النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ تفسير سورة الفتح / الآيات: ٢٧ - ٢٩ الإشارة إلى من شهد الحديبية: بـ ﴿الذين معه). و: ﴿أشداء﴾ جمع شديد، أصله: أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين. وقرأ الجمهور: ((أشداءُ)) ((رحماءُ)) بالرفع، وروى قرة عن الحسن: ((أشداءَ)) ((رحماءَ)) بنصبهما قال أبو حاتم: ذلك على الحال والخبر: ﴿تراهم﴾. قال أبو الفتح: وإن شئت نصبت ((أشداء)» على المدح. وقوله: ﴿تراهم ركعاً سجداً﴾، أي ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم. و: ﴿يبتغون﴾ معناه يطلبون. وقرأ عمر وابن عبيد: ((وِرُضواناً)) بضم الراء. وقوله: ﴿سيماهم﴾ معناه: علامتهم. واختلف الناس في تعيين هذه السيما، فقال مالك بن أنس: كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب، كان يبقى على المسح أثره، وقاله عكرمة. وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية: هو وعد بحالهم يوم القيامة من أن الله تعالى يجعل لهم نوراً ﴿من أثر السجود﴾. قال القاضي أبو محمد: كما يجعل غرة من أثر الوضوء الحديث، ويؤيد هذا التأويل اتصال القول بقوله: ﴿فضلاً من الله ورضواناً﴾ كأنه قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾. ويحتمل أن تكون السيما بدلاً من قوله: ﴿فضلاً﴾. وقال ابن عباس: السمت الحسن: هو السيما، وهو الخشوع خشوع يبدو على الوجه. قال القاضي أبو محمد: وهذه حالة مكثري الصلاة، لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتقل الضحك وترد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وشمر بن عطية: السيما: بياض وصفرة وبهيج يعتري الوجوه من السهر. وقال منصور: سألت مجاهداً: أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل؟ فقال: لا، وقد تكون مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلباً من الحجارة. وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: السيما: حسن يعتري وجوه المصلین. قال القاضي أبو محمد: وذلك لأن الله تعالى يجعل لها في عين الرأي حسناً تابعاً للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجل الإنسان أمراً حسن عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشهاب: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)). قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم نزع شريك لما رأى ثابت الزاهد فقال: يعنيه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فظن ثابت أن هذا الكلام متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك. وقرأ الأعرج: ((من إثْر)) بسكون الثاء وكسر الهمزة. قال أبو حاتم هما بمعنى. وقرأ قتادة: ((من آثار))، جمعاً . i ١٤٢ تفسير سورة الفتح / الآيات : ٢٩:٠٠٢٧ وقوله تعالى: ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ الآية، المثل هنا الوصف أو الصفة. وقال بعض المتأولين: التقدير الأمر ﴿ذلك﴾ وتم الكلام. ثم قال: ﴿مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع﴾. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى ﴿ذلك﴾ الوصف هو ﴿مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ وتم القول، و: ﴿كزرع﴾ ابتداء تمثيل يختص بالقرآن. وقال المطيري وحكاه عن الضحاك المعنى: ﴿ذلك﴾ الوصف هو ﴿مثلهم في التوراة) وتم القول، ثم ابتدأ ﴿ومثلهم فى الإنجيل كزرع﴾. وقال آخرون: المثلان جميعاً هي في التوراة وهي في الإنجيل. : وقوله تعالى: ﴿كزرع﴾، هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل: فرض مثل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء: وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا خرج شطأه. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: ((شطّأ)) بفتح الطاء والهمز دون مد، وقرأ الباقون بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر: ((شطاه)) بفتح الطاء دون همز، وقرأ أبو جعفر: ((شطه)) رمى بالهمزة وفتح الطاء، ورويت عن نافع وشيبة. وروي عن عيسى: ((شطاءه)) بالمد والهمز، وقرأ الجحدري: ((شطِوه) بالواو. قال أبو الفتح هي لغة أو بدل من الهمزة، ولا يكون الشطو إلا في البروالشعير، وهذه كلها لغات. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: الزرع: النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فآزره﴾. علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿فاستغلظ﴾ بأبي بكر، ﴿فاستوى على سوقه﴾: بعمر بن الخطاب. وقوله تعالى: ﴿فآزره﴾ وزنه: أفعله، أبو الحسن ورجحه أبو علي. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: ((فأزره)) على وزن: فعله دون مد، ولذلك كله معنيان: أحدهما ساواه طولاً، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] بمحنية قد آزر الضال نبتها بجر جيوش غانمين وخيب أي هو موضع لم يزرع فكمل نبته حتى ساوى شجر الضال، فالفاعل على هذا المعنى: الشطء والمعنى الثاني: إن آزره وأزره بمعنى: أعانه وقواه، مأخوذ ذلك من الأزر وشده، فيحتمل أن يكون الفاعل الشطء، ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، لأن كل واحد منهما يقوي صاحبه وقال ابن مجاهد وغيره ((آزره)) وزنه: فاعله، والأول أصوب أن وزنه: أفعله، ويدلك على ذلك قول الشاعر: [المنسرح] أم ثلاثين وابنة الجبل لا مال إلا العطاف تؤزره وقرأ ابن كثير: ((على سؤقه)) بالهمز، وهي لغة ضعيفة، يهمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه تقول الشاعر [جرير]: وجعدة إذا أضاءهما الوقود و: ﴿يعجب الزراع﴾ جملة في موضع الحال، وإذا أعجب ﴿الزراع﴾، فهو أحرى أن يعجب غيرهم ١٤٣ تفسير سورة الفتح / الآيات: ٢٧ - ٢٩ لأنه لا عيب فيه، إذ قد أعجب العارفين بالعيوب ولو كان معيباً لم يعجبهم، وهنا تم المثل. وقوله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ ابتداء كلام قبله محذوف تقديره: جعلهم الله بهذه الصفة ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾، و﴿الكفار﴾ هنا المشركون. قال الحسن: من غيظ الكفار قول عمر بمكة: لا عبد الله سراً بعد اليوم. وقوله تعالى: ﴿منهم) هي لبيان الجنس وليست للتبعيض، لأنه وعد مرجِّ للجميع . ... ١٤٤ تفسير سورة الحجرات / الآيات: ١ -٣ بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَّحِيةِ 3 شُورَةُ الدُّجُراتِ 1 وهي مدنية بإجماع من أهل التأويل رضي الله عنهم. قوله عز وجل : وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو ◌ْلَا نُقَدِّ مُوْبَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْاللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ (١٥) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْأَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُ واْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبُطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿﴿ إِنَّالَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصُوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ آمْتَحَنَ ٣ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ كانت عادة العرب وهي إلى الآن الاشتراك في الآراء وأن يتكلم كل بما شاء ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرن نفسه مع النبي صلى الله عليه وسلم على بعض ذلك، قال قتادة: فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا وكذا وينبغي أن يكون كذا، وأيضاً فإن قوماً ذبحوا ضحاياهم قبل النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقوماً فعلوا في بعض حروبه وغزواته أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وحكى الثعلبي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة في يوم الشك فقالت للجارية: اسقه عسلًا، فقلت: إني صائم، فقالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام هذا اليوم، وفيه نزلت: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وقال ابن زيد: معنى ﴿لا تقدموا﴾ لا تمشوا ﴿بين يدي رسول الله﴾، وكذلك بين يدي العلماء فإنهم ورثة الأنبياء. وتقول العرب: تقدمت في كذا وكذا وتقدمت فيه: إذا قلت فيه . وقرأ الجمهور من القراء: ((تُقدِموا)) بضم التاء وكسر الدال. وقرأ ابن عباس والضحاك ويعقوب بفتح التاء والدال على معنى: لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد في المشي. والمعنى على ضم التاء ﴿بین یدي﴾ قول الله ورسوله. وروي أن سبب هذه الآية هو أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله لو أمرت الأقرع بن حابس. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله، بل أمر القعقاع بن معبد، فقال له أبو بكر: ما أردت إلى خلافي، ويروى إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما فنزلت الآية في ذلك. وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله: ﴿لا تقدموا﴾ معناه: ﴿لا تقدموا﴾ ولاة، فهو من تقديم ١٤٥ تفسير سورة الحجرات / الآيات : ١ - ٣ الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي اجعلوه مبدأ في الأقوال والأفعال. و: ﴿سميع﴾ معناه: لأقوالكم. ﴿عليم﴾ معناه: بأفعالكم ومقتضى أقوالكم. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا﴾ الآية هي أيضاً في ذلك الفن المتقدم، وروى حيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت والعنجهية، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج، وهو كثيب · حزين حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فبعث فيه فأنسه وقال له: ((امش في الأرض بسطاً فإنك من أهل الجنة)). وقال له مرة: ((أما ترضى أن تعيش حميداً وتموت شهيداً))، فعاش كذلك، ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة. وفي قراءة ابن مسعود: ((لا ترفعوا بأصواتكم)) بزيادة الباء. وقوله: ﴿كجهر بعضكم لبعض﴾ أي كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء والألقاب، وكانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم . با محمد يا محمد، قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالرسالة والنبوءة والكلام اللين، فتلك حالة الموقر، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وبحضرة العالم وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار. وقوله تعالى: ﴿أن تحبط﴾ مفعول من أجله، أي مخافة ﴿أن تحبط﴾، والحبط: إفساد العمل بعد تقرره، يقال حبط بكسر الباء وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافاً واستحقاراً وجرأة فذلك كفر. والحبط معه على حقيقته، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجرياً على طبعه، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سبباً إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقاراً، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا تشعر، لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملًا. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: ((فتحبط أعمالكم)). ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره، وهم ﴿الذين يغضون أصواتهم﴾ عند النبي صلى الله عليه وسلم. وغض الصوت: خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير: [الوافر] فغض الطرف إنك من نمير وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ، لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه. و: ﴿امتحن الله﴾ معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب: امتحن للتقوى أذهب عنها الشهوات. قال القاضي أبو محمد: من غلب شهوته وغضبه، فذلك الذي ﴿امتحن الله﴾ قلبه للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة . ------ --------- * ١٤٦ تفسير سورة الحجرات / الآيات: ٨٠٤ قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٢) وَلَوْ أَنَهُمْ صَبَرُ واحَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَاٍ فَتَبَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِ مِينَ (٢٦) وَأَعْلَمُوْأ ◌َنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ اْأَمِِّلَعَنْتُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَّرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ ﴿﴿ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لـ ٨ قوله تعالى: ﴿إن الذين ينادونك) إلى قوله ﴿رحيم﴾ نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم، وذلك أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي تسعة، فجعلوا ولم ينتظروا، فنادوا بجملتهم: يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد، إن مدحي زين وذمي شين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويلك، ذلك الله تعالى)) واجتمع الناس في المسجد، فقام خطيبهم وفخر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر الله والإسلام، فأربى على خطيبهم، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخراً، فقام حسان بن ثابت ففخر بالله وبالرسول وبالبسالة، فكان أشعر من شاعرهم، فقال بعضهم لبعض: والله إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ثم نزلت فيهم هذه الآية . هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس، وفي مصحف ابن مسعود: ((أكثرهم بنو تميم لا يعقلون))، و: ﴿الحجرات): جمع حجرة . وقرأ جمهور القراء: ((الحُجُرات)) بضم الحاء والجيم، وقرأ أبو جعفر القاري وحده: ((الحُجَرات)) بضم الحاء وفتح الجيم. وقوله تعالى: ﴿لكان خيراً لهم﴾ يعني في الثواب عند الله وفي انبساط نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم، وذلك كله خير، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم. وقوله تعالى: ﴿والله غفور رحيم﴾ ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب وغفرانه ورحمته لمن أناسب ورجع . وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ﴾ سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقاً، فروي أنه كان معادياً لهم فأراد إذايتهم، فرجع من ١٤٧ تفسير سورة الحجرات / الآيات: ٤ - ٨ بعض طريقه وكذب عليهم، قاله الضحاك، وقال للنبي صلى الله عله وسلم: إنهم منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم، ونظر في ذلك، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورده وفدهم منكرين لذلك، وروي عن أم سلمة وابن عباس أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له، فرآهم على بعد، ففزع منهم، وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه، وروي أنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا: لا نعطيه الصدقة ولا نعطيه، فعمل على صحة هذا الخبر وانصرف، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية بهذا السبب، والوليد على ما ذكر مجاهد هو المشار إليه بالفاسق وحكى الزهراوي قالت أم سلمة: هو الوليد بن عقبة. قال القاضي أبو محمد: ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة غابر الدهر. والفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع تثبت وتبين، وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه الآية، لأنه يقتضي أن غير الفاسق إذا جاء بنبا أن يعمل بحسبه، وهذا ليس باستدلال قوي وليس هذا موضع الكلام على مسألة خبر الواحد. وقرأ الجمهور من القراء: ((فتبينوا)) من التبين. وقرأ الحسن وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى: ((فتثبتوا)). و﴿أن﴾ في قوله: ﴿أن تصيبوا﴾ مفعول من أجله، كأنه قال: مخافة ﴿أن تصيبوا﴾. قال قتادة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هذه الآية: التثبت من الله والعجلة من الشيطان. قال منذر بن سعيد هذه الآية ترد على من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة، لأن الله تعالى أمر بالتبين قبل القبول. قال القاضي أبو محمد: فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقاً والاحتياط لازم. قال النقاش (تبينوا)) أبلغ، لأنه قد يتثبت من لا يتبين. وقوله تعالى: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله﴾ توبيخ للكذبة ووعيد للفضيحة، أي فليفكر الكاذب في أن الله عز وجل يفضحه على لسان رسوله؛ ثم قال: ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ أي لشقيتم وهلکتم، والعنت: المشقة، أي لو یطیعكم أيها المؤمنون في کثیر مما ترونه باجتهادکم وتقدمکم بین یدیه . وقوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم﴾ الآية، كأنه قال: ولكن الله أنعم بكذا وكذا، وفي ذلك كفاية وأمر لا تقومون بشكره فلا تتقدموا في الأمور، واقنعوا بإنعام الله عليكم، وحبب الله تعالى الإيمان وزينه بأن خلق في قلوب المؤمنين حبه وحسنه، وكذلك تكريه الكفر والفسق والعصيان، وحكى الرماني عن الحسن أنه قال: حبب الإيمان بما وصف من الثواب عليه وكره الثلاثة المقابلة للإيمان بما وصف من العقاب عليها . وقوله تعالى: ﴿أولئك هم الراشدون﴾ رجوع من الخطاب إلى ذكر الغيب، كأنه قال: ومن فعل هذا وقبله وشكر عليه فأولئك هم الراشدون. : ١٤٨ تفسير سورة الحجرات / الآيتان: ١٠،٩ وقوله تعالى: ﴿فضلاً من الله ونعمة﴾ مصدر مؤكد لنفسه، لأن ما قبله هو بمعناه، إن التحبيب والتزيين هو نفس الفضل، وقد يجيء المصدر مؤكداً لما قبله إذا لم يكن هو نفس ما قبله، كقولك جاءني زيد حقاً ونحوه وكان قتادة رحمه الله يقول: قد قال اللّه تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾، وأنتهم والله أسخف الناس رأياً، وأطيش أحلاماً، فليتهم رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله تعالى. قوله عز وجل : وَإِنَاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَأَ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَائِلُوْلَِّى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَأَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيْنَ أَخَوَيَكُمْ وَأَتَّقُواْاللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٠ ﴿طائفتان﴾ مرفوع بإضمار فعل. والطائفة: الجماعة. وقد تقع على الواحد، وإحتج لذلك بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢]. ورأى بعض الناس أن يشهد حداً لزناة رجل واحد. فهذه الآية الحكم فيها في الأفراد وفي الجماعات واحد. واختلف الناس في سبب هذه الآية. فقال أنس بن مالك والجمهور سببها: ما وقع بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي ابن سلول حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه. فقال عبد الله بن أبيّ لما غشيه حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغيروا علينا ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بطوله. فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد، ويروى بالحديد. وقال أبو مالك والحسن سببها: أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال. فأصلحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جهد ونزلت الآية في ذلك وقال السدي: كانت بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر ولها زوج من غيرهم. فوقع بينهما شيء أوجب أن يأنف لها قومها وله 2 قومه. فوقع قتال نزلت الآية بسببه . و: ﴿بغت﴾ معناه: طلبت العلو بغير الحق، ومدافعة الفئة الباغية متوجه في كل حال وأما التهيؤ لقتالها فمع الولاة. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمشركون أهل صفين والجمل؟ قال: لا. من الشرك فروا. قيل أفمنافقون؟ قال: لا. لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح. ولا يطلب هارب. ولا يقتل أسير. و: ﴿تفيء﴾ معناه: ترجع. والإقساط: الحكم بالعدل. وقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ يريد إخوة الدين. وقرأ الجمهور من القراء: ((بين أخويكم)) وذلك رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر و الجماعة متى فصل الإصلاح فإنما هو بين رجلين رجلين. وقرأ ابن عامر والحسن بخلاف عنه: ((بين إخوتکم». ١٤٩ تفسير سورة الحجرات / الآيتان : ١٢٠١١ وقرأ ابن سيرين وزيد بن ثابت وابن مسعود والحسن وعاصم الجحدري وحماد بن سلمة: ((بين إخوانكم)). وهي حسنة. لأن الأكثر من جمع الأخ في الدين ونحوه من النسب إخوان. والأكثر في جمعه من النسب إخوة وإخاء. قال الشاعر: [الطويل] وأي بني الإخاء تنبو مناسبه وجدتم أخاكم دوننا إذا نسيتم وقد تتداخل هذه الجموع في كتاب الله. فمنه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ أو بيوت إخوانكم فهذا جاء على الأقل من الاستعمال. قوله عز وجل : يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْقَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىّ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَانِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوَأْأَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِ بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبُ جَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَّنِ إِنْهٌ وَلَا تَّجَسُواْ فَأُوْلَكَ هُ الظَّالِمُونَ جَ وَلَا يَغْسَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُ كُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِ هِتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ اللَّهَإِنَّاللَّهَ ج ١٢ تَوَّابٌ نَّحِيمٌ لـ هذه الآيات والتي بعدها نزلت في خلق أهل الجاهلية. وذلك لأنهم كانوا يجرون مع الشهوات نفوسهم لم يقومهم أمر من الله ولا نهي. فكان الرجل يسطو ويهمز ويلمز وينبز بالألقاب ويظن الظنون. فيتكلم بها. ويغتاب ويفتخر بنسبه إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطالة. فنزلت هذه الآية تأديباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر بعض الناس لهذه الآيات أسباباً. فمما قيل: إن هذه الآية: ﴿لا يسخر قوم﴾ نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلماً، فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي أبو محمد: والقوي عندي أن هذه الآية نزلت تقويماً كسائر أمر الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى . و: ﴿يسخر﴾ معناه: يستهزىء. والهزء إنما يترتب متى ضعف امرؤ إما لصغر وإما لعلة حادثة، أو لرزية أو النقيصة يأتيها، فنهي المؤمنون عن الاستهزاء في هذه الأمور وغيرها نهياً عاماً، فقد يكون ذلك المستهزأ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب: واقع على الذكران، وهو من أسماء الجمع: كالرهط والنفر. وقول من قال: إنه من القيام أو جمع قائم ضعيف، ومنه قول الشاعر وهو زهير: [الوافر] أقوم آل حصن أم نساء وما أدري وسوف إخال أدري وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، ثم نهى تعالى النساء عمّا نهى عنه الرجال من ذلك. ١٥٠ تفسير سورة الحجرات /الآيتان: ١٢،١١ وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: ((عسوا أن يكونوا))، ((وعسين أن يكن)). و: ﴿تلمزوا﴾، معناه: يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونخوه، وقد يكون اللمز بالقول وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، وهو مشبه بالهمز بالعود ونحوه مما يقتضي المماسة، قال الشاعر [رؤبة]: ومن همزنا عزه تبركعا وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ فقال الهر يهمزها. وحكى الثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب. وحكى الزهراوي عن علي بن سليمان عَكّهُ من ذلك فقال: الهمز أن يعيب حضرة واللمز في الغيبة. ومنه قوله تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ [الهمزة: ١] ومنه قوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ [التوبة: ٥٨]. وقرأ الجمهور: ((تلمزوا)) بكسر الميم. وقرأ الأعرج والحسن: ((تلمُّزوا)) بضم الميم. قال أبو عمرو بن العلاء: هي عربية. قراءتنا بالضم وأحياناً بالكسر. وقوله تعالى: ﴿أنفسكم﴾ معناه: بعضكم بعضاً كما قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] كأن المؤمنين كنفس واحدة إذ هم إخوة. فهم كما قال صلى الله عليه وسلم: ((كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى)) وهم كما قال أيضاً: ((كالبنيان يشد بعضه بعضاً)). والتنابز: التلقب والنبز واللقب واحد. أو اللقب: هو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن بني سلمة کانوا قد کثرت فيهم الألقاب، فدعا رسول الله صلی الله علیه وسلم رجلاً منهم فقال له: يا فلان، فقيل له : إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعا آخر كذلك. فنزلت الآية في هذا. وليس من هذا قول المحدثين سليمان الأعمش. وواصل الأحدب. ونحوه مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وأذى. وقد قال عبد الله بن مسعود لعلقمة: وتقول أنت ذلك يا أعور. وأسند النقاش إلى عطاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنوا أولادكم؟ قال عطاء: مخافة الألقاب. وقال ابن زيد. معنى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ أي لا يقول أحد لأحد: يا يهودي بعد إسلامه. ولا يا فاسق بعد توبته. ونحو هذا. وحكى النقاش أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد تلاحيا، فقال له كعب: يا أعرابي. يريد أن يبعده من الهجرة. فقال له الآخر: يا يهودي. يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية . وقوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصیانكم ونیزکم بالألقاب فتكونون فساقاً بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني : بئس ما یقول الرجل لأخيه : یا فاسق بعد إيمانه. وقال الرماني: هذه الآية تدل على أنه لا يجتمع الفسق والإيمان . قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية ثم شدد تعالى عليهم النهي. بأن حكم بظلم من لم يتب ويقلع عن هذه الأشياء التي نهى عنها. ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن. وأن لا يعملوا ولا يتكلموا بحسبه، لما في ذلك وفي التجسس ١٥١ تفسير سورة الحجرات / الآيتان: ١١، ١٢ _- من التقاطع والتدابر. وحكم على بعضه بأنه ﴿إِثْم): إذ بعضه ليس بإثم .. ولا يلزم اجتنابه وهو ظن الخير بالناس وحسنه بالله تعالى. والمظنون من شهادات الُشهود والمظنون به من أهل الشر. فإن ذلك سقوط عدالته وغير ذلك هي من حكم الظن به. وظن الخير بالمؤمن محمود والظن المنهي عنه: هو أن تظن سوءاً برجل ظاهره الصلاح. بل الواجب تنزيل الظن وحكمه وتتأول الخير. وقال بعض الناس: ﴿إثم﴾ معناه: كذب. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. وقال بعض الناس. معنى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ أي إذا تكلم الظان أثم. وما لم يتكلم فهو في فسحة. لأنه لا يقدر على دفع الخواطر التي يبيحها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحزم سوء الظن)). قال القاضي أبو محمد: وما زال أولو العلم يحترسون من سوء الظن ويسدون ذرائعه. قال سلمان الفارسي: إني لأعد غراف قِدْري مخافة الظن. وذكر النقاش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: احترسوا من الناس بسوء الظن. وكان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه . وقال ابن مسعود: الأمانة خير من الخاتم. والخاتم خير من ظن السوء. وقوله: ﴿ولا تجسسوا﴾ أي لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس وادفعوا بالتي هي أحسن. واجتزوا بالظواهر الحسنة . وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين والهذليون: ((لا تحسسوا)) بالحاء غير منقوطة. وقال بعض الناس: التجسس بالجيم في الشر. والتحسس بالحاء في الخير. وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. وقال أبو عمرو بن العلاء: التجسس: ما كان من وراء وراء. والتحسس بالحاء: الدخول والاستعلام. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً)). وذكر الثعلبي حديث حراسة عمرو بن عوف ووجودهما الشرب في بيت ربيعة بن أمية بن خلف. وذكر أيضاً حديثه في ذلك مع أبي محجن الثقفي. وقال زيد بن وهب. قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً؟ فقال: إنا نهينا عن التحسس. فإن يظهر لنا شيء أخذنا به. ﴿ولا يغتب﴾ معناه: ولا يذكر أحدكم من أخيه شيئاً هو فيه يكره سماعه. وروي أن عائشة قالت عن امرأة: ما رأيت أجمل منها إلا أنها قصيرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغتبتها، نظرت إلى أسوأ ما فيها فذكرته)) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا ذكرت ما في أخيك فقد اغتبته. وإذا ذكرت ما ليس فيه فقد بهته)). وفي حديث آخر: ((الغيبة أن تذكر المؤمن بما يكره)). قيل: وإن كان حقاً. قال: إذا قلت باطلاً فذلك هو البهتان)). وقال معاوية بن قرة وأبو إسحاق السبيعي: إذا مر بك رجل أقطع. فقلت: ذلك الأقطع، كان ذلك غيب. وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الغيبة أشد من الزنا، لأن الزاني يتوب فيتوب الله عليه. والذي يغتاب يتوب فلا يتاب عليه حتى يستحل)). قال القاضي أبو محمد: وقد يموت من اغتيب، أو يأبى . وروي أن رجلاً قال لابن سيرين: إني قد اغتبتك فحللني. فقال له ابن سيرين إني لا أحل ما حرم ١٥٢ تفسير سورة الحجرات / الآيتان: ١٤،١٣ الله. والغيبة مشتقة من غاب يغيب. وهي القول في الغائب واستعملت في المكروه. ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح في الشهود وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما معاوية فصعلوك لا مال له)). وما يقال في الفسقة أيضاً وفي ولاة الجور ويقصد به التحذير منه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعن الفاجر ترعون؟ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرفه الناس إذا لم تذكروه)) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((بئس ابن العشيرة)). ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم. فمنه قول الشاعر [سويد بن أبي كاهل اليشكري]: [الرمل] فإذا لاقيته عظّمني. وإذا يخلوله لحمي رتع ویروی فیجییني إذا لاقيته . ومنه قول الآخر: [المقنع الكندي]. وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم فوقفهم الله تعالى على جهة التوبيخ بقوله: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً﴾ فالجواب عن هذا: لا. وهم في حكم من يقولها. فخوطبوا على أنهم قالوا لا. فقيل لهم: ﴿فكرهتموه﴾ وبعد هذا مقدر تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا المقدر يعطف قوله: ﴿واتقوا الله﴾ قاله أبو علي الفارسي. وقال الرماني: كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع. وكراهية الغيبة يدعو إليها العقل. وهو أحق أن يجاب. لأنه بصير عالم. والطبع أعمى جاهل. وقرأ الجمهور: ((ميْتاً)) بسكون الياء. وقرأ نافع وابن القعقاع وشيبة ومجاهد: ((ميِّاً)) بكسرها والشد. وقرأ أبو حیوة: «فكرهتموه) بضم الکاف وشد الراء. ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أعلم بأنه ﴿تواب رحيم﴾ إبقاء منه تعالى وإمهالاً وتمكيناً من التوبة . قوله عز وجل : يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَفْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْإِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَاًلَّهِ ج قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيُّ خَبِيٌ ش آلْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ١٤ قوله تعالى: ﴿من ذكر وأنثى﴾ يحتمل أن يريد آدم وحواء. فكأنه قال: إنا خلقنا جميعكم من آدم وحواء. ويحتمل أن يريد الذكر والأنثى اسم الجنس. فكأنه قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ماء ذكر وماء أنثى. وقصد هذه الآية التسوية بين الناس. ثم قال تعالى: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ أي لئلا تفاخروا ويريد بعضكم أن يكون أكرم من بعض. فإن الطريق إلى الكرم غير هذا: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وروى أبو بكرة: قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: ((من طال عمره وحسن عمله)). وفي : ١٥٣ تفسير سورة الحجرات / الآيتان : ١٤،١٣ حديث آخر من خير الناس؟ قال: ((آمرهم بالمعروف. وأنهاهم عن المنكر. وأوصلهم للرحم وأتقاهم)). وحكى الزهراوي أن سبب هذه الآية غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن سببها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن فلانة، فوبخه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: ((إنك لا تفضل أحداً إلا في الدين والتقوى))، فنزلت هذه الآية ونزل الأمر بالتفسح في ذلك أيضاً، والشعوب: جمع شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة: وهما قرابة الرجل الأدنون فمضر وربيعة وحمير شعوب، وقيس وتميم ومذحج ومراد، قبائل مشبهة بقبائل الرأس، ((لأنها قطع تقابلت)) وقريش ومحارب وسليم عمارات، وبنو قصي وبنو مخزوم بطون، وبنو هاشم وبنو أمية أفخاذ، وبنو عبد المطلب أسرة وفصيلة، وقال ابن جبير: الشعوب: الأفخاذ. وروي عن ابن عباس الشعوب: البطون، وهذا غير ما تمالأ عليه اللغويون. قال الثعلبي، وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل. وأما الشعب الذي هو في همدان الذي ينسب إليه الشعبي فهو بطن يقال له الشعب. قال القاضي أبو محمد: وقيل للأمم التي ليست بعرب: شعوبية، نسبة إلى الشعوب، وذلك أن تفصيل أنسابها خفي فلم يعرف أحد منهم إلا بأن يقال: فارسي تركي رومي زناتي. فعرفوا بشعوبهم وهي أعم ما يعبر به عن جماعتهم، ويقال لهم الشعوبية بفتح الشين، وهذا من تغيير النسب، وقد قيل فيهم غير ما ذكرت، وهذا أولی عندي . وقرأ الأعمش: ((لتتعارفوا)) وقرأ عبد الله بن عباس: ((لتعرفوا أن))، على وزن تفعلوا بكسر العين وفتح الألف من ((أن))، وبإعمال (لتعرفوا)) فيها، ويحتمل على هذه القراءة أن تكون اللام في قوله: ((لتعرفوا)) لام كي، ويضطرب معنى الآية مع ذلك، ويحتمل أن تكون لام الأمر، وهو أجود في المعنى، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره: الحق، وإذا كانت لام كي فكأنه قال: يا أيها الناس أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا ولأن تعرفوا الحقائق، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب. وقرأ ابن مسعود: ((لتعارفوا بينكم وخيركم عند الله أتقاكم)). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله)). ثم نبه تعالى على الحذر بقوله: ﴿إن الله عليم خبير﴾ أي بالمتقي الذي يستحق رتبة الكرم في الإيمان، أي لم تصدقوا بقلوبكم ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والإسلام يقال بمعنيين، أحدهما: الدين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] والذي في قوله صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس)) والذي في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: بأن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: (( أو مسلماً، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه)) الحديث، فهذا الإسلام ليس هو في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾، و﴿الإيمان﴾ الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه، ثم صرح لهم بأن : ١٥٤ تفسير سورة الحجرات / الآيات: ١٥-١٨, ﴿الإيمان﴾ لم يدخل قلوبهم ثم فتح لهم باب التوبة بقوله: ﴿وإن تطيعوا الله﴾ الآية، وطاعة الله ورسوله في ضمنها الإيمان والأعمال. ٠١٠٠ وقرأ جمهور القراء: ((لا يلتكم)) من لات يليت إذا نقص، يقال: لاته حقه إذا نقصه منه، ولت السلطان إذا لم يصدقه فيما سأل عنه. وقرأ أبو عمرو والأعرج والحسن وعمرو: ((لا يألتكم)) من ألت يألت وهو بمعنى: لات، وكذلك يقال: ألتِ بكسر اللام يألت، ويقال أيضاً في معنى لات، ألت يولت ولم يقرأ بهذه اللغة وباقي الآية ترجية . قوله عز وجل : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِأُوْلَئِكَ هُمُ الْضَدِقُونَ ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى يَهُثُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَعُنُّواْ عَلَىَّ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ إِسْلَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣) إِنَّاللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ ١٨ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .... ٤ قوله تعالى: ﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى. وقوله تعالى: ﴿ثم لم يرتابوا﴾ أي لم يشكوا في إيمانهم ولم يداخلهم ريب ﴿وهم الصادقون﴾، إذ جاء فعلهم مصدقاً لقولهم، ثم أمره تعالى بتوبيخهم بقوله: ﴿قل أتعلمون الله بدينكم﴾، أي بقولكم: ﴿آمنا﴾ [الحجرات: ١٤] وهو يعلم منكم خلاف ذلك، لأنه العليم بكل شيء. وقوله: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ نزلت في بني أسد أيضاً، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت محارب خصفة وهوازن غطفان وغيرهم، فنزلت هذه الآية، حكاه الطبري وغيره. وقرأ ابن مسعود: ((يمنون عليك إسلامهم)). وقوله يحتمل أن يكون مفعولاً صريحاً. ويحتمل أن يكون مفعولاً من أجله. وقوله: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ بزعمكم إذ تقولون آمنا، فقد لزمكم أن الله مان عليكم، ويدلك على هذا المعنى قوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ فتعلق عليهم الحكمان هم ممنون عليهم على الصدق وأهل أن يقولوا أسلمنا من حيث هم كذبة. وقرأ ابن مسعود: ((إذ هداكم)). وقوله تعالى: ﴿يمن عليكم﴾ يحتمل أن يكون بمعنى: ينعم كما تقول: من الله عليك، ويحتمل أن يكون بمعنى: يذكر إحسانه فيجيء معادلاً لـ ﴿يمنون عليك﴾، وقال الناس قديماً: إذا كفرت النعمة حسنت المنة. وإنما المنة المبطلة للصدقة المكروهة ما وقع دون كفر النعمة . وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وقتادة وابن وثاب: ((تعملون)) بالتاء على الخطاب. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبان: ((يعملون)) بالياء من تحت على ذكر الغيب. ١٥٥ تفسير سورة ق / الآيات: ١ - ٨ بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَحِيةِ وهي مكية بإجماع من المتأولين، روى أبيّ بن كعب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((من قرأ سورة ((ق)) هون الله علیه الموت وسكراته)). قوله عز وجل : قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴿أَبَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءَ هُم ◌ُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عَجِيبُ (أَأَءِذَا مِتْنَا وَكُنَانُرَبَا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿أَقَدْ عَلِمِنَا مَا نَقُصُ اَلْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِندَ نَا كِتَبَ حَفِيظٌ ( بَلْ كَذَّبُواْ أَفَلَمْ يَنْظُرُ وَأْإِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا بِأَلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ هُمْ فَهُمْ فِيِّ أَمْرِ مَّرِيج ـ وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجِ ﴿وَ الْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْفَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ تَبْصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ٨ قال ابن عباس: ﴿ق﴾ اسم من أسماء القرآن. وقال أيضاً اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة والشعبي: هو اسم السورة، وقال يزيد وعكرمة ومجاهد والضحاك: هم اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون من زمردة خضراء، منها خضرة السماء وخضرة البحر. و ﴿المجيد﴾ الكريم في أوصافه الذي جمع كل معلوة . و: ﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مقسم به وب ﴿القرآن المجيد﴾، وجواب القسم منتظر. واختلف الناس فيه، فقال ابن كيسان جوابه: ﴿ما يلفظ من قول﴾ [ق: ١٨]، وقيل الجواب: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق: ٣٧] وقال الزهراوي عن سعيد الأخفش الجواب: ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ وضعفه النحاس، وقال الكوفيون من النحاة الجواب: ﴿بل عجبوا﴾، والمعنى: لقد عجبوا. قال منذر بن سعيد: إن جواب القسم في قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ [ق: ٢٩]، وفي هذه الأقوال تكلف وتحكم على اللسان. وقال الزجاج والمبرد والأخفش: الجواب مقدر تقديره: ﴿ق﴾، ﴿والقرآن المجيد﴾ لتبعثن، وهذا قول حسن وأحسن منه: أن يكون الجواب الذي يقع عنه الإضراب بـ ﴿بل﴾، كأنه قال. ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما لا بد لك من تقديره بعد الذي قدر ١٥٦ تفسير سورة ق / الآيات: ١ - ٨ الزجاج، لأنك إذا قلت الجواب: لتبعثن فلا بدٍ بعد ذلك أن يقدر خبر عنه يقع الإضراب، وهذا الذي جعلناه جواباً وجاء المقدر أخصر. وقال جماعة من المفسرين في قوله: ﴿ق﴾ إنه حرف دال على الكلمة، على نحو قول الشاعر [الوليد بن المغيرة]: [الرجز] قلت لها قفي فقالت قاف واختلفوا بعد، فقال القرطبي: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قار، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض، وقيل المعنى: قضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾، فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم المعنى: قف عند أمرنا. وقيل المعنى: قهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضاً وقع عليه القسم ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، ﴿والقرآن المجيد﴾، فيكون أول السورة من المعنى الذي اطرد بعد، وعلى هذه الأقوال فثم كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهراً. وقرأ جمهور من القراء ﴿ق﴾ بسكون الفله. قال أبو حاتم: ولا يجوز غيرها إلا جواز سوء. قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تحسن مع أن يكون ﴿ق﴾ حرفاً دالاً على كلمة. وقرأ الثقفي وعيسى: قاف بفتح الفاء، وهذه تحسن مع القول بأنها اسم للقرآن أو لله تعالى، وكذلك قرأ الحسن وابن أبي إسحاق بكسر الفاء، وهي التي في رتبة التي قبلها في أن الحركة للالتقاء وفي أنها اسم للقرآن. و﴿المجيد﴾ الكريم الأوصاف الكثير الخير. واختلف الناس في الضمير في: ﴿عجبوا﴾ لمن هو فقال جمهور المتأولين: هو لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن كل مفطور عجب من بعثة بشر رسول الله، لكن المؤمنون نظروا واهتدوا، والكافرون بقوا في عمايتهم وصموا وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال تعالى: ﴿فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾. وقال آخرون بل الضمير في ﴿عجبوا﴾ للكافرين، وكرر الكلام تأكيداً ومبالغة. والإشارة بهذا يحتمل أن تكون إلى نفس مجيء البشر. ويحتمل أن تكون إلى القول الذي يتضمنه الإنذار، وهو الخبر بالبعث، ويؤيد هذا القول ما يأتي بعد. وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر ((إذا)) على الخبر دون استفهام، والعامل ﴿رجع بعيد﴾، قال ابن جني ويحتمل أن يكون المعنى ((أإذا متنا بعد رجعنا))، فيدل: ذلك ﴿رجع بعيد﴾ على هذا الفعل الذي هو بعد ويحل محل الجواب لقولهم: ((إذا)). والرجع: مصدر رجعته. وقوله ﴿بعيد﴾ في الأوهام والفكر كونه فأخبر الله تعالى رداً على قولهم بأنه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم وما تبقى منه، وإن ذلك في الكتاب، وكذلك يعود في الحشر معلوماً ذلك كله. و ((الحفيظ)): الجامع الذي لم يفته شيء. وقال الرماني: ﴿حفيظ﴾ متبع أن يذهب نملی ودروس، وروي في الخبر الثابت: أن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنب، وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم، وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو ((الحق)). وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعثرة المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، وهذا عندي خلاف لظاهر کتاب الله ولو كانت تفسير سورة ق / الآيات: ١ - ٨ ١٥٧ غيرها فكيف كانت تشهد الأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود. وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور، المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم. وقال السدي معنى قوله: ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ أي ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد. وقال ابن عباس أيضاً في ما حكى الثعلبي، معناه: قد علمنا ما تنقص أرض الإيمان من الكفرة الذين يدخلون في الإيمان، وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبل وبعد، وقبل قوله: ﴿بل كذبوا﴾ مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره: ما أجادوا النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب بـ ﴿بل﴾، الأغلب فيه أنه منفي تقضي ﴿بل﴾ بفساده، وقد يكون أمراً موجباً تقضي ﴿بل﴾ بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ الجمهور: (لَمّا)) بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري: ((لِمَا)) بكسر اللام وتخفيف الميم، قال أبو الفتح: هي كقولهم: أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ: لخمس خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يجليها لوقتها﴾ [الأعراف: ١٨٧] ومنه قول الشاعر: [الوافر] إذا هبت لقاربها الرياح و: ((المريج)): معناه: المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر إلى غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ابن عباس: المريج: المنكر. وقال مجاهد: الملتبس، والمريج المضطرب أيضاً، وهو قريب من الأولّ، ومنه الحديث: مرجت عهود الناس ومنه ﴿مرج البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣، الرحمن: ١٩] وقال الشاعر [أبو دؤاد]: مشرف الحارك محبوك الكتد مرج الدین فأعددت له ثم دل تعالى على العبرة بقوله: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء﴾ الآية، ﴿وزيناها﴾ معناه: بالنجوم. و((الفروج)) الفطور والشقوق خلالها وأثناءها، قاله مجاهد وغيره، وحكى النقاش أن هذه الآية تعطي أن السماء مستديرة، وليس الأمر كما حكي، إذا تدبر اللفظ وما يقتضي. و((الرواسي)): الجبال. و((الزوج)»: النوع. و((البهيج)) قال ابن عباس وقتادة وابن زيد هو: الحسن المنظر، وقوله عز وجل: ﴿تبصرة وذكرى﴾ منصوب على المصدر بفعل مضمر. و: ((المنيب)) الراجع إلى الحق عن فكرة ونظر. قال قتادة: هو المقبل بقلبه إلى الله وخص هذه الصنيفة بالذكر تشريفاً من حيث هي المنتفعة بالتبصرة والذكرى، وإلا فهذه المخلوقات هي تبصرة وذكرى لكل بشر. وقال بعض النحويين: ﴿تبصرة وذكرى﴾ مفعولان من أجله، وهذا يحتمل والأول أرجح . قوله عز وجل : وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَاطَلْعٌ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَتَّ الْحَصِيدِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ نَّضِيدٌ ® رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، يَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُويُ 1 ١٥٨ تفسير سورة ق / الآيات: ١٥٠٩ الرَِّ وَثَمُودُ (٣) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ ! مُتُبَّعْ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِيدِ وَأَصْحَبُّ الْأَيْكَّةِ وَقَوْمُ تَبْعِ ١٣ أَفْعَیِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلْبَلْهُمْفِلَبْسِمِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ ١٥ قوله تعالى: ﴿ماء مباركاً﴾ قيل يعني جميع المطر، كله يتصف بالبركة وإن ضر بعضه أحياناً، ففيه مع ذلك الضر الخاص البركة العامة. وقال أبو هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء المطر فسالت الميازيب قال: ((لا محل عليكم العام)) وقال بعض المفسرين: ﴿ماء مباركاً﴾ يريد به ماء مخصوصاً خالصاً للبركة ينزله الله كل سنة، وليس كل المطر يتصف بذلك. ﴿وحب الحصيد﴾ الحنطة. و: ﴿باسقات﴾ معناه: طويلات ذاهبات في السماء، ومنه قول ابن نوفل في ابن هبيرة: [مجزوء الكامل مرفّل] يا ابن الذين لمجدهم بسقت على قيس فزارة وروى قطبة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: ((باصقات)) بالصاد، قال أبو الفتح الأصل: السين وإنما الصاد بدل منه، لاستعلاء القاف. و((الطلع)) أول ظهور التمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ملتصقاً بعضه ببعض فهو ﴿نضيد﴾، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد. و: ﴿رزقاً﴾ نصب على المصدر والضمير في: ﴿به﴾ عائد على المطر. ووصف البلدة بـ ((ميت)) على تقدير القطر والبلد. وقرأ الناس ((ميْتاً)) مخففاً، وقرأ أبو جعفر وخالد ((ميّتاً)) بالتثقيل. ثم بين تعالى موضع الشبه فقال: ﴿كذلك الخروج﴾، هذه الآيات كلها إنما هي أمثلة وأدلة على البعث. و﴿الخروج﴾ يريد به من القبور، ﴿وأصحاب الرس﴾ قوم كان لهم بئر عظيمة وهي ﴿الرس﴾، وكل ما لم يطو من بئر أو معدن أو نحوه فهو رسّ. وأنشد أبو عبيدة للنابغة الجعدي: تنابلة يحفرون الرساسا سبقت إلى قرطبا هل وجاءهم نبي يسمى حنظلة بن صفوان فيما روي فجعلوه في ﴿الرس﴾ وردموا عليه. فأهلكهم الله، : وقال كعب الأحبار في كتاب الزهراوي: ﴿أصحاب الرس﴾ هم أصحاب الأخدود وهذا ضعيف. لأن أصحاب الأخدود لم يكذبوا نبياً، إنما هو ملك أحرق قوماً. وقال الضحاك ﴿الرس﴾: بئر قتل فيها صاحب یاسین، قال منذر وروي عن ابن عباس أنهم قوم عاد. و﴿الأيكة﴾: الشجر الملتف، وهم قوم شعيب، والألف واللام من ﴿الأيكة﴾ غير معرفة، لأن ((أيكة)) اسم علم كطلحة يقال أيكة وليكة، فهي كالألف واللام في الشمس والقمر وفي الصفات الغالبة وفي هذا نظر. وقرأ ((الأيكة)) بالهمز أبو جعفر ونافع وشيبة وطلحة . ﴿وقوم تبع﴾ هم حمیر و ﴿تبع﴾ - سم فيهم، يذهب تبع ويجيء تبع ككسرى في الفرس وقيصر في الروم، وكان أسعد أبو كرب أحد التبابعة رجلاً صالحاً صخب حبرين فتعلم منهما دين موسى عليه السلام ثم إن قومه أنكروا ذلك عليه فندبهم إلى محاجة الحبرين، فوقعت بينهم مجادلة، واتفقوا على أن يدخلوا ١٥٩ تفسير سورة ق / الآيات: ١٦ - ٢١ جميعهم النار التي في القربان، فمن أكلته فهو المبطل، فدخلوها فاحترق ﴿قوم تبع﴾، وخرج الحبران تعرق جباههما، فهلك القوم المخالفون وآمن سائر ﴿قوم تبع﴾ بدين الحبرين. وفي الحديث اختلاف كثير. أثبت أصح ذلك على ما في سير ابن هشام. وذكر الطبري عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تلعنوا تبعاً، فإنه كان قد أسلم)) وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن تبعاً كان نبياً . وقوله تعالى: ﴿كل كذب الرسل﴾ قال سيبويه، التقدير: كلهم وحذف لدلالة كل عليه إيجازاً. و((الوعيد)) الذي حق: هو ما سبق به القضاء من تعذيب الكفرة وإهلاك الأمم المكذبة، ففي هذا تخويف من كذب محمداً صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ﴿أفعيينا﴾ توقيف للكفار وتوبيخ وإقامة للحجة الواضحة عليهم، وذلك أن جوابهم على هذا التوقيف هو لم يقع عي، ثم هم مع ذلك في لبس من الإعادة. وهذا تناقض، ويقال عيى يعيى إذا عجز عن الأمر ويلح به، ويدغم هذا الفعل الماضي من هذا الفعل ولا يدغم المستقبل منه فيقال عي، ومنه قول الشاعر [عبيد بن الأبرص]: عيوا بأمرهم كما عيت ببيضتها الحمامه و((الخلق الأول)) إنشاء الإنسان من نطفة على التدريج المعلوم، وقال الحسن: ((الخلق الأول)) آدم عليه السلام، حكاه الرماني، واللبس: الشك والريب واختلاط النظر. والخلق الجديد: البعث في القبور. قوله عز وجل : وَلَقَدْ خَلَقْنَاْلِّنِسَنَ وَنَعْلَمُ مَانُّوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿ إِذْيَلَقَّ الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ مَايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(١٨) وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَاكُنْتَ مِنْهُ تِيدٌ ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُوْرِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢) وَحَآءَتْ كُلَّ نَفْسِ مَّعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ ٢١ هذه آيات فيها إقامة حجج على الكفار في إنكارهم البعث والجزاء. والخلق: إنشاء الشيء على ترتيب وتقدير حكمي. و: ﴿الإنسان﴾ اسم الجنس. قال بعض المفسرين ﴿الإنسان﴾ هنا آدم عليه السلام و﴿توسوس﴾ معناه: تتحدث في فكرتها، وسمي صوت الحلي وسواساً لخفائه، والوسوسة إنما تستعمل في غير الخير، وقوله تعالى: ﴿نحن أقرب إليه من حبل الوريد) عبارة عن قدرة الله على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة، والعلم قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب عن علم الله باطن ولا ظاهر، وكل قريب من الأجرام فبينه وبين قلب الإنسان حجب. و: ﴿الوريد﴾ عرق كبير في العنق، يقال: إنهما وريدان عن يمين وشمال. قال الفراء: هو ما بين الحلقوم والعلباوين وقال الحسن: ﴿الوريد﴾ الوتين. قال الأثرم: هو نهر الجسد هو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ: الأكحل والنسا وفي الخنصر: إلا سليم، ((والحبل)): اسم مشترك فخصصه بالإضافة إلى ﴿الوريد﴾، وليس هذا ١٦٠ تفسير سورة ق / الآيات: ١٦ - ٣١ بإضافة الشيء إلى نفسه بل هي كإضافة الجنس إلى نوعه كما تقول: لا يجوز حي الطير بلحمه. وأما قوله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان﴾ فقال المفسرون العامل في: ﴿إذ﴾، ﴿أقرب﴾، ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه فعلاً مضمراً تقديره: اذكر ﴿إذ يتلقى المتلقيان﴾، ويحسن هذا المعنى، لأنه أخبر خبراً مجرداً بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما ثم الإخبار، أخبر بذكر الأحوال التي تصدق هذا الخبر وتبين وروده عند السامع، فمنها ﴿إذ يتلقى المتلقيان﴾، ومنها مجيء سكرة الموت، ومنها النفخ في الصور ومنها مجيء كل نفس، و﴿المتلقيان﴾: الملكان الموكلان بكل إنسان: ملك اليمين الذي يكتب الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات. قال الحسن: الحفظة: أربعة، اثنان بالنهار واثنان بالليل. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد ذلك الحديث، ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) الحديث بكامله. ويروى أن ملك اليمين أمير على ملك الشمال، وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر تثبت لعله يتوب رواه إبراهيم التيمي وسفيان الثوري . و﴿قعيد﴾ معناه: قاعد، وقال قوم هو بمنزلة أكيل، فهو بمعنى مقاعد وقال الكوفيون: أراد قعوداً فجعل الواحد موضع الجنس، والأول أصوب لأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، وقال مجاهد: ﴿قعيد﴾: رصد ومذهب سيبويه أن التقدير عن اليمين قعيد، فاكتفى بذكر الآخر عن ذكر الأول ومثله عنده قول الشاعر [كثير عزة]: [الطويل] وعزة ممطول معنی غريمها ومثله قول الفرزدق: [الكامل] وأبى وكان وكنت غير غدور إني ضمنت لمن أتاني ما جنى . وهذه الأمثلة كثيرة، ومذهب المبرد: أن التقدير عن اليمين ﴿قعيد﴾ وعن الشمال فأخر ﴿قعيد﴾ عن مكانه ومذهب الفراء أن لفظ ﴿قعيد﴾ يدل على الاثنين والجمع فلا يحتاج إلى تقدير غير الظاهر وقوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول﴾ قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: یکتب الملگان الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات، والسيئات، ويمحو غير ذلك، وهذا هو ظاهر الآية، قال أبو الجوزاء ومجاهد: یکتبان علیه كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: المعنى: ﴿ما يلفظ من قول﴾ خير أو شر، وأما ما خرج من هذا فإنه لا يكتب والأول أصوب، وروي أن رجلاً قال لجمله: حل، فقال ملك اليمين لا أكتبها، وقال ملك الشمال لا أكتبها، فأوحى الله إلى ملك الشمال أن اكتب ما ترك ملك اليمين، وروي نحوه عن هشام الحمصي وهذه اللفظة إذا اعتبرت فهي بحسب مشيه ببعيره، فإن كان في طاعة فحُل حسنة، وإن كان في معصية فهي سيئة والمتوسط بين هذين عسير الوجود ولا بد أن يقترن بكل أحوال المرء قرائن تخلصها للخير أو لخلافه. وحكى الثعلبي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ مقعد الملكين على الثنيتين، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق)) وقال الضحاك والحسن: مقعدهما تحت الشعر، وكان الحسن يحب أن ینظف غفقته لذلك قال الحسن: حتى إذا مات طویت صحیفته وقيل له يوم