلع جزع واضطراب يعتري الإنسان عند المخاوف وعند المطامع ونحوه قوله عليه السلام:
((شر ما في الإنسان شح هالع)). وقوله ﴿إذا مسه﴾، الآية، مفسر للهلع، وقوله تعالى: ﴿إلا المصلين﴾ أي
إلا المؤمنين الذين أمر الآخرة أوكد عليهم من أمر الدنيا، والمعنى أن هذا المعنى فيهم يقل لأنهم يجاهدون
بالتقوى، وقرأ الجمهور: ((على صلاتهم)) بالإفراد، وقرأ الحسن: ((صلواتهم)) بالجمع. وقوله تعالى:
﴿دائمون﴾ قال الجمهور المعنى: مواظبون قائمون لا يملون في وقت من الأوقات فيتركونها وهذا في
المكتوب، وأما النافلة فالدوام عليها الإكثار منها بحسب الطاقة، وقد قال عليه السلام: ((أحب العمل إلى
الله ما داوم عليه صاحبه)). وقال ابن مسعود: الدوام صلاتها لوقتها، وتركها كفر، وقال عقبة بن عامر:
﴿دائمون﴾ يقرؤون في صلاتهم ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً. ومنه الماء الدائم.
قوله عز وجل :
◌َ لْلِسَآئِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدّينِ ﴿ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ
وَلَِّينَ فِىِ أَوَلِهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ (
إِلَّا عَلَى
وَاُلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِقُونَ
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ
٢٧
عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ أَبْثَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
٣١
قال قتادة والضحاك: ((الحق المعلوم)) هي الزكاة المفروضة، وقال الحسن ومجاهد وابن عباس: هذه
الآية في الحقوق التي في المال سوى الزكاة وهي ما ندبت الشريعة إليه من المواساة، وقد قال ابن عمر
ومجاهد والشعبي وكثير من أهل العلم: إن في المال حقاً سوى الزكاة وهذا هو الأصح في هذه الآية لأن
السورة مكية، وفرض الزكاة وبيانها إنما كان بالمدينة. و((السائل)): المتكفف، ﴿والمحروم﴾ المحارف
الذي قد ثبت فقره ولم تنجح سعاياته لدنياه، قالت عائشة: هو الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وقال بعض
أهل العلم، ﴿المحروم﴾: من احترق زرعه، وقال بعضهم ﴿المحروم﴾: من ماتت ماشيته، وهذه أنواع
الحرمان لأن الاسم يستلزم هذا خاصة، وقال عمر بن عبد العزيز ﴿المحروم﴾: الكلب أراد، والله أعلم أن
يعطي مثالاً من الحيوان ذي الكبد الرطبة لما فيه من الأجر حسب الحديث المأثور، وقال الشعبي: أعياني
أن أعلم ما المحروم. وحكى عنه النقاش أنه قال: وهو ابن سبعين سنة سألت عنه وأنا غلام فما وجدت
شفاء.
قال القاضي أبو محمد: يرحم الله الشعبي فإنه في هذه المسألة محروم، ولو أخذه اسم جنس فيمن
عسرت مطالبه بان له، وإنما كان يطلبه نوعاً مخصوصاً كالسائل، و﴿يوم الدين﴾ هو يوم القيامة، سمي
٣٦٩
تفسير سورة المعارج / الآيات: ٣٢ - ٣٩
بذلك لأنه يوم المجازاة، و﴿الدين﴾: الجزاء كما تقول العرب:
كما تدين تدان
ومنه قول الفند الزماني : [الهزج]
ولم يبق سوى العدوا
ن دناهم كما دانوا
والإشفاق من أمر يتوقع، لأن نيل عذاب الله للمؤمنين متوقع، والأكثر ناج بحمد الله، لكن عذاب الله
لا يأمنه إلا من لا بصيرة له، والفروج في هذه الآية: هي الفروج المعروفة، والمعنى من الزنى، وقال
الحسن بن أبي الحسن أراد فروج الثياب وإلى معنى الوطء يعود. ثم استثنى تعالى الوطء الذي أباحه
الشرع في الزوجة والمملوكات. وقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم﴾ وحسن دخول ﴿على﴾ في هذا
الموضوع قوله: ﴿غير ملومين﴾، فكأنه قال: إلا أنهم غير ملومين على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم.
وقوله تعالى: ﴿ابتغى﴾ معناه: طلب، وقوله: ﴿وراء ذلك﴾ معناه: سوى ما ذكر، كأنه أمر قد حد فيه حد،
فمن طلب بغيته وراء الحد فهو كمستقبل حد في الأجرام وهو يتعدى، وراءه: أي خلفه، و﴿العادون﴾ :
الذين يتجاوزون حدود الأشياء التي لها حدود كان ذلك في الأجرام أو في المعنى .
قوله عز وجل :
٣٤
وَالَّذِينَ هُ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٣٣
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَتَنِهِمْ وَعَهْدِهِم رَعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُم ◌ِشَهْدَتِهِمْ قَيِعُونَ
◌َ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ عِزِينَ {﴾] أَيَطْمَعُ
٣٠
أُوْلَئِكَ فِى جَنَّتٍ مُّكْرَمُونَ (٦٥َّ ◌َالِ الَّذِينَ كَفَرُوْقِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
كُلُّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴿ كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
٣٩
الأمانات: جمع أمانة، وجمعها لأنها تكون متنوعة من حيث هي في الأموال وفي الأسرار فيما بين
العبد وربه فيما أمره ونهاه عنه، قال الحسن: الدين كله أمانة. وقرأ ابن كثير وحده من السبعة: ((لأمانتهم))
بالإفراد، والعهد: كل ما تقلده الإنسان من قول أو فعل أو مودة، إذا كانت هذه الأشياء على طريق البر، فهو
عهد ينبغي رعيه وحفظه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((حسن العهد من الإيمان)) و: ﴿راعون﴾
جمع راع أي حافظ، وقوله تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾ معناه في قول جماعة من المفسرين:
أنهم يحفظون ما يشهدون فيه، ويتيقنونه ويقومون بمعانيه حتى لا يكون لهم فيه تقصير، وهذا هو وصف من
تمثيل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((على مثل الشمس فاشهد)). وقال آخرون معناه الذين إذا كانت
عندهم شهادة ورأوا حقاً يدرس أو حرمة لله تنتهك قاموا بشهادتهم، وقال ابن عباس: شهادتهم في هذه
الآية: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له)). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير الشهداء
الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)»، واختلف الناس في معنى هذا الحديث بحسب المعنيين اللذين ذكرت
في الآية، إحداهما: أن يكون يحفظهما متقنة فيأتي بها ولا يحتاج أن يستفهم عن شيء منها ولا أن
يعارض. والثاني: إذا رأى حقاً يعمل بخلافه وعنده في إحياء الحق شهادة. وروي أيضاً عن النبي صلى الله
٣٧٠
تفسير سورة المعارج / الآيات: ٣٢ - ٣٩
عليه وسلم أنه قال: ((سيأتي قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن)).
واختلف الناس في معنى هذا الحديث، فقال بعض العلماء: هم قوم مؤمنون يتعرضون ويحرصون على
وضع أسمائهم في وثائق الناس، وينصبون لذلك الحبائل من زي وهيئة وهم غير عدول في أنفسهم فيغرون
بذلك ویضرون .
قال القاضي أبو محمد: فهذا في ابتداء الشهادة لا في أدائها، ويجيء قوله عليه السلام: ((ولا
يستشهدون))، أي وهم غير أهل لذلك، وقال آخرون من العلماء: هم شهود الزور، لأنهم يؤدونها والحال
لم تشهدهم ولا المشهود عليه، وقرأ حفص عن عاصم: ((بشهاداتهم)) على الجمع وهي قراءة
عبد الرحمن، والباقون ((بشهادتهم)) على الإفراد الذي هو اسم الجنس. والمحافظة على الصلاة إقامتها في
أوقاتها بشروط صحتها وكمالها، وقال ابن جريج: يدخل في هذه الآية التطوع. وقوله تعالى: ﴿فمال الذين
كفروا قبلك مهطعين﴾ الآية نزلت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند الكعبة أحياناً ويقرأ
القرآن، فكان كثير من الكفار يقومون من مجالسهم مسرعين إليه يتسمعون قراءته ويقول بعضهم لبعض:
شاعر وكاهن ومفتر وغير ذلك. و﴿قبلك﴾ معناه فيما يليك، و: ((المهطع)) الذي يمشي مسرعاً إلى شيء
قد أقبل عليه ببصره. وقال ابن زيد: لا يطرف، و: ﴿عزين﴾ جمع عزة، قال بعض النحاة أصلها عزوة،
وقال آخرون منهم: أصلها عزهة، وجمعت بالواو والنون عوضاً مما انحذف منها نحو سنة وسنون، ومعنى
العزة: الجمع اليسير فكأنهم كانوا ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ومنه قول الراعي: [الكامل]
أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمسى سوامهمُ عَزِينَ فَلولاً
وقال أبو هريرة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم حلق متفرقون فقال: ((ما لي
أراكم عزين)) وقوله تعالى: ﴿أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم﴾ نزلت لأن بعض الكفار قال: إن
كانت ثم آخرة وجنة فنحن أهلها وفيها، لأن الله تعالى لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك إلا
لرضاه عنا. وقرأ السبعة والحسن وطلحة: ((يُدخَل)) بضم الياء وفتح الخاء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ
المفضل عن عاصم وابن يعمر والحسن وأبو رجاء وطلحة: ((يَدخُل))، بفتحها وضم الخاء على بناء الفعل
للفاعل. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ رد لقولهم وطمعهم: أي ليس الأمر كذلك، ثم أخبر عن خلقهم من نطفة
قذرة، فأحال في العبارة عنها إلى علم الناس أي فمن خلق من ذلك فليس بنفس خلقه يعطى الجنة، بل
بالأعمال الصالحة إن كانت. وقال قتادة في تفسيرها: إنما خلقت من قذر با ابن آدم فاتق الله، وقال أنس
كان أبو بكر إذا خطبنا ذكر مناتي ابن آدم ومروره من مجرى البول مرتين وكونه نطفة في الرحم ثم علقة ثم
مضغة إلى أن يخرج فيتلوث في نجساته طفلًا فلا يقلع أبو بكر حتى يقذر أحدنا نفسه.
قوله عز وجل :
فَذَرْ هُمْ يَخُوضُواْ
عَبْ أَن تُبَدِّلَ خَيْرًامِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِنَ
٤٠
فَلَ أُقْسِمُ بِرَبِّالَْشْرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّ لَقَدِرُونَ
®َ خَشِعَةً
يَوْمَ يَخْرُونَ مِن ◌ْأَجْدَاثِ سِرَاءَكَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ◌َ
وَيَلْعَبُواْحَتَّى يَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
٣٧١
تفسير سورة المعارج / الآيات : ٤٠ - ٤٤
أَبْصَرُ هُمْ تَزْهَفُهُمْ ◌ِلَةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُالَِّى كَانُوايُ عَدُونَ
٤٤
قرأ الجمهور: ((فلا أقسم)) وذلك على أن تكون ((لا)) زائدة، أو تكون رداً لفعل الكفار وقولهم ثم يقع
الابتداء بالقسم. وقرأ قوم من القراء ((فلأقسم)) دون ألف مفردة، و﴿المشارق والمغارب﴾ هي مطالع
الشمس والقمر وسائر الكواكب وحيث تغرب، لأنها مختلفة عند التفضيل فلذلك جمع، وقرأ عبد الله بن
مسلم وابن محيصن: ((برب المشرق والمغرب)) على الإفراد، ومتى ورد ((المشرق والمغرب))، وهي عبارة
عن موضع الشروق وموضع الغروب بجملته وإن كان يتفصل بالصاد، ومتى ورد المشرقان والمغربان فهي
عبارة عن طرفي مواضع الشروق وطرفي موضع الغروب. وأقسم الله تعالى في هذه الآية بمخلوقاته على
إيجاب قدرته على أن يبدل خيراً من ذلك العالم، وأنه لا يسبقه شيء إلى إرادته. وقوله تعالى: ﴿فذرهم
يخوضوا﴾ الآية وعيد وما فيه من معنى المهادنة فمنسوخ بآية السيف. وروي عن ابن كثير أنه قرأ: ((يلقوا))
بغير ألف، وهي قراءة أبي جعفر وابن محيصن. و﴿يوم يخرجون﴾ بدل من قولهم ﴿يومهم). وقرأ
الجمهور: ((يَخرُجون)) بفتح الياء وضم الراء. وروى أبو بكر عن عاصم: ضم الياء وفتح الراء.
و: ﴿الأجداث﴾ القبور، والنصب: ما نصب للإنسان فهو يقصد مسرعاً إليه من علم أو بناء أو صنم لأهل
الأصنام. وقد كثر استعمال هذا الاسم في الأصنام حتى قيل لها الأنصاب، ويقال لشبكة الصائد نصب.
وقال أبو العالية ﴿إلى نصب يوفضون﴾ معناه: إلى غايات يستبقون. وقرأ جمهور السبعة وأبو بكر عن
عاصم ((نَصب)) بفتح النون، وهي قراءة أبي جعفر ومجاهد وشيبة وابن وثاب والأعرج، وقرأ الحسن وقتادة
بخلاف عنهما: ((نُصب)) بضم النون. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: ((نُصُب)) بضم النون والصاد وهي
قراءة الحسن أيضاً وأبي العالية وزيد بن ثابت وأبي رجاء وقرأ مجاهد وأبو عمران الجوني ((إلى نَصَب)) بفتح
النون والصاد و﴿يوفضون﴾ معناه: يسرعون ومنه قول الراجز: [الرجز]
خرجاء ظلت تطلب الاضاضا
لأنعتنّ نعامة ميفاضا
و﴿خاشعة﴾ نصب على الحال، ومعناه ذليلة منكسرة، و﴿ترهقهم﴾ معناه: تظهر عليهم وتلح
وتضيق نفوسهم، ومن هذه اللفظة المرهق من السادة بحوائج الناس، والمرهق بالدين، وخلق فيها رهق أي
إسراع إلى الناس وسيف فلان فيه رهق، ومنه مراهقة الاحتلام، وإرهاق الصلاة أي مزاحمة وقتها .
نجز تفسير ((سورة المعارج)) والحمد لله كثيراً .
٣٧٢
مجسات
تفسير سورة نوح / الآيات: ١ -٤
بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.. 4
سُور لا لوح
وهي مكية بإجماع من المتأولين. قال أبي بن كعب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ سورة
نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح.
قوله عز وجل :
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ إِّى لَكُمْنَذِيرٌ
مُبِينٌ ﴾َ أَنِ اعْبُدُ واْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونٌ ﴿ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِرَّكُمْ إِلَى أَجَّلِ مُسَمِّى إِنَّ
أَجَلَ اللَّهِإِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَرُلَوْكُمْ تَعْلَمُونَ!
٤
(نوح)) عليه السلام هو نوح بن لامك، وقد مر ذكره وذكر عمره صلى الله عليه وسلم، وصرف نوح مع
عجمته وتعريفه لخفته وسكون الوسط من حروفه، وقوله: ﴿أن أنذر قومك﴾ يحتمل أن تكون ﴿أن﴾:
مفسرة لا موضع لها من الإعراب، ويحتمل أن يكون التقدير ((بأن أنذر قومك)) وهي على هذا في موضع
نصب عند قوم من النحاة، وفي موضع خفض عند آخرين، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((إلى قومه أنذر
قومك)) دون ﴿أن﴾، والعذاب الذي توعدوا به: يحتمل أن يكون عذاب الدنيا وهو الأظهر والأليق بما يأتي
بعد، ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة. وقرأ جمهور السبعة: ((أن اعبدوا))، بضم النون من ((أن)) إتباعاً
الضمة الباء وتركاً لمراعاة الحائل لخفة السكون، فهو كأن ليس ثم حائل. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو،
وفي رواية عبد الوارث ((أن اعبدوا))، بكسر النون وهذا هو الأصل في التقاء الساكنين من كلمتين.
و﴿يغفر﴾ جواب الأمر وقوله تعالى: ﴿من ذنوبكم﴾ قال قوم ﴿من﴾ زائدة، وهذا نحو كوفي، وأما الخليل
وسيبويه فلا يجوز عندهم زيادتها في الواجب، وقال قوم: هي لبيان الجنس، وهذا ضعيف لأنه ليس هنا
جنس يبين، وقال آخرون هي بمعنى ((عن)). وهذا غير معروف في أحكام ((من))، وقال آخرون: هي لابتداء
الغاية وهذا قول يتجه كأنه يقول يبتدىء الغفران من هذه الذنوب العظام التي لهم. وقال آخرون: هي
للتبعيض، وهذا عندي أبين الأقوال، وذلك أنه لو قال: ((يغفر لكم ذنوبكم)) لعم هذا اللفظ ما تقدم من
الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجبُّ ما قبله، فهي بعض من ذنوبهم، فالمعنى يغفر لكم
ذنوبكم، وقال بعض المفسرين: أراد ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ المهم الموبق الكبير لأنه أهم عليهم، وبه
ربما كان اليأس عن الله قد وقع لهم وهذا قول مضمنه أن ﴿من﴾ للتبعيض والله تعالى الموفق. وقرأ أبو
٣٧٣
تفسير سورة نوح / الآيات: ٥ - ١١
عمرو: ﴿يغفر لكم﴾ بالإدغام، ولا يجيز ذلك الخليل وسيبويه، لأن الراء حرف مكرر، فإذا أدغم في اللام
ذهب التكرير واختل المسموع. وقوله تعالى: ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ مما تعلق المعتزلة به في
قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحداً محدوداً لما صح التأخير، إن كان الحد قد
بلغ ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ.
قال القاضي أبو محمد: وليس لهم في الآية تعلق، لأن المعنى أن نوحاً عليه السلام، لم يعلم هل
هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟ ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أجل قد حان لكم، لكن قد سبق في الأزل
أنهم إما ممن قضى لهم بالإيمان والتأخير وإما ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة، فكأن نوحاً عليه السلام
قال لهم: آمنوا يبين لكم أنكم ممن قضي لهم بالإيمان والتأخير، وإن بقيتم فسيبين لكم أنكم ممن قضي
عليه بالكفر والمعاجلة ثم تشدد هذا المعنى ولاح بقوله: ﴿إِن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾. وقد حكى مكي
القول بالأجلين ولم يقدره قدره، وجواب ﴿لم﴾، مقدر يقتضيه اللفظ كأنه قال: فما كان أحزمكم أو أسرعكم
إلى التوبة ﴿لو كنتم تعلمون﴾.
قوله عز وجل :
◌َْا فَلَمْ يَزِدُ هُمْدُ عَاءِىِّلَّا فِرَارًا (٢) وَ إِنَّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَلَهُمْ
قَالَ رَبِّ إِنِّ دَعَوْتُ قَوْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا
ثُمَّإِنِ دَعَوْتُهُمْ
٧
جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أُسْتِكْبَارًا
ثُمَّ إِّ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارَالْ فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُ وْرَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَقَّارًا
١٠
جِهَارًا جَ
يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
١١
هذه المقالة قالها نوح عليه السلام بعد أن طال عمره وتحقق اليأس عن قومه، وقوله: ﴿ليلاً ونهاراً﴾
عبارة عن استمرار دعائه، وأنه لم ين فيه قط، ويروى عن قتادة أن نوحاً عليه السلام كان يجيئه الرجل من
قومه بابنه فيقول: احذر هذا الرجل فإن أبي حذرني إياه، ويقول له إنه مجنون. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو
عمرو وابن عامر: ((دعائي إلا)) بالهمز وفتح الياء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((دعائيْ)) بسكون الياء دون
همز، وروی شبل عن ابن كثير: بنصب الياء دون همز مثل هداي، وقرأ عاصم أيضاً وسلام ويعقوب: بهمز
وياء ساكنة. وقوله: ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم﴾ معناه: ليؤمنوا فيكون ذلك سبب الغفران. وقوله
تعالى: ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم﴾ يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون عبارة عن إعراضهم،
وشدة رفضهم لأقواله، وكذلك قوله: ﴿استغشوا ثيابهم﴾ معناه: جعلوها أغشية على رؤوسهم، والإصرار
الثبوت على معتقد ما، وأكثر استعماله في الذنوب، ثم كرر عليه السلام صفة دعائه لهم بياناً وتأكيداً
وجهاراً يريد علانية في المحافل، والإسرار ما كان من دعاء الأفراد بينه وبينهم على انفراد، وهذا غاية
الجد. وقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم يرسل السماء﴾ يقتضي أن الاستغفار سبب لنزول المطر في كل
أمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استسقى بالناس فلم يزد على أن استغفر ساعة ثم
٣٧٤
تفسير سورة نوح / الآيات: ١٢ - ٢٠
انصرف فقال له قوم: ما رأيناك استسقيت يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد استنزلت المطر بمجادح
السماء، ثم قرأ الآية، وسقى رضي الله عنه، وشكى رجل إلى الحسن الجرب فقال له: استغفر الله،
وشكى إليه آخر الفقر، فقال: استغفر إليه، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له استغفر الله،
فقيل له في ذلك، فنزع بهذه الآية .
٠٠
قال القاضي أبو محمد: والاستغفار الذي أحال عليه الحسن ليس هو عندي لفظ الاستغفار فقط، بل
الإخلاص والصدق في الأعمال والأقوال، فكذلك كان استغفار عمر رضي الله عنه، وروي أن قوم نوح
كانوا قد أصابهم قحوط وأزمة ، فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر ثم ثنى بالأموال والبنين. قال قتادة:
لأنهم كانوا أهل حب للدنيا وتعظيم لأمرها فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبونها، و((مدرار)):
مفعال من الدر، كمذكار ومئناث، وهذا البناء لا تلحقه التأنيث.
قوله عز وجل :
وَيُمْدِ دَكُمْ بِأَمَّوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْجَتَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْأَنْهَرَّ ◌ِجَ مَّا لَكُمْلَا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَارًا () وَقَدْ خَلَقَكُمْ
أَطْوَارًا (٣٦) أَمْتَرَوْاْكَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا (﴿ وَجَعَلَ اْلْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ
سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ اْأَرْضِ نَبَاتَالِ ثُمَّيُعِيذُ كُمْفِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا لَهَا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ
٢٠
اَلْأَرْضَ بِسَاطًا (٣٦) لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِيجَاجًا لـ
وعدهم بالأموال والبنين والجنات والأنهار لمكان حبهم للدنيا، واختلف الناس في معنى قوله تعالى
حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿ما لكم لا ترجون الله وقاراً﴾ فقال أبو عبيدة وغيره: ﴿ترجون﴾ معناه
تخافون، ومنه قول الشاعر [أبو ذؤيب الهذلي]: [الطويل]
وحالفها في بيت ثوب عواسل
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها.
قالوا والوقار: العظمة والسلطان، فكأن الكلام على هذا وعيد وتخويف، وقال بعض العلماء
﴿ترجون﴾ على بابها في الرجاء وكأنه قال: ما لكم لا تجعلون رجاءكم لله وتلقاءه وقاراً، ويكون على هذا
التأويل منهم كأنه يقول: تؤدة منكم وتمكناً في النظر لأن الكفر مضمنه الخفة والطيش وركوب الرأس،
وقوله تعالى: ﴿وقد خلقكم أطواراً﴾ قال ابن عباس ومجاهد: هي إشارة إلى التدريج الذي للإنسان في
بطن أمه من النطفة والعلقة والمضغة، وقال جماعة من أهل التأويل هي إشارة إلى العبرة في اختلاف ألوان
الناس وخلقهم وخلقهم ومللهم، والأطوار: الأحوال المختلفة. ومنه قول التابغة: [البسيط]
والمرء يخلق طوراً بعد أطوار
فإن أفاق فقد طارت عمايته
وقرأ ((ألم تروا)) وقرأ ((ألم يروا)) على فعل الغائب و﴿طباقاً﴾ قيل هو مصدر أي مطابقة أي جعل كل
واحدة طبقاً للأخرى ونحو قول امرئ القيس: [الرمل]
طبق الأرض تجري وتدر
٣٧٥
تفسير سورة نوح / الآيات: ٢١ - ٢٥
وقيل هو جمع طبق، وهو نعت لسبع، وقرأ ابن أبي عبلة، ((طباقٍ)) بالخفض على النعت
لـ ﴿سموات﴾، وقوله تعالى: ﴿وجعل القمر فيهن﴾ ساغ ذلك لأن القمر من حيث هو في إحداها فهو في
الجميع، ويروى أن القمر في السماء الدنيا، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العباس: إن
الشمس والقمر أقفارهما إلى الأرض وإقبال نورهما وارتفاعه في السماء، وهو الذي تقتضيه لفظة السراج،
وقيل إن الشمس في السماء الخامسة، وقيل في الرابعة، وقال عبد الله بن عمر: هي في
الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة. وقوله تعالى: ﴿أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ استعارة من
حيث أخذ آدم عليه السلام من الأرض ثم صار الجميع ﴿نباتاً﴾ منه، وقوله تعالى: ﴿نباتاً﴾ مصدر جار
على غير المصدر، التقدير فنبتم ﴿نباتاً﴾، والإعادة فيها: هي بالدفن فيها الذي هو عرف البشر،
والإخراج: هو البعث يوم القيامة لموقف العرض والجزاء، وقوله تعالى: ﴿بساطاً﴾ يقتضي ظاهره أن
الأرض بسيطة كروية واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في نفسه اللهم إلا أن يتركب على القول بالكروية نظر
فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله تعالى، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة. واستدل ابن
مجاهد على صحة ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، فقال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها.
والسبل: الطرق والفجاج: الواسعة.
قوله عز وجل :
وَمَكَرُوامَكْرًا كُبَّارًا
قَالَ نُحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِىِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّْتَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلََّ خَسَارًا!
٢١
٢٢
وَقَالُواْ لَنَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُمْ وَلَنَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْكَثِيرًا وَلَا
مِّمَّا خَطِيّئَنِمْ أَغْرِقُواْ فَأَدْخِلُوْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ
٢٤
نَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلََّضَلَلا
٢٥
نصَارًا
أَ
المعنى فلما لم يطيعوا ويئس نوح من إيمانهم قال نوح: ﴿رب إنهم عصوني﴾ واتبعوا أشرافهم
وغواتهم، فعبر عنهم بأن أموالهم وأولادهم زادتهم ﴿خساراً﴾ أي خسراناً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة
والكسائي ونافع في رواية خارجة عنه («وُلْده)) بضم الواو وسكون اللام، وهي قراءة ابن الزبير والحسن
والأعرج والنخعي ومجاهد، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر ((ووَلَده)) بفتح اللام والواو وهما يمعنى واحد كُبُخْل
وبَخَل وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن وأبي رجاء وابن وثاب وأبي جعفر وشيبة، وقرأ ((وولده) بكسر
الواو والجحدري وزر والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق وطلحة، وقال أبو عمرو: ((وُلْد)) بضم الواو وسكون
اللام العشيرة والقوم، وقال أبو حاتم یمکن أن یکون الولد بضم الواو جمع الولد وذلك كخشب وخشب،
وقد قال حسان بن ثابت: [الكامل]
ما بكر آمنة المبارك بكرها من ولد محصنة بسعد الأسعد
وقرأ جمهور الناس: ((كبّاراً)) بشد الباء وهو بناء مبالغة، نحو حسان. قال عيسى: وهي لغة يمانية
وعليها قول الشاعر [أبو صدقة الدبيري]: [الكامل]
1
٣٧٦
تفسير سورة نوح / الآيات: ٢١ - ٢٥
خلق الكريم وليس بالوضاء
والمرء يلحقه بفتيان الندى
بضم الواو، وقرأ ابن محيصن وعيسى ابن عمر ((كبار)) بتخفيف الباء وهو بناء مبالغة إلا أنه دون
الأول، وقرأ ابن محيصن فيما روى عنه أبو الأخريط وهب بن واضح بكسر الكاف، وقال ابن الأنباري جمع
كبير فكأنه جعل المكر مكان ذنوب أفاعل ونحوه. وقوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم﴾ إخبار عن
توصيهم بأصنامهم على العموم، وما كان منها مشهور المكانة، وما كان منها يختص بواحد واحد من
الناس، ثم أخذوا ينصون على المشهور من الأصنام، وهذه الأصنام روي أنها: أسماء رجال صالحين كانوا
في صدر الدنيا، فلما ماتوا صورهم أهل ذلك العصر من الحجر، وقالوا: ننظر إليها فنذكر أفعالهم فهلك
ذلك الجيل وكثر تعظيم الآخر لتلك الحجارة، ثم كذلك حتى عبدت ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها،
وقيل بل الأسماء فقط إلى قبائل من العرب، فكانت ((ودّ)) في كلب بدومة الجندل، وكانت ((سواع» في هذيل،
وكانت ﴿يغوث﴾ في مراد، وكانت ﴿يعوق) في همذان، وكانت ((نسر)» في ذي الكلاع من حمير. وقرأ
نافع وحده ورويت عن عاصم بضم الواو. وقرأ الباقون والأعمش والحسن وطلحة وشيبة وأبو جعفر:
بخلاف عن الثلاثة ((وَداً)) بفتح الواو، وقال الشاعر: [البسيط]
حياك ود فإنا لا يحل لنا لهو النساء وإن الدين قد عزما
فيقال إنه أراد بذلك الصنم، وقال آخر [الحطيئة]: [الطويل]
فحياك ود ما هداك لفتية وخوص بأعلى ذي فضالة هجد.
يروى البيتان بضم الواو، وقرأ الأعمش: ((ولا يغوثاً ويعوقاً» بالصرف، وذلك وهم، لأن التعريف لازم
ووزن الفعل. وقوله: ﴿وقد أضلوا كثيراً﴾ هو إخبار نوح عنهم وهو منقطع مما حكاه عنهم. والمعنى وقد
أضل هؤلاء القائلون كثيراً من الناس الأتباع والعوام، ثم دعا عليهم إلى الله تعالى بأن لا يزيدهم إلا
ضلالاً، وذكر ﴿الظالمين) لتعم الدعوة كل من جرى مجراهم. وقال الحسن في كتاب النقاش: أراد بقوله
﴿وقد أضلوا﴾، الأصنام المذكورة وعبر عنها بضمير من يعقل من حيث يعاملها جمهور أهلها معاملة من
يعقل، ويسند إليها أفعال العقل. وقوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى لمحمد عليه.
السلام، أي أن دعوة نوح أجيبت فآل أمرهم إلى هذا، و((ما)» الظاهرة: في قوله ﴿مما﴾ زائدة فكأنه قال: من
خطيئاتهم أغرقوا وهي لابتداء الغاية، وقرأ ((مما خطيئتهم)) على الإفراد الجحدري والحسن، وقرأ أبو عمرو
وحده والحسن وعيسى والأعرج وقتادة بخلاف عنهم ((مما خطاياهم)) على تكسير الجمع. وقال: ﴿فأدخلوا
ناراً﴾ يعني جهنم، وعير عن ذلك بفعل الماضي من حيث الأمر متحقق. وقيل أراد عرضهم على النار غدواً
وعشياً عبر عنهم بالإدخال. وقوله: ﴿فلم يجدوا﴾ أي لم يجد المغرقون أحداً سوى الله ينصرهم ويصرف
عنهم بأس الله تعالی.
قوله عز وجل :
إِنَّكَ إِن تَذَرُهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُ وَ أَإِلَّا
وَقَالَ نُحُ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارَ الْأَـ
٣٧٧
تفسير سورة نوح / الآيات: ٢٦ - ٢٨
فَاجِرًا كَفَّارًالثََّرَّبِّ اغْفِرْلِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا
فَزِدِ الطَّالِمِينَ إِلََّ غْبَارًا
٢٨
روى محمد بن كعب والربيع وابن زيد، أن نوحاً عليه السلام لم يدع بهذه الدعوة إلا بعد أخرج الله
تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأعقم أرحام النساء قبل العذاب بسبعين سنة، قال قتادة: وبعد أن أوحى الله
تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وقد كان قبل ذلك طامعاً حدباً عليهم. وفي حديث النبي
صلى الله عليه وسلم ((أنه ربما ضربه ناس منهم أحياناً حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي
فإنهم لا يعلمون)). و ﴿ديًّاراً﴾ أصله ديواراً وهو فِيعَال من الدوران أي من يجيء ویذهب يقال منه دوار وزنه
فيعال أصله ديوار، وهذا كالقوام والقيام. وقرأ جمهور الناس: ((ولوالدي)) وقرأ أبي بن كعب ((ولأبوي))،
وقرأ سعيد بن جبير ((ولوالدِي)) بكسر الدال يخص أباه بالدعوة. وقال ابن عباس: لم يكفر بنوح ما بينه وبين
آدم عليه السلام، وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري: ((ولولَديَّ)) بفتح اللام وشد الياء المفتوحة وهي قراءة
النخعي يخص بالدعاء ابنيه، وبيته: المسجد فيما قال ابن عباس وجمهور المفسرين. وقال
ابن عباس أيضاً: بيته: شريعتهُ ودينه استعار لها بيتاً كما يقال: قبة الإسلام، وفسطاط الدين.
وقيل أراد سفينته، وقيل داره. وقوله: ﴿للمؤمنين والمؤمنات﴾ تعميم بالدعاء لمؤمني كل أمة، وقال بعض
العلماء: إن الذي استجاب لنوح عليه السلام فأغرق بدعوته أهل الأرض الكفار لجدير أن يستجيب له
فيرحم بدعوته المؤمنين. و: ((التبار)) الهلاك وذهاب الرسم، وقرأ حفص عن عاصم وهشام وأبو قرة عن
نافع: ((بيتي)) بتحريك الياء، وقرأ الباقون بسكونها .
٣٧٨
+ تفسير سورة الجنّ / الآيات: ١ - ٥
بسْمِ اللهِ الزَّحمَن الرَّحِيِ
ء
سُورَةُ الحُرّ
٠٠ ..
1
وهني مكية بإجماع من المفسرين.
قوله عز وجل :
٠٠٠
قُلْ أُوحِىَ إِلَى أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌّمِّنَ الِحِنْ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَ انَاعَجَبَا ◌ْ يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَتَّابِهٍ، وَلَن
تُشْرِكَ بِرَقِنَا أَحَدًا ﴿ْ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَامَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا (٢) وَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى
اُللَّهِ شَطَطَالْ وَأَنَا ظَنَّا أَن ◌َّنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
قرأ جمهور الناس ((قل أوحي إلي)) من أوحى يوحي. وقرأ أبو أناس جوية بن عائذ: ((قل أوحى
إلي)»، من وحى يحي ووحى وأوحى، بمعنى واحد، وقال العجاج: ((وحى لها القرار فاستقرت)). وقرأ أيضاً
جوية فيما روى عنه الكسائي، ((قل أحي)) أبدلت الواو همزة كما أبدلوها في وسادة وإسادة، وغير ذلك.
وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، وحكى الطبري عن عاصم أنه كان يكسر كل ألف في السورة من ((أن)) و((إن)) إلا
قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨]. وحكي عن أبي عمرو أنه يكسر من أولها إلى قوله ﴿وإن لو
استقاموا على الطريقة﴾ [الجن: ١٦] فإنه كان يفتح همزة وما بعدها إلى آخر السورة. فعلى ما حكي يلزم
أن تكون الهمزة مكسورة في قوله ((إنه استمع)»، وليس ما ذكر بثابت. وذكر أبو علي الفارسي أن ابن كثير
وأبا عمرو فتحا أربعة أحرف من السورة وكسرا غير ذلك ﴿أنه استمع﴾، ﴿وإن لو استقاموا﴾ [الجن: ١٦]،
﴿وإن المساجد﴾ [الجن: ١٨]، ﴿وإنه لما قام﴾ [الجن: ١٩]،، وأن نافعاً وعاصماً في رواية أبي بكر
والمفضل وافقا في الثلاثة وكسرا ﴿وإنه لما قام﴾ [الجن: ١٩] مع سائرما في السورة. وذكر أن ابن عامر
وحمزة والكسائي كانوا يقرأون كل ما في السورة بالفتح إلا ما جاء بعد قول أو فاء جزاء، وكذلك حفص عن
عاصم، فترتب إجماع القراء على فتح الألف من ﴿أنه استمع﴾ و((أن لو استقاموا)) ((وأن المساجد)). وذكر
الزهراوي عن علقمة أنه كان يفتح الألف في السورة كلها. واختلف الناس في الفتح من هذه الألفات وفي
الكسر اختلافاً كثيراً يطول ذكره وحصره وتقصي معانيه. قال أبو حاتم: أما الفتح فعلى ﴿أوحي﴾، فهو ذله في
موضع رفع على ما لم يسم فاعله. وأما الكسر فحكاية وابتداء وبعد القول. وهؤلاء النفر من الجن هم
الذين صادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ببطن نخلة في صلاة الصبح وهو يريد عكاظ. وقد تقدم
قصصهم في سورة الأحقاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن﴾ [الأحقاف: ٢٩].
٣٧٩
-.
تفسير سورة الجنّ / الآيات: ١ - ٥
وقول الجن: ﴿إنا سمعنا) الآيات، هو خطاب منهم لقومهم الذين ولوا إليهم منذرين، و﴿قرآناً
عجباً﴾ معناه ذا عجب، لأن العجب مصدر يقع من سامع القرآن لبراعته وفصاحته ومضمناته، وليس نفس
القرآن هو العجب. وقرأ جمهور الناس ((إلى الرُّشْد)) بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفي ((إلى
الرَّشَد)) بفتح الراء والشين. وقرأ عيسى (إلى الرُّشد)) ومن كسر الألف من قوله ((وإنه تعالى)) فعلى القطع
ويعطف الجملة على قوله ﴿إنا سمعنا﴾، ومن فتح الألف من قوله ((وأنه تعالى)) اختلفوا في تأويل ذلك،
فقال بعضهم هي عطف على ﴿أنه استمع﴾، فيجيء على هذا قوله ﴿تعالى﴾ مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه
وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق. وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في ﴿به﴾ فكأنه يقول
فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض
دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن. وقرأ جمهور الناس ((جدُّ ربنا)) بفتح الجيم وضم الدال وإضافته إلى
الرب، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته .
وروي عن أنس أنه قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد في أعيننا أي عظم. وقال
أنس بن مالك والحسن: ﴿جد ربنا﴾ معناه، فهذا هو من الجد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:
((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)»، وقال مجاهد: ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ المجدود من الخيرات
والأوصاف الجميلة، فجد الله تعالى هو الحظ الأكمل من السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة، ومن
هذا قول اليهودي حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: ((يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون)) أي
حظكم من الخيرات وبختكم. وقال علي بن الحسين رضي الله عنه وأبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن
أنس ليس لله جد، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن، جعلوا الله جداً أبا أب. قال كثير من المفسرين هذا
قول ضعيف. وقوله: ﴿ولن نشرك بربنا أحداً﴾ يدفعه، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم
للقرآن. وقرأ محمد بن السميفع اليماني ((جِد ربنا)) وهو من الجد والنفع. وقرأ عكرمة ((جَدَّ ربُنا)) بفتح
الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ربنا فـ ((ربنا)) بدل والجد العظيم في اللغة .
وقرأ حميد بن قيس ((جُد ربنا)) بضم الجيم. ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه وبإضافته إلى الرب فكأنه قال
عظيم، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما تقول جاءني
کریم زيد تريد زيداً الكريم ويجري مجرى هذا عند بعضهم.
قول المتنبي [البسيط]
عظيم الملك في المقل
أراد الملك العظيم قال بعض النحاة، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم
والحقير، وقرأ عكرمة أيضاً ((جَداً ربُّنا)) بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب ((جداً)) على التمييز
كما تقول تفقأت شحماً وتصببت عرقاً، وقرأ قتادة ((جِداً ربُّنا)) بكسر الجيم ورفع الباء وشد الدال، فنصب
جداً على الحال ومعناه تعالى حقيقة ومتمكناً. وهذا معنى غير الأول، وقرأ أبو الدرداء ((تعالى ذكر ربنا))،
وروي عنه ((تعالى جلال ربنا)). وقوله تعالى: ﴿وإنه كان يقول﴾ لا خلاف أن هذا من قول الجن، وكسر
٣٨٠
تفسير سورة الجنّ / الآيات: ٦ - ١٠
الألف فيه أبين وفتحها لا وجه له إلا اتباع العطف على الضمير. كأنهم قالوا الآن بأنه ﴿سفيهنا﴾ كان قوله
﴿شططاً﴾. والسفيه المذكور قال جميع المفسرين هو إبليس لعنه الله. وقال آخرون هو: اسم جنس، لكل
سفيه منهم. ولا محالة أن إبليس صدر في السفهاء وهذا القول أحسن. والشطط: التعدي وتجاوز الحد
بقول أو فعل ومنه قول الأعشى : [البسيط]
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط
وقوله تعالى: ﴿وإنا ظننا﴾ هو كلام أولئك النفر لا يحتمل غير ذلك، وكسر الألفُ فيه أبين.
والمعنى: إنا كنا نظن قبل إيماننا أن الأقوال التي تسمع من إبليس وغواة الجن والإنس في جهة الآلهة وما
يتعلق بذلك حق وليست بكذب، لأنا كنا نظن بهم أنهم لا يكذبون على الله ولا يرضون ذلك. وقرأ جمهور
الناس ((تقول)). وقرأ الحسن والجحدري وابن أبي بكرة ويعقوب ((تقَوَّلَ)) بفتح القاف والواو وشد الواو،
والتقول خاص بالكذب، والقول عام له وللصدق، ولكن قولهم ﴿كذباً﴾ يرد القول هنا معنى التقول.
قوله عز وجل :
:
١٠٠ *
وَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَكُمْ أَن ◌َّنْ يَبْعَثَ
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنِسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا
اَللَّهُ أَحَدَّا ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبَالِهَ وَأَنَّا كُنَانَفْعُدُ مِنْهَا
مَقَعِدَ لِلسَّمْعَ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَارَّصَدًا ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِى أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ
أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدَ
١٠
هذه الألف من ﴿أنه﴾ كان مما اختلف في فتحها وكسرها والكسر أوجه. والمعنى في الآية ما كانت
العرب تفعله في أسفارها وتعزبها في الرعي وغيره، فإن جمهور المفسرين رووا أن الرجل كان إذا أراد
المبيت أو الحلول في واد، صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا اا ادي، إني أعوذ بك من السفهاء الذين في
طاعتك فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه، فروي أن الجن كانت عند ذلك تقول: ما
نملك لكم ولأنفسنا من الله شيئاً. قال مقاتل: أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا
ذلك في العرب. وروي عن قتادة أن الجن لذلك كانت تحتقر بني آدم وتزدريهم لما ترى من جهلهم،
فكانوا يزيدونهم مخافة ويتعرضون للتخيل لهم بمنتهى طاقاتهم ويغوونهم في إرادتهم لما رأوا رقة
أحلامهم، فهذا هو الرهق الذي زادته الجن ببني آدم. وقال مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير: بنو آدم زادوا
الجن ﴿رهقاً﴾ وهي الجرأة والانتخاء عليهم والطغيان وغشيان المحارم والإعجاب، لأنهم قالوا سدنا الجن
والإنس، وقد فسر قوم الرهق بالإثم وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى: [البسيط]
لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقا
لا شيء ینفعني من دون رؤیتها
قال معناه ما لم يغش محرماً فالمعنى زادت الإنس والجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً
لمحارم الله. وقوله ﴿وأنهم ظنوا كما ظننتم﴾ يريد به بني آدم الكفار. وقوله ﴿كما ظننتم﴾، مخاطبة