النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ تفسير سورة الملك / الآيات: ١٦ - ٢٠ يعلم الله من خلق؟ قال مكي: وتعلق أهل الزيغ بهذا التأويل لأنه يعطي أن الذين خلقهم الله هم العباد من حيث قال: ﴿من﴾ فتخرج الأعمال عن ذلك، لأن المعتزلة تقول: العباد يخلقون أعمالهم. قال القاضي أبو محمد: وتعلقهم بهذا التأويل ضعيف، والكلام مع المعتزلة في مسألة خلق الأعمال مأخذه غير هذا، لأن هذه الآية حجة فيها لهم ولا عليهم، والذلول فعول بمعنى مفعول أي مذلول. فهي كركوب وحلوب، يقال: ذلول، بين الذل بضم الذال، واختلف المفسرون في معنى: المناكب، فقال ابن عباس: أطرافها وهي الجبال، وقال الفراء ومنذر بن سعيد: جوانبها، وهي النواحي، وقال مجاهد: هي الطرف والفجاج، وهذا قول جار مع اللغة، لأنها تنكب يمنة ويسرة، وينكب الماشي فيها، في مناكب. وهذه الآية تعديد نعم في تقريب التصرف للناس، وفي التمتع فقي رزق الله تعالى، و﴿النشور): الحياة بعد الموت . قوله عز وجل : أَمْ أَمِنْتُمْ مَّنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ ءَأَمِنِئُمْ مَن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِى تَمُورُ عَلَيْكُمْ حَاصِبًّاً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿ أَوَّلَمْ جَ أَمَّنْ هَذَا يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَّقَّتٍ وَيَقْبِضُنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّإِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ الَّذِى هُوَ جُنٌّ لَّكُمْ يَنْصُرُكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنّ إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِىِ غُرُورٍ ٢٠ قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: ((أأمنتم)) بهمزتين مخففتين دون مد، وقرأ أبو عمرو ونافع: ((النشور آمنتم)) بمد وهمزة، وقرأ ابن كثير: ((النشور وأمنتم)) ببدل الهمزة واواً لكونها بعد ضمة وهو بعد الواو. وقوله تعالى: ﴿من في السماء﴾ جار على عرف تلقي البشر أوامر الله تعالى، ونزول القدر بحوادثه ونعمه ونقمه وآياته من تلك الجهة، وعلى ذلك صار رفع الأيدي والوجوه في الدعاء إلى تلك الناحية . وخسف الأرض: أن تذهب سفلاً، و﴿تمور﴾ معناه: تذهب وتتموج كما يذهب التراب الموار وكما يذهب الدم الموار. ومنه قول الأعرابي: وغادرت التراب موراً، والحاصب: البرد وما جرى مجراه لأنه في اللغة الريح ترمي بالحصباء، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] بحاصب كنديف القطن منشور مستقبلين شمال الريح ترجمهم وقرأ جمهور السبعة: ((فستعلمون)) بالتاء، وقرأ الكسائي وحده: ((فسيعلمون)) بالياء، وقرأ السبعة وغيرهم: ((نذير)) بغير ياء على طريقهم في الفواصل المشبهة بالقوافي، وقرأ نافع في رواية ورش وحده: ((نذيري)) بالياء على الأصل، وكذلك في ((نكيري)) والنكير: مصدر بمعنى الإنكار، والنذير كذلك. ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر] فأنذر مثلها نصحاً قريشاً من الرحمن ان قلبت نذيري ٣٤٢ تفسير سورة الملك / الآيات: ٢١ - ٢٥ ثم أحال على العبرة في أمر ﴿الطير)، وما أحكم من خلقتها وذلك بين عجز الأصنام والأوثان عنه، و: ﴿صافات﴾ جمع صافة، وهي التي تبسط جناحيها وتصفهما حتى كأنها ساكنة، وقبض الجناح: ضمه إلى الجثة ومنه قول أبي خراش: [الطويل] يحث الجناح بالتبسط والقبض وهاتان حالان للطائر يستريح من إحداهما للأخرى. وقوله تعالى: ﴿ويقبضن﴾ عطف المضارع على اسم الفاعل وذلك جائز كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: [الرجز] بات يغشِّيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر وقرأ طلحة بن مصرف: ((أمَن)) بتخفيف الميم في هذه، وقرأ التي بعدها مثقلة كالجماعة والجند أعوان الرجل على مذاهبه، وقوله تعالى: ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾ خطاب لمحمد بعد تقرير، قل لهم يا محمد ﴿أمن هذا﴾ . قوله عز وجل : ج أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُّكُمْإِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّعْجُّواْ فِى عُتُّوٌ وَنُفُورٍ (٦) أَفَنْ يَمْشِىِ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىّ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىَّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلًا وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَكُمُ ٢٤ قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ مُحْشَرُونَ ٢٣ مَّاتَشْكُرُونَ صَدِقِينَ هذا أيضاً توقيف على أمر لا مدخل للأصنام فيه، والإشارة بالرزق إلى المطر، لأنه عظم الأرزاق، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم: ﴿لجوا﴾ وتمادوا في التمنع عن طاعة الله، وهو العتو في نفور، أي بعد عن الحق بسرعة ومبادرة، يقال: نفر عن الأمر نفوراً، وإلى الأمر نفيراً، ونفرت الدابة نفاراً. واختلف أهل التأويل في سبب قوله: ﴿أفمن يمشي مكباً﴾ الآية، فقال جماعة من رواة الأسباب: نزلت مثلاً لأبي جهل بن هشام وحمزة بن عبد المطلب، وقال ابن عباس وابن الكلبي وغيره: نزلت مثلاً لأبي جهل بن هشام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد والضحاك: نزلت مثالاً للمؤمنين والكافرين على العموم، وقال قتادة: نزلت مخبرة عن حال القيامة، وإن الكفار يمشون فيها على وجوههم، والمؤمنون يمشون على استقامة، وقيل للنبي: كيف يمشي الكافر على وجهه؟ قال: ((إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر على أن يمشيه في الآخرة على وجهه)). قال القاضي أبو محمد: فوقف الكفار على هاتين الحالتين حينئذ، ففي الأقوال الثلاثة الأول المشي مجاز يتخيل، وفي القول الرابع هو حقيقة يقع يوم القيامة ويقال: أكب الرجل، إذا رد وجهه إلى الأرض، وكبه: غيره، قال عليه السلام: ((وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم)»، فهذا الفعل ٣٤٣ تفسير سورة الملك / الآيات : ٢٦ - ٣٠ خلاف للباب: أفعل لا يتعدى وفعل يتعدى، ونظيره قشعت الريح فأقشع، و﴿أهدى﴾ في هذه الآية أفعل من الهدى، وقرأ طلحة: ((أمَن يمشي)) بتخفيف الميم، وإفراد ﴿السمع﴾ لأنه اسم جنس يقع للكثير و﴿قليلاً﴾ نصب بفعل مضمر، و﴿ما﴾: مصدرية، وهي في موضع رفع، وقوله: ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ يقتضي ظاهره أنهم يشكرون قليلاً، فهذا إما أن يريد به ما عسى أن يكون للكافر من شكر وهو قليل غير نافع، وإما أن يريد جملة فعبر بالقلة كما تقول العرب: هذه أرض قل ما تنبت كذا، وهي لا تنبته بتة، ومن شكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه النعمة أنه كان يقول في سجوده: ((سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره))، و((ذرأكم)) معناه: بثكم والحشر المشار إليه، هو بعث القيامة، وإليه أشار بقوله: ﴿هذا الوعد﴾ فأخبر تعالى أنهم يستعجلون أمر القيامة، ويوقفون على الصدق، في الإخبار بذلك. قوله عز وجل: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةٌ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ ٢٦ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِينٌ هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ تَذَّعُونَ (*) قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَتِى اللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْرَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ أ ج قُلّ ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّابِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِ ضَلَلِمُّبِينٍ ٢٨ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآ ؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ٣٠ أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بأن علم القيامة والوعد الصدق هو مما تفرد الله به، وأن محمداً إنما هو نذير يعلم ما علم ويخبر بما أمر أن يخبر به، وقوله: ﴿فلما رأوه﴾ الضمير للعذاب الذي تضمنه الوعد، وهذه حكاية حال تأتي المعنى: ﴿فإذا رأوه﴾ و: ﴿زلفة﴾ معناه قريباً. قال الحسن: عياناً. وقال ابن زيد: حاضراً، و: ﴿سيئت﴾ معناه: ظهر فيها السوء، وقرأ جمهور الناس: ((سِيئت)) بكسر السين، وقرأ أبو جعفر الحسن ونافع أيضاً وابن كثير وأبو رجاء وشيبة وابن وثاب وطلحة: بالإشمام بين الضم والكسر. وقرأ جمهور الناس ونافع بخلاف عنه: ((تدّعون)) بفتح الدال وشدها، على وزن: تفتعلون، أي تتداعون أمره بينكم، وقال الحسن: يدّعون أنه لا جنة ولا نار، وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك وقتادة وابن يسار وسلام: ((يدْعون)» بسكون الدال على معنى: يستعجلون، كقولهم: عجل لنا قطنا، وأمطر علينا حجارة وغير ذلك، وروي في تأويل قوله: ﴿قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا﴾ الآية، أنهم كانوا يدعون على محمد وأصحابه بالهلاك، وقيل بل كانوا يترامون بينهم بأن يهلكوه بالقتل ونحوه فقال الله تعالى: قل لهم أرأيتم إن كان هذا الذي تريدون بنا وتم ذلك فينا، أو أرأيتم إن رحمنا الله فنصرنا ولم يهلكنا من يجيركم من العذاب الذي يوجبه كفركم على كل حال؟ وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، وعن عاصم: ((إن أهلكنيَ الله ومن معيَ)) بنصب الياءين، وأسكن الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر الياء في : ((معي)) وقرأ حمزة: بإسكان الياءين، وروى المسيب عن نافع أنه أسكن ياء: ((أهلكني))، قال أبو علي التحريك في الياءين حسن وهو الأصل، والإسكان كراهية الحركة في حرف اللين، يتجانس ذلك، وقرأ ٣٤٤ تفسير سورة الملك / الآيات: ٢٦ - ٣٠ الكسائي وحده: ((فسيعلمون)) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة، ثم وقفهم تعالى على مياههم التي يعيشون منها إن غارت أي ذهبت في الأرض، ومن يجيئهم بماء كثير واف، والغور: مصدر يوصف به على معنى المبالغة، ومنه قول الأعرابي : وغادرت التراب مورا والماء غورا. والمعين: فعيل من معنى الماء إذا كثر أو مفعول من العين، أي جار كالعين، أصله معيون، وقيل هو من العين، لكن من حيث يرى بعين الإنسان، لا من حيث يشبه بالعين الجارية، وقال ابن عباس: ﴿معين﴾ عذب وعنه في كتاب الثعلبي: ﴿معين﴾ جار، وفي كتاب النقاش: ﴿معين) ظاهر، وقال بعض المفسرين وابن الكلبي: أشير في هذا الماء إلى بئر زمزم، وبئر ميمون، ويشبه أن تكون هاتان عظم ماء مكة، وإلا فكانت فيها بئار كثيرة كخم والجفر وغيرهما. والله المستعان. ٣٤٥ تفسير سورة القلم / الآيات : ١ - ١١ بسم اللهِ الزَحمَن الرَّحِيةِ شُورَةُ القَلْ وهي مكية، ولا خلاف فيها بين أحد من أهل التأويل. قوله عز وجل : ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ جَ وَإِنَّكَ ٢ تْ وَاُلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿﴿ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ـ) بِأَيَسِّكُمُ الْمَفْتُونُ ®) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٢ْفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( وَدُّواْ لَوْتُدْهِنٌ فَيُدْ هِنُونَ ﴿ وَلَا تُطِعْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَ عْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍقَّشَاءِ بَمِيمٍ﴾ ﴿نَّ﴾ حرف مقطع في قول الجمهور من المفسرين، فيدخله من الخلاف ما يدخل أوائل السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال مجاهد وابن عباس: نون، اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما يروى. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: النون اسم للدواة، فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب، أو تكون لفظة أعجمية عربت،. قال الشاعر: [الوافر] ألقت النون بالدمع السجوم إذا ما الشوق برح بي إليهم فمن قال إنه اسم الحوت جعل ﴿القلم﴾ الذي خلقه الله تعالى وأمره فكتب الكائنات وجعل الضمير في ﴿يسطرون﴾ للملائكة، ومن قال بأن ((نون)) اسم للدواة، جعل ﴿القلم﴾ هذا المتعارف بأيدي الناس. نص ذلك ابن عباس وجعل الضمير في ﴿يسطرون﴾ للناس، فجاء القسم على هذا بمجموع أم الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم أخ اللسان، ومطية الفطنة، ونعمة من الله عامة. وروى معاوية بن قرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿نَ﴾ لوح من نور، وقال ابن عباس وغيره: هو حرف من حروف الرحمن، وقالوا إنه تقطع في القرآن: ﴿الر﴾ [يونس: ١، هود: ١، يوسف: ١، إبراهيم: ١، الحجر: ١] و﴿حم﴾ [غافر: ١، فصلت: ١، الشورى: ١، الزخرف: ١، الدخان: ١، الجاثية: ١، الأحقاف: ١]، و﴿ن﴾، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف ((نونَ)) بالنصب، والمعنى: اذكر نونَ، وهذا يقوى مع أن يكون اسماً للسورة، فهو مؤنث سمي به مؤنث، ففيه تأنيث وتعريف، ولذلك لم ينصرف، وانصرف نوح، لأن الخفة بكونه على ثلاثة أحرف غلبت على العجمة، وقرأ ٣٤٦ تفسير سورة القلم / الآيات : ١ - ١١ ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن: ((نونٍ)) بكسر النون، وهذا كما تقول في القسم بالله، وكما تقول: ((جبر)) وقيل كسرت لاجتماع الساكنين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم: ((نونْ)) بسكون النون، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه الوقوف عليه، وقرأ قوم، منهم الكسائي : ﴿ن والقلم﴾ بالإدغام دون غنة، وقرأ آخرون بالإدغام وبغنة، وقرأ الكسائي ويعقوب عن نافع وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار. و﴿يسطرون﴾ معناه: يكتبون سطوراً، فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به، وإن أراد بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها، وقوله: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ هو جواب القسم و﴿ما﴾ هنا عاملة لها اسم وخبر، وكذلك هي حيث دخلت الباء في الخبر، وقوله: ﴿بنعمة ربك﴾ اعتراض، كما يقول الإنسان: أنت بحمد الله فاضل. وسبب هذه الآية، أن قريشاً رمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون، وهو ستر العقول، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون، فنفى اللّه تعالى ذلك عنه وأخبره بأن له الأجر، وأنه على الخلق العظيم، تشريفاً له ومدحاً . واختلف الناس في معنى: ﴿ممنون﴾ فقال أكثر المفسرين هو الواهن المنقطع، يقال. حبل منين، أي ضعيف. وقال آخرون: معناه ﴿غير ممنون﴾ عليك أي لا يكدره من به. وقال مجاهد: معناه غير مصرد ولا محسوب محصل أي بغير حساب، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: خلقه القرآن أدبه وأوامره، وقال علي رضي الله عنه: الخلق العظيم أدب القرآن، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، أما أن الظاهر من الآية أن الخلق هي التي تضاد مقصد الكفار في قولهم مجنون، أي غير محصل لما يقول، وإنما مدحه تعالى بكرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب، ومنه قوله عليه السلام: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وقال جنيد: سمي خلقه عظيماً، إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى، عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وفي وصية بعض الحكماء عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق، وحسن الخلق خير كله. وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة، قائم الليل وصائم النهار)). وقال: ((ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن))، وقال: ((أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقاً»، والعدل والإحسان والعفو والصلة من الخلق. وقوله تعالى: ﴿فستبصر﴾ أي أنت وأمتك، و﴿يبصرون﴾ أي هم. واختلف الناس في معنى قوله: ﴿بأيكم المفتون﴾. فقال أبو عثمان المازني: الكلام تام في قوله: ﴿يبصرون﴾، ثم استأنف قوله: ﴿بأيكم المفتون﴾، وقال الأخفش بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، وأما الباء فقال أبو عبيدة معمر وقتادة: هي زائدة، والمعنى: أيكم المفتون. وقال الحسن والضحاك: ﴿المفتون﴾ بمعنى الفتنة، كما قالوا: ما له معقول، أي عقل، وكما قالوا: اقبل ميسوره ودع معسوره، فالمعنى: ﴿بأيكم﴾ هي الفتنة والفساد الذي سموه جنوناً، وقال آخرون: ﴿بأيكم﴾ فتن ﴿المفتون﴾ وقال الأخفش، المعنى: ﴿بأيكم﴾ فتنة ﴿المفتون﴾، ثم حذف المضاف وأقيم ما أضيف إليه مقامه، وقال مجاهد والفراء: الياء بمعنى: في أي، في أي فريق منكم النوع المفتون. ٣٤٧ تفسير سورة القلم / الآيات: ١٢ - ٢٠ قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن قليل التكلف، ولا نقول إن حرفاً بمعنى حرف بل نقول إن هذا المعنى يتوصل إليه بـ ((في)) وبالباء أيضاً، وقرأ ابن عبلة ((في أيكم المفتون)). وقوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل﴾ الآية، وعيد، والعامل في قوله: ﴿بمن ضل﴾، ﴿أعلم) وقد قواه حرف الجر فلا يحتاج إلى إضمار فعل. وقوله تعالى: ﴿فلا تطع المكذبين) يريد قريشاً، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمناه، وودوا أن يداهنهم النبي صلى الله عليه وسلم ويميل إلى ما قالوا فيميلوا هم أيضاً إلى قوله ودينه، والادهان: الملاينة فيما لا يحل، والمداراة الملاينة فيما يحل وقوله تعالى: ﴿فيذهبون﴾ معطوف وليس بجواب، لأنه كان ينصب. والحلاف: المردد لحلفه الذي قد كثر منه، والمهين: الضعيف الرأي والعقل، قاله مجاهد، وهو من مهن إذا ضعف. الميم فاء الفعل، وقال ابن عباس المهين: الكذاب، والهماز: الذي يقع في الناس، وأصل الهمز في اللغة: الضرب طعناً باليد أو بالعصا أو نحوه، ثم استعير للذي ينال بلسانه، قال المنذر بن سعيد: وبعينه وإشارته، وسميت الهمزة، لأن في النطق بها حدة، وعجلة، فأشبهت الهمز باليد. وقيل لبعض العرب: أتهمز الفأرة؟ قال: الهرة تهمزها، وقيل لآخر أتهمز إسرائيل: فقال: إني إذاً لرجل سوء. والنميم: مصدر كالنميمة. وهو نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس. وروى حذيفة أن النبي قال: (لا يدخل الجنة قتات))، وهو النمام، وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه، وقالت طائفة: بل نزلت في معين، واختلف فيه، فقال بعضها: هو الوليد بن المغيرة، ويؤيد ذلك غناه، وأنه أشهرهم بالمال والبنين، وقال الشعبي وغيره: هو الأخنس بن شريق، ويؤيد ذلك أنه كانت له هنة في حلقه كزنمة الشاة، وأيضاً فكان من ثقيف ملصقاً في قريش، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي : هو أبو جهل، وذكر النقاش: عتبة بن ربيعة، وقال مجاهد: هو الأسود بن عبد يغوث، وظاهر اللفظ عموم من هذه صفته، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمن، لا سيما لولاة الأمور. قوله عز وجل : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ! ١٣ عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِمٍ مَّنَّاعِلِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ◌ّ ◌ْ سَنَسِمُ عَلى ◌َخْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَ فْسَمُواْ ءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ لَيَصْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿ وَلَا يَسْتَشْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَابِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْنَا بِمُونَ (٨٦):َ أَصْبَحَتْ كَالصَّرِم ٢٠ قال كثير من المفسرين: الخبر هنا المال، فوصفه بالشح، وقال آخرون: بل هو على عمومه في المال والأفعال الصالحة، ومن يمنع إيمانه وطاعته لله تعالى فقد منع الخير، والمعتدي: المتجاوز الحدود الأشياء. والأثيم: فعيل من الإثم، بمعنى: آثم، وذلك من حيث أعماله قبيحة تكسب الإثم، والعتل: القوي البنية الغليظ الأعضاء المصحح القاسي القلب، البعيد الفهم، الأكول الشروب، الذي هو بالليل جيفة وبالنهار حمار، فكل ما عبر به المفسرون عنه من خلال النقص فعن هذه التي ذكرت بصدر، وقد ذكر النقاش، أن النبي صلى الله عليه وسلم: فسر العتل بنحو هذا، وهذه الصفات كثيرة التلازم، والعتل: 1 ٣٤٨ تفسير سورة القلم / الآيات : ١٢ - ٢٠ الدفع بشدة، ومنه العتلة، وقوله: ﴿بعد ذلك﴾ معناه، بعدما وصفناه به، فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف وإلا فکونه عتلا، هو قبل كونه صاحب خیر یمنعه، والزنيم: في كلام العرب، الملصق في القوم وليس منهم، وقد فسر به ابن عباس هذه الآية، وقال مرة الهمداني: إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة، يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، ومن ذلك قول حسان بن ثابت: [الطويل] كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وأنت زنيم نيط في آل هاشم ومنه قول حسان بن ثابت أيضاً: [الطويل] كما زيد في عرض الأديم الأكارع زنيم تداعاه الرجال زيادة فقال كثير من المفسرين: هذا هو المراد في الآية. وذلك أن الأخنس بن شريق كان من ثقيف، حليفاً لقريش. وقال ابن عباس: أراد بـ ((الزنيم)) أن له زنمة في عنقه كزنمة الشاة، وهي الهنة التي تعلق في عنقها، وما كنا نعرف المشار إليه، حتى نزلت فعرفناه بزنمته. قال أبو عبيدة: يقال للتيس زنيم إذ له زنمتان، ومنه قول الأعرابي في صفة شاته: كأن زنمتيها نتوا قليسية. وروي أن الأخنس بن شريق كان بهذه الصفة كان له زنمة. وروى ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الصفة، لم يعرف صاحبها حتى نزلت ﴿زنيم﴾ فعرف بزنمته. وقال بعض المفسرين: الزنيم: المريب، القبيح الأفعال. واختلفت القراءة في قوله: ﴿أن كان ذا مال﴾. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم وأهل المدينة: ((أن كان)) على الخبر، وقرأ حمزة: ((أأن كان)) بهمزتين محققتين على الاستفهام، وقرأ ابن عامر والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو جعفر: ((آن كان)) على الاستفهام بتسهيل الهمزة الثانية، والعامل في ﴿أن كان﴾ فعل مضمر تقديره: كفر أو جحد أو عند، وتفسير هذا الفعل، قوله: ﴿إذا تتلى عليه﴾ الآية، وجاز أن يعمل المعنى وهو متأخر من حيث كان قوله ﴿أن كان﴾ في منزلة الظرف، إذ يقدر باللام، أي لأن كان، وقد قال فيه بعض النحاة: إنه في موضع خفض باللام، كما لو ظهرت، فكما يعمل المعنى في الظرف المتقدم فكذلك يعمل في هذا، ومنه قبوله تعالى: ﴿ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد﴾ [سبأ: ٧]. فالعامل في: ﴿إِذا﴾ [سبأ: ٧]، معنى قوله: ﴿إنكم لفي خلق جديد﴾ [سبأ: ٧]، أي تبعثون، ونحوه من التقدير، ولا يجوز أن يعمل: ﴿تتلى﴾ في ﴿إذا﴾ لأنه مضاف إليه وقد أضيف ﴿إذا﴾ إلى الجملة ولا يجوز أن يعمل في ﴿أن﴾، قال لأنها جواب ﴿إذا﴾ ولا تعمل فيما قبلها. وأجاز أبو علي أن يعمل فيه ﴿عتل﴾ وإن كان قد وصف، ويصح على هذا النظر أن يعمل فيه ﴿زنيم﴾ لا سيما على قول من يفسره بالقبيح الأفعال، ويصح أن يعمل في ﴿أن كان﴾، تطيعه التي يقتضيها قوله: ﴿ولا تطع﴾ [القلم: ١٠]. وهذا على قراءة الاستفهام يبعد وإنما يتجه لا تطعه لأجل كونه كذا، و﴿أن كان﴾، على كل وجه، مفعول من أجله وتأمل. وقد تقدم القول في الأساطير في غير ما موضع. وقوله تعالى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ معناه على الأنف قاله المبرد، وذلك أن ﴿الخرطوم﴾ يستعار في أنف الإنسان. وحقيقته في مخاطم السباع، ولم يقع التوعد في هذه الآية، بأن ٣٤٩ تفسير سورة القلم / الآيات: ٢١ - ٢٩ يوسم هذا الإنسان على أنفه بسمة حقيقة، بل هذه عبارة عن فعل يشبه الوسم على الأنف. واختلف الناس في ذلك الفعل، فقال ابن عباس: هو الضرب بالسيف أي يضرب في وجهه، وعلى أنفه فيجيء ذلك الوسم على الأنف، وحل ذلك به يوم بدر. وقال محمد بن يزيد المبرد: ذلك في عذاب الآخرة في جهنم، وهو تعذيب بنار على أنوفهم. وقال آخرون ذلك في يوم القيامة، أي يوسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره. وقال قتادة وغيره معناه: سنفعل به في الدنيا من الذم له والمقت والإشهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتاً بيناً، وهذا المعنى كما تقول: سأطوقك طوق الحمامة، أي أثبت لك الأمر بيناً فيك، ونحو هذا أراد جرير بقوله: [الكامل] لما وضعت على الفرزدق ميسمي وفي الوسم على الأنف تشويه، فجاءت استعارته في المذمات بليغة جداً. وإذا تأملت حال أبي جهل ونظرائه وما ثبت لهم في الدنيا من سوء الأحدوثة رأيت أنهم قد وسموا على الخراطيم. وقوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم﴾ يريد قريشاً، أي امتحناهم، و﴿أصحاب الجنة) فيما ذكر قوم إخوة كان لأبيهم جنة وحرث مغل فکان یمسك منه قوته، ويتصدق على المساکین بباقیه، وقيل بل كان يحمل المساكين معه في وقت حصاده وجذه، فيجذيهم منه فمات الشيخ، فقال ولده: نحن جماعة وفعل أبينا كان خطأ، فلنذهب إلى جنتنا ولا يدخلها علينا مسكين، ولا نعطي منها شيئاً، قال: فبيتوا أمرهم وعزمهم على هذا، فبعث الله عليها بالليل طائفاً من نار أو غير ذلك، فاحترقت، فقيل: أصبحت سوداء، وقيل: بيضاء كالزرع اليابس المحصود، فلما أصبحوا إلى جنتهم لم يروها فحسبوا أنهم قد أخطؤوا الطريق، ثم تبينوها فعلموا أن الله تعالى أصابهم فيها، فتابوا حينئذ وأنابوا وكانوا مؤمنين من أهل الكتاب، فشبه الله تعالى قريشاً بهم، في أنهم امتحنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهداه كما امتحن أولئك بفعل أبيهم وبأوامر شرعهم، فكما حل بأولئك العقاب في جنتهم كذلك يحل بهؤلاء في جميع دنياهم وفي حياتهم، ثم التوبة معرضة لمن بقي منهم كما تاب أولئك. وقال كثير من المفسرين: السنون السبع التي أصابت قريشاً هي بمثابة ما أصاب أولئك في جنتهم. وقوله تعالى: ﴿ليصر منها﴾ أي ليجدنها، وصرام النخل: جد ثمره وكذلك في كل شجرة، و﴿مصبحين﴾ معناه: إذا دخلوا في الصباح، وقوله تعالى: ﴿ولا يستثنون) ولا يتوقفون في ذلك، أو ولا ينثنون عن رأي منع المساكين، وقال مجاهد معناه: لا يقولون إن شاء الله، بل عزموا على ذلك عزم من يملك أمره، والطائف: الأمر الذي يأتي بالليل، ذكر هذا التخصيص الفراء، ويرده قوله تعالى: ﴿إذا مسهم طائف من الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠١]، والصريم: قال الفراء ومنذر وجماعة: أراد به الليل من حيث اسودت جنتهم. وقال آخرون: أراد به الصبح من حيث ابيضت كالحصيد، قاله سفيان الثوري: والصريم، يقال نليل والنهار من حيث كل واحد منهما ينصرم من صاحبه، وقال ابن عباس: الصريم، الرماد الأسود بلغة جذيمة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: الصريم، رملة باليمن معروفة لا تنبت فشبه جنتهم بها. قوله عز وجل : فَتَنَ وَأْمُصْبِحِينٌّ ﴿ أَنِ أُغْدُ واْ عَلَى حَرْئِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَرِمِينَ ﴿٢] فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ (٣) أَنَا يَدْ خُلَّهَا الْيَوْمَ لا : ٣٥٠ تفسير سورة القلم / الآيات: ٢١ - ٢٩ ﴿ بَلْ غَخْرُ مَحُومُونَ ﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (١٦) وَغَدَوْعَلَى حَرْءٍقَدِرِينَ (٢٥) فَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَاَلُونَ أَقُل لَّكُمْلَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢) قَالُواْ سُبْ حَنَ رَبِنَا إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿تنادوا﴾ معناه: دعا بعضهم بعضاً إلى المضي لميعادهم، وقرأ بعض السبعة: ((أن اغدوا)) بضم النون وبعضهم بكسرها، وقد تقدم هذا مراراً. وقولهم ﴿إن كنتم صارمين﴾، يحتمل أن يكون من صرام النخل، ويحتمل أن يريد إن كنتم من أهل عزم وإقدام على آرائكم من قولك سيف صارم، و ﴿يتخافتون﴾ معناه: يتكلمون كلاماً خفياً، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠]، وكان هذا التخافت خوفاً من أن يشعر بهم المساكين، وكان لفظهم الذي ﴿يتخافتون﴾ به أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: ((لا يدخلنها)) بسقوط أن، وقوله تعالى: ﴿على حرد﴾ يحتمل أن يريد على منع من قولهم: حاردت الإبل، إذا قلت ألبانها فمنعتها، وحاردت السنة، إذا كانت شهباء لا غلة لها، ومنه قول الشاعر [الكميت]: [الطويل] لعقبة قدر المستعيرين معقب وحاردت النكد الجلاد فلم يكن ويحتمل أن يريد بالحرد القصد، وبذلك فسر بعض اللغويين، وأنشد عليه [القرطبي]: [الرجز] يحرد حرد الحبّة المغله أقبل سيل جاء من أمر الله أي يقصد قصدها، ويحتمل أن يريد بالحرد، الغضب، يقال: حرد الرجل حرداً إذا غضب، ومنه قول الأشهب بن رميلة: [الطويل] تساقوا على حرد دماء الأساود أسود شرى لاقت أسوداً خفية وقوله تعالى: ﴿قادرين﴾ يحتمل أن يكون من القدرة، أي هم قادرون في زعمهم، ويحتمل أن يكون من التقدير كأنهم قد قدروا على المساكين، أي ضيقوا عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله: ﴿فلما رأوها﴾ أي محترقة حسبوا أنهم قد ضلوا الطريق، وأنها ليست تلك، فلما تحققوها علموا أنها أصيبت، فقالوا: ﴿بل نحن محرومون﴾، أي قد حرمنا غلتها وبركتها، فقال لهم أعدلهم قولاً وخلقاً وعقلاً وهو الأوسط، ومنه قوله تعالى: ﴿أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] أي عدولاً خياراً، و﴿تسبحون﴾، قيل هي عبارة عن طاعة الله وتعظيمه، والعمل بطاعته. وقال مجاهد وأبو صالح: هي كانت لفظة، الاستثناء عندهم. قال القاضي أبو محمد. وهذا يرد عليه قولهم: ﴿سبحان ربنا﴾ فبادر القوم عند ذلك وتابوا وسبحوا واعترفوا بظلمهم في اعتقادهم منع الفقراء. قوله عز وجل : } قَالُوْيَوْئِلْنَآَإِنَّا كُنَّ ◌َغِينَ ﴿ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِ لَنَا خَيْرً مِنْهَا إِنَّ إِلَى رَبِنَا ٣٠ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ ٣٥١ تفسير سورة القلم / الآيات: ٣٠ - ٤٥ رَعِبُونَ ﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابٌّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ ج إِنَّلَكُمْفِيهِلَّا ٣٧ ٣٤ إِنَّ لِلْمُنَّفِينَ عِندَرَبِهِمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ٣٣ ٣٥ أَفَتَجْعَلُ اَلْسُسْلِمِينَ كَأْمُحْرِمِينَ ٣٨ تَخَّرُونَ لا مَا لَكُمْكَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿ أَمْ لَكُمْكِتَبُ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴿يتلاومون﴾ معناه: يجعل كل واحد اللوم في حيز صاحبه، ويبرىء نفسه، ثم أجمعوا على أنهم طغوا، أي تعدوا ما يلزم من مواساة المساكين، ثم انصرفوا إلى رجاء الله تعالى، وانتظار الفرج من لدنه في أن يبدلهم بسبب توبتهم خيراً من تلك الجنة. وقرأ: ((يبذْلنا)) بسكون الباء وتخفيف الدال، جمهور القراء والحسن وابن محيصن والأعمش، وقرأ نافع وأبو عمرو: بالتثقيل وفتح الباء، وقوله تعالى: ﴿كذلك العذاب﴾ ابتداء مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر قريش، والإشارة بذلك إلى العذاب الذي نزل بالجنة، أي ذلك العذاب، هو العذاب الذي ينزل بقريش بغتة، ثم عذاب الآخرة بعد ذلك أشد عليهم من عذاب الدنيا، وقال كثير من المفسرين: العذاب النازل بقريش المماثل لأمر الجنة هو الجدب الذي أصابهم سبع سنين، حتى رأوا الدخان وأكلوا الجلود، ثم أخبر تعالى: ﴿إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم﴾، فروي أنه لما نزلت هذه قالت قريش: إن كانت ثم جنات نعيم، فلنا فيها أكبر الحظ، فنزلت: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾، وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ. وقوله تعالى: ﴿ما لكم﴾ توبيخ آخر ابتداء وخبر جملة منحازة، وقوله تعالى: ﴿كيف تحكمون﴾ جملة منحازة كذلك، و﴿كيف﴾ في موضع نصب بـ ﴿تحكمون﴾، وقوله تعالى: ﴿أم﴾ هي المقدرة ببل وألف الاستفهام، و: ﴿كتاب﴾ معناه: منزل من عند الله، وقوله تعالى: ﴿إن لكم فيه لما تخيرون﴾. قال بعض المتأولين: هذا استئناف قول على معنى: إن كان لكم كتاب، فلكم فيه متخير، وقال آخرون: ﴿إن﴾ معمولة لـ ﴿تدرسون﴾، أي تدرسون في الكتاب إن لكم ما تختارون من النعيم، وكسرت الألف من ﴿إن﴾ لدخول اللام في الخبر، وهي في معنى: ((أن)) بفتح الألف. وقرأ طلحة والضحاك: ((أن لكم)) بفتح الألف. وقرأ الأعرج ((أأن لكم فيه)) على الاستفهام . قوله عز وجل : أَسَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيْ ﴿ أَمْلَهُمْ شُرَّكَآءُ ٣٩ أَمْ لَكُمْأَيْمَنُّ عَيْنَابَلِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ إِنَّلَكُمْلَمَا تَحْكُمُونَ ( فَلْيَأْتُواْبِشُرَّكَ بِهِمْ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ٤١ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِّ ٤٣ خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَفُهُمْ زِلَةٌ وُقَدْ كَانُوْيُدْ عَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤) وَأُمْلِ لَهُمْ إِنَّكَيْدِى مَتِينُ ( ٤٥ قوله تعالى: ﴿أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة﴾ مخاطبة للكفار، كأنه يقول: هل أقسمنا لكم قسماً فهو عهد لكم بأنا ننعمكم في يوم القيامة وما بعده؟ وقرأ جمهور الناس بالرفع على الصفة لأيمان، ٣٥٢ تفسير سورة القلم / الآيات: ٣٩ - ٤٥ وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((بالغةً)) بالنصب على الحال وهي حال من النكرة، لأنها نكرة مخصصة بقوله ﴿علينا﴾، وقرأ الأعرج: ((أإن لكم لما تحكمون)) وكذلك في التي تقدمت في قوله: ((أإن لكم فيه لما تخيرون))، ثم أمر تعالى نبيه محمداً على وجه إقامة الحجة، أن يسألهم عن الزعيم لهم بذلك من هو؟ والزعيم: الضامن للأمر والقائم به، ثم وقفهم على أمر الشركاء، عسى أن يظنوا أنهم ينفعونهم في شيء من هذا. وقرأ ابن أبي عبلة وابن مسعود: ((أم لهم شركاء فليأتوا بشركهم)) بكسر الشين دون ألف، والمراد بذلك على القراءتين الأصنام، وقوله تعالى: ﴿فليأتوا بشركائهم﴾ قيل هو استدعاء وتوقيف في الدنيا، أي ليحضروهم حتى يرى هل هم بحال من يضر وينفع أم لا، وقيل هو استدعاء وتوقيف على أن يأتوا بهم يوم القيامة، ﴿يوم يكشف عن ساق﴾. وقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾، قال مجاهد: هي أول ساعة من يوم القيامة، وهي أفظعها، وتظاهر حديث من النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه ينادي مناد يوم القيامة ليتبع كل أحد ما كان يعبد))، قال: ((فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، وكذلك كل عابد لكل معبود ثم تبقى هذه الأمة وغبرات أهل الكتاب، معهم منافقوهم وكثير من الكفرة، فيقال لهم: ما شأنكم لم تقفون، وقد ذهب الناس فيقولون ننتظر ربنا فيجيئهم الله تعالى في غير الصورة التي عرفوه بها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، قال فيقول: أتعرفونه بعلامة ترونها فيقولون: نعم، فيكشف لهم عن ساق، فيقولون: نعم أنت ربنا، ويخرون للسجود فيسجد كل مؤمن وتصير أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظماً واحداً، فلا يستطيعون سجوداً)). قال القاضي أبو محمد: هكذا هو الحديث وإن اختلفت منه ألفاظ بزيادة ونقصان، وعلى كل وجه فما ذكر فيه من كشف الساق وما في الآية أيضاً من ذلك، فإنما هو عبارة عن شدة الهول وعظم القدرة التي يرى الله تعالى ذلك اليوم حتى يقع العلم أن تلك القدرة إنما هي الله تعالى وحده، ومن هذا المعنى قول الشاعر في صفة الحرب [جد طرفة]: مجزوء الكامل] كشفت لهم عن ساقها وبدا عن الشر البواح ومنه قول الراجز: [الرجز] وشمرت عن ساقها فشدوا وقول الآخر: [الرجز] حمراء تبري اللحم عن عراقها في سنة قد كشفت عن ساقها وأصل ذلك أنه من أراد الجد في أمر يحاوله فإنه يكشف عن ساقه تشميراً وجداً، وقد مدح الشعراء بهذا المعنى فمنه قول دريد : [الطويل] كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الضراء طلاع أنجدٍ وعلى هذا من إرادة الجد والتشمير في طاعة الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: ((أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه)). وقرأ جمهور الناس: ((يُكشف عن ساق)) بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن ٣٥٣ تفسير سورة القلم / الآيات: ٢٠ - ٤٥ مسعود: ((يَكثِف)) بفتح الياء وكسر الشين على معنى يكشف الله، وقرأ ابن عباس: ((تكشف)) بضم التاء على معنى تكشف القيامة والشدة والحال الحاضرة، وقرأ ابن عباس أيضاً: ((تكشف)) بفتح التاء على أن القيامة هي الكاشفة، وحكى الأخفش عنه أنه قرأ: ((نكشِف)) بالنون مفتوحة وكسر الشين، ورويت عن ابن مسعود. وقوله تعالى: ﴿ويدعون﴾ ظاهره أن ثم دعاء إلى السجود، وهذا يرده ما قد تقرر في الشرع من أن الآخرة ليست بدار عمل وأنها لا تكليف فيها، فإذا كان هذا فإنما الداعي ما يرونه من سجود المؤمنين فيريدون هم أن يسجدوا عند ذلك فلا يستطيعونه. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنهم يدعون إلى السجود على جهة التوبيخ، وخرج بعض الناس من قوله: ﴿فلا يستطيعون﴾ أنهم كانوا يستطيعونه قبل ذلك، وذلك غير لازم. وعقيدة الأشعري: أن الاستطاعة إنما تكون مع التلبس بالفعل لما قبله، وهذا القدر كاف من هذه المسألة هاهنا. و: ﴿خاشعة﴾ نصب على الحال وجوارحهم كلها خاشعة، أي ذليلة ولكنه خص الأبصار بالذكر لأن الخشوع فيها أبين منه في كل جارحة. وقوله تعالى: ﴿ترهقهم ذلة﴾ أي تزعج نفوسهم وتظهر عليهم ظهوراً يخزيهم، وقوله تعالى: ﴿وقد كانوا يدعون إلى السجود﴾ يريد في دار الدنيا وهم سالمون مما نال عظام ظهورهم من الاتصال والعتو، وقال بعض المتأولين: ﴿السجود﴾ هنا عبارة عن جميع الطاعات، وخص ﴿السجود﴾ بالذكر من حيث هو عظم الطاعات، ومن حيث به وقع امتحانهم في الآخرة، وقال إبراهيم التيمي والشعبي: أراد بـ ﴿السجود﴾ الصلوات المكتوبة، وقال ابن جبير: المعنى كانوا يسمعون النداء للصلاة: وحي على الفلاح فلا يجيبون، وفلج الربيع بن خيثم: فكان يهادي بين رجلين إلى المسجد، فقيل له: إنك لمعذور، فقال: من سمع حي على الفلاح، فليجب ولو حبواً، وقيل لابن المسيب: إن طارقً يريد قتلك فاجلس في بيتك، فقال: أسمع حي على الفلاح فلا أجيب؟ والله لا فعلت. وهذا كله قريب بعضه من بعض، وقوله تعالى: ﴿فذرني ومن يكذب بهذا الحديث﴾ وعيد ولم يكن ثم مانع، ولكنه كما تقول: دعني مع فلان، أي سأعاقبه، ﴿ومن﴾ في موضع نصب عطفاً على الضمير في : ﴿ذرني﴾ أو نصباً على المفعول معه، و﴿الحديث﴾ المشار إليه هو القرآن المخبر بهذه الغيوب، والاستدراج هو: الحمل من رتبة إلى رتبة، حتى يصير المحمول إلى شر وإنما يستعمل الاستدراج في الشر، وهو مأخوذ من الدرج، قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، ويمنعون الشكر، وقال غيره: كلما زادوا ذنباً زادوا نعمة، وفي معنى الاستدراج قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)). وقال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه ومغرور بالستر عليه. ﴿وأملي لهم﴾ معناه: أؤخرهم ملاوة من الزمن، وهي البرهة والقطعة، يقال: مُلاوة: بضم الميم وبفتحها وبكسرها، والكيد: عبارة عن العقوبة التي تحل بالكفار من حيث هي: على كيد منهم، فسمى العقوبة باسم الذنب، والمتين: القوي الذي له متانة، ومنه المتن الظهر. أ قوله عز وجل : ◌َ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْنُبُونَ ﴿﴿ فَاصْبِرْ ◌ِحِكْمِرَبِّكَ وَلَاتَكُنْ ٤٦٠ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُثْقَلُونَ كَصَاحِبٍ الحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوْمٌ [﴿ لَوْلَا أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِّنَّيِّهِ، لَنُمِّذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْهُومٌ [® فَاجْنَبَهُ ٣٥٤ تفسير سورة القلم / الآيات:٤٦٠ - ٥٢ رَبُُّ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢) وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُ وْلَيْرٌ لِقُونَكَ بِأَبْصَرِ هِمْلَمَا سَمِعُواْالذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَُّ ◌َجْنُونَ ٥٢ وَمَاهُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ هذه ﴿أم﴾ التي تتضمن الإضراب عن الكلام الأول لا على جهة الرفض له، لكن على جهة الترك والإقبال على سواه، وهذا التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد به توبيخ الكفار لأنه لو سألهم أجراً فأثقلهم غرم ذلك لكان لهم بعض العذر في إعراضهم وقرارهم، وقوله تعالى: ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ معناه: هل لهم علم بما يكون فيدعون مع ذلك أن الأمر على اختيارهم جار، ثم أمر تغالى نبيه بالصبر لحكمه، وأن يمضي لما أمر به من التبليغ واحتمال الأذى والمشقة، ونهى عن الضجر والعجلة التي وقع فيها يونس صلى الله عليه وسلم، ثم اقتضبت القصة، وذكر ما وقع في آخرها من تدائه من بطن الحوت ﴿وهو مكظوم﴾، أي غيظه في صدره. وحقيقة الكظم: هو الغيظ والحزن والندم فحمل المكظوم عليه تجوزاً، وهو في الحقيقة كاظم، ونحو هذا قول ذي الرمة: [البسيط] وأنت من حب مني مضمر حزناً عاني الفؤاد قريح القلب مكظوم وقال النقاش: المكظوم، الذي أخذ بكظمه وهو مجاري القلب، ومنه سميت الكاظمة وهي القناة في جوف الأرض. وقرأ جمهور الناس: ((لولا أن تداركه)) أسند الفعل دون علامة تأنيث، لأن تأنيث النعمة غير حقيقي وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس: ((تداركته)) على إظهار العلامة، وقرأ ابن هرمز والحسن: ((تدّاركه)) بشد الدال على معنى: تتداركه وهي حكاية حال تام، فلذلك جاء الفعل مستقبلاً بمعنى: ﴿لولا أن﴾، يقال فيه تتداركه نعمة من ربه ونحوه، قوله تعالى: ﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان﴾ فهذا وجه القراءة، ثم أدغمت التاء في الدال، والنعمة: هي الصفح والتوب، والاجتباء: الذي سبق له عنده، والعراء: الأرض الواسعة التي ليس فيها شيء يوارى من بناء ولا نبات ولا غيره من جبل ونحوه، ومنه قول الشاعر [أبو الخراش الهذلي]: [الكامل] ونبذت بالأرض العراء ثيابي رفعت رجلاً لا أخاف عثارها وقد نبذ يونس عليه السلام ﴿بالعراء﴾ ولكن غير مذموم، و﴿واجتباه﴾ معناه: اختاره واصطفاه. ثم أخبر تعالى نبيه بحال نظر الكفار إليهم، وأنهم يكادون من الغيظ والعداوة، يزلقونه فيذهبون قدمه من مكانها ويسقطونه. وقرأ جمهور القراء: ((يُزلقونك)) بضم الياء من أزلق، وقرأ نافع وحده: ((يزلقونك)). بفتح الياء من زلقت الرجل، يقال: زلِق الرجل بكسر اللام وزلَقته بفتحها مثل: حزن وحزنته وشترت العين بكسر التاء وشترتها، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((ليزهقونك)) بالهاء، وروى النخعي أن في قراءة ابن مسعود: ((لينفدونك))، وفي هذا المعنى الذي في نظرهم من الغيظ والعداوة قول الشاعر: [الكامل] نظراً يزيل مواطىء الأقدام يتقارضون إذا التقوا في مجلس وذهب قوم من المفسرين إلى أن المعنى: يأخذونك بالعين، وذكر أن الدفع بالعين. كان في بني ٣٥٥ تفسير سورة القلم / الآيات : ٤٦ - ٥٢ أسد، قال ابن الكلبي: كان رجل يتجوع ثلاثة أيام لا يتكلم على شيء إلا أصابه بالعين، فسأله الكفار أن يصيب النبي عليه السلام، فأجابهم إلى ذلك، ولكن عصم الله تعالى نبيه، قال الزجاج: كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يعتان شيئاً، تجوع ثلاثة أيام، وقال الحسن: دواء من أصابه العين أن يقرأ هذه الآية، و﴿الذكر﴾ في الآية القرآن، ثم قرر تعالى أن هذا القرآن العزيز ﴿ذكر للعالمين) من الجن والإنس، ووعظ لهم وحجة عليهم، فالحمد لله الذي أنعم علينا به وجعلنا أهله وحماته لا رب غيره . نجز تفسير سورة ((ن والقلم)» بحمد الله تعالى وعونه وصلى الله على محمد وآله وسلم. ٣٥٦ تفسير سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٨ بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَحِيةِ . شُورَةُ الدُّقلة وهي مكية بالإجماع، وروي عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: خرجت يوماً بمكة متعرضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته قد سبقني للمسجد الحرام، فجئت فوقفت وراءه، فافتتح سورة الحاقة، فلما سمعت سرد القرآن، قلت في نفسي إنه لشاعر، كما تقول قريش حتى بلغ إلى قوله ﴿إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر، قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١ - ٤٢ - ٤٣]. ثم مر حتى انتهى إلى آخر السورة، فأدخل الله تعالى في قلبي الإسلام. قوله عز وجل : اْمَاقَّةُ أَ مَا الْحَاقَةُ ﴿ وَمَآ أَذْرَنِكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴿﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴿ فَأَمَا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةً بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيج صَرْصَرٍ عَائِيَةٍ أَيَّامٍ حُسُوْمًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْ عَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنُ بَاقِيَةٍ ﴿الحاقة﴾ اسم فاعل، من حق الشيء يحق إذا كان صحيح الوجود، ومنه ﴿حقت كلمة العذاب﴾ [الزمر: ٧١]، والمراد به القيامة والبعث، قاله ابن عباس وقتادة، لأنها حقت لكل عامل عمله. وقال بعض المفسرين: ﴿الحاقة) مصدر كالعاقبة والعافية، فكأنه قال: ذات الحق. وقال ابن عباس وغيره: سميت القيامة حاقة، لأنها تبدي حقائق الأشياء واللفظة رفع بالابتداء، و﴿ما﴾، رفع بالابتداء أيضاً، و﴿الحاقة﴾ الثانية: خبر ﴿ما﴾، والجملة خبر الأول، وهذا كما تقول: زيد ما زيد، على معنى التعظيم له والإبهام في التعظيم أيضاً، ليتخيل السامع أقصى جهده. وقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ مبالغة في هذا المعنى: أي أن فيها ما لم تدره من أهوالها، وتفصيل صفاتها. ﴿وما﴾، تقرير وتوبيخ. وقوله تعالى: ﴿ما الحاقة﴾ ابتداء وخبر في موضع نصب بـ ﴿أدراك﴾، و﴿ما﴾ الأولى، ابتداء وخبرها ﴿أدراك ما الحاقة﴾، وفي ﴿أدراك﴾، ضمير عائد على ﴿ما﴾ هو ضمير الفاعل. ثم ذكر تعالى تكذيب ﴿ثمود وعاد﴾ بهذا الأمر الذي هو حق مشيراً إلى أن من كذب بذلك ينزل عليه مثل ما نزل بأولئك. و ﴿القارعة﴾ من أسماء القيامة أيضاً، لأنها تقرع القلوب بصدمتها، و﴿ثمود﴾ اسم عربي معرفة، فإذا أريد به القبيلة لم ينصرف، وإذا أريد به الحي انصرف، وأما ﴿عاد﴾: فكونه على ثلاثة أحرف ساكن الوسط دفع في صدر كل علة فهو مصروف. و﴿الطاغية﴾ قال قتادة: معناه الصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقال قوم: المراد ٣٥٧ تفسير سورة الحاقة / الآيات: ٩ - ١٧ بسبب الفئة الطاغية، وقال آخرون منهم مجاهد وابن زيد: المعنى بسبب الفعلة الطاغية التي فعلوها. وقال ابن زيد: ما معناه: ﴿الطاغية﴾ مصدر كالعاقبة فكأنه قال بطغيانهم، وقاله أبو عبيدة ويقوي هذا ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ [الشمس: ١١] وأولى الأقوال وأصوبها الأول لأنه مناسب لما ذكر في عاد، إذ ذكر فيها الوجه الذي وقع به الهلاك، وعلى سائر الأقوال لا يتناسب الأمران لأن طغيان ثمود سبب والريح لا يناسب ذلك لأنها ليست سبب الإهلاك، بل هي آلة كما في الصيحة، و: ((الصرصر)) يحتمل أن يكون من الصر أي البرد، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يكون من صر الشيء إذا صوت، فقال قوم: صوت الريح ﴿صرصر﴾، كأنه يحكي هذين الحرفين. و((العاتية)) معناه: الشديدة المخالفة، فكانت الريح عتت على الخزان بخلافها وعتت على قوم عاد بشدتها. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: إنه لم ينزل من السماء قطرة ماء إلا بمكيال على يد ملك ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإن الله أذن لهما في الخروج دون إذن الخزان. والتسخير: استعمال الشيء باقتدار عليه. وروي أن الربح بدأت بهم صبح يوم الأربعاء لثمان بقين لشوال، وتمادت بهم إلى آخر يوم الأربعاء تكملة الشهر. و﴿حسوماً﴾، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وأبو عبيدة معناه: كاملة تباعاً لم يتخللها غير ذلك، وهذه كما تقول العرب ما لقيته حولاً محرماً، قال الشاعر [طفيل الغنوي]: [الطويل] عوازب لم تسمع نبوح مقامة ولم تر ناراً ثم حول محرم وقال الخليل: ﴿حسوماً﴾، أي شؤماً ونحساً، وقال ابن زيد: ﴿حسوماً﴾ جمع حاسم كجالس وقاعد، ومعناه أن تلك الأيتام قطعتهم بالإهلاك، ومنه حسم العلل ومنه الحسام. والضمير في قوله ﴿فيها صرعى﴾ يحتمل أن يعود على دارهم وحلتهم لأن معنى الكلام يقتضيها وإن لم يلفظ بها. قال الثعلبي، وقيل يعود على الريح، وقد تقدم القول في التشبيه بـ ((أعجاز النخل)) في سورة (اقتربت الساعة). والخاوية: الساقطة التي قد خلت أعجازها بِلىَّ وفساداً. ثم وقف تعالى على أمرهم توقيف اعتبار ووعظ بقوله: ﴿هل ترى لهم من باقية﴾ اختلف المتأولون في: ﴿باقية﴾، فقال قوم منهم ابن الأنباري: هي هاء مبالغة كعلامة ونسابة والمعنى من باق. وقال ابن الأنباري أيضاً معناه: من فئة باقية وقال آخرون: ﴿باقية﴾ مصدر فالمعنى من بقاء. قوله عز وجل : ◌َفَعَصَوْرَسُولَ رَبِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةَّ رَابِيَةً (٣) إِنَّا لَمَا طَفَا وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ! ۔۔ .. اَلْعَامُ حَمَلْنَّكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿ الِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ ﴿ فَإِذَانُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُ كَّنَا دَلَّةً وَحِدَةً (َ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ١٥ ١٣ وَاهِيَةٌ ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا وَيَحمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ غَنِيَةٌ ١٧ وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمِذٍ وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والناس: ((من قَبْله)) ٣٥٨ ــ تفسير سورة الحاقة / الآيات: ١٧:٠٩ بفتح القاف وسكون الباء أي الأمم الكافرة التي كانت قبله، ويؤيد ذلك ذكره قصة نوح في طغيان الماء لأن قوله: ﴿من قبله﴾، قد تضمنه فحسن اقتضاب أمرهم بعد ذلك دون تصريح. وقال أبو عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبان والحسن بخلاف عنه وأبو رجاء والجحدري وطلحة: ((ومن قِبَله))، بكسر القاف وفتح الباء أي أجناده وأهل طاعته ويؤيد ذلك أن في مصحف أبيّ بن كعب: ((وجاء فرعون ومن معه))، وفي حرف أبي موسى: ((ومن تلقاءه». وقرأ طلحة بن مصرف: ((ومن حوله)). وقبل الإنسان: ما يليه في المكان وكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة عندي وفي ذمتي وما يليني بأي وجه وليني. و: ﴿المؤتفكات) قرى قوم لوط، وكانت أربعاً فيما روي، وائتفكت: قلبت وصرفت عاليها سافلها فائتفكت هي فهي مؤتفكة، وقرأ الحسن هنا: ((والمؤتفكة)) على الإفراد، و﴿الخاطئة﴾: إما أن تكون صفة لمحذوف كأنه قال بالفعل الخاطئة، وإما أن يريد المصدر، أي بالخطأ في كفرهم وعصيانهم. وقوله تعالى: ﴿فعصوا رسول ربهم﴾ يحتمل أن يكون الرسول: اسم جنس كأنه قال: فعصا هؤلاء الأقوام والفرق أنبياء الله الذين أرسلهم إليهم، ويحتمل أن يكون الرسول بمعنى: الرسالة، وقال الكلبي: يعني موسى، وقال غيره في كتاب الثعلبي: يعني لوطاً والرابية: النامية التي قد عظمت جداً، ومنه ربا المال، ومنه الربا، ومنه اهتزت وربذ ثم عدد تعالى على الناس نعمته في قوله: ﴿إِنَّا لَمّا طغا الماء﴾ الآية، والمراد: ﴿طغا الماءِ﴾ في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح. والطغيان: الزيادة على الحدود المتعارفة في الأشياء، ومعناه طغا على خزانه في خروجه وعلى البشر في أن أغرقهم، قال قتادة: علا على كل شيء خمسة عشر ذراعاً، و﴿الجارية﴾: السفينة، والضمير في ﴿لنجعلها﴾ عائد على الفعلة أي من يذكرها ازدجر، ويحتمل أن يعود على ﴿الجارية﴾، أي من سمعها اعتبر. و﴿الجارية﴾ يراد بها سفينة نوح قاله منذر، وقال المهدوي: المعنى في السفن الجارية، وقال قتادة: أبقى اللّه تعالى تلك السفينة حتى رأى بعض عيدانها أوائل هذه الأمة وغيرها من السفن التي صنعت بعدها قد صارت رموداً. وقوله تعالى: ﴿وتغيها أذن واعية﴾ عبارة عن الرجل الفهم المنور القلب، الذي يسمع القول فيتلقاه بفهم وتدبر. قال أبو عمران الجوني: ﴿واعية﴾ عقلت عن اللّه عز وجل. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((إني دعوت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي)). قال علي: فما سمعت بعد ذلك شيئاً فنسيته. وقرأ الجمهور: ((تعِيها)) بكسر العين على وزن تليها. وقرأ ابن كثير في رواية الحلواني وقنبل وابن مصرف: ((وتَعْيها)» بسكون العين جعل التاء التي هي علامة في المضارع بمنزلة الكاف من كتف إذ حرف المضارع لا يفارق الفعل فسكن تخفيفاً كما يقال: كتف ونحو هذا قول الشاعر: قالت سليمى اشترْ لنا سويقا على أن هذا البيت منفصل، فهو أبعد لكن ضرورة الشعر تسامح به، ثم ذكر تعالى أمر القيامة، و ﴿الصور﴾: القرن الذي ينفخ فيه، قال سليمان بن أرقم: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ﴿الصور﴾ فقال: ((هو قرن من نور فمه أوسع من السماوات))، والنفخة المشار إليها في هذه الآية، نفخة القيامة التي للفزع ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعث، وقيل: هي نفخات ثلاثة: نفخة الفزع ونفخة الصعق ثم نفخة البعث، والإشارة بآياتنا هذه إلى نفخة الفزع، لأن خمل الجبال هو بعدها. وقرأ ٣٥٩ تفسير سورة الحاقة / الآيات: ٩ -١٧ الجمهور: ((نفخةٌ)) بالرفع، لما نعت صح رفعه، وقرأ أبو السمال: ((نفخةً واحدةً» بالنصب. وقرأ جمهور القراء: ((وحملت)) بتخفيف الميم بمعنى حملتها الرياح والقدرة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه: ((وحمّلت)) بشد الميم، وذلك يحتمل معنيين أحدهما أنها حاملة حملت قدرة وعنفاً وشدة نفثها فهي محملة حاملة. والآخر أن يكون محمولة حملت ملائكة أو قدرة. وقوله تعالى: ﴿فدكتا﴾ وقد ذكر جمعاً ساغ، ذلك لأن المذكور فرقتان وهذا كما قال الشاعر [القطامي]: [الوافر] وقومك قد تباينتا انقطاعا ألم يحزنك أن حبال قومي ومنه قوله تعالى: ﴿كانتا رتقاً﴾ [الأنبياء: ٣٠] و﴿دكتا﴾ معناه: سوى جميعها كما يقال: ناقة دكاً: إذا ضعفت فاستوت حدبتها مع ظهرها، و﴿الواقعة﴾: القيامة والطامة الكبرى، وقال بعض الناس: هي إشارة إلى صخرة بيت المقدس وهذا ضعيف، وانشقاق السماء هو تفطيرها وتمييز بعضها عن بعض وذلك هو الوهي الذي ينالها كما يقال في الجدارات البالية المتشققة واهية، ﴿والملك﴾ اسم الجنس يريد به الملائكة، وقال جمهور المفسرين: الضمير في ﴿أرجائها﴾ عائد على ﴿السماء﴾ أي الملائكة على نواحيها وما لم يَهِ منها والرجا: الجانب من الحائط والبئر ونحوه ومنه قول الشاعر [المرادي]: [الطويل] ولا رجلا يرعى به الرجوان كأن لم تري قبلي أسيراً مقيداً أي يلقى في بئر فهو لا يجد ما يتمسك به. وقال الضحاك أيضاً وابن جبير: الضمير في ﴿أرجائها﴾ عائد على الأرض وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب لأن القصة واللفظ يقتضي إفهام ذلك، وفسر هذه الآية بما روي أن الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدنيا فيقفون صفاً على حافات الأرض ثم يأمر ملائكة السماء الثانية فيصفون خلفهم ثم كذلك ملائكة كل سماء، فكلما فر أحد من الجن والإنس وجد الأرض قد أحيط بها، قالوا فهذا تفسير هذه الآيات، وهو أيضاً معنى قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢٢] وهو أيضاً تفسير قوله ﴿يوم التناد يوم تولون مدبرين﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣] على قراءة من شد الدال، وهو تفسير قوله: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، واختلف الناس في الثمانية الحاملين للعرش، فقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدتهم. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك على هيئة الوعول، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناس، أرجلهم تحت الأرض السفلى ورؤوسهم وكواهلهم فوق السماء السابعة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة قواهم الله بأربعة سواهم)). والضمير في قوله: ﴿فوقهم﴾ للملائكة الحملة، وقيل للعالم كله وكل قدرة كيفما تصورت فإنما هي بحول الله وقوته . قوله عز وجل : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ◌َِّفَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ بَيَعِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُ وَأْكِتَبِيَهُ [® 09 إنى قُطُوفُهَا دَانِيَّةٌ بَّكُواْ ظَنَنْتُ أَنّى مُلَقٍ حِسَابِيَهْ جَفَهُوَ فِ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴿ فِ جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَّ ٣٦٠ تفسير سورة الحاقة / الآيات: ٢٩٠٠١٨ وَأُشْرَبُواْ هَنِيَّا بِمَّا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الَْالِيَةِ ٢٩ أَمَآ أَغْنَى عَنِى مَالِيَهِ مَّلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَةْ وَأَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَرْأُوتَ كِتَفِيَة ٢٤) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ج ◌َلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ٢٥ الخطاب في قوله تعالى: ﴿تعرضون﴾ لجميع العالم، وروي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود أن في القيامة عرضتين فيهما معاذير وتوقيف وخصومات وجدال، ثم تكون عرضة ثالثة تتطاير فيها الصحف بالأيمان والشمائل. وقرأ حمزة والكسائي: ((لا يخفى))، بالياء وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى، وقرأ الباقون: بالتاء على مراعاة تأنيث ﴿خافية﴾ وهي قراءة الجمهور، وقوله تعالى: ﴿خافية﴾ معناه ضمير ولا معتقد، والذين يعطون كتبهم بأيمانهم هم المخلدون في الجنة أهل الإيمان. واختلف العلماء في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل المعاصي متى تأخذ كتبها، فقال بعضهم الأظهر أنها تأخذها مع الناس، وذلك يؤنسها مدة العذاب، قال الحسن: فإذا أعطى كتابه بيمينه لم يقرأه حتى يأذن الله تعالى له، فإذا أذن له قال: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾، وقال آخرون: الأظهر أنه إذا أخرجوا من النار والإيمان يؤنسهم وقت العذاب. قال القاضي أبو محمد: وهذا ظاهر هذه الآية، لأن من يسير إلى النار فكيف يقول ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾؟ وأما قوله ﴿هاؤم﴾، فقال قوم: أصله هاوموا، ثم نقله التخفيف والاستعمال، وقرأ آخرون هذه الميم ضمير الجماعة، وفي هذا كله نظر. والمعنى على كل تعالوا، فهو استدعاء إلى الفعل المأمور به، وقوله تعالى: ﴿اقرؤواكتابيه﴾ هو استبشار وسرور، وقوله: ﴿ظننت﴾ الآية، عبارة عن إيمانه بالبعث وغيره، قال قتادة: ظن هذا ظناً يقيناً فنفعه، وقوم ظنوا ظن الشك فشقوا به، و﴿ظننت﴾ هنا واقعة موقع تيقنت وهي في متيقن لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس، وهذا هو باب الظن الذي يوقع موقع اليقين، وقرأ بعض القراء: ((كتابيهْ)) و((حسابيةْ)) و((ماليةْ)) و((سلطانية)) بالهاء في الوصل والوقف اقتداء بخط المصحف، وهي في الوصل بينة الوقوف لأنها هاء السكت، فلا معنى لها في الوصل، وظرح الهاءات في الوصل لا في الوقف الأعمش وابن أبي إسحاق، قال أبو حاتم: قراءتنا إثبات في الوقف وطرح في الوصل، وبذلك قرأ ابن محيصن وسلام، وقال الزهراوي في إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عنه أحد علمته، و﴿راضية﴾ معناه: ذات رضى فهو بمعنى مرضية، وليست بناء اسم فاعل، و﴿عالية﴾ معناه في المكان والقدر وجميع وجوه العلو، و((القطوف)): جمع قطف وهو يجتنى من الثمار ويقطف، ودنوها: هو أنها تأتي طوع المتمنى فيأكلها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من شجرتها، و﴿أسلفتم﴾ معناه: قدمتم: و﴿الأيام﴾: هي أيام الدنيا لأنها في الآخرة قد خلت وذهبت. وقال وكيع وابن جبير وعبد العزيز بن رفيع: المراد ﴿بما أسلقتم﴾ من الصوم وعمومها في كل الأعمال أولى وأحسن، والذين يؤتون كتابهم بشمائلهم: هم المخلدون في النار أهل الكفر فيتمنون أن لو كانوا معدومين لا يجري عليهم شيء، وقوله تعالى: ﴿يا ليتها كانت القاضية﴾ إشارة إلى موتة الدنيا، أي ليتها لم يكن بعدها رجوع ولا حياة، وقوله تعالى: ﴿ما أغنى﴾ يحتمل أن يريد الاستفهام على معنى التقرير لنفسه والتوبيخ، ويحتمل أن يريد النفي المحض، و((السلطان)) في الآية: الحجة على قول عكرمة ومجاهد، قال بعضهم وتحا إليه ابن زيد ينطق بذلك ملوك الدنيا الكفرة، والظاهرة