النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
تفسير سورة المجادلة / الآيات: ١٧ - ٢١
ذلك، والعذاب الشديد هو عذاب الآخرة. وقرأ جمهور الناس: ((أيمانهم)) جمع يمين. وقرأ الحسن بن
أبي الحسن: ((إيمانهم))، أي يظهرونه من الإيمان والجنة: ما يتستر به ويتقي المحذور، ومنه المجن: وهو
الترس: وقوله ﴿فصدوا عن سبيل الله﴾ يحتمل أن يكون الفعل غير متعد كما تقول صد زيد، أي صدوا هم
أنفسهم عن سبيل الله والإيمان برسوله، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صدوا غيرهم من الناس عن الإيمان
ممن اقتدى بهم وجرى في مضمارهم، ويحتمل أن يكون المعنى ﴿فصدوا﴾ المسلمين عن قتلهم، وتلك
﴿سبيل الله﴾ فيهم لكن ما أظهروه من الإيمان صدوا به المسلمين عن ذلك، والمهين: المذل من الهوان.
قوله عز وجل :
يَوْمَ
//
لَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْنَاْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًافَحْلِفُونَ لَُّكَمَا يَحِلِفُونَ لَكُمْ وَنَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ ﴿ أَسْتَحْوَذَ
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللّهِ أَوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِ أَلَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ إِنَّ
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلِّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ
٢٠
الَّذِينَ يُحَآَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِ آلْأَذَلِّينَ
عَزِيزٌ
٢١
روي أن المنافقين فخروا بكثرة أموالهم وأولادهم وأظهروا السرور بذلك، فنزلت الآية معلمة أن ذلك
لا غناء له عنهم ولا مدفع بسببه. والعامل في قوله ﴿يوم يبعثهم﴾، ﴿أصحاب﴾ على تقدير فعل، وأخبر الله
تعالى عنهم في هذه الآية أنه ستكون لهم أيمان يوم القيامة وبين يدي الله يخيل إليهم بجهلهم أنها تنفعهم
وتقبل منهم، وهذا هو حسابهم ﴿أنهم على شيءٍ﴾، أي على فعل نافع لهم، وقال ابن عباس في كتاب
الثعلبي : قال النبي عليه السلام: ((ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله، فتأتي القدرية مسودة وجوههم
زرقة أعينهم، فيقولون والله ما عبدنا شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا اتخذنا من دونك ولياً))، قال ابن عباس:
صدقوا والله ولكن أتاهم الإشراك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس هذه الآية، وقوله تعالى:
﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ معناه: تملكهم من كل جهة وغلب على نفوسهم، وهذا الفعل مما استعمل
على الأصل فإن قياس التعليل يقتضي أن يقال: استحاذ، وحكى الفراء في كتاب اللغات أن عمر رضي الله
عنه قرأ: ((استحاذ)). و ﴿يحادون﴾ معناه: يعطون الحد من الأفعال والأقوال، وقال بعض أهل المعاني:
معناه يكونون في حد غير الحد الذي شرع الله تعالى، ثم قضى تعالى على محاده بالذل وأخبر أنه كتب فيما
أمضاه من قضائه وقدره في الأزل أنه يغلب هو ورسله كل من حاد الله والرسل. وقرأ نافع وابن عامر:
((ورسليَ)) بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها. وقال الحسن وغيره: ما أمر الله تعالى قط رسولاً بالقتال إلا
وغلبه، وظفره بقوته وعزته لا رب سواه، وقال غيره: ومن لم يؤمر بقتال فهو غالب بالحجة .
قوله عز وجل :
لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ يُوَآَدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْكَانُواْ

٢٨٢٠
تفسير سورة المجادلة / الآية: ٢٢
ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ
وَأَتَّدَهُمْ بِرُوجِ مِنْهٌ وَيُدْ خِلُهُمْ جَنَّتِ نَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٢٢:
نفت هذه الآية أن يوجد من يؤمن بالله تعالى حق الإيمان ويلتزم شعبه على الكمال يواد كافراً أو
منافقاً. ومعنى يواد: يكون بينهما من اللطف بحيث يود كل واحد منهما صاحبه، وعلى هذا التأويل قال
بعض الصحابة: اللهم لا تجعل لمشرك قبلي يدآ فتكون سبباً للمودة فإنك تقول وتلا هذه الآية، وتحتمل
الآية أن يريد بها لا يوجد من يؤمن بالله والبعث يواد ﴿من حاد الله﴾ من حيث هو محاد لأنه حينئذ يود
المحادة، وذلك يوجب أن لا يكون مؤمناً .
ويروى أن هذه الآية نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة ومخاطبته أهل مكة، وظاهر هذه الآيات،
أنها متصلة المعنى، وأن هذا في معنى الذم للمنافقين الموالين لليهود، وإذا قلنا إنها في أمر حاطب جاء ذلك
أجنبياً في أمر المنافقين، وإن كان شبيهاً به، والإخوان هنا إخوة النسب، كما عرف الإخوة أنه في النسب،
وقد يكون مستعملاً في إيخاء الود، و﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ معناه: أثبته. وخلقه بالإيجاد، وذهب
أبو علي الفارسي وغيره من المعتزلة، إلى أن المعنى جعل في قلوبهم علامات تعرف الملائكة بها أنهم
مؤمنون، وذلك لأنهم يرون العبد يخلق إيمانه، وقد صرح النقاش بهذا المذهب، وما أراه إلا قاله غير
محصل لما قال. وأما أبو علي فعن بصيرته، وقرأ جمهور القراء ((كَتَب)) على بناء الفعل للفاعل، ((والإيمان))
بالنصب، وقرأ أبو حيوة وعاصم في رواية المفضل عنه ((كُتِبَ)) على بناء الفعل للمفعول، ((والإيمانُ))
بالرفع، وقوله ﴿أولئك﴾ إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية، لأن المعنى لكنك تجدهم لا
يوادون من حاد الله، وقوله تعالى: ﴿بروح منه﴾ معناه: بهدى ولطف ونور وتوفيق إلهي ينقدح من القرآن،
وكلام النبي عليه السلام، وقيل: المعنى بالقرآن لأنه روح، قيل: المعنى بجبريل عليه السلام، والحزب
الطريق الذي يجمعه مذهب واحد، والمفلح: الفائز ببغيته، وباقي الآية بين.

٢٨٣
تفسير سورة الحشر / الآيتان : ٢٠١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِ
سُورَةُ الجُشْر
هذه السورة مدنية باتفاق من أهل العلم، وهي سورة بني النضير، وذلك أن رسول الله كان عاهد بني النضير
على سلم، وهم يرون أنه لا تردد له راية، فلما جرت هزيمة أحد ارتابوا وداخلوا قريشاً وغدروا، فلما رجع
النبي صلى الله عليه وسلم من أحد تبين له معتقد بني النضير، وغدرهم بعهده، وموالاتهم للكفرة، فجمع
إليهم وحاصرهم وعاهدهم على أن يجليهم عن أرضهم، فارتحلوا إلى بلاد مختلفة: خيبر والشام وغير ذلك
من البلاد، ثم كان أمر بني قريظة مرجعه من الأحزاب.
قوله عز وجل :
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ هُوَالَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ
فَأَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُوَتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ
٢
فَأَعْتَبِرُوايَتَأُوْلِ الْأَنْصَرِ
قد تقدم القول في تسبيح الجمادات التي يتناولها عموم ما في السماوات والأرض وأن أهل العلم
اختلفوا في ذلك. فقال قوم: ذلك على الحقيقة، وقال آخرون: ذلك مجاز أي آثار الصنعة فيها والإيجاد
لها كالتسبيح وداعية إلى التسبيح ممن له أن يسبح، قال مكي ﴿سبح﴾ معناه: صلى وسجد فهذا كله بمعنى
الخضوع والطوع، و﴿العزيز الحكيم﴾ صفتان مناسبتان لما يأتي بعد من قصة العدو الذي أخرجهم من
ديارهم، و﴿الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ هم بنو النضير، وكانت قبيلة عظيمة من بني إسرائيل موازية في
القدر والمنزلة لبني قريظة، وكان يقال للقبيلتين الكاهنان، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون، وكانت
أرضهم وحصونهم قريبة من المدينة، ولهم نخل وأموال عظيمة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
من أحد خرج إلى بني النضير فحاصرهم وأجلاهم على أن يحملوا من أموالهم ما أقلته إبلهم حاشى الحلقة
وهي جميع السلاح، فخرجوا إلى بلاد مختلفة فذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل
الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾. وقوله تعالى: ﴿لأول الحشر﴾ اختلف الناس في معنى ذلك بعد
اتفاقهم على أن ﴿الحشر﴾: الجمع والتوجيه إلى ناحية ما. فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: أراد حشر
القيامة أي هذا أوله، والقيام من القبور آخره، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ((امضوا هذا
!

٢٨٤
تفسير سورة الحشر/ الآيات: ٣٠-٦
أول الحشر وإنا على الأثر)). وقال عكرمة والزهري وغيرهما: المعنى ﴿لأول﴾ موضع ﴿الحشر﴾ وهو
الشام، وذلك أن أكثر بني النضير جاءت إلى الشام، وقد روي أن حشر القيامة هو إلى بلد الشام وأن النبي
صلى الله عليه وسلم قال لبني النضير ((اخرجوا))، قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر))، وقال قوم في
كتاب المهدوي: المراد ﴿الحشر﴾ في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فهذا الذي فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم ببني النضير أوله، والذي فعل عمر بن الخطاب بأهل خيبر آخره، وأخبرت الآية بمغيب وقد
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بجلاء أهل خيبر، ويحتمل أن يكون آخر الحشر في قول النبي عليه السلام
في مرضه: ((لا يبقين دينان في جزيرة العرب))، فإن ذلك يتضمن إجلاء بقاياهم قال الخليل في ما حكى
الزجاج: سميت جزيرة لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرآت، وفي هذه الإحاطة نظر.
وقوله تعالى: ﴿ما ظننتم أن يخرجوا﴾ معناه: لمنعتهم وكثرة عددهم، فلم تكن آمالكم وظنونكم تنتهي إلى
أنهم يخرجون ويدعون أموالهم لكم، وبحسب ذلك من المنعة والعدد والتحصن ظنوا هم أن لن يقدر
عليهم وقوله تعالى: ﴿من الله﴾ يريد: من جند الله حزب الله وقوله تعالى: ﴿فأناهم الله﴾ عبارة عن إظهاره
تعالى المسلمين عليهم وإلقائهم في حيز الهزم والذل. وقرأ الجمهور: ((الرعْب)) بسكون العين، وقرأ أبو
جعفر وشيبة، بضم العين، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي
المؤمنين﴾، فقال الضحاك والزجاج وغيره: كلما هدم المسلمون من حصنهم في القتال هدموا هم من
البيوت وخربوا الحصون دأباً فهذا معنى تخريبهم. وقال الزهراوي وغيره كانوا لما أبيح لهم ما تستقل به
الإبل لا يدعون خشبة حسنة ولا نجافاً ولا سارية إلا قلعوه وخربوا البيوت عنه، وقوله تعالى: ﴿وأيدي
المؤمنين﴾ من حيث فعلهم، وكفرهم داعية إلى تخريب المؤمنين بيوتهم، فكأنهم قد خربوها هم بأيدي
المؤمنين. وقال جماعة من المفسرين: إنهم لما أزمعوا الجلاء شحوا على ترك البيوت سليمة للمؤمنين
فهدموا وخربوا لمعنى الإفساد على من يأتي. قال قتادة: خرب المؤمنون من خارج ليدخلوا وخربوهم من
داخل. وقرأ جمهور القراء: ((يخْرِبون)) بسكون الخاء وتخفيف الراء. وقرأ أبو عمرو وحده والحسن بخلاف
عنه وقتادة وعيسى بفتح الخاء وشد الراء. فقال فريق من العلماء اللغويين القراءتان بمعنى واحد وقال أبو
عمرو بن العلاء: خرب، معناه: هدم وأفسد وأخرب معناه ترك الموضع خراباً وذهب عنه، ثم نبه تعالى
المؤمنين وغيرهم ممن له أن ينظر على نصرة رسوله وصنعه له فيمن حاده وناوأه بقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا
أولي الأبصار﴾ أي العيون والأفهام.
قوله عز وجل :
وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَاأُ وَلَهُمْ فِ آَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ جِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
شَاقُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآَقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُم مِّنِلِينَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا
قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ * وَمَآ أَفَاءَاللَّهُ عَلَى رَسُولِهِمِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ
عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ!
٦
أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب على بني إسرائيل جلاء، وكانت بنو النضير ممن حل بالحجاز

٢٨٥
تفسير سورة الحشر / الآيات : ٣ - ٦
بعد موت موسى عليه السلام بيسير، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع وقد عصوا في أن لم يقتلوا الغلام
ابن ملك العماليق لجماله وعقله، وقد كان موسى عليه السلام قال لهم لا تستحيوا أحداً، فلما رجع ذلك
الجيش إلى بني إسرائيل بالشام وجدوا موسى ميتاً، وقال لهم بنو إسرائيل أنتم عصاة والله لا دخلتم علينا
بلادنا، فقال أهل ذلك الجيش عند ذلك ليس لنا أحب من البلاد التي غلبنا أهلها، فانصرفوا إلى الحجاز،
فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجراه بختنصر على أهل الشام، وقد كان الله تعالى كتب في الأزل
على بني إسرائيل جلاء فنالهم هذا ﴿الجلاء﴾ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك ﴿لعذبهم﴾
الله ﴿في الدنيا﴾ بالسيف والقتل كأهل بدر وغيرهم. ويقال: جلا الرجل وأجلاه غيره، وقد يقال: أجلى
الرجل نفسه بمعنى جلا، والمشاقة كون الإنسان في شق ومخالفه في شق، وقوله: ﴿ما قطعتم من لينة﴾
سببها أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا أيديهم في نخل بني النضير يقطعون ويحرقون،
فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فكف عن ذلك بعض الصحابة وذلك في
صدر الحرب معهم، فنزلت الآية معلمة أن جميع ما جرى من قطع أو إمساك ﴿فبإذن الله﴾، وردت الآية
على قول بني النضير، إن محمداً ينهى عن الفساد وها هو ذا يفسد فأعلم الله تعالى أن ذلك بإذنه ﴿ليخزي
به الفاسقين﴾ من بني النضير، واختلف الناس في اللينة، فقال الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن
ميمون: اللينة النخلة اسمان بمعنى واحد وجمعها لين وليان، قال الشاعر [امرؤ القيس]: [المتقارب]
أضرم فيها الغوي السعر
وسالفة كسحوق الليان
وقال الآخر [ذو الرمة]:
ندى ليله في ريشه يترقرق
طراق الخوافي واقع فوق لينة
وقال ابن عباس وجماعة من اللغويين: اللينة من النخل ما لم يكن عجوة. وقال سفيان بن سعيد
الثوري: اللينة الكريمة من النخل، وقال أبو عبيدة فيما روي عنه وسفيان: اللينة: ما تمرها لون وهو نوع
من التمر، يقال له اللون، قال سفيان، هو شديد الصفرة يشف عن نواة من التمر فيرى من خارج وأصلها
لونة فأبدلت لموافقة الكسرة، وقال أيضاً أبو عبيدة اللين: ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا
برني. وقرأ ابن مسعود والأعمش: ((أو تركتموها قوماء على أصولها))، وقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على
رسوله منهم) الآية. إعلام إنما أخذ لبني النضير ومن فدك فهو خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وليس
على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس الغنائم، وذلك أن بني النضير لم
يوجف عليها، ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قوت عياله وقسم
سائرها في المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار شيئاً، غير أن أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف
شكيا عظيمة فأعطاهما، هذا قول جماعة من العلماء، وفي ذلك قول عمر بن الخطاب: كانت أموال بني
النضير مما أفاء الله عليه مما لم يوجف عليه المسلمون بـ ﴿خيل ولا ركاب﴾ فكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال
بعض العلماء: وكذلك كل ما فتح على الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة والوجيف: دون

٢٨٦
تفسير سورة الحشر / الآيتان: ٨،٧
التضريب، يقال وجف الفرس وأوجفه الراكب والإيجاف: سرعة السير والاجتهاد فيه.
قوله عز وجل :
مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسْكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ
كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَاَ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَنَهُواْ وَتَّقُواْ
اللَّهُ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ
فَضْلًاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ
٨
﴿أهل القرى﴾ المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى، وما هنالك من
قرى العرب التي تسمى قرى عربية، وحكمها مخالف لبني النضير، ولم يحبس من هذه رسول الله صلى
الله عليه وسلم لنفسه شيئاً بل أمضاها لغيره، وذلك أنها في ذلك الوقت فتحت، واختلف الناس في صفة
فتحها فقيل: عن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعث بعثاً إلى كل مكان فطاع وأعطاه أهله فكان مما
لم يوجف عليه، وكان حكمه حكم خمس الغنائم، وليس في الآية نسخ على هذا التأويل، وأعطى رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم جميع ذلك للمهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً. وقال قتادة وزيد بن رومان:
كانت هذه القرى قد أوجف عليها، ولكن هذا حكم ما يوجف عليه، ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بآية
الأنفال فجعل فيها الخمس لهذه الأصناف وبقيت الأربعة الأخماس للمقاتلة، وآية هذه السورة لم يكن فيها
للمقاتلة شيء، وهذا القول يضعف، لأن آية الأنفال نزلت إثر بدر وقبل بني النضير وقبل أمر هذه القرى
بسنة ونيف. و﴿القربى﴾ في هذه الآية قرابة النبي صلى الله عليه وسلم منعوا الصدقة وعوضوا من الفيء.
وقوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ مخاطبة للأنصار لأنه لم يكن في المهاجرين
في ذلك الوقت غني، وقرأ جمهور الناس ((يكون)) بالياء، وقرأ أبو جعفر وابن مسعود وهشام عن ابن عامر:
بالتاء وهي كان التامة. وقرأ جمهور الناس: ((دُولةً)) بضم الدال ونصب الهاء. وقرأ أبو عبد الرحمن
السلمي: ((دَولةً)) بفتح الدال ونصب الهاء. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وهشام عن ابن عامر: ((دُولةٌ)) بضم
الدال والهاء. وقال عيسى بن عمر هما بمعنى واحد. وقال الكسائي وحذاق النظرة الفتح في المُلك: بضم
الميم لأنها الفعلة في الدهر والضم في المِلك بكسر الميم. والمعنى أنها كالعواري فيتداول ذلك المال
الأغنياء بتصرفاتهم ويبقى المساكين بلا شيء ولا حظ في شيء من هذه الأموال ليتيم غني ولا لابن سبيل
حاضر المال، وقد مضى القول في الغنائم في سورة الأنفال، وروي: أن قوماً من الأنصار تكلموا في هذه
القرى المفتتحة وقالوا: لنا منها: سهمنا فنزل قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ الآية، مؤدباً في ذلك
وزاجراً ثم اطرد بعد معنى الآية في أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه حتى قال قوم إن الخمر محرمة
في كتاب الله بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود: لعنة الواشمة والمستوشمة الحديث. ورأى محرماً في
ثيابه المخيطة. فقال له: اطرح هذا عنك، فقال له الرجل: أتقرأ علي بذلك آية من كتاب الله تعالى فقال
ابن مسعود: نعم، وتلا هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ بيان لقوله: ﴿والمساكين وابن

٢٨٧
تفسير سورة الحشر / الآيتان : ١٠،٩
السبيل﴾ فكرر لام الجر لما كانت الأولى مجرورة باللام ليبين أن البدل إنما هو منها، ثم وصفهم تعالى
بالصفة التي تقتضي فقرهم وتوجب الإشفاق عليهم وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وجميع
المهاجرين إما أخرجهم الكفار وإما أحوال الكفار وظهورهم، وفرض الهجرة في ذلك الوقت، ووصفهم
بالفقر وإن كان لهم بعض أحوال وهي حال للفقر في اللغة، وقد مضى بيان هذا في سورة الكهف. وقوله
﴿يبتغون﴾ في موضع الحال، و((الفضل والرضوان)) يراد به الآخرة والجنة، و((نصر الله)) تعالى هو نصر
شرعه ونبيه، و﴿الصادقون﴾ في هذه الآية يجمع صدق اللسان وصدق الأفعال، لأن أفعالهم في أمر
هجرتهم إنما كانت وفق أقوالهم .
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَالدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ ، فَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَلَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ
١٠
سَبَقُونَا بِآلْإِمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
﴿الذين تبوءوا﴾ هم الأنصار، والضمير في ﴿قبلهم﴾ للمهاجرين، و﴿الدار﴾ هي المدينة،
والمعنى: تبوءوا الدار مع الإيمان معاً، وبهذا الاقتران يصح معنى قوله: ﴿من قبلهم) فتأمله،
﴿والإيمان﴾ لا يتبوأ لأنه ليس مكاناً ولكن هذا من بليغ الكلام ويتخرج على وجوه كلها جميل حسن.
وأثنى الله تعالى في هذه الآية على الأنصار بأنهم ﴿يحبون﴾ المهاجرين، وبأنهم ﴿يؤثرون على أنفسهم)
وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: ﴿ومن يوق شح نفسه﴾ الآية. أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا
الشح، والحاجة: الحسد في هذا الموضع، قاله الحسن وتعم بعد جميع الوجوه التي هي بخلاف ما فعله
النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء المهاجرين أموال بني النضير والقرى، و﴿أوتوا﴾ معناه: أعطوا،
والضمير المرفوع بأن لم يسم فاعله هو للمهاجرين، وقوله تعالى: ﴿ويؤثرون﴾ الآية، صفة للأنصار. وقد
روي من غير ما طريق، أنها نزلت بسبب رجل من الأنصار، قال أبو المتوكل: هو ثابت بن قيس، وقال أبي
هريرة في كتاب مكي : كنية هذا الرجل أبو طلحة، وخلط المهدوي في ذكر هذا الرجل ندب رسول الله
صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال: نومي صبيتك وأطفئي السراج وقدمي ما
عندك للضيف ونوهمه نحن أنا نأكل، ففعلا ذلك فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عجب
الله من فعلكما البارحة، ونزلت الآية في ذلك، والإيثار على النفس أكرم خلق، وقال حذيفة العدوي :
طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحى ومعي شيء من ماء، فوجدته، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم،
فإذا رجل يصيح آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاصي، فقلت: اشرب فإذا
آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته، فإذا به قد فاضت نفسه، فرجعت إلى هشام، فإذا هو
قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات، فعجبت من إيثارهم رحمهم الله وقال أبو زيد البسطامي :

٢٨٨
تفسير سورة الحشر / الآيتان: ١٠،٩
قدم علينا شاب من بلخ حاجاً فقال: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال:
هكذا عندنا كلاب بلخ، فقلت له: فما هو عندكم، فقال: إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا وروي: أن
سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى في المهاجرين قال للأنصار: ((إن شئتم
قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم
لهم هذه))، فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت هذه الآية. والخصاصة: الفاقة
والحاجة، وهو مأخوذ من خصائص البيت وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح فكأن حال الفقير هي
كذلك يتخللها النقص والاحتياج، و((شح النفس)) هو كثرة منعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد
الأمل هذا جماع شح النفس وهو داعية كل خلق سوء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أدى
الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برىء من الشح))، واختلف الناس بعد هذا الذي
قلنا، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا وعلى هذا التأويل، كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله
عنه يطوف ويقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقيل له في ذلك فقال إذا وقيته لم أفعل سوءاً.
قال القاضي أبو محمد: ((شح النفس)) فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب به، وقال ابن زيد
وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله تعالى عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شح
النفس. وقال ابن مسعود رحمه الله ((شح النفس)): هو أكل مال الغير بالباطل، وأما منع الإنسان ماله فهو
بخل وهو قبيح، ولكنه ليس بالشح. وقرأ عبد الله بن عمر: ((شِح)) بكسر السين، ويوقى وزنه: يفعل من
وفى يقي مثل وزن يزن. وقرأ أبو حيوة: ((يَوَقّ)) بفتح الواو وشد القاف و﴿المفلحون﴾: الفائزون ببغيتهم.
واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ فقال الفراء: أراد الفرقة الثالثة من
الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال جمهور العلماء: أراد من يجيء
من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، فوصف الله تعالى القول الذي ينبغي أن يلتزمه كل من لم يكن من
الصدر الأول وإعراب ﴿الذين﴾ رفع عطفاً على (هم) أو على ﴿الذين﴾ أو رفع بالابتداء. وقوله تعالى:
﴿يقولون﴾ حال فيها الفائدة والمراد: والذين جاؤوا قائلون كذا أو يكون يقولون صفة، ولهذه الآية قال
مالك وغيره: إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حظ له في الغنيمة أدباً له، وجاء
عراقيون إلى علي بن الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ فقالوا:
لا، أفمن ﴿الذين تبوءوا الدار والإيمان﴾؟ قالوا: لا، قال فقد تبرأتم من هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم
لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم) الآية. قوموا فعل الله بكم وفعل، وقال
الحسن أدركت ثلاثمائة من الصحابة منهم سبعون بدرياً كلهم يحدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فالجماعة أن لا تسبوا الصحابة ولا تماروا في
دين الله ولا تكفروا أحداً من أهل التوحيد بذنب)). والغل: الحقد والاعتقاد الرديء، وقرأ الأعمش: ((في
قلوبنا غمراً للذين)) والغمر: الحقد، وقد تقدم الاختلاف في قراءة ﴿رؤوف﴾.
قوله عز وجل :
أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ

٢٨٩
تفسير سورة الحشر / الآيات: ١١ - ١٧
لَنَخْرُجَرَّ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَ تَّكُمْ وَاَللَّهُ يَنْهَدُّ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ(
لَيْنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُونَ مَعَهُمْ وَلَيِنِ قُوتِلُواْلَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيْنِ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنْ بَ الْأَدْبَرَ فُوَّلَا
يُنْصَرُونَ الَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
١٣
هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت، وقوم من منافقي الأنصار كانوا بعثوا
إلى بني النضير وقالوا لهم، أثبتوا في معاقلكم فإنا معكم حيثما تقلبت حالكم، وإنما أرادوا بذلك أن تقوى
نفوسهم عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر محمد عليهم فيتم لهم مرادهم وكانوا كذبة فيما قالوا من ذلك، ولذلك
لم يخرجوا حين أخرج بني النضير بل قعدوا في ديارهم.
وقوله عز وجل: ﴿لئن نصروهم﴾ معناه: ولئن حاولوا ذلك فإنهم ينهزمون، ثم لا ينصر الله تعالى
منهم أحداً، وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله: ﴿لا يخرجون﴾ و: ﴿لا ينصرونهم﴾ لأنها راجعة على
حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر، ثم خاطب تعالى أمة محمد مخبراً أن اليهود والمنافقين
أشد خوفاً من المؤمنين منهم من الله تعالى، لأنهم يتوقعون عاجل الشر من المؤمنين، ولا يؤمنون بآجل
العذاب من الله تعالى وذلك لقلة فهمهم بالأمور وفقهم بالحق.
قوله عز وجل :
لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَّى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ
﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُواْ
جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ.
كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِى
١٥
وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (
بَرِىٌّمِنكَ إِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَلَمِينَ * فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَاْ وَذَلِكَ
جَزَُّؤُأُ الظَّالِمِينَ
الضمير في قوله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم﴾ لبني النضير وجميع اليهود، وهذا قول جماعة المفسرين،
ويحتمل أن يريد بذلك: اليهود والمنافقين، لأن دخول المنافقين في قوله تعالى: ﴿بأسهم بينهم شديد
تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى﴾ متمكن بين. ومعنى الآية: ﴿لا يقاتلونكم) في جيش مفحص، والقرى
المدن. قال الفراء هذا جمع شاذ. قال الزجاج: ما في القرآن فليس بشاذ وهو مثل ضيعة وضيع. وقرأ ابن
كثير وأبو عمرو وكثير من المكيين ((جدار)) على معنى الجنس. وقرأ كثير من المكيين وهارون عن ابن كثير:
((جَدْر)) بفتح الجيم وسكون الدال ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه، وقرأ الباقون من القراء ((جُدُر)» بضم
الجيم والدال وهو جمع جدار، وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة ((جُدْر)) بضم الجيم وسكون الدال وهو تخفيف في جمع
جدار، ويحتمل أن يكون من جدر النخل أي من وراء نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المضايقة، وقوله
تعالى: ﴿بأسهم بينهم شديد﴾ أي في عائلتهم وأحبتهم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود ((تحسبهم جميعاً
1

٢٩٠
تفسير سورة الحشر / الآيات: ١٤ - ١٧
وفي قلوبهم أشتات))، وهذه حال الجماعات المتخاذلة وهي المغلوبة أبداً فيها يحاول، واللفظة مأخوذة من
الشتات وهو التفرق ونحوه، وقوله تعالى: ﴿كمثل الذين من قبلهم﴾ معناه مثلهم ﴿كمثل﴾، و﴿الذين من
قبلهم﴾، قال ابن عباس: هم بنو قينقاع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني
النضير وكانوا مثلاً لهم، وقال قتادة ومجاهد: ﴿الذين من قبلهم﴾ أهل بدر الكفار فإنهم قبلهم ومثل لهم في
أن غلبوا وقهروا، وقال بعض المتأولين: الضمير في قوله ﴿قبلهم﴾ للمنافقين، و﴿الذين من قبلهم) هم
منافقو الأمم المتقدمة وذلك أنهم غلبوا ونالتهم الذلة على وجه الدهر فهم مثل لهؤلاء، ولكن قوله ﴿قريباً﴾
إما أن يكون في زمن موسى وإلا فالتأويل المذكور يضعف، إلا أن تجعل ﴿قريباً﴾ ظرفاً للذوق، فيكون
التقدير ﴿ذاقوا وبال أمرهم﴾ ﴿قريباً﴾ من عصيانهم وبحدثانه، ولا يكون المعنى أن المثل قريب في الزمن
من الممثل له، وعلى كل تأويل فـ ﴿قريباً﴾ ظرف أو نعت لظرف والوبال: الشدة والمكروه وعاقبة السوء،
و ((العذاب الأليم)): هو في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿كمثل الشيطان﴾ معناه مثل هاتين الفرقتين من المنافقين
وبني النضير ﴿كمثل الشيطان﴾ والإنسان، فالمنافقون مثلهم الشيطان وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب
مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أن ﴿الشيطان) و((الإنسان)) في هذه الآية أسماء جنس لأن العرف أن
يعمل هذا شياطين بناس كما يغوي الشيطان الإنسان ثم يفر منه بعد أن يورطه، كذلك أغوى المنافقون بني
النضير وحرضوهم على الثبوت ووعدوهم النصر، فلما نشب بنو النضير وكشفوا عن وجوههم
تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص أن هذا شيطان مخصوص مع عابد
من العباد مخصوص، وذكر الزجاج أن اسمه برصيص، قالوا إنه استودع امرأة وقيل سيقت إليه
ليشفيها بدعائه من الجنون فسول له الشيطان الوقوع عليها فحملت، فخشي الفضيحة، فسول
له قتلها ودفنها، ففعل ثم شهره، فلما استخرجت المرأة وحمل العابد شر حمل وهو قد قال:
إنها قد ماتت فقمت عليها ودفنتها، فلما وجدت مقتولة علموا كذبه فتعرض له الشيطان فقال له:
اكفر واسجد لي وأنجيك ، ففعل وتركه عند ذلك . وقالٍ ﴿إني بريء منك﴾، وهذا كله حديث ضعيف ،
والتأويل الأول هو وجه الكلام وقول الشيطان: ﴿إني أخاف الله﴾، رياء من قوله وليست على ذلك عقيدته،
ولا يعرف الله حق معرفته ولا يحجزه خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلا آخر، وقوله تعالى: ﴿فكان
عاقبتهما) الآية، يحتمل الضمير أن يعود على المخصوصين المذكورين، ويحتمل أن يعود على اسمي
الجنس أي هذا هو عاقبة كل شيطان وإنسان يكون أمرهما هكذا، وقرأ الحسن وعمروبن عبيد:
((عاقبتُهما)) بالرفع، وقرأ جمهور الناس: ((عاقبتهما)) بالنصب وموضع أن يخالف إعراب المعاقبة في
القراءتين إن شاء الله تعالى، وقرأ الأعمش وابن مسعود: ((خالدان)) بالرفع على أنه خبر ((أن))، والظرف
ملغى، ويلحق هذه الآية من الاعتراض إلغاء الظرف مرتين قاله الفراء، وذلك جائز عند سيبويه على
التأکید .
:
قوله عز وجل :
يَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَأَتَّقُواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
٠

٢٩١
تفسير سورة الحشر / الآيات: ١٨ - ٢١
لَايَسْتَوِىّ
١٩
وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَبِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ ﴿ لَوْ أَفَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى
جَبَلٌ لَّرَ أَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَنَفَكَّرُونَ
هذه آية وعظ وتذكير وتقريب للآخرة، وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية.
وقرأ جمهور الناس: ((ولْتنظرْ)) بسكون اللام وجزم الراء على الأمر، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة
وفرقة كذلك بالأمر إلا أنها كسرت اللام على أصل لام الأمر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما روي عنه:
((ولتنظر)) بنصب الراء على لام كي كأنه قال وأمرنا بالتقوى لتنظروا، كأنه قال: ﴿اتقوا الله﴾ ولتكن تقواكم
(لتنظرَ))، وقوله تعالى: ﴿لغد) يريد يوم القيامة، قال قتادة: قرب الله القيامة حتى جعلها غداً، وذلك أنها
آتية لا محالة وكل آت قريب، ويحتمل أن يريد بقوله ﴿لغد﴾: ليوم الموت، لأنه لكل إنسان كغده ومعنى
الآية: ما قدمت من الأعمال، فإذا نظرها الإنسان تزيد من الصالحات، وكف عن السيئات، وقال مجاهد
وابن زيد: الأمس: الدنيا، وغد: الآخرة، وقرأ الجمهور: ((ولا تكونوا)) بالتاء من فوق على مخاطبة جميع
الذين آمنوا، وقرأ أبو حيوة ((يكونوا)) بالياء من تحت كناية عن النفس التي هي اسم الجنس، و﴿الذين نسوا
الله﴾ هم الكفار، والمعنى: تركوا الله وغفلوا عنه، حتى كانوا كالناسين، وعبر عما حفهم به من الضلالة
بـ ﴿فأنساهم أنفسهم) سمى عقوبتهم باسم ذنبهم بوجه ما، وهذا أيضاً هو الجزاء على الذنب بالذنب
تكسبوهم نسيان جهة الله فعاقبهم الله تعالى بأن جعلهم ينسون أنفسهم، قال سفيان: المعنى حظ أنفسهم،
ويعطي لفظ هذه الآية، أن من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالى، وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه: اعرف نفسك تعرف ربك، وروي عنه أنه قال أيضاً: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. وقرأ ابن
مسعود: ((ولا أصحاب الجنة)) بزيادة لا. وقوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن﴾ الآية، موعظة للإنسان أو ذم
لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعي الله تعالى، وذلك أن القرآن نزل عليهم وفهموه وأعرضوا عنه، وهو لو
نزل على جبل وفهم الجبل منه ما فهم الإنسان لخشع واستكان وتصدع خشية الله تعالى، وإذا كان الجبل
على عظمه وقوته يفعل هذا فما عسى أن يحتاج ابن آدم يفعل؟ لكنه يعرض ويصد على حقارته وضعفه،
وضرب الله تعالى هذا المثل ليتفكر فيه العاقل ويخشع ويلين قلبه، وقرأ طلحة بن مصرف ((مصدعاً)) على
إدغام التاء في الصاد.
قوله عز وجل :
هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِى
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرّ

٢٩٢
تفسير سورة الحشر / الآيات: ٢٢ - ٢٤
سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوّرُلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
٢٣
يُسَبِّعُ لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
لما قال تعالى: ﴿من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١] جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية،
و﴿الغيب﴾ ما غاب عن المخلوقين، و﴿الشهادة﴾ ما شاهدوه. وقال حرب المكي ﴿الغيب): الآخرة
﴿والشهادة﴾: الدنيا. وقرأ جمهور الناس: ((القُدوس)) بضم القاف، وهو فعول من تقدس إذا تطهر،
وحظيرة القدس الجنة، لأنها طاهرة، ومنه روح القدس، ومنه الأرض المقدسة بيت المقدس، وروي عن
أبي ذر أنه قرأ: ((القَدوس)) بفتح القاف وهي لغة، و﴿السلام﴾ معناه: الذي سلم من جوره، وهذا اسم
على حذف مضاف أي ذو ﴿السلام﴾، لأن الإيمان به وتوحيده وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها،
و﴿المؤمن﴾ اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. قال أحمد بن يحيى ثعلب معناه: المصدق للمؤمنين في
أنهم آمنوا. قال النحاس: أو في شهادتهم على الناس في القيامة. وقال ناس من المتأولين معناه: المصدق
نفسه في أقواله الأزلية: لا إله غيره و﴿المهيمن﴾ معناه: الأمين والحفيظ. قاله ابن عباس وقال مؤرج:
﴿المهيمن﴾: الشاهد بلغة قريش، وهذا بناء لم يجىء منه في الصفات إلا مهيمن ومسيطر ومبيقر ومبيطر،
جاء منه في الأسماء مجيمر: وهو اسم واد ومديبر. و: ﴿العزيز﴾ الذي لا يغلب والقاهر الذي لا يقهر يقال
عزيز إذا غلب برفع العين في المستقبل. قال الله تعالى: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣] أي غلبني،
وفي المثل من عز بزّ أي من غلب سلب، و ﴿الجبار﴾ هو الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق رتبه، ومنه نخلة
جبارة إذا لم تلحق وأنشد الزهراوي : [الطويل]
وردت إليه الماء حتى تجبرا
أطافت به جيلان عند قطاعه
و﴿المتكبر﴾ معناه الذي له التكبر حقاً، ثم نزه الله تعالى نفسه عن إشراك الكفار به الأصنام التي
ليس لها شيء من هذه الصفات، و: ﴿البارىء) بمعنى ﴿الخالق﴾، برأ اللّه الخلق أي أوجدهم،
و: ﴿المصور﴾ هو الذي يوجد الصور، وقرأ علي بن أبي طالب: ((المصوَّرَ)) بنصب الواو والراء على إعمال
﴿البارىء﴾ به، وهي حسنة يراد بها الجنس في الصور، وقال قوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه
قرأ: ((المصوّر)) بفتح الواو وكسر الراء على قولهم الحسن الوجه وقوله تعالى: ﴿له الأسماء الحسنى﴾ أي
ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته لا إله إلا هو، وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله صلى الله
عليه وسلم بقوله: ((إن الله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة))، وقد ذكرها
الترمذي وغيره مسندة، واختلف في بعضها ولم يصح فيها شيء إلا إحصاؤها دون تعين، وباقي الآية بين.

٢٩٣
تفسير سورة الممتحنة / الآية : ١
بِسْمِ اللّهِ الزَّحمَن الرَّحِيةِ
◌ُورَةُ الْمُتَّخَّةِ
وهي مدنية بإجماع المفسرين .
قوله عز وجل :
وَّأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُ واْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْكَفَرُواْ بِمَاجَاءَ كُمْ مِّنَ
اُلْحَقِّ يُخرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْأَنْ تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنَ كُمُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ وَأَبْنِغَاءَ مَرْضَانِىِ
شِرُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
العدو اسم يقع للجمع والمفرد والمراد به هاهنا كفار قريش، وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي
بلتعة، وذلك أن رسول الله صلی الله عليه وسلم أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية فوری عن ذلك بخیبر،
فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار أصحابه بقصده، منهم حاطب بن أبي بلتعة
فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم فجاء الخبر إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث علياً والزبير وثالثاً هو المقداد، وقيل أبو مرثد، وقال انطلقوا حتى
تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة واسمها
سارة مولاة لقوم من قريش، وقيل بل كانت امرأة من مزينة ولم تكن سارة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب.
قالت: ما معي كتاب، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئاً، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي : ما
كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكذبي والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. قالت: أعرضوا عني
فحلته من قرون رأسها، وقيل: أخرجته من حجزتها، فجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
لحاطب: من كتب هذا؟ فقال: أنا يا رسول الله ولكن لا تعجل علي فوالله ما فعلت ذلك ارتداداً عن ديني
ولا رغبة عنه ولكني كنت أمراً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها فأحببت أن تكون لي عندهم يد
يرعونني بها في قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم صدق حاطب إنه من أهل بدر وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر.
فقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ولا تقولوا لحاطب إلا خير))، فنزلت الآية بهذا السبب، وروي أن
حاطباً كتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوكم في مثل الليل، والسيل، وأقسم بالله لو غزاكم
وحده لنصر عليكم فكيف وهو في جمع كثير، و﴿تلقون﴾ في موضع الصفة لـ ﴿أولياء﴾، وألقيت يتعدى

٢٩٤
تفسير سورة الممتحنة / الآيات: ٢ - ٤
بحرف الجر، وبغير حرف جر، فدخول الباء وزوالها سواء، وهذا نظير قوله عز وجل: ﴿وألقيت عليك محبة
مني﴾ [طه: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ [آل عمران: ١٥١] وروى ابن
المعلى عن عاصم أنه قرأ: ((وقد كفروا لما)) بلام ...
وقوله تعالى: ﴿يخرجون﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿كفروا﴾ والمعنى: يخرجون الرسول
ويخرجونكم، وهي حال موصوفة، فلذلك ساق الفعل مستقبلاً والإخراج قد مر، وتضييق الكفار على النبي
صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إخراج إذ كان مؤدياً إلى الخروج، وقوله تعالى: ﴿إن تؤمنوا﴾ مفعول من
أجله أي اخرجوا لأجل أن آمنتم بربكم، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم﴾ شرط جوابه متقدم في معنى ما قبله،
وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: ((إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا
تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)» و﴿جهاداً﴾ نصب على المصدر وكذلك ﴿ابتغاء﴾، ويجوز أن يكون ذلك
مفعولاً من أجله، و((المرضاة)) مصدر كالرضى، و﴿تسرون﴾ بدل من ﴿تلقون﴾، ويجوز أن تكون في
موضع خبر ابتداء، كأنه قال أنتم ﴿تسرون﴾، ويصح أن تكون فعلاً مرسلاً ابتدىء به القول والإلقاء بالمودة
معنى ما، والإسرار بها معنى زائد على الإلقاء، فيترجح بهذا أن ﴿تسرون﴾ فعل ابتدىء به القول أي
تفعلون ذلك وأنا أعلم، وقوله تعالى: ﴿أعلم﴾ يحتمل أن يكون أفعل، ويحتمل أن يكون فعلاً، لأنك
تقول علمت بكذا فتدخل الباء وقوله تعالى: ﴿وأنا أعلم) الآية، جملة في موضع الحال، وقرأ أهل المدينة
((وأنا)) بإشباع الألف في الإدراج، وقرأ غيرهم ((وأنا)) بطرح الألف في الإدراج، والضمير في ﴿يفعله﴾ عائد
على الاتخاذ المذكور، ويجوز أن تكون ﴿سواء﴾ مفعولاً بـ ﴿ضل﴾ وذلك على بعد، وذلك على تعدي
﴿ضل﴾، ويجوز أن يكون ظرفاً على غير التعدي لأنه يجيء بالوجهين والأول أحسن في المعنى، والسواء
الوسط وذلك لأنه تتساوى نسبته إلى أطراف الشيء والسبيل هنا شرع الله وطريق دينه.
قوله عز وجل :
لَن
٢
إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْلَكُمْ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُوَ اْإِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُمْ بِلُّوْءِ وَوَدُّواْ لَوْتَكْفُرُونَ
تَنَفَعَكُمْ أَرْحَا مُكُرُ وَلَ أَوْلَئُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ جَقَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِنَِّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَا ؤُأْ مِنَكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا
بِكُرُ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدُوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِلَأَ سْتَغْفِرَنَّ
لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ!
٤
أخبر الله تعالى أن مداراة هؤلاء الكفار غير نافعة في الدنيا وأنها ضارة في الآخرة ليبين فساد رأي
مصانعهم فقال تعالى: ﴿إن يثقفوكم﴾ أي إن يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم، ظهرت العداوة وانبسطت
أيديهم بضرركم وقتلكم وألسنتهم بسبكم، وهذا هو السوء، وأشد من هذا كله أنهم إنما يقنعهم منكم أن
تكفروا وهذا هو ودهم، ثم أخبر تعالى أن هذه الأرحام التي رغبتم في وصلها ليست بنافعة يوم القيامة
فالعامل في ﴿يوم﴾ قوله ﴿تنفعكم﴾، وقال بعض النحاة في كتاب الزهراوي، العامل فيه ﴿يفصل﴾ وهو

٢٩٥
تفسير سورة الممتحنة / الآيات: ٥ - ٧
مما بعده لا مما قبله، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والعامة: ((يُفْصَل)) بضم الياء وسكون الفاء وتخفيف
الصاد مفتوحة، وقرأ ابن عامر والأعرج وعيسى: ((يُفَصَّل)) بضم الياء وفتح الفاء وشد الصاد منصوبة،
واختلف على هاتين القراءتين في إعراب قوله: ﴿بينكم) فقيل: نصب على الظرفية، وقيل رفع على ما لم
يسم فاعله إلا أن لفظه بقي منصوباً لأنه كذلك كثر استعماله، وقرأ عاصم والحسن والأعمش: ((يَفْصِل))
بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد خفيفة، وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب: ((يُفَصِّل)) بضم الياء وفتح
الفاء وشد الصاد المكسورة، وإسناد الفعل في هاتين القراءتين إلى الله تعالى، وقرأ النخعي وطلحة بن
مصرف: ((نفَصِّلُ)) بنون العظمة مرفوعة وفتح الفاء وشد الصاد المكسورة، وقرأ بعض الناس: ((نَفْصل)) بنون
العظمة مفتوحة وسكون الفاء، وقرأ أبو حيوة، بضم الياء وسكون الفاء وكسر الصاد خفيفة من: ((أفصل»
وفي قوله تعالى: ﴿والله بما تعملون بصير﴾ وعيد وتحذير، وقرأ جمهور السبعة: ((إسوة)) بكسر الهمزة، وقرأ
عاصم وحده: ((أسوة)) بضمها وهما لغتان، والمعنى: قدوة وإمام ومثال، و﴿إِبراهيم﴾ هو خليل الرحمن،
واختلف الناس في ﴿الذين معه﴾، فقال قوم من المتأولين أراد من آمن به من الناس، وقال الطبري
وغيره: أراد الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريباً من عصره، وهذا القول أرجح لأنه لم يُروَ أن إبراهيم كان
له أتباع مؤمنون في مكافحته نمروداً، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجراً من بلد
النمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك، وهذه الأسوة مقيدة في التبري عن الإشراك وهو مطرد
في كل ملة، وفي نبينا عليه السلام أسوة حسنة على الإطلاق لأنها في العقائد وفي أحكام الشرع كلها، وقرأ
جمهور الناس ((برءاء)) على وزن فعلاء الهمزة الأولى لام الفعل، وقرأ عيسى الثقفي: ((بِراء)»، على وزن
فِعال، بكسر الباء ككريم وكرام، وقرأ يزيد بن القعقاع: ((بُراء)» على وزن فُعال، بضم الفاء كنوام، وقد
رويت عن عيسى قراءة، قال أبو حاتم: زعموا أنه عيسى الهمداني ويجوز: ((بَراء)) على المصدر بفتح الباء
يوصف به الجمع والإفراد، وقوله: ﴿كفرنا بكم﴾ أي كذبناكم في أقوالكم ولم نؤمن بشيء منها، ونظير هذا
قوله عليه السلام حكاية عن قول الله عز وجل: فهو مؤمن بي كافر بالكوكب ولم تلحق العلامة في : ﴿بدا﴾
لأن تأنيث ﴿العداوة والبغضاء﴾ غیر حقيقي، ثم استثنی تعالی استغفار إبراهیم لأبيه، وذكر أنه کان عن
موعدة وقد تفسر ذلك في موضعه، وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى عند مجاهد وقتادة وعطاء
الخراساني وغيرهم: أن الأسوة لكم في هذا الوجه، لا في هذا الآخر لأنه كان في علة ليست في نازلتكم،
ويحتمل أن يكون استثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت أي لم تبق صلة إلا كذا، وقوله تعالى: ﴿ربنا
عليك توكلنا﴾ الآية، حكاية عن قول إبراهيم والذين معه إنه هكذا كان.
قوله عز وجل :
رَّا لَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُ واْ وَأَ غْفِرْ لَنَارَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (فَلَقَدْ كَانَ لَكُمْفِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ
لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَلْيَوْمِ الْآَخِرُّ وَمَنْ يَنَوَلَّ فَإِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَتْنَكُمْ وَبِيْنَ
٧
الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُمْ قَوَدَّةٌ وَاَللَّهُ قَدِيْرٌ وَاَللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله تعالى: ﴿ربنا لا تجعلنا) الآية، حكاية عن إبراهيم ومن معه والمعنى: لا تغلبهم علينا، فتكون

٢٩٦
تفسير سورة الممتحنة / الآيات: ٨ - ١٠
لهم فتنة وسبب ضلالة، لأنهم يتمسكون بكفرهم ويقولون إنما غلبناهم لأنا على الحق وهم على الباطل،
نحا هذا المنحى قتادة وأبو مجلز، وقال ابن عباس المعنى: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا عن أدياننا فكأنه قال:
لا تجعلنا مفتونين فعبر عن ذلك بالمصدر وهذا أرجح الأقوال لأنهم إنما دعوا لأنفسهم، وعلى منحى قتادة
إنما دعوا للكفار. أما أن مقصدهم إنما هو أن يندفع عنهم ظهور الكفار الذي يسببه فتن الكفار فجاء في
المعنى تحليق بليغ، ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم:((بئس الميت سعد - ليهود - لأنهم يقولون لو كان
محمد نبياً لم يمت صاحبه))، وقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم﴾ الآية خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
وقوله: ﴿لمن﴾ بدل من قوله ﴿لكم﴾ وكرر حرف الجر ليتحقق البدل وذلك عرف هذه المبدلات، ومنه
قوله تعالى ﴿للفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨] وهو في القرآن كثير وأكثر ما يلزم من الحروف في اللام،
ثم أعلم تعالى باستغنائه عن العباد وأنه ﴿الحميد﴾ في ذاته وأفعاله لا ينقص ذلك كفر كافر ولا نفاق منافق.
وروي أن هذه الآيات لما نزلت وأزمع المؤمنون امتثال أمرها وصرم حبال الكفرة وإظهار عداوتهم لحقهم
تأسف على قراباتهم وهم من أن لم يؤمنوا ولم يهتدوا حتى يكون بينهم الود والتواصل فنزلت: ﴿عسى الله﴾
الآية مؤنسة في ذلك ومرجية أن يقع موقع ذلك بإسلامهم في الفتح وصار الجميع إخواناً، ومن ذكر أن هذه
المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأنها كانت بعد الفتح، فقد أخطأ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وقت هجرة الحبشة، وهذه الآيات نزلت سنة ست من الهجرة، ولا يصح
ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالاً وإن كان متقدماً لهذه الآية، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من
المودات، و﴿عسى﴾ من الله واجبة الوقوع إن شاء الله تعالى.
قوله عز وجل :
لَا يَنْهَذِكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمُْخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيَهمّ إِنَّاللَّهُ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَايَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْفِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم ◌ِّنِيَِكُمْ وَظَهَرُ واْعَلَ
[ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَ ◌ِكُمُ الْمُؤْمِنَتُ
إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ (
ـع
مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيَمَنِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ فَلاَتَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِلَا هُنَّ حِلّ ◌َُّمْ وَلَا
هُمْ يَحِلُون ◌َةٌ
اختلف الناس في هؤلاء الذين لم ينه عنهم أن يبروا من هم. فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل
مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة وقال آخرون: أراد المؤمنين
التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن وأبو صالح: أراد خزاعة وبني الحارث بن
كعب، وقبائل من العرب كفار إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم محبين فيه وفي ظهوره،
ومنهم كنانة وبنو الحارث بن عبد مناة ومزينة، وقال قوم: أراد من كفار قريش من لم يقاتل: ولا أخرج ولا
أظهر سوءاً، وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال، وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء والصبيان من
الكفرة، وقال إن الآية نزلت بسبب أم أسماء حين استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في برها وصلتها فأذن

٢٩٧
تفسير سورة الممتحنة / الآيتان: ١١،١٠
لها، وكانت المرأة خالتها فيما روي فسمتها في حديثها أماً، وقال أبو جعفر بن النحاس والثعلبي: أراد
المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة، وهذا قول ضعيف. وقال مرة الهمداني وعطية
العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس، قال وقتادة نسختها ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿أن تبروهم) بدل، وهذا هو بدل الاشتمال، والإقساط:
العدل، و﴿ظاهروا﴾ معناه: عاونوا، و((الذين قاتلوا في الدين وأخرجوا)) هم مردة قريش وقوله تعالى: ﴿يا
أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ الآية نزلت إثر صلح الحديبية، وذلك أن الصلح تضمن
أن يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلماً من رجل وامرأة فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه
الآية، وحكم أن المهاجرة لا ترد إلى الكفار بل تبقى تستبرىء وتتزوج ويعطى زوجها الكافر الصداق الذي
أنفق، وأمر أيضاً المؤمنين بطلب صداق من فرت امرأته من المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة
وسماهم مؤمنات قبل أن يتيقن ذلك إذ هو ظاهر أمرهن، و﴿مهاجرات﴾ نصب على الحال،
﴿فامتحنوهن﴾ معناه: جربوهن واستخبروا حقيقة ما عندهن. واختلف الناس في هذا الامتحان كيف هو،
فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: كان بأن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغض زوجها ولا لجريرة
جرت ولا لسبب من أعراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة. قال ابن عباس: الامتحان أن
تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلت ذلك لم ترد، فقال فريق منهم عائشة أم
المؤمنين: الامتحان هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذا من ترك الزنا والسرقة والبهتان
والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحان، وقيل: إن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر امرأة حسان بن
الدحداحة وفي كتاب الثعلبي أنها نزلت في سبيعة بنت الحارث، وقوله تعالى: ﴿الله أعلم بإيمانهم﴾ إشارة
إلى الاسترابة ببعضهن وحض على امتحانهن، وذكر تعالى العلة في أن لا يرد النساء إلى الكفار وهي امتناع
الوطء وحرمته، وقرأ طلحة: ((لا هن يحللن لهم)).
قوله عز وجل :
وَءَاتُوهُمْ مَّا أَنْفَقُواْ وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَاِ
وَسْتَلُواْمَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُوْ مَا أَنْفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُبَنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ (٥) وَإِن ◌َاتَّكُمْشَىْءٌ مِّنْ
أَزْوَحِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبُ قَاتُواْالَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُواْ وَأَتَّقُوا اللَّهُ الَّذِى أَنْتُم بِهِ،
مُؤْمِنُونَ
أمر الله تعالى أن يؤتى الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن مؤمنات ورفع الجناح في أن يتزوجن
بصدقات هي أجورهن، وأمر المسلمين بفراق الكافرات وأن لا يمسكوا بعصمهن، فقيل: الآيات في
عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحها، ابتداء، وقيل: هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب، والعصم:
جمع عصمة: وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وكذلك العصمة في كل شيء، السبب الذي
يعتصم به، ويعتمد عليه، وقرأ جمهور السبعة والناس: ((تُمسِكوا)) بضم التاء وكسر السين وتخفيفها من

٢٩٨
تفسير سورة الممتحنة / الآيتان: ١٠، ١١
أمسك، وقرأ أبو عمرو وحده وابن جبير ومجاهد والأعرج والحسن بخلاف ((ولا تمسكوا)) من مسك، بالشد
في السين، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد المجيد: ((تَمَسُّكوا)) بفتح التاء والميم،
وفتح السين وشدها، وقرأ الحسن: ((تَمْسِكوا)) بفتح التاء وسكون الميم وكسر السين مخففة.
ورأيت لأبي علي الفارسي أنه قال: سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى:
﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، إنه في الرجال والنساء، فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء،
لأن كوافر: جمع كافرة، فقال وايش يمنع من هذا أليس الناس يقولون: طائفة كافرة، وفرقة كافرة، فبهت،
وقلت هذا تأييد، وأمر تعالى أن يسأل أيضاً الكافرون أن يدفعوا الصدقات التي أعطاها المؤمنون لمن فر من
أزواجهم إلى الكفار، وقرر الحكم بذلك على الجميع، فروي عن ابن شهاب أن قريشاً قالت: نحن لا
نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقاً فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: ﴿وإن فاتكم﴾
الآية، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يدفعوا إلى من فرت زوجته ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق،
قال ابن عباس في كتاب الثعلبي : خمس نسوة من نساء المهاجرين رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين:
أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية أخت أم سلمة، كانت تحت
عمر بن الخطاب، وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت
عمر، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. واختلف الناس في أي مال يدفع إليه
الصداق، فقال محمد بن شهاب الزهري: يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من
هاجر من أزواجهم، وأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه حسبما ذكرناه، وهذا قول صحيح
يقتضيه قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾ وسنبين ذلك في تفسير اللفظة إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد وقتادة: يدفع
إليه من غنائم المغازي، وقال هؤلاء التعقيب بالغزو والمغنم وتأولوا اللفظة بهذا المعنى، وقال الزهري
أيضاً: يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، والعاقبة في هذه الآية، ليست بمعنى مجازاة السوء بالسوء
لكنها بمعنى فصرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجكم،
وهكذا هو التعقيب على الجمل والدواب أن يركب هذا عقبة ويركب هذا عقبة. وقرأ ابن مسعود: ((وإن
فاتكم أحد من أزواجكم)) ويقال عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي جاء فعل كل واحد منهما بعقب فعل
الآخر، ومنه قول الشاعر [الكميت]:
لعقبة قدر المستعيرين معقب
وحاردت النكد الجلاد ولم يكن
ويقال: ((عقّب)) بشد القاف، أي أصاب عقبى، والتعقيب: غزو إثر غزو، ويقال ((عقَب)) بتخفيفها،
ويقال: ((عقِب)) بكسرها كل ذلك بمعنى: يقرب بعضه من بعض وبجميع ذلك قرىء، قرأ جمهور الناس:
((عاقبتم)) وقرأ الأعرج ومجاهد والزهري وعكرمة وحميد: ((عقّبتم) بالتشديد في القاف، وقرأ الأعرج أيضاً
وأبو حيوة والزهري أيضاً: ((عقَبتم)) بفتح القاف خفيفة، وقرأ النخعي والزهري أيضاً: ((عقبتم)) بكسر القاف
وكلها بمعنى: غنمتم، وروي عن مجاهد: ((أعقبتم)) بألف مقطوعة قبل العين، وهذه الآية كلها قد ارتفع
حكمها، ثم ندب تعالى إلى التقوى وأوجبها، وذكر العلة التي بها يجب التقوى وهي الإيمان بالله والتصديق
بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه.

٢٩٩
تفسير سورة الممتحنة / الآيتان : ١٣،١٢
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا
يَقْتُلْنَ أَوْلَدَ هُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِىِ مَعْرُوفٍ
فَبَايِعُهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْلَمُنَّ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ اْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِّـ
هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا وهي كانت في المعنى بيعة الرجال قبل فرض
القتال، وسماهم ﴿المؤمنات﴾ بحسب الظاهر من أمرهن، ورفض الاشتراك هو محض الإيمان، وقتل
الأولاد وهو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ذلك. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن: ((يُقُتِّن)) بضم الياء
وفتح القاف وكسر التاء المشددة، و((الإتيان بالبهتان))، قال أكثر المفسرين معناه أن تنسب إلى زوجها ولداً
ليس هو له واللفظ أعم من هذا التخصيص، فإن الفرية بالقول على أحد من الناس بعضيهة لمن هذا، وإن
الكذب فيما ائتمن فيه من الحمل والحيض لفرية بهتان، وبعض أقوى من بعض
وذلك أن بعض الناس قال ﴿بين أيديهن﴾ يراد به اللسان والفم في الكلام والقبلة
ونحوه، ((وبين الأرجل)) يراد به الفروج وولد الإلحاق ونحوه، والمعروف الذي نهي عن العصيان فيه، قال
أنس وابن عباس، وزيد بن أسلم: هو النوح، وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من
أوامر الشريعة، فرضها وندبها. ويروى أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة بايعن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقرأ عليهن الآي، فلما قررهن على أن لا يشركن قالت هند: وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من
الرجال؟ بمعنى أن هذا بين لزومه، فلما وقف على السرقة، قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي
سفيان لا أدري أيحل لي ذلك، فقال أبو سفيان: ذلك لك حلال فيما مضى وبقي، وقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((كلي وولدك بالمعروف)).
وقدر تكرر هذا المعنى في الحديث الآخر قولها إن أبا سفيان رجل مسيك فلما وقف على الزنا
قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ما تزني الحرة))، وذلك
أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء في أغلب الأمر، وفيما تعرف مثل هند وإلا فالبغايا قد كن أحراراً،
فلما وقف على قتل الأولاد، قالت: نحن ربيناهم صغاراً وقتلتهم أنت ببدر كباراً، فضحك رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فلما وقف على العصيان بالمعروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن
نعصيك، ويروى أن جماعة نساء بايعن النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله نبايعك على كذا
وكذا الآية، فلما فرغن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فيما استطعتن وأطلقتن))، فقلن الله ورسوله
أرحم بنا منا بأنفسنا.
وقوله تعالى: ﴿فبايعهن﴾ امض معهن صفقة الإيمان بأن يعطين ذلك من أنفسهن ويعطين عليه
الجنة، واختلفت هيئات مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده ید

٣٠٠
تفسير سورة الممتحنة / الآيتان: ١٣٠١٢
امرأة أجنبية قط، فروي عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولاً، وقال: ((إنما قولي لمائة امرأة كقولي
لامرأة واحدة))، وقالت أسماء بنت يزيد: كنت في النسوة المبايعات فقلت: يا رسول الله ابسط يدك
نبايعك، فقال لي عليه السلام: ((إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذُ الله عليهن))، وذكر النقاش
حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يده من خارج بيت ومد نساء من الأنصار أيديهن من داخله فبايعهن
وما قدمته أثبت، وروي عن الشعبي أنه لف ثوباً كثيفاً قطرياً على يده وجاء نسوة
فلمسن يده كذلك، وروي عن الكلبي: أنه قدم عمر بن الخطاب فلمس نساء يده وهو
خارج من بيت وهن فيه بحيث لا يراهن، وذكر النقاش وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه النساء
على الصفا بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن، وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
ورفعه النقاش عن ابن عباس وعن عروة بن مسعود الثقفي: أنه عليه السلام غمس يده في إناء فيه ماء ثم
دفعه إلى النساء فغمسن أيديهن فيه. ثم أمره تعالى بالاستغفار لهن ورجاهن في غفرانه ورحمته بقوله: ﴿إن
الله غفور رحيم﴾ وقوله تعالى: ﴿قوماً غضب الله عليهم) قال ابن زيد والحسن ومنذر بن سعيد هم اليهود
لأن غضب الله قد صار عرفاً لهم، وقال ابن عباس: هم في هذه الآية كفار قريش لأن كل كافر فعليه غضب
من الله لا يرد بذلك ثبوت الغضب على اليهود.
قال القاضي أبو محمد: ولا سيما في المردة ككفار قريش إذ أعمالهم مغضبة لیست بمجرد ضلال بل
فيها شرارات مقصودة، وفي الكلام في التشبيه الذي في قوله: ﴿كما يئس﴾ يتبين الاحتياج إلى هذا
الخلاف وذلك أن اليأس من الآخرة إما أن يكون بالتكذيب بها، وهذا هو يأس كفار مكة، قال معنى قوله:
﴿كما يئس الكفار﴾ كما يئس الكافر من صاحب قبر لأنه إذا مات له حميم قال: هذا آخر العهد به لن يبعث
أبداً، فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة فى الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه، وهذا هو تأويل ابن
عباس والحسن وقتادة في معنى قوله تعالى: ﴿كما يئس الكفار﴾، ومن قال إن القوم المشار إليهم هم
اليهود، قال معنى قوله: ﴿يئس الكفار﴾ أي كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات وكان صاحب قبر، وذلك
أنه يروى أن الكافر إذا كان في قبره عرض عليه مقعده في الجنة أن لو كان مؤمناً ثم يعرض عليه مقعده من
النار الذي يصير إليه فهو يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه، وهذا تأويل مجاهد وابن جبير وابن زيد
في قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في الآخرة مع علمهم بها كيأس
ذلك الكافر في قبره وذلك لأنهم قد رين على قلوبهم وحملهم الحسد على ترك الإيمان وغلب على ظنونهم
أنهم معذبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، و﴿من﴾ في قوله ﴿من
أصحاب﴾ على القول الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض يتوجهان فيها
وبيان الجنس أظهر.
نجز تفسير سورة الممتحنة والحمد لله على ذلك.