النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ تفسير سورة الصّف / الآيات: ١ - ٥ بسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ شُورَةُ الصَّفِّ وهي مدنية في قول الجمهور، وقال مكي عن ابن عباس والمهدوي عن عطاء ومجاهد إنها مكية والأول أصح لأن معاني السورة تعضده ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني. قوله عز وجل : : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلِمَ تَقُولُونَ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مَا لَا تَفْعَلُونَ بَّ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ- صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ ﴿ وَ إِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَا زَاغُواْأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ قد تقدم القول غير مرة في تسبيح الجمادات، و﴿العزيز﴾ في سلطانه وقدرته، و﴿الحكيم﴾ في أفعاله وتدبيره، واختلف الناس في السبب الذي نزلت فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ فقال ابن عباس وأبو صالح: نزلت بسبب أن جماعة قالوا: لوددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله الجهاد وأعلمهم بفضله لديه وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض قد تكرهه قوم منهم، وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله بهذه الآية بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا ويقولون فعلنا وصنعنا وذلك كذب، فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين لأن جملة منهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتاباً لهم، وحكم هذه الآية باق غابر الدهر، وكل من يقول ما لا يفعل، فهو ممقوت مذق الكلام، والقول الآخر في المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلحين بالنفاق فلذلك خوطبوا بالمؤمنين أي في زعمكم وما تظهرون، والقول الأول يترجح بما يأتي بعد من أمر الجهاد والقتال. و((المقت)): البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت، وهذا حد المقت فتأمله، و﴿مقتاً﴾ نصب على التمييز، والتقدير ﴿كبر﴾ فعلكم ﴿مقتاً﴾، والمراد كبر مقت فعلكم فحذف المضاف إليه ونصب المضاف على التمييز، وهذا كما تريد تفقأ شحم بطنك فتقول: تفقأ بطنك شحماً، و﴿أن تقولوا﴾، يحتمل أن يكون بدلاً من المقدر، ويحتمل أن يكون فاعلاً بـ ﴿كبر﴾، وقول المرء ما لا يفعل --- ٣٠٢ تفسير سورة الصف / الآيات: ٦-٨ موجب مقت الله تعالى، ولذلك فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير وآثروا السكوت، ثم وكد تعالى الإخبار بمحبته للمقاتلين ﴿صفاً﴾، ومحبة الله تعالى هي ما يظهر عليهم من نصره وكرامته وهي صفة فعل وليست بمعنى الإرادة، لأن الإرادة لا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيراً، وقال بعض الناس: قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص فيه يتمكن، وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية، وليس المراد نفي التصاف وإنما المقصد الجد في كل أوطان القتال وأحواله، وقصد بالذكر أشد الأحوال وهي الحالة التي تحوج إلى القتال ﴿صفاً﴾ متراصاً، ونابت هذه الحال المذكورة مناب جميع الأحوال، وقضت الآية بأن الذين يبلغ جدهم إلى هذه الحال حريون بأن لا يقصروا عن حال، و﴿المرصوص﴾ المصفوف المتضام، وقال أبو بحرية رحمه الله: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجبوا فؤادي ومنه قول الشاعر [ابن أبي العنبس الثقفي]: [مجزوء الكامل] صم ترصص بالجنوب وبالشعب بين صفائح وقال منذر بن سعيد والبراء وغيره: ﴿المرصوص﴾ المعقود بالرصاص، وهذا يحتمل أن يكون أصل اللفظة، ثم ذكر الله تعالى مقالة موسى وذلك ضرب مثل للمؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون ذكرهم الله تعالى بقوم آذوا نبيهم على علم منهم بنبوته و﴿زاغوا﴾ فـ ﴿أزاغ الله قلوبهم﴾، أي فاحذروا أيها المؤمنون أن يصيركم العصيان، وقول الباطل إلى مثل حالهم، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية، المعنى: أنهم أشباههم في أنهم لما ﴿زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله ﴿لم تؤذونني﴾ تقریر، والمعنى ﴿تؤذونني﴾ بتعنيتكم وعصيانكم واقتراحاتكم، وهذه كانت أفعال بني إسرائيل، وانظر إنه تعالى أسند الزيغ إليهم لكونه فعل خطيطة، كما قال الله تعالى: ﴿نسوا الله فأنساهم﴾ [الحشر: ١٩] وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨] فأسند التوبة إلى نفسه لكونها فعل رفعة ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٨٠]، و﴿زاخ﴾ معناه: مال، وصار عرفها في الميل عن الحق، و﴿أزاخ الله قلوبهم﴾ معناه: طبع عليها وختم وكثر ميلها عن الحق، وهذه العقوبة على الذنب بالذنب، وأمال ابن أبي إسحاق: ﴿زاغوا﴾. قوله عز وجل : وَإِذْقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِى إِسْرَِّ يلَ إِنِّى رَسُولُ اللهِإِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرَ ابِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُ وَ أَخْمَدٌ فَلَمَّا جَآءَ هُمْ بِلْبَيِّنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌمُّبِينٌ () وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَىْ عَى اللَّهِالْكَذِبَ وَهُوَ يُرِيدُونَ لِيُظْفِئُوْ نُوَ لَّهِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُّ نُورِهِ، وَلَوْكَرِهَ يُدْعَإِلَى الْإِسْلَِ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ ٨ الْكَفِرُونَ المعنى: ((واذكر يا محمد إذ قال عيسى))، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لكفار قريش، وحكي عن موسى أنه قال: ﴿يا قوم﴾ [الصف: ٥] وعن عيسى أنه قال: ﴿يا بني إسرائيل﴾ من حيث لم یکن له فيهم ٣٠٣ تفسير سورة الصّف / الآيات: ٦ - ٨ أب، و﴿مصدقاً﴾، حال مؤكدة، ﴿ومبشراً﴾ عطف عليه، وقوله تعالى: ﴿يأتي من بعدي)، وقوله: ﴿اسمه أحمد﴾ جملتان كل واحدة منهما في موضع خفض على الصفة لرسول، و﴿أحمد﴾ فعل سمي به، ويحتمل أن يكون أفعل كأسود، وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، وليست على حد قولك جاءنا أحمد لأنك ها هنا أوقعت الاسم على مسماه، وفي الآية إنما أراد: اسمه هذه الكلمة، وذكر أبو علي هذا الغرض ومنه ينفك إعراب قوله تعالى ﴿يقال له إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ((بعدي)) بفتح الياء، وقوله تعالى: ﴿فلما جاءهم بالبينات﴾، الآية يحتمل أن يريد ﴿عيسى﴾، وتكون الآية وما بعدها تمثيلاً بأولئك لهؤلاء المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون التمثيل قد فرغ عند قوله: ﴿اسمه أحمد﴾، ثم خرج إلى ذكر ﴿أحمد﴾ لما تطرق ذكره، فقال مخاطبة للمؤمنين، ﴿فلما جاء﴾ أحمد هؤلاء الكفار ﴿قالوا هذا سحر مبين﴾، و ((البينات)) هي الآيات والعلامات، وقرأ جمهور الناس: ((هذا ساحر)) إشارة إلى ما جاء به، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش وابن وثاب: ((هذا سحر)) إشارة إليه بنفسه، وقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾ تعجيب وتقرير أي لا أحد أظلم منه، و((افتراء الكذب)) هو قولهم: ﴿هذا سحر)، وما جرى مجرى هذا من الأقوال التي هي اختلاق وبغير دليل، وقرأ الجمهور: ((يُدعى)) على بناء الفعل للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرف ((يدعي)) بمعنى ينتمي وينتسب ومن ذلك قول الشاعر [ساعدة بن عجلان الهذلي]: [الكامل] وأبنت للأشهاد حزة أدعي فرميت فوق ملاءة محبوكة والمعنى على هذه القراءة إنما هو إشارة إلى الأنبياء عليهم السلام لما حكي عن الكفار أنهم قالوا: ((هذا ساحر))، بين بعد ذلك أن العقل لا يقبله، أي وهل أظلم من هذا الذي يزعم أنه نبي ويدعي إلى الإسلام وهو مع ذلك مفتر على ربه وهذا دليل واضح لأن مسالك أهل الافتراء والمخرقة إنما هي دون هذا وفي أمور خسيسة، وضبط النقاش هذه القراءة ((يُدَّعى)) بضم الياء وفتح الدال المشددة على ما لم يسم فاعله، والضمير في ﴿يريدون﴾ للكفار، واللام في قوله: ﴿ليطفئوا﴾ لام مؤكدة، دخلت على المفعول لأن التقدير: ((يريدون أن يطفئوا)) وأن مع الفعل بتأويل المصدر فكأنه قال: يريدون إطفاء، وأكثر ما تلتزم هذه اللام المفعول إذا تقدم تقول لزيد: ضربت ولرؤيتك قصدت، و﴿نور الله﴾ هو شرعه وبراهينه. وقوله تعالى: ﴿بأفواههم﴾ إشارة إلى الأقوال أي بقولهم: سحر وشعر وتكهن وغير ذلك، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وابن محيصن والحسن وطلحة والأعرج: ((والله متمّ)) بالتنوين، ((نورَه)) ((نورَه)) بالنصب، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش: ((متمُّ نورِه)) بالإضافة وهي في معنى الانفصال وفي هذا نظر. قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَلَوْكَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ هَلْ أَدُّكُمْ عَلَى تِجَزَةٍ نُجِيكُمْمِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ ﴿َ نُؤْمِنُونَ بِلَِّوَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُ ونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ٣٠٤ تفسير سورة الصّف / الآيات: ٩ - ١٤ ذَلِكُمْ خٌَّ لَّكُمْإِنْكُنَعْلَمُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدٌ ◌ِكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِنْ تَمْنِهَا الْأَنْهُوَمَسَكِنَ ◌َتِبَةًفِی جَتَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْغَوَّزُ الْعَظِيمُ( هذا تأكيد لأمر الرسالة وشد لأزرها كما يقول الإنسان لأمر يثبته ويقويه أنا فعلته، أي فمن يقدر على معارضته فليعارض، والرسول المشار إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿على الدين كله﴾ لفظ يصلح للعموم وأن يكون المعنى أو لا يبقى موضع فيه دين غير الإسلام، وهذا لا يكون إلا عند نزول عيسى ابن مريم، قاله مجاهد وأبو هريرة، ويحتمل أن يكون المعنى أن يظهره حتى لا يوجد دين إلا الإسلام أظهرمنه، وهذا قد كان ووجد، ثم ندب تعالى المؤمنين وحضهم على الجهاد بهذه التجارة التي بينها، وهي أن يعطي المرء نفسه وماله، ويأخذ ثمناً جنة الخلد. وقرأ جمهور القراء والناس: ((تُنْجِيكم)) بتخفيف النون وكسر الجيم دون شد، وقرأ ابن عامر وحده والحسن والأعرج وابن أبي إسحاق: ((تُنَجِّيكم)) بفتح النون وشد الجيم، وقوله تعالى: ﴿تؤمنون﴾ لفظه الخبر ومعناه الأمر أي آمنوا، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((أليم آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا))، وقوله ﴿تؤمنون﴾ فعل مرفوع تقديره ذلك أنه تؤمنون، وقال الأخفش: هو عطف بيان على ﴿تجارة﴾، قال المبرد: هو بمعنى آمنوا على الأمر ولذلك جاء ﴿يغفر﴾ مجزوماً، وقوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ أشار إلى الجهاد والإيمان، و﴿خير﴾ هنا يحتمل أن يكون للتفضيل، فالمعنى من كل عمل، ويحتمل أن يكون إخباراً، أن هذا خير في ذاته ونفسه، وانجزم قوله ﴿يغفر﴾ على الجواب للأمر المقدر في ﴿تؤمنون﴾، أو على ما يتضمنه قوله: ﴿هل أدلكم﴾ من الحض والأمر وإلى نحو هذا ذهب الفراء، وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ: ((يغفلكم)) بإدغام الراء في اللام ولا يجيز ذلك سيبويه وقوله تعالى: ﴿ومساكن﴾ عطف على ﴿جنات﴾، وطيب المساكن سعتها وجمالها، وقيل طيبها المعرفة بدوام أمرها، وهذا هو الصحيح، وأي طيب مع الفناء والموت. قوله عز وجل : وَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ قَرِيبٌ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ عِيسَى أَبْنُ مَنْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْمَوَارِيُّونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ فَتَامَنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ بَنِى إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَتَ طَائِفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُو ◌ْعَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْظَاهِينَ قوله تعالى: ﴿وأخرى﴾ قال الأخفش هي في موضع خفض على ﴿تجارة﴾ [الصف: ١٠]، وهذا قول قلق، قد رد عليه ناس، واحتج له آخرون، والصحيح ضعفه، لأن هذه ((الأخرى)) ليست مما دل عليه إنما هي مما أعطى ثمناً وجزاء على الإيمان والجهاد بالنفس والمال، وقال الفراء: ﴿وأخرى﴾ في موضع رفع، وقال قوم: إن ﴿أخرى﴾، في موضع نصب بإضمار فعل، كأنه قال: ﴿یغفر ذنوبكم ويدخلكم جنات﴾ [الصف: ١٢] ويمنحكم أخرى، وهي النصر والفتح القريب، وقرأ ابن أبي عبلة ((نصراً من الله وفتحاً))، بالنصب فيهما، ووصفها تعالى بأن النفوس تحبها من حيث هي عاجلة في الدنيا، وقد وكلت : ٣٠٥ تفسير سورة الصّف / الآيتان: ١٤،١٣ النفس لحب العاجل، ففي هذا تحريض، ثم قواه تعالى بقوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ وهذه الألفاظ في غاية الإيجاز، وبراعة المعنى، ثم ندب تعالى المؤمنين إلى النصرة، ووضع لهم هذا الاسم، وإن كان العرف قد خص به الأوس والخزرج، وسماهم الله تعالى به، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والأعرج وعيسى : ((أنصاراً))، بتنوين الأنصار، وقرأ الباقون والحسن والجحدري ((أنصارَ اللّه))، بالإضافة، وفي حرف عبد الله: ((أنتم أنصار الله))، ثم ضرب تعالى لهم المثل بقوم بادروا حين دعوا، وهم ((الحواريون)): خلصان الأنبياء، سموا بذلك لأنه ردد اختبارهم وتصفيتهم، وكذلك رد تنخيل الحواري: فاللفظتان في الحور، وقيل : ((الحواريون)) سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا غسالين، نصروا عيسى، واستعمل اسمهم حتى قيل للناصر العاضد حواري، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وحواريي الزبير))، وافتراق طوائف بني إسرائيل هو في أمر عيسى عليه السلام، قال قتادة: والطائفة الكافرة ثلاث فرق: اليعقوبية: وهم قالوا هو الله، والإسرائيلية: وهم قالوا ابن الله، والنسطورية: وهم قالوا هو إله، وأمه إله والله ثالثهما، تعالى الله عن أقوالهم علواً كبيراً . وقوله تعالى: ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم﴾ قيل ذلك قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد فترة من رفع عيسى عليه السلام، رد الله تعالى الكرة لمن آمن به، فغلبوا الكافرين الذين قتلوا صاحبه الذي ألقي عليه الشبه، وقيل ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، أصبح المؤمن بعيسى ظاهراً لإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لا يؤمن أحد حق الإيمان بعيسى، إلا وفي ضمن ذلك الإيمان بمحمد لأنه بشر به، وحرض عليه، وقيل كان المؤمنون به قديماً ﴿ظاهرين﴾ بالحجة، وإن كانوا مفرقين في البلاد، مغلوبين في ظاهر الحياة الدنيا، وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن: ((فأيّدنا)) مخففة الياء ممدودة الألف . نجز تفسير سورة الصف ولله الحمد كثيراً . - ٣٠٦ تفسير سورة الجمعة / الآيات: ١ - ٤ بِسْمَ الهِ الرَّحْضَ الرَّحِية شُورَةُ الْحَةِّ وهي مدنية وذكر النقاش قولاً إنها مكية، وذلك خطأ ممن قاله، لأن أمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة، وكذلك أمر الجمعة لم يكن قط بمكة، أعني إقامتها وصلاتها، وأما أمر الانفضاض فلا مرية في كونه بالمدينة، وذكر النقاش عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت سورة الجمعة وهذا أيضاً ضعيف لأن أبا هريرة إنما أسلم أيام خيبر. قوله عز وجل : هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُنِيِّغْنَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِمِ ◌َ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَِهِ ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلِ ) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ٣ ◌ُبِينٍ (٢)وَءَاَخرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْبِهِمْ وَهُوَالْعَزِيزُالْحَكِيمُ ( وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ٤ تقدم القول في لفظ الآية الأولى، واختلفت القراءة في إعراب الصفات في آخرها. فقرأ جمهور الناس: ((الملكِ)) بالخفض نعتاً ﴿لله﴾، وكذلك ما بعده، وقرأ أبو وائل شقيق بن سلمة وأبو الدينار: ((الملكُ)) بالرفع على القطع، وفتح أبو الدينار القاف من ((القَدوس)، و﴿الأميين﴾: يراد بهم العرب، والأمي في اللغة الذي لا يكتب ولا يقرأ كتاباً، قيل هو منسوب إلى الأم، أي هو على الخلقة الأولى في بطن أمه، وقيل هو منسوب إلى الأمة، أي على سليقة البشر دون تعلم، وقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة وهذا ضعيف، لأن الوصف بـ ﴿الأميين﴾ على هذا يقف على قريش، وإنما المراد جميع العرب، وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا)). وهذه الآية تعديد نعمة الله عندهم فيما أولاهم، والآية المتلوة: القرآن ﴿يزكيهم﴾ معناه: يطهرهم من الشرك وينمي الخير فيهم، و﴿الكتاب﴾: الوحي المتلو، ﴿والحكمة﴾: السنة التي هي لسانه عليه السلام، ثم أظهر تعالى تأكيد النعمة بذكر حالهم التي كانت في الضد من الهداية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾، ﴿وآخرين﴾ في موضع خفض عطفاً على ﴿الأميين﴾ وفي موضع نصب عطفاً على الضمائر المتقدمة. --- ٣٠٧ تفسير سورة الجمعة / الآيات: ٥ -٨ واختلف الناس في المعنيين بقوله: ﴿وآخرين﴾ من هم؟ فقال أبو هريرة وغيره: أراد فارساً، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الآخرون؟ فأخذ بيد سلمان وقال: ((لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء)). أخرحه مسلم. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: أراد الروم والعجم، فقوله تعالى: ﴿منهم﴾ على هذين القولين: إنما يريد في البشرية والإيمان كأنه قال: وفي آخرين من الناس: وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: أراد التابعين من أبناء العرب، فقوله: ﴿منهم﴾ يريد به النسب والإيمان، وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وابن حبان: أراد بقوله: ﴿وآخرين﴾ جميع طوائف الناس، ويكون منهم في البشرية والإيمان على ما قلناه وذلك أنا نجد بعثه عليه السلام إلى جميع الخلائق، وقال ابن عمر لأهل اليمن: أنتم هم، وقوله تعالى: ﴿لما يلحقوا﴾ نفي لما قرب من الحال، والمعنى أنهم مزمعون أن يلحقوا فهي ((لم)) زيدت عليها (ما)) تأكيداً. قال سيبويه ((لما)) نفي قولك قد فعل، و((لن)) قولك فعل دون قد، وقوله تعالى: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) الآية، تبيين لموقع النعمة، وتخصيصه إياهم بها. قوله عز وجل : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْالنَّوْرَنَةَ ثُمَّلَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ ج كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿قُلْ يَأَتُهَا الَّذِينَ هَادُوَاْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأُ الْوْتَ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَلَا يَنَمَنَّوْنَهُأَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَّفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ تُوَّتُدُونَ إِلَى ٨ عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّشَكُمْ بِمَا كُمُ تَعْمَلُونَ ﴿الذين حملوا التوراة﴾ هم بنو إسرائيل الأحبار المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و﴿حملوا﴾ معناه: كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها، فهذا كمال حمل الإنسان الأمانة، وليس ذلك من الحمل على الظهر، وإن كان مشتقاً منه، وذكر تعالى أنهم ﴿لم يحملوها﴾، أي لم يطيعوا أمرها، ويقفوا عند حدها حين كذبوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، و﴿التوراة﴾ تنطق بنبوته، فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل كمثل حمار عليه أسفار، فهي عنده والزبل وغير ذلك بمنزلة واحدة، وقرأ يحيى بن يعمر: ((حَمَلُوا)) بفتح الحاء والميم مخففة، وقرأ المأمون العباسي: ((يُحَمَّل أسفاراً) بضم الياء وفتح الحاء وشد الميم مفتوحة، وفي مصحف ابن مسعود: ((كمثل حمار)) بغير تعريف، والسفر: الكتاب المجتمع الأوراق منضودة، ثم بين حال مثلهم وفساده بقوله تعالى: ﴿بئس مثل القوم) وقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم﴾ الآية، روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا يهود خيبر في أمره، وذكروا لهم نبوته، وقالوا: إن رأيتم اتباعه أطعناكم وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون: نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن، وأبناء عُزِيْر ابن الله ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب، نحن أحق بالنبوة من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت الآية بمعنى: أنكم إذا ٣٠٨ تفسير سورة الجمعة / الآيات: ٩ - ١١ كنتم من الله تعالى بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الحسية أحب إليكم ﴿فتمنوا الموت﴾ إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة، أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يتمنونه ولا يلقونه إلا كرهاً لعلمهم بسبوء حالهم عند الله وبعدهم منه. هذا هو المعنى اللازم من ألفاظ الآية، وروى كثير من المفسرين أن الله تعالى جعل هذه الآية معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم فيهم، وآية باهرة، وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودة مات وفارق الدنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تمنوا الموت)) على جهة التعجيز وإظهار الآية، فما تمناه أحد خوفاً من الموت، وثقة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، ثم توعدهم تعالى بالموت الذي لا محيد لهم عنه، ثم بما بعده من الرد إلى الله تعالى، وقرأ ابن مسعود: ((منه ملاقيكم)) بإسقاط ﴿فإنه﴾، وقوله تعالى: ﴿فينبئكم﴾ أي إنباء معاقب مجاز عليه بالتعذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق ((فتمنوا الموت)) بكسر الواو وكذلك يحيى بن يعمر. قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوْهُ فَأَنتَشِرُ واْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿َ وَ إِذَا رَأَوْتِجَرَةً أَوْلَمْوَ أَنْفَضُوْ إِلَيَّهَا وَتَرَّكُوَ قَابِعَاقُلْ ١١ مَا عِندَاللّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ النِّجَزَّةِوَاللَّهُ خَيْرُ الزّزِقِينَ ((النداء بالجمعة)) هو في ناحية من المسجد، وكان على الجدار في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السائب بن يزيد: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد على باب المسجد، وفي مصنف أبي داود: كان بين يديه وهو على منبر أذان، وهو الذي استعمل بنو أمية، وبقي بقرطبة إلى الآن، ثم زاد عثمان النداء على الزوراء ليسمع الناس، فقوم عبروا عن زيادة عثمان بالثاني، كأنهم لم يعتدوا الذي كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقوم عبروا عنه بالثالث، وقرأ الأعمش وابن الزبير: ((الجمْعة)) بإسكان الميم وهي لغة، والمأمور بالسعي هو المؤمن الصحيح البالغ الحر الذكر، ولا جمعة على مسافر في طاعة، فإن حضرها أحسن، وأجزأته . واختلف الناس في الحد الذي يلزم منه السعي، فقال مالك: ثلاثة أميال. قال القاضي أبو محمد: من منزل الساعي إلى المنادي، وقال فريق: من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء، وقال أصحاب الرأي: يلزم أهل المدينة كلها السعي من سمع النداء ومن لم يسمع، وإن كانت أقطارها فوق ثلاثة أميال. قال أبو حنيفة: ولا من منزله خارج المدينة كزرارة من الكوفة، وإنما بينهما مجرى نهر، ولا يجوز لهم إقامتها لأن من شروطها الجامع والسلطان القاهر، والسوق القائمة، وقال بعض أهل العلم: يلزم السعي من خمسة أميال، وقال الزهري: من ستة أميال، وقال أيضاً: من أربعة ٣٠٩ تفسير سورة الجمعة / الآيات: ٩ - ١١ - أميال وقاله ابن المنكدر، وقال ابن عمر وابن المسيب وابن حنبل: إنما يلزم السعي من سمع النداء، وفي هذا نظر. والسعي في الآية: ليس الإسراع في المشي كالسعي بين الصفا والمروة، وإنما هو بمعنى قوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]، فالقيام والوضوء ولبس الثوب والمشي سعي كله إلى ذكر الله تعالى، قال الحسن وقتادة ومالك وغيرهم: إنما تؤتى الصلاة بالسكينة، فالسعي هو بالنية والإرادة، والعمل والذكر هو وعظ الخطبة قاله ابن المسيب، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الملائكة على باب المسجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول إذا خرج الإمام طويت الصحف وجلست الملائكة يستمعون الذكر)»، والخطبة عند جمهور العلماء شرط في انعقاد الجمعة، وقال الحسن: وهي مستحبة، وقرأ عمر بن الخطاب، وعلي وأبي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وجماعة من التابعين: ((فامضوا إلى ذكر الله))، وقال ابن مسعود: لو قرأت ((فاسعوا)) لأسرعت حتى يقع ردائي. واختلف الناس في: ﴿البيع﴾ في الوقت المنهي عنه إذا وقع ما الحكم فيه بعد إجماعهم على وجوب امتناعه بدءاً، فقال الشافعي: يمضي، وقال مرة: يفسخ ما لم يفت فإن فات صح بالقيمة، واختلف في وقت التقويم، فقيل: وقت القبض، وقيل: وقت الحكم، وقوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى السعي وترك البيع، وقوله: ﴿فانتشروا﴾ أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر الإباحة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة» . قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ينبغي أن يكون المرء بقية يوم الجمعة، ويكون نحوه صبيحة يوم السبت، قاله جعفر بن محمد الصادق، وقال مكحول: الفضل المبتغي العلم، فينبغي أن يطلب إثر الجمعة، وقوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً﴾ الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي، قال مجاهد: وكان من عرفهم أن يدخل عير الميرة بالطبل والمعازف والصياح سروراً بها، فدخلت العير بمثل ذلك، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلاً. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. قال القاضي أبو محمد: ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما أذكر الآن، إلا إني سمعت أبي رضي الله عنه يقول: هم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الحادي عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: عبد الله بن مسعود، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي : بقي معه ثمانية نفر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة سومت على المنفضين من السماء))، وفي حديث آخر: ((والذي نفس محمد بيده، ولو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد، أسال عليكم الوادي ناراً)). وقال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، لأن قدوم العير كان يوافق يوم الجمعة يشبه أن المراحل كانت تعطي i ٣١٠ تفسير سورة الجمعة / الآيات: ٩ - ١١ ذلك. وقال تعالى: ﴿إليها﴾ ولم يقل تهمماً بالأهم، إذ هي كانت سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها، وفي مصحف ابن مسعود: ((ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين)). وتأمل إن قدمت التجارة مع الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولاً على الأبين، وهذه الآية، قيام الخطيب، وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية وخطب جالساً، والرازق صفة فعل، وقد يتصف بها بعض البشر تجوزاً إذا كان سبب رزق الحيوان، ﴿والله﴾ تعالى ﴿خير الرازقين﴾. نجز تفسير سورة الجمعة والحمد لله كثيراً . ۔ --- + ٠ ١ 4 ٠ . : : . ٣١١ تفسير سورة المنافقون / الآيات: ١ - ٤ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنُ الزَحِية شُورَةُ الْمِنَافِقُونَ وهي مدنية بإجماع، وذلك أنها نزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، كانت منه في تلك الغزوة أقوال، وكان له أتباع يقولون قوله، فنزلت السورة كلها بسبب ذلك، ذكر الله تعالى فيها ما تقدم من المنافقين من خلفهم وشهادتهم في الظاهر بالإيمان وأنهم كذبة، وذكر فيها ما تأخر منهم ووقع في تلك الغزوة، وسيأتي بيان ذلك فصلاً فصلاً عند تفسير الآيات إن شاء الله. قوله عز وجل : إِذَا جَاءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ﴿أَخَذُوَاْأَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ جَ ذَلِكَ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ بِأَّهُمْءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (® وَإِنِ يَقُولُواْنَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يُحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُالْعَدُوُ فَاحْذَرْهُمْ فَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٤ فضح الله تعالى بهذه الآية سريرة المنافقين، وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾، وهم في إخبارهم هذا كاذبون، لأن حقيقة الكذب أن يخبر الإنسان بضد ما في قلبه، وكسرت الألف من ((إن)) في الثلاثة، لدخول اللام المؤكدة في الخبر، وذلك لا يكون مع المفتوحة، وقوله: ﴿نشهد﴾ وما جرى مجراها من أفعال اليقين، والعلم يجاب بما يجاب به القسم، وهي بمنزلة القسم، وقرأ الناس: ((أيمانهم)) جميع يمين، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف («إيمانهم)»، بكسر الألف، أي هذا الذي تظهرون، وهذا على حذف مضاف، تقديره: إظهار إيمانهم، والجنة: ما يستتر به في الأجرام والمعاني، وقوله تعالى: ﴿فصدوا﴾ يحتمل أن يكون غير متعد تقول: صد زيد، ويحتمل أن یکون متعدياً كما قال: 1 : صددت الكأس عنا أم عمرو والمعنى: صدوا غيرهم ممن كان يريد الإيمان أو من المؤمنين في أن يقاتلوهم وينكروا عليهم، ٣١٢ تفسير سورة المنافقون / الآيات: ١ - ٤ وتلك سبيل الله فيهم، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى فعل الله تعالى في فضيحتهم وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى ساء عملهم أن كفروا بعد إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿آمنوا ثم كفروا﴾ إما أن يريد به منهم من كان آمن ثم نافق بعد صحة من إيمانه، وقد كان هذا موجوداً، وإما أن يريدهم كلهم، فالمعنى ذلك أنهم أظهروا الإيمان ثم كفروا في الباطن أمرهم فسمى ذلك الإظهار إيماناً، وقرأ بعض القراء: ((فطبع)) على بناء الفعل للفاعل، وقرأ جمهور القراء: ((فطبع)) بضم الطاء على بنائه للمفعول بغير إدغام. وأدغم أبو عمرو، وقرأ الأعمش: ((فطبع الله))، وعبر بالطبع عما خلق في قلوبهم من الريب والشك وختم عليهم به من الكفر والمصير إلى النار، وقوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ توبيخ لهم لأنهم كانوا رجالاً أجمل شيء وأفصحه، فكان نظرهم يروق وقولهم يخيب، ولكن الله تعالى جعلهم ((كالخشب المسندة»، وإنما هي أجرام لا عقول لها، معتمدة على غيرها، لا تثبت بأنفسها، ومنه قولهم: تساند القوم إذا اصطفوا وتقابلوا للقتال، وقد يحتمل أن يشبه اصطفافهم في الأندية باصطفاف الخشب المسندة وخلوهم من الأفهام الثافعة خلو الخشب من ذلك، وقال رجل لابن سيرين: رأيتني في النوم محتضناً خشبة، فقال ابن سيرين: أظنك من أهل هذه الآية وتلا: ﴿كأنهم خشب مسندة﴾. وقرأ عكرمة وعطية: ((يُسمع)) مضمومة بالياء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وعاصم: ((خُشُب)) بضم الخاء والشين، وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: ((خُشْب)) بضم الخاء وإسكان الشين وهي قراءة البراء بن عازب واختيار ابن عبيد. وقرأ سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: (((خَشَب)) بفتح الخاء والشين، وذلك كله جمع خشبة بفتح الخاء والشين، فالقراءتان أولاً كما تقول: بُدّنة وبَدْن وبُدْن: قاله سيبويه، والأخيرة على الباب في تمرة وتمر. وكان عبد الله بن أبي من أبهى المنافقين وأطولهم، ويدل على ذلك أنه لم يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه، وقد تقدم في سورة البقرة تحرير أمر المنافقين وكيف سترهم الإسلام. وقوله تعالى: ﴿يحسبون كل صيحة عليهم﴾، فضح أيضاً لما كانوا يسرونه من الخوف، وذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بقتلهم، وقال مقاتل: فكانوا متى سمعوا نشدان ضالة أو صياحاً بأي وجه كان أو أخبروا بنزول وحي طارت عقولهم حتى يسكن ذلك. ويكون فيّ غير شأنهم، وجرى هذا اللفظ مثلاً في الخائف، ونحو قول الشاعر [بشار بن برد العقيلي]: [الوافر] مخافة أن يكون به السرار يروّعه السرار بكل أرض وقول جرير: [الكامل] ما زلت تحسب کل شيء بعدهم خيلاً تكر عليهم ورجالا ثم أخبر تعالى بأنهم ﴿العدو﴾ وحذر منهم، و﴿العدو﴾ يقع للواحد والجمع، وقوله تعالى: ﴿قاتلهم الله﴾ دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة، وتمني الشر لهم، وقوله تعالى: ﴿أنى يؤفكون﴾ معناه: كيف يصرفون، ويحتمل أن يكون ﴿أنى﴾ استفهاماً، كأنه قال كيف يصرفون أو لأي سبب لا يرون ٣١٣ تفسير سورة المنافقون / الآيات : ٥ - ٨ أنفسهم، ويحتمل أن يكون: ﴿أنى﴾ ظرفاً لـ ﴿قاتلهم﴾ كأنه قال ﴿قاتلهم الله﴾، كيف انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في القول استفهام على هذا. قوله عز وجل : وَإِذَاقِيلَ لَهُمْتَعَالَوْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِلَوَّوْرُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾ يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَی وَلِلَّهِ خَزَّابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ◌َ اُلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ ٨ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ كان أمر عبد الله بن أبي ابن سلول، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس إلى ماء سبق إليه المهاجرون وكأنهم غلبوا الأنصار عليه بعض الغلبة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه : قد كنت قلت لكم في هؤلاء الجلابيب ما قلت فلم تسمعوا مني، وكان المنافقون ومن لا يتحرى يسمي المهاجرين الجلابيب ومنه قول حسان بن ثابت: [البسيط] وابن القريعة أمسى بيضة البلد أرى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتحض علينا يا حسان))، ثم إن الجهحاه الغفاري كان أجيراً لعمر بن الخطاب ورد الماء بفرس لعمر، فازدحم هو وسنان بن وبرة الجهني وكان حليفاً للأوس فكسع الجهجاه سناناً، فغضب سنان فتأثروا، ودعا الجهجاه: يا للمهاجرين، ودعا سنان: يا للأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما بال دعوى الجاهلية))، فلما أخبر بالقصة، قال: ((دعوها فإنها منتنة)). واجتمع في الأمر عبد الله بن أبيّ في قوم من المنافقين، وكان معهم زيد بن أرقم فتى صغيراً لم يتحفظ منه، فقال عبد الله بن أبي: أوَقَد تداعوا علينا فوالله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وقال لهم: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، وقال لهم: إنما يقيم هؤلاء المهاجرون مع محمد بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفروا، فذهب زيد بن أرقم إلى عمه وكان في حجره وأخبره، فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا زيد، غضبت على الرجل أو لعلك وهمت))، فأقسم زيد ما كان شيء من ذلك، ولقد سمع من عبد الله بن أبيّ ما حكى، فعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف ما قال، وكذّب زيداً، وحلف معه قوم من المنافقين، فكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، وصدق عبد الله بن أبي، فبقي زيد في منزله لا يتصرف حياء من الناس، ٣١٤ تفسير سورة المنافقون / الآيات :٥٠ - ٨ فنزلت هذه السورة عند ذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيد وقال له: ((لقد صدقك الله يا زید ووفت أذنك))، فخزي عند ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، ومقته الناس ، ولامه المؤمنون من قومه وقال. بعضهم: امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترف بذنبك يستغفر لك، فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم عليّ بأن أعطي زكاة من مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد . قال القاضي أبو محمد: فهذا هو قصص هذه السورة موجزاً، و((تعال)) نداء يقتضي لفظه أنه دعاء الأعلى للأسفل، ثم استعمل لكل داع لما فيه من حسن الأدب. وقرأ نافع والمفضل عن عاصم ((لووا)) بتخفيف الواو، وهي قراءة الحسن بخلاف ومجاهد، وأهل المدينة، وقرأ الباقون وأبو جعفر والأعمش: ((لوّوا)) بشد الواو على تضعيف المبالغة، وهي قراءة طلحة وعيسى وأبي رجاء وزر والأعرج، وقرأ بعض القراء هنا: ((يصِدون)) بكسر الصاد، والجمهور بضمها، وقوله تعالى: ﴿سواء عليهم﴾ الآية، روي أنه لما نزلت: ﴿إِن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لهم﴾ [التوبة: ٨٠]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأزيدن على السبعين))، وفي حديث آخر: ((لو علمت أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت))، فكأنه عليه السلام رجا أن هذا الحد ليس على جهة الحتم جملة، بل على أن ما يجاوزه يخرج عن حكمه، فلما فعل ابن أبي وأصحابه ما فعلوا شدد الله تعالى عليهم في هذه السورة، وأعلم أنه لن يغفر لهم دون حد في الاستغفار، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أعلم أني إن زدت غفر لهم)) نص على رفض دليل الخطاب. وقرأ جمهور الناس: ((أستغفرت)) بالقطع وألف الاستفهام، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ((آستغفرت)) بمدّ على الهمزة وهي ألف التسوية، وقرأ أيضاً: بوصل الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كله ضعف لأنه في الأولى: أثبت همزة الوصل، وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية: حذف همزة الاستفهام وهو يريدها وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر. وقوله تعالى: ﴿هم الذين﴾ أشار عبد الله بن أبي ومن قال بقوله، قاله علي بن سليمان ثم سفه أحلامهم في أن ظنوا إنفاقهم هو سبب رزق المهاجرين ونسوا أن جريان الرزق بيد الله تعالى، إذا انسد باب انفتح غيره، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: ((حتى يُنفِضْوا)) بضم الياء وتخفيف الفاء، يقال: ((أنفَضَ)) الرجل إذا فني طعامه فنفض وعاءه والخزائن موضع الإعداد، ونجد القرآن قد نطق في غير موضع بالخزائن ونجد في الحديث: ((خزنة الربح)) وفي القرآن: ﴿من جبال فيها من برد﴾ [النور: ٤٣]، فجائز أن تكون هذه عبارة عن القدرة وأن هذه الأشياء إيجادها عند ظهورها جائز. وهو الأظهر. إن منها أشياء مخلوقة موجودة يصرفها الله تعالى حيث شاء، وظواهر ألفاظ الشريعة تعطى هذا. ومعناه في التفسير قال عتت على الخزان، وفي الحديث: ((ما انفتح من خزائن الربح على قوم عاد إلا قدر حلقة الخاتم، ولو انفتح مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا))، وقال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل، فقرأ: ﴿ولله خزائن السماوات والأرض﴾، وقال الجنيد: ﴿خزائن﴾ السماء: الغيوب، و﴿خزائن﴾ الأرض: القلوب: وقرأ الجمهور: ٣١٥ تفسير سورة المنافقون / الآيات: ٩ - ١١ ((ليُخرِجن الأعز)) بضم الياء وكسر الراء بمعنى أن العزيز يخرج الذليل ويبعده، وقال أبو حاتم: وقرىء (لْنَخرُجن)) بنون الجماعة مفتوحة، وضم الراء، ((الأعزَّ) نصباً منها، ((الأذلَّ)) أيضاً نصباً على الحال، وذكرها أبو عمر الداني عن الحسن، ورويت هذه القراءة: ((لنُخرِجن)) بضم النون وكسر الراء، وقرأ قوم فيما حكى الفراء والكسائي، وذكرها المهدوي: ((لَيَخرُجن الأعز منها الأذلَّ)) بفتح الياء وضم الراء. ونصب ((الأذلَّ)) على الحال بمعنى: أن نحن الذين كنا أعزة سنخرج أذلاء، وجاءت هذه الحال معرفة، وفيها شذوذ، وحكى سيبويه: أدخلوا الأول فالأول، ثم أعلم تعالى أن العزة لله وللرسول وللمؤمنين، وفي ذلك وعيد، وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان رجلاً صالحاً لما سمع الآية، جاء إلى أبيه فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، فلما وصل الناس إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرد السيف ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت إلى منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن أبي في أذل الرجال، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه أن خلّه يمض إلى منزله، فقال: أما الآن فنعم، فمضى إلى منزله. قوله عز وجل : ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِكَ وَأَنْفِقُواْ مِنِ مَارَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ! رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِىِّ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَلَن يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاللّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ الإلهاء الإشغال بملتذ وشهوة، و﴿ذكر الله﴾ هنا عام في الصلاة والتوحيد والدعاء، وغير ذلك من فرض ومندوب، وهذا قول الحسن وجماعة من المفسرين، وقال الضحاك وعطاء وأصحابه: المراد بالذكر: الصلاة المكتوبة، والأول أظهر، وكذلك قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾، قال جمهور من المتأولين: المراد الزكاة، وقال آخرون: ذلك عام في مفروض ومندوب. وقوله: ﴿يأتي أحدكم الموت﴾ أي علاماته، وأوائل أمره وقوله: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾، طلب للكرة والإمهال، وفي مصحف أبي بن كعب: ((آخرتن)) بغير ياء، وسماه قريباً لأنه آت، وأيضاً فإنما يتمنى ذلك ليقضي فيه العمل الصالح فقط، وليس يتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته، وفي مصحف أبي: ((فأتصدق))، وقوله: ﴿وأكن من الصالحين﴾ ظاهره العموم، فقال ابن عباس هو الحج، وروي عنه أنه قال في مجلسه يوماً: ما من رجل لا يؤدي الزكاة ولا يحج إلا طلب الكرة عند موته فقال له رجل: أما تتقي الله المؤمن بطلب الكرة؟ فقال له ابن عباس: نعم، وقرأ الآية، وقرأ جمهور السبعة والناس: ((وأكنْ)) بالجزم عطفاً على الموضع، لأن التقدير: ((إن تؤخرني أصدق، وأكن))، هذا مذهب أبي علي، فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا وهو جزم ((أكن)) على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، ولا موضع هنا، لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف ٣١٦ تفسير سورة المنافقون / الآيات: ٩-١١ على الوضع حيث يظهر الشرط كقوله تعالى: ﴿من يضلل الله فلا هادي به﴾ [الأعراف: ١٨٦]، ونذرهم، فمن قرأ بالجزم عطف على موضع ﴿فلا هادي له﴾ [الأعراف: ١٨٦]، لأنه وقع هنالك فعل كان مجزوماً، وكذلك من قرأ: ((ونكفر)) بالجزم عطفاً على موضع فهو خير لكم، وقرأها أبو عمرو وأبو رجاء والحسن وابن أبي إسحاق، ومالك بن دينار وابن محيصن والأعمش وابن جبير وعبيد الله بن الحسن العنبري، قال أبو حاتم، وكان من العلماء الفصحاء: ((وأكون)) بالنصب عطفاً على ﴿فأصدق﴾، وقال أبو حاتم في كتبها في المصحف بغير واو، وإنهم حذفوا الواو كما حذفوها من ((أبجد)) وغيره، ورجحها أبو علي، وفي مصحف أبيّ بن كعب وابن مسعود: ((فأتصدق وأكن)) وفي قوله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها﴾، حض على المبادرة ومسابقة الأجل بالعمل الصالح، وقرأ السبعة والجمهور: ((تعملون)) بالتاء على المخاطبة لجميع الناس، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ((بما يعملون)) بالياء على تخصيص الكفار بالوعيد. i ٣١٧ تفسير سورة التغابن / الآيات: ١ - ٤ بِسْمِ اللهِالرَّحْضَن ◌َالزَحِيةِ سُورَةُ النَخَّابِرُ قال بعض المفسرين: هي مدنية، وقال آخرون: هي مكية، إلا من قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن أزواجكم وأولادكم ... ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخر السورة فإنه مدني. وذكر الثعلبي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مولود يولد إلا في تشابيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن. قوله عز وجل : هُوَالَّذِى ١ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِیُ خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمُؤْمِنٌ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ جَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ج ٤ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ! قوله تعالى: ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ عموم معناه التنبيه، والشيء: الموجود، وقوله: ﴿هو الذي خلقكم﴾ تعديد نعمة، والمعنى ﴿فمنكم كافر﴾ لنعمته في الإيجاد حين لم يوجد كافر لجهله بالله تعالى، ﴿ومنكم مؤمن﴾ بالله، والإيمان به شكر لنعمته، فالإشارة في هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد، هذا قول جماعة من المتأولين، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة))، وقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠]، وكأن العبارة في قوله تعالى: ﴿فمنكم) تعطي هذا، وكذلك يقويه قوله: ﴿والله بما تعملون بصير﴾. وقيل: المعنى ((خلقكم منكم مؤمن ومنكم كافر)) في أصل الخلق فهي جملة في موضع الحال، فالإشارة على هذا في الإيمان والكفر هي إلى اختراع الله تعالى وخلقه، وهذا تأويل ابن مسعود وأبي ذر، ويجري مع هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدكم يكون في بطن أمه نطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة أربعين يوماً، ثم يجيء الملك فيقول يا رب: أذَكَر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه))، فقوله في الحديث: ((أشقي أم سعيد)) هو في هذه الآية: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ ويجري مع هذا المعنى قوله في الغلام الذي قتله الخضر: إنه طبع يوم طبع كافراً، وما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال: ((خلق الله فرعون في البطن كافراً وخلق يحيى بن زكرياء مؤمناً)) وقال عطاء بن ٣١٨ تفسير سورة التغابن / الآيات: ٥ - ٧ أبي رباح: فمعنى الآية: ﴿فمنكم كافر﴾ بالله ﴿مؤمن﴾ بالكوكب، ومؤمن بالله كافر بالكوكب، وقدم الكافر لأنه أعرف من جهة الكثرة، وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ أي حين كان خلقها محقوقاً في نفسه ليست عبثاً ولا لغير معنى . وقرأ جمهور الناس: ((صُوركم)) بضم الصاد، وقرأ أبو رزين: ((صوركم)) بكسرها، وهذا تعديد النعمة في حسن الخلقة، لأن أعضاء ابن آدم متصرفة لجميع ما تتصرف به أعضاء الحيوان، وبزيادات كثيرة فضل بها ثم هو مفضل بحسن الوجه، وجمال الجوارح، وحجة هذا قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤]، وقال بعض العلماء: النعمة المعددة هنا إنما هي صورة الإنسان من حيث هو إنسان مدرك عاقل، فهذا هو الذي حسن له حتى لحق ذلك كمالات كثيرة. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أحرى في لغة العرب، لأنها لا تعرف الصور إلا الشكل، وذكر تعالى علمه بما في السماوات والأرض، فعم عظام المخلوقات، ثم تدرج القول إلى أخفى من ذلك وهو جميع ما يقوله الناس في سر وفي علن، ثم تدرج إلى ما هو أخفى، وهو ما يهجس بالخواطر، وذات الصدور: ما فيها من خطرات واعتقادات كما يقال: الذئب مغبوط بذي بطنه، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، و﴿الصدور﴾ هنا عبارة عن القلب، إذ القلب في الصدر. قوله عز وجل : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِهِمْ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبُواْالَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَا قُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ رُسُلُهُم بِالْبِنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ بَهُ وَتَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَ اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ زَعُمَ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ أَنْ لَنْ يُبْعَثُوْقُلْ بَى وَرَبٍِ لَمْتُعَثُنَُّم ◌َنَُوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الَّهِيَسِيرُ ه ﴿يأتكم﴾ جزم وأصله ((يأتيكم)) قال سيبويه: واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم، والخطاب في هذه الآية لقريش، ذكروا بما حل بعاد وثمود وقوم إبراهيم وغيرهم ممن سمعت قريش أخبارهم، و((وبال الأمر»: مكروهه، وما يسوء منه، وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنه﴾ إشارة إلى ذوق الوبال، وكون عذاب الآخرة لهم، ثم ذكر تعالى من مقالة أولئك الماضين ما هو مشبه لقول كفار قريش من استبعاد بعث الله للبشر، ونبوة أحد من بني آدم، وحسد الشخص المبعوث، وقوله: ﴿أبشر﴾ رفع بالابتداء، وجمع الضمير في قوله: ﴿يهدوننا﴾ من حيث كان البشر اسم هذا النوع الآدمي، كأنهم قالوا أناس هداتنا؟ وقوله تعالى: ﴿استغنى الله﴾ عبارة عما ظهر من هلاكهم، وأنهم لن يضروا الله شيئاً، فبان أنه كان غنياً أزلاً وبسبب ظهور هلاكهم بعد أن لم يكن ظاهراً ساغ استعمال هذا البناء مسنداً إلى اسم الله تعالى، لأن بناء استفعل إنما هو لطلب الشيء وتحصيله بالطلب، وقوله تعالى: ﴿زعم الذين كفروا﴾ ٣١٩ تفسير سورة التغابن / الآيات: ٨ - ١١ يريد قريشاً ثم هي بعد تعم كل كافر بالبعث، وقال عبد الله بن عمر: الزعم: كنية الكذب، وقال عليه السلام: بئس مطية الرجل زعموا، ولا توجد ((زعم)) مستعملة في فصيح من الكلام إلا عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله فيريد ناقله أن يبقي عهدته على الزاعم، ففي ذلك ما ينحو إلى تضعيف الزعم، وقول سيبويه: زعم الخليل إنما يجيء فيما انفرد الخليل به، ثم أمره تعالى أن يجيب نفيهم يما يقتضي الرد عليه إيجاب البعث وأن يؤكد ذلك بالقسم، ثم توعدهم تعالى في آخر الآية بأنهم يخبرون بأعمالهم على جهة التوقيف والتوبيخ، المؤدي إلى العقاب. قوله عز وجل : فَاِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِالَّذِىّ أَنزَ لْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيٌ شَّايَوْمَ يَجْمَعُكُمْلِيَوْمِ الْجَمَّعَ ذَلِكَ يَوْمُ الثَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِ حًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْوَكَذَّبُواْبِثَايَتِنَا أُوْلَبِكَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَاً وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ١١ هذا دعاء إلى الله تعالى وتبليغ وتحذير من يوم القيامة، و﴿النور﴾ القرآن ومعانيه، والعامل في قوله ﴿يوم يجمعكم﴾ يحتمل أن تكون ﴿التنبؤن﴾ [التغابن: ٧]، ويحتمل أن تكون ﴿خبير﴾، وهو تعالى خبير في كل يوم، ولكن يخص ذلك اليوم، لأنه يوم تضرهم فيه خبرة الله تعالى بأمورهم، وقرأ جمهور السبعة : (يجمعُكم)) بضم العين، وقرأ أبو عمر بسكونها، وروي عنه أنه أشمها الضم وهذا على جواز تسكين الحركة وإن كانت الإعراب، كما قال جرير: ولا تعرفكم العرب، وقرأ سلام ويعقوب: ((نجمعُكم)) بالنون وضم العين، و: ﴿يوم الجمع﴾ هو يوم القيامة، وهو ﴿يوم التغابن﴾، وذلك أن كل واحد ينبعث من قبره وهو يرجو حظاً ومنزلة، فإذا وقع الجزاء غبن المؤمنون الكافرين لأنهم يحوزون الجنة ويحصل الكفار في النار، نحا هذا المنحى مجاهد وغيره، وليس هذا الفعل من التغابن من اثنين، بل كتواضع وتحامل، وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم: ((نكفر عنه)) بنون وكذلك: ((ندخله))، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن بخلاف وطلحة، وقرأ الباقون والأعمش وعيسى والحسن في الموضعين بالياء على معنى يكفر الله، والأول هو نون العظمة وقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة﴾ يحتمل أن يريد المصائب التي هي رزايا وخصها بالذكر بأنها الأهم على الناس والأبين أثراً في أنفسهم، ويحتمل أن يريد جميع الحوادث من خير وشر، وذلك أن الحكم واحد في أنها ﴿بإذن الله﴾، والإذن في هذا الموضع عبارة عن العلم والإرادة وتمكين الوقوع، وقوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ قال فيه المفسرون المعنى: ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وعلمه، هانت عليه مصيبته وسلم الأمر لله تعالى. وقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مصرف: ((نهد)) بالنون، وقرأ الضحاك: ((يُهد قلبه)) برفع الياء. وقرأ عكرمة ٣٢٠ تفسیر سورة التغابن / الآيات: ١٢ - ١٥ وعمرو بن دينار: ((يهدأ) برفع القلب، وروي عن عكرمة أنه سكن بدل الهمزة ألفاً، على معنى أن صاحب المصيبة يسلم فتسكن نفسه، ويرشد الله المؤمن به إلى الصواب في الأمور. وقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ عموم مطلق على ظاهره. قوله عز وجل : اللَّهُلَآ إِلَهَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولُ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ◌ّ وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ إِنَّمَا أَقْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ وَاُللَّهُ عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ لـ ١٥ قوله تعالى: ﴿وأطيعوا﴾ عطف على ﴿فآمنوا﴾ [التغابن: ٨]، وقوله تعالى: ﴿فإن توليتم ... ﴾ إلى إلى آخر الآية. وعيد وتربية لمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بلغ، وفي قوله تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ تحريض للمؤمنين على مكافحة الكفار والصبر على دين الله، وقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ... ) إلى آخر السورة قرآن مدني، اختلف الناس في سببه، فقال عطاء بن أبي رباح: إنه نزل في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أراد غزواً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهله وأولاده فثبطوه وتشكوا إليه فراقه، فرق ولم يغز، ثم إنه ندم وهم بمعناقبتهم، فنزلت الآية بسببه محذرة من الأزواج والأولاد وفتنتهم، ثم صرفه تعالى عن معاقبتهم بقوله: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا﴾ وقال بعض المفسرين سبب الآية: إن قوماً آمنوا بالله وثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة فلم يهاجروا إلا بعد مدة، فوجدوا غيرهم قد تفقه في الدين، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم، ثم أخبر تعالى أن الأموال والأولاد ﴿فتنة﴾ تشغل المرء عن مراشده وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في آخرته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((الولد مجبنة)) (مبخلة)، وخرج أبو داود حديثاً في مصنفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يخطب يوم الجمعة على المنبر حتى جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يجرانهما يعثران ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر حتى أخذهما وصعد بهما، ثم قرأ: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ الآية، وقال إني رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته. قال القاضي أبو محمد: وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء، فأما فتنة الجهال والفسقة، فمؤدية إلى كل فعل مهلك، وقال ابن مسعود: لا يقول أحدكم اللهم اعصمني عن الفتنة فإنه ليس يرجع أحد إلى أهل ومال إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. وقال عمر لحذيفة: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: أحب ولدي وأكره الموت. وقوله تعالى: ﴿والله عنده أجر عظيم﴾ تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.