النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٢٩ - ٣٢
ومقصده، وهذا هو كما يقول لك إنسان معتقده وتفهم أنت من مقاطع كلامه وهيئته وقرائن أمره أنه على
خلاف ما يقول، وهذا معنى قوله: ﴿في لحن القول﴾ ومن هذا المعنى قول النبي عليه السلام: ((فلعل
بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض»، الحديث أي أذهب بها في جهات الكلام، وقد یکون هذا
اللحن متفقاً عليه: أن يقول الإنسان قولاً يفهم السامعون منه معنى، ويفهم الذي اتفق مع المتكلم معنى
آخر، ومنه الحديث الذي قال سعد بن معاذ وابن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عضل والقارة
وفي هذا المعنى قول الشاعر [ مالك بن أسماء]: [الخفيف]
وخير الحدیث ما كان لحنا
أي ما فهمه عنك صاحبك وخفي على غيره، فأخبر الله محمداً رسوله عليه السلام أن أقوالهم
المحرفة التي هي على خلاف عقدهم ستتبين له فيعرفهم بها، واحتج بهذه الآية من جعل في التعريض
بالقذف.
وقوله تعالى: ﴿والله يعلم أعمالكم﴾ مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر.
وقرأ جمهور القراء: ((ولنبلونكم)) بالنون، وكذلك ((نعلم)) وكذلك ((نبلوا))، وقرأ عاصم في رواية أبي
بكر: (وليبلونكم الله))، وكذلك ((يعلم)) ((ويبلو)). وروى رويس عن يعقوب: ((ويبلو)) بالرفع على القطع
والإعلام بأن ابتلاءه دائم. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا، فإنك إن
ابتلیتنا فضحتنا وهتکت أستارنا.
وقوله تعالى: ﴿حتى نعلم المجاهدين﴾ أي حتى يعلمهم مجاهدين قد خرج جهادهم إلى الوجود
وبان تكسبهم الذي به يتعلق ثوابهم، وعلم الله بالمجاهدين قديم أزلي، وإنما المعنى ما ذكرناه.
وقوله تعالى: ﴿وصدوا﴾ يحتمل أن يكون المعنى: ﴿وصدوا﴾ غيرهم، ويحتمل أن يكون غير
متعد، بمعنى: وصدوهم في أنفسهم.
وقوله: ﴿وشاقوا الرسول﴾ معناه: خالفوه، فكانوا في شق وهو في شق. وقوله: ﴿من بعد ما تبين
لهم الهدى﴾ قالت فرقة: نزلت في قوم من بني إسرائيل فعلوا هذه الأفاعيل بعد تبينهم لأمر محمد عليه
السلام من التوراة. وقالت فرقة: نزلت في قوم من المنافقين حدث النفاق في نفوسهم بعد ما كان الإيمان
داخلها. وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين سفرة بدر، و: ((تبين الهدى)) هو وجوده عند الداعي إليه.
وقالت فرقة: بل هي عامة في كل كافر، وألزمهم أنه قد ﴿تبين لهم الهدى) من حيث كان الهدى بيناً في
نفسه، وهذا كما تقول لإنسان يخالفك في احتجاج على معنى التوبيخ له: أنت تخالف في شيء لا خفاء به
عليك، بمعنى أنه هكذا هو في نفسه. وقوله: ﴿لن يضروا الله﴾ تحقير لهم.
وقوله: ﴿وسيحبط أعمالهم﴾ إما على قول من يرى أن أعمالهم الصالحة من صلة رحم ونحوه
تكتب فيجيء هذا الإحباط فيها متمكناً ، وإما على قول من لا يرى ذلك ، فمعنى ﴿وسيحبط أعمالهم﴾
أنها عبارة عن إعدامه أعمالهم وإفسادها، وأنها لا توجد شيئاً منتفعاً به، فذلك إحباط على تشبيه واستعارة.

١٢٢
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٣٣ - ٣٥
قوله عز وجل :
إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واعَنْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَگُمْ
سَبِيلِ اللَّهِثُمَ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَهُمْ (٦) فَلَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّهُ
مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْأَعْمَلَكُمُ
٣٥
روي أن هذه الآية نزلت في بني أسد من العرب، وذلك أنهم أسلموا وقالوا لرسول الله عليه السلام:
نحن قد آثرناك على كل شيء وجئناك بنفوسنا وأهلنا، كأنهم منوا بذلك، فنزل فيهم: ﴿يمنون عليك أن
أسلموا﴾ [الحجرات: ١٧] ونزلت فيهم هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا فالإبطال الذي نهوا عنه ليس بمعنى الإفساد التام، لأن الإفساد
التام لا يكون إلا بالكفر، وإلا فالحسنات لا تبطلها المعاصي، وإن كانت الآية عامة على ظاهرها نهي
الناس عن إبطال أعمالهم بالكفر، والإبطال هو الإفساد التام.
وقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار﴾ روي أنها نزلت بسبب
عدي بن حاتم قال: يا رسول الله إن حاتماً كانت له أفعال بر فما حاله؟ فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم
((هو في النار))، فبكى عدي وولى، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أبي وأبوك وأبو إبراهيم
خليل الرحمن في النار ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته الصفة.
١٠٠
وقوله تعالى: ﴿فلا تهنوا﴾ معناه: فلا تضعفوا، من وهن الرجل إذا ضَغْف. "
وقرأ جمهور الناس: ((وتدعوا)) وقرأ أبو عبد الرحمن: ((وتدّعوا)) بشد الدال. وقرأ جمهور القراء: ((إلى
السلم)) بفتح السين. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: ((إلى السلم)) بكسر السين. وهي قراءة الحسن وأبي
رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وهو بمعنى المسالمة. وقال الحسن بن أبي الحسن وفرقة ممن كسر السين
إنه بمعنى إلى الإسلام، أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط دون مقاتلين بسببه. وقال قتادة معنى
الآية: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى.
.i
٠ ..
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن ملتئم مع قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لهَا﴾
[الأنفال: ٦١].
وقوله: ﴿وأنتم الأعلون﴾ يحتمل موضعين أحدهما: أن يكون في موضع الحال، المعنى: لا تهنوا
وأنتم في هذه الحال. والمعنى الثاني: أن يكون إخباراً بنصره ومعونته. و((يتر))، معناه ينقص ويذهب،
ومنه قوله عليه السلام: ((من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) أي ذهب بجميع ذلك على جهة
التغلب والقهر، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم وجزاء أعمالكم. واللفظة مأخوذة من الوتر الذي هو
الدخل، وذهب قوم إلى أنه مأخوذ من الوتر الذي هو الفرد، المعنى لن يفردكم من ثواب أعمالكم، والأول
أصح، وفسر ابن عباس وأصحابه ﴿يتركم﴾ بيظلمكم.

١٢٣
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٣٦ - ٣٨
قوله عز وجل :
إِن
إِنَّمَا اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْثِّكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْتَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ
يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ جَ هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُرُ
اَلْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ
٣٨
قوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ تحقير لأمر الدنيا، أي فلا تهنوا في الجهاد بسببها،
ووصفها باللعب واللهو هو على أنها وما فيها مما يختص بها لعب، وإلا ففي الدنيا ما ليس بلعب ولا لهو،
وهو الطاعة و أمر الآخرة وما جرى مجراه.
وقوله تعالى: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم﴾ معناه هذا هو المطلوب منكم لا غيره، لا تسألون
أموالكم أن تنفقوها في سبيل الله. وقال سفيان بن عيينة: لا يسألكم كثيراً من أموالكم إحفاء إنما يسألكم
غيضاً من فيض ربع العشر فطيبوا أنفسكم، ثم قال تعالى منبهاً على خلق ابن آدم ﴿إن يسألكموها فيحفكم
تبخلوا﴾ والإحفاء هو أشد السؤال وهو المخجل المخرج ما عند المسؤول كرهاً، ومنه حفاء الرجل.
والتحفي من البحث عن الشيء. وقوله: ﴿تبخلوا﴾ جزم على جواب شرط.
وقرأ جمهور القراء: ((ويخرجْ)) جزماً على ﴿تبخلوا﴾. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((ويخرجُ))
بالرفع على القطع، بمعنى هو يخرج، وحكاها أبو حاتم عن عيسى وقرأت فرقة: ﴿و﴾ بالنصب على معنى :
يكن بخل وإخراج، فلما جاءت العبارة بفعل دل على أن التي مع الفعل بتأويل المصدر الذي هو الإخراج،
والفاعل في قوله: ﴿ويخرج﴾ على كل الاختلافات يحتمل أن يكون الله، ويحتمل أن يكون البخل الذي
تضمنه اللفظ، ويحتمل أن يكون السؤال الذي يتضمنه اللفظ أيضاً. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين
وابن محيصن وأيوب: ((يخرج)) بفتح الياء ((أضغاتُكم)) رفعاً على أنها فاعلة وروي عنهم: ((وتُخرَج)) بضم
التاء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله .
وقرأ يعقوب: ((ونُخرِج)) بضم النون وكسر الراء ((أضغانَكم)) نصباً. والأضغان كما قلنا معتقدات
السوء، وهذا الذي كان يخاف أن يعتري المسلمين هو الذي تقرب به محمد بن مسلمة إلى كعب بن
الأشرف حين قال له: إن هذا الرجل قد أكثر علينا وطلب منا الأموال ثم وقف تعالى عباده المؤمنين على
جهة التوبيخ لبعضهم ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ وكرر هاء التنبيه تأكيداً.
وقوله: ﴿عن نفسه﴾ يحتمل معنيين، أحدهما: فإنما يبخل عن شح نفسه، والآخر أن يكون بمنزلة
على، لأنك تقول: بخلت عليك وبخلت عنك، بمعنى: أمسكت عنك.
وقوله تعالى: ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾ معنى مطرد في قليل الأشياء وكثيرها.

١٢٤
تفسير سورة محمد / الآيات: ٣٦ -٣٨
وقوله تعالى: ﴿يستبدل قوماً غيركم﴾ قيل الخطاب لقريش، والقوم الغير هم أهل المدينة. وقال
عبد الرحمن بن جبير وشريح بن عبيد: الخطاب لمن حضر المدينة. والقوم الغير: فارس. وروى أبو هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا وكان سلمان إلى جنبه فوضع يده على فخذه وقال قوم
هذا، لو كان الدين بالثريا لناله رجال من أهل فارس
وقوله: ﴿أمثالكم﴾ معناه في الخلاف والتولي والبخل بالأموال ونحو هذا، وحكى الثعلبي أن القوم
الغير: هم الملائكة .
نجز تفسير سورة القتال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم تسليماً .
١٨٠٠
٠٠
٠

١٢٥
تفسير سورة الفتح / الآيات: ١ - ٤
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَ الزَّحِيةِ
شُورَةُ الفَتْحُ
هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من الحديبية، وفي ذلك أحاديث
كثيرة عن أنس وابن مسعود وغيرهما تقتضي صحته وهي بهذا في حكم المدني. وقال الزهراوي عن مجاهد
وعن ابن عباس: إنها نزلت بالمدينة، والأول أصح، ويشبه أن منها بعضاً نزل بالمدينة، وأما صدر السورة
ومعظمها فكما قلنا، ويقضي بذلك قول النبي عليه السلام لعمر وهما في تلك السفرة: ((لقد نزلت عليّ
الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها)).
قال القاضي أبو محمد: ذكر مكي هنا أن المعنى بشرط أن تبقى الدنيا ولا تفنى، وفي هذا نظر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في تلك الوجهة ليعتمر بمكة، فصده المشركون، القصة
المشهورة سنة ست من الهجرة.
قوله عز وجل :
إِنَّ فَتَحْنَالَكَ فَتْخَامُبِينًا ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ
]َ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِ قُلُوبٍ الْمُؤْمِنِينَ
٠٣
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٤) وَيَنصُرَكَ اللَّهُنَصْرًا عَزِيزًا
لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا،
قال قوم فيما حكى الزهراوي ﴿فتحنا لك﴾ يريد به فتح مكة، وحكاه الثعلبي أيضاً، ونسبه النقاش
إلى الكلبي. وأخبره تعالى به على معنى: قضينا به. والفتاح: القاضي بلغة اليمن، وقيل المراد: ﴿إنا
فتحنا لك﴾ بأن هديناك إلى الإسلام ليغفر. وقال جمهور الناس: والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن
قوله: ﴿إنا فتحنا لك﴾ إنما معناه: إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله، ونزلت السورة
مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي عليه السلام
فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت ومذهبه: ما كان في قلوبهم، ومنه حديث عمر الشهير وما قاله
للنبي عليه السلام ولأبي بكر واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما
يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى
الجيش، واتفقت بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم، قاله جابر بن عبد الله والبراء بن عازب. وبلغ هديه
محله، قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيراً، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية ولم
یشرکھم فیها أحد.

١٢٦
- تفسير سورة الفتح / الآيات: ١ - ٤
قال القاضي أبو محمد: وفيه نظر، لأن أصحاب السفينة مع جعفر بن أبي طالب شاركوهم في
القسم، فينبغي أن يقال لم يشاركهم أحد من المتخلفين عن الحديبية، واتفقت في ذلك الوقت ملحمة
عظيمة بين الروم وفارس ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وسر بها هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وانخضاد الشوكة العظمى من الكفر.
ثم عظم الله أمر نبيه بأن نبأه أنه غفر له ما تقدم من ذنبه ﴿وما تأخر﴾، فقوله: ﴿ليغفر﴾ هي لام
كي، لكنها تخالفها في المعنى والمراد هنا أن الله فتح لك لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك،
فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه السلام: ((لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا)). وقال
الطبري وابن كيسان المعنى: ﴿إنا فتحنا لك﴾ فسبح بحمد ربك واستغفره ليغفر لك، وبنيا هذه الآية مع
قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] السورة إلى آخرها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف من وجهين أحدهما: أن سورة، ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾
[النصر: ١] إنما نزلت من آخر مدة النبي عليه السلام ناعية له نفسه حسبما قال ابن عباس عندما سأل عمر
عن ذلك. والآخر: أن تخصيص النبي عليه السلام بالتشريف كان يذهب، لأن كل أحد من المؤمنين هو
مخاطب بهذا الذي قال الطبري، أي سبح واستغفر لكي يغفر الله، ولا يتضمن هذا أن الغفران قد وقع، وما
قدمناه أولاً يقتضي وقوع الغفران للنبي عليه السلام، ويدل على ذلك قول الصحابة له حين قام حتى تورمت
قدماه: أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((أفلا أكون عبداً
شكوراً)) فهذا نص في أن الغفران قد وقع. وقال منذر بن سعيد المعنى: مجاهدتك بالله المقترنة بالفتح هي
ليغفر. وحكى الثعلبي عن الحسن بن الفضل أن المعنى: ﴿إنا فتحنا لك﴾ فاستغفر لذنبك وللمؤمنين
والمؤمنات ﴿ليغفر لك﴾ الآية، وهذا نحو قول الطبري.
وقوله: ﴿ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ قال سفيان الثوري: ﴿ما تقدم﴾ يريد قبل النبوءة. ﴿وما
تأخر﴾ كل شيء لم تعلمه وهذا ضعيف، وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب البتة،
وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، وجوز بعضهم
الصغائر التي ليست برذائل، واختلفوا هل وقع ذلك من محمد عليه السلام أو لم يقع، وحكى الثعلبي عن
عطاء الخراساني أنه قال: ﴿ما تقدم﴾ هو ذنب آدم وحواء، أي ببركتك ﴿وما تأخر﴾ هي ذنوب أمتك
بدعائك. قال الثعلبي: الإمامية لا تجوز الصغائر على النبي ولا على الإمام، والأية ترد عليهم. وقال
بعضهم: ﴿وما تقدم﴾ هو قوله يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد)). ﴿وما تأخر﴾ هو قوله يوم
حنين: ((لن نغلب اليوم من قلة)).
قال القاضي أبو محمد: وإتمام النعمة عليه، هو إظهاره وتغلبه على عدوه والرضوان في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿ويهديك صراطاً مستقيماً﴾ معناه: إلى صراط، فحذف الجار فتعدي الفعل، وقد
يتعدى هذا بغير حرف جر، والنصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه، والنصر غير العزيز: هو
الذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط. وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين: وهي فعلية من السكون هو

١٢٧
تفسير سورة الفتح / الآيات: ٥ - ٧
تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله على لسان رسوله حق فازدادوا بذلك
إيماناً إلى إيمانهم الأول وكثر تصديقهم. قال ابن عباس: لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئاً شيئاً.
فكانوا يزيدون إيماناً حتى قال لهم: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فمنحهم أكمل إيمان أهل
السماوات والأرض لا إله إلا الله. وفسر ابن عباس ﴿السكينة﴾ بالرحمة .
وقوله: ﴿ولله جنود السماوات والأرض﴾ إشارة إلى تسكين النفوس أيضاً وأن تكون مسلمة، لأنه
ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء مما لا يدبره البشر، ومن جنده: ﴿السكينة﴾ التي أنزلها في قلوب
أصحاب محمد فثبت بصائرهم.
وقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصفة لا معينة وقتاً ماضياً.
والعلم والإحكام: صفتان مقتضيتان عزة النصر لمن أراد الموصوف بهما نصره.
قوله عز وجل :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَكَانَ
وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ
ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيمًا (@)
الظَّائِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْجَهَنَّهٌ
وَسَأَمَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
قوله تعالى: ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤] معناه: فازدادوا وتلقوا ذلك. فتمكن بعد ذلك
قوله: ﴿ليدخل المؤمنين﴾ أي بتكسبهم القبول لما أنزل الله عليهم. ويروى في معنى هذه الآية أنه لما
نزلت: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩] تكلم فيها أهل الكتاب وقالوا: كيف نتبع من لا
يدري ما يفعل به وبالناس معه؟ فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك
وما تأخر﴾ [الفتح: ٢] فلما سمعها المؤمنون، قالوا: هنيئاً مريئاً، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت
هذه الآية: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيراً﴾
فعرفه الله تعالى ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين. وذكر النقاش أن رجلاً من عك قال: هذه لك يا رسول
الله، فما لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هي لي ولأمتي كهاتين))، وجمع بين أصبعيه .
وقوله: ﴿ويكفر عنهم سيئاتهم﴾ فيه ترتيب الجمل في السرد لا ترتيب وقوع معانيها، لأن تكفير
السيئات قبل إدخالهم الجنة .
وقوله: ﴿الظانين بالله ظن السوء﴾ قيل معناه من قولهم: ﴿لن ينقلب الرسول﴾ [الفتح: ١٢]،
فكأنهم ظنوا بالله ظن السوء في جهة الرسول . المؤمنين، وقيل: ظنوا بالله ظن سوء، إذ هم يعتقدونه بغير
صفاته، فهي ظنون سوء من حيث هي كاذبة مؤدية إلى عذابهم في نار جهنم.
وقوله تعالى: ﴿عليهم دائرة السوء﴾ كأنه يقوي التأويل الآخر، أي أصابهم ما أرادوه بكم، وقرأ

١٢٨
تفسير سورة الفتح /: الآيات: ٨ - ١٠
جمهور القراء: ((دائرة السوء)) كالأول، ورجحها الفراء، وقال: قل ما تضم العرب السين. قال أبو علي:
هما متقاربان، والفتح أشد مطابقة في اللفظ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو؛ ((ظن السوء)) بفتح السين.
و: ((دائرة السُوء)) بضم السين، وهو اسم، أي «دائرة السُوء)) الذي أرادوه بكم في ظنهم السوء. وقرأ
الحسن: بضم السين في الموضعين، وروى ذلك عن أبي عمرو ومجاهد، وسمى المصيبة التي دعا بها
عليهم: ﴿دائرة﴾، من حيث يقال في الزمان إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب
على ترتيب، وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» فيقال الأقدار والحوادث التي هي في طي الزمان
دائرة، لأنها تدور بدوران الزمان، کأنك تقول: إن أمراً کذا یکون في یوم کذا من سنة کذا، فمن حیث یدور
ذلك اليوم حتى يبرز إلى الوجود تدور هي أيضاً فيه، وقد قالوا: أربعاء لا تدور، ومن هذا قول الشاعر:
[الرجز]
ودائرات الدهر قد تدور
ومنه قول الآخر: [الطويل]
ویعلم أن النائبات تدور
وهذا كثير ويحسن أن تسمى المصيبة دائرة من حيث كمالها أن تخيط بصاحبها كما يحيط شكل
الدائرة على السواء من النقطة، وقد أشار النقاش إلى هذا المعنى ﴿وغضب الله﴾ تعالى متى قصد به الإرادة
فهو صفة ذات، ومتى قصد به ما يظهر من الأفعال على المغضوب عليه فهي صفة فعل. ﴿ولعنهم﴾ معناه:
أبعدهم من رحمته، وقال تعالى في هذه ﴿وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ فذكر صفة العزة من حيث تقدم الانتقام
من الكفار، وفي التي قبل قرن بالحكمة والعلم من حيث وعده بمغيبات، وقرن باللفظتين ذكر جنود الله
تعالى التي منها السكينة ومنها نقمة من المنافقين والمشركين، فلكل لفظ وجه من المعنى، وقال ابن
المبارك في كتاب النقاش: جنود الله في السماء، الملائكة، وفي الأرض الغزاة في سبيل الله. قال
عبد الحق: وهذا بعض من كل.
قوله عز وجل :
جْ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِیرًا
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ للَّهِ فَوْقَ أَيْدِ يهِمْ
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَايَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَاعَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًاعَظِيمًا
من جعل الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: ﴿شاهداً﴾ حال واقعة. ومن جعل
الشاهد مؤدي الشهادة، فهي حال مستقبلة. وهي التي يسميها النحاة المقدرة، المعنى: ﴿شاهداً﴾ على
الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلغت إليهم الشرع ﴿ومبشراً﴾ معناه: أهل الطاعة برحمة الله ﴿ونذيراً﴾
معناه: أهل الكفر تنذرهم من عذاب الله .

١٢٩
تفسير سورة الفتح / الآيات: ٨ - ١٠
وقرأ جمهور الناس في كل الأمصار: ((لتؤمنوا بالله)) على مخاطبة الناس، على معنى قل لهم، وكذلك
الأفعال الثلاثة بعد، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير وأبو جعفر: ((ليؤمنوا)) بالياء على استمرار خطاب
محمد عليه السلام، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد. وقرأ الجحدري: ((وتَعْزُروه)) بفتح التاء وسكون العين
وضم الزاي. وقرأ محمد بن السميفع اليماني وابن عباس: ((وتعززوه)) بزاءين، من العزة. وقرأ جعفر بن
محمد: ((وتَعْزِروه)) بفتح التاء وسكون العين وكسر الزاي ومعنى: ﴿تعزروه﴾ تعظموه وتكبروه، قاله ابن
عباس: وقال قتادة معناه: تنصروه بالقتال وقال بعض المتأولين: الضمائر في قوله: ﴿وتعزروه وتوقروه
وتسبحوه﴾ هي كلها لله تعالى. وقال الجمهور: ﴿تعزروه وتوقروه﴾ هما للنبي عليه السلام، ﴿وتسبحوه﴾
هي لله، وهي صلاة البردين.
وقرأ عمر بن الخطاب: ((وتسبحوا الله))، وفي بعض ما حكى أبو حاتم: ((وتسبحون الله))، بالنون،
وقرأ ابن عباس: ((ولتسبحوا الله)). والبكرة: الغدو. والأصيل: العشي.
وقوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك﴾ يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة حين أخذ رسول الله
صلى الله عليه وسلم الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل عثمان بن عفان رسوله إليهم، وذلك قبل أن ينصرف
من الحديبية، وكان في ألف وأربعمائة رجل. قال النقاش: وقيل كان في ألف وثمانمائة، وقيل وسبعمائة،
وقيل وستمائة، وقيل ومائتين.
قال القاضي أبو محمد: وبايعهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو
إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت،
وقال عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر.
والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم
الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي
اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى: ﴿إنما يبايعون الله﴾ أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله
تعالی .
وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب: ﴿إنما يبايعون الله﴾. قال أبو الفتح: ذلك على حذف
المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه .
وقوله تعالى: ﴿يد الله﴾ قال جمهور المتأولين: اليد، بمعنى: النعمة، أي نعمة الله في نفس هذه
المبايعة لما يستقبل من محاسنها. ﴿فوق أيديهم) التي مدوها لبيعتك. وقال آخرون: ﴿يد الله﴾ هنا،
بمعنى: قوة الله فوق قواهم، أي في نصرك ونصرهم، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر
بها، وعلى التأويل الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش ﴿يد الله﴾ في الثواب.
وقوله: ﴿فمن نكث﴾ أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، فنكثه عليه لا
له.
وقرأ جمهور القراء: ((بما عاهد عليه الله)) بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن أبي إسحاق: ((ومن أوفى

١٣٠
تفسير سورة الفتح / الإيمان: ١٢٠١١
بما عاهد عليه اللـهُ)) بالرفع، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم: ((عليهُ)) مضمومة الهاء،
وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم: الجنة، لا يفنى نعيمها ولا ينقضي أمرهان»!ـامة.
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي والعامة: ((فسيؤتيه)) بالياء. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عاصر؟"
((فسنؤتيه)) بالنون. وفي مصحف ابن مسعود: ((فسيؤتيه الله)).
وقوله عز وجل :
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَخَلَتْنَا أَمْوَ لُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ
ج
مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْأَرَادَ بِكُمْنَفْعَّا بَلْ كَانَ اللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٦) بَلْ ظَنُنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًّا وَزُيْنَ ذَلِكَ
فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ اُلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا
١٢
﴿المخلفون من الأعراب﴾ قال مجاهد وغيره؛ هم جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من القبائل،
فإنهم في خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرته عام الحديبية رأوا أنه يستقبل عدواً عظيماً من
قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تمكن إيمان أولئك الأعراب.
المجاورين للمدينة فقعدوا عن النبي عليه السلام وتخلفوا، وقالوا لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه
السفرة، ففضحهم الله في هذه الآية، وأعلم محمد بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، فكان كذلك،
قالوا: شغلتنا الأموال والأهلون فاستغفر لنا، وهذا منهم خبث وإبطال، فلذلك قال تعالى: ﴿يقولون
بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ قال الرماني: لا يقال أعرابي إلا لأهل البوادي خاصة، ثم قال لنبيه عليه السلام
﴿قل﴾ لهم: ﴿فمن يملك لكم من الله شيئاً﴾ أي من يحمي منه أموالكم وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءاً.
وقرأ جمهور القراء: ((إن أراد بكم ضَرآ)) بفتح الضاد. وقرأ حمزة والكسائي: ((ضُراً)) بالضم،
ورجحها أبو علي وهما لغتان. وفي مصحف ابن مسعود. ((إن أراد بكم سوءاً)). ثم رد عليهم بقوله: ﴿بل
كان الله بما تعملون خبيراً﴾، ثم فسر لهم العلة التي تخلفوا من أجلها بقوله: ﴿بل ظننتم) الآية، وفي
قراءة عبد الله: ((إلى أهلهم)) بغير ياء. و: ﴿بوراً﴾ معناه: فاسدين هلكى بسبب فسادهم. والبوار:
الهلاك. وبارت السلعة، مأخوذ من هذا. وبور: يوصف به الجمع والإفراد، ومنه قول ابن الزبعرى:
[الخفيف]
: يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذا أنا بور
والبور في لغة أزد عمان: الفاسد، ومنه قول أبي الدرداء: فأصبح ما جمعوا بوراً، أي فاسداً ذاهباً،
ومنه قول حسان بن ثابت :
لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد يهدي الإله سبيل المعشر البور
وقال الطبري في قوله تعالى: ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ يعني به قولهم: ﴿فاستغفر

١٣١
تفسير سورة الفتح / الآيات: ١٣ - ١٥
لنا﴾ لأنهم قالوا ذلك مصانعة من غير توبة ولا ندم، قال وقوله تعالى: ﴿قل فمن يملك﴾ الآية، معناه:
وما ينفعكم استغفاري، وهل أملك لكم شيئاً والله قد أراد ضركم بسبب معصيتكم كما لا أملك إن أراد بكم
النفع في أموالكم وأهليكم.
قوله عز وجل :
وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا (٢) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا
لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
١٤
اُنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُ وهَا ذَرُونَا نَتَّبِعِكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ قُل لَّنْ تَشَّعُونَاً
كَذَلِكُمْ قَالَ اَللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَّ تَحْسُدُ ونَنَّابَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا
١٥
لما قال لهم: ﴿وكنتم قوماً بوراً﴾ [الفتح: ١٢] توعدهم بعد ذلك بقوله: ﴿ومن لم يؤمن بالله
1
ورسوله﴾ الآية، وأنتم هكذا فأنتم ممن أعدت لهم السعير، وهي النار المؤججة. والمسعر: ما يحرك به
1
النار، ومنه قوله عليه السلام: ((ويل من مسعر حرب)). ثم رجى بقوله تعالى: ﴿ولله ملك السماوات
والأرض﴾، الآية: لأن القوم لم يكونوا مجاهرين بالكفر، فلذلك جاء وعيدهم وتوبيخهم ممزوجاً فيه بعض
الإمهال والترجية، لأن الله تعالى قد كان علم منهم أنهم سيؤمنون، ثم إن الله تعالى أمر نبيه على ما روي
بغزو خيبر ووعده بفتحها، وأعلمه أن المخلفين إذا رأوا مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود وهم
عدو مستضعف، طلبوا الكون معه رغبة في عرض الدنيا والغنيمة فكان كذلك.
وقوله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ معناه: يريدون أن يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة
خيبر. وقال عبد الله بن زيد بن أسلم ﴿كلام الله﴾ قوله تعالى: ﴿قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي
عدواً﴾ [التوبة: ٨٣] وهذا قول ضعيف، لأن هذه الآية نزلت في رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من
تبوك، وهذا في آخر عمره، وآية هذه السورة نزلت سنة الحديبية، وأيضاً فقد غزت جهينة ومزينة بعد هذه
المدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فضلهم رسول الله بعد ذلك على تميم وغطفان وغيرهم من
العرب، الحديث المشهور فأمره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خيبر: ﴿لن تتبعونا﴾ وخص الله
بها أهل الحديبية .
وقوله تعالى: ﴿كذلكم قال الله من قبل﴾ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وقول الأعراب: ﴿بل
تحسدوننا﴾ معناه: بل يعز عليكم أن نصيب مغنماً ومالاً، فرد الله على هذه المقالة بقوله: ﴿بل كانوا لا
يفقهون إلا قليلاً﴾ أي لا يفقهون من الأمور مواضع الرشد، وذلك هو الذي خلفهم عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى كان ذلك سبباً إلى منعهم من غزوة خيبر.
وقرأ أبو حيوة: ((تحسِدوننا)) بكسر السين. وقرأ الجمهور من القراء: ((كلام)) قال أبو علي: هو أخص
بما كان مفيداً حديثاً. وقرأ الكسائي وحمزة وابن مسعود وطلحة وابن وثاب: ((كلم)) والمعنى فيهما
متقارب .
=

١٣٢
تفسير سورة الفتح / الآية: ١٦
قوله عز وجل :.
:
قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُّدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍأَوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَدِلُونَهُمْ أَوْيُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ
يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرَا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كُمَا تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّ بَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾
أمر الله نبيه عليه السلام بالتقدمة إلى هؤلاء المخلفين بأنهم سيؤمرون بقتال عدو بئيس، وهذا يدل
على أنهم كانوا يظهرون الإسلام، وإلا فلم يكونوا أهلًا لهذا الأمر، واختلف الناس من القوم المشار إليهم
في قوله: ﴿إلى قوم أولي بأس شديد﴾ فقال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حاوب رسول الله
صلى الله عليه وسلم في حنين.
قال القاضي أبو محمد: ويندرج في هذا القول عندي من حورب وغلب في فتح مكة ..
وقال كعب: هم الروم الذين خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك والذين بعث إليهم
في غزوة مؤتة. وقال الزهري والكلبي: هم أهل الردة وبنو حنيفة باليمامة.
وقال منذر بن سعيد: يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن
الخطاب رضي الله عنهما، يريد لما كشف الغيب أنهما دعوا إلى قتال أهل الردة. وحكى الثعلبي عن.
رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال.
بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا. وقال ابن عباس وابن أبي ليلى: هم الفرس. وقال الحسن: هم فارسٍ
والروم. وقال أبو هريرة: هم قوم لم يأتوا بعد، والقولان الأولان حسنان، لأنهما الذي كشف الغيب
وباقيهما ضعيف. وقال منذر بن سعيد: رفع الله في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا
يوجد إلا في أهل الردة.
قال القاضي أبو محمد: وهو من حورب في فتح مكة.
وقرأ الجمهور من القراء: ((أو يسلمون)) على القطع، أي أو هم يسلمون دون حرب. وقرأ أبيّ بن
كعب فيما حكى الكسائي: ((أو يسلموا)) بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر
قول امرىء القيس: [الطويل]
فقلت له لا تبك عيناك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
يروى: ((نموتَ)) بالنصب. و ((نموتُ)) بالرفع، فالنصب على تقدير: أو يكون أن نموت، والرفع على
القطع، أو نحن نموت.
وقوله: ﴿فإن تطيعوا﴾ معناه: فیما تدعون إليه، والعذاب الذي توعدهم: يحتمل أن یزید به عذاب
الدنيا، وأما عذاب الآخرة فبين فيه .
وقوله عز وجل :
◌َّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَبٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولُ يُِّلْهُ جَّتٍ

١٣٣
تفسير سورة الفتح / الآيات: ١٧ - ١٩
◌َ لَّقَدْرَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَن يَتَوَّلَّ يُعَذِّبَهُ عَذَلِبًا أَلِيمًا
يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
١٩
لما بالغ عز وجل في عتب هؤلاء المتخلفين من القبائل المجاورة للمدينة لجهينة ومزينة وغفار وأسلم
وأشجع، عقب ذلك بأن عذر أهل الأعذار من العرج والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق
والمأثم، وهذا حكم هؤلاء المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة، إلا أن يحزب حازب في حضرة ما،
فالفرض متوجه بحسب الوسع، ومع ارتفاع الحرج فجائز لهم الغزو وأجرهم فيه مضاعف، لأن الأعرج
أحرى الناس بالصبر وأن لا يفر، وقد غزا ابن أم مكتوم، وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية، وقد
خرج النسائي هذا المعنى وذكر ابن أم مكتوم رحمه الله .
وقرأ الجمهور من القراء: ((يدخله)) بالياء. وقرأ ابن عامر ونافع وأبو جعفر والأعرج والحسن وشيبة
وقتادة: ((ندخله)) بالنون، وكذلك ((نعذبه)) و: ((يعذبه)).
وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ تشريف وإعلام برضاه عنهم
حين البيعة، وبهذا سميت بيعة الرضوان. والرضى بمعنى الإرادة، فهو صفة ذات. ومن جعل ﴿إِذ﴾ مسببة
بمعنى لأنهم بايعوا تحت الشجرة، جاز أن يجعل ﴿رضي﴾ بمعنى إظهار النعم عليهم بسبب بيعتهم،
فالرضى على هذا صفة فعل، وقد تقدم القول في المبايعة ومعناها .
وكان سبب هذه المبايعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يبعث إلى مكة رجلاً يبين على
قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد حرباً، وإنما جاء معتمراً، فبعث إليهم خراش بن أمية
الخزاعي وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما كلمهم، عقروا الجمل، وأرادوا قتل خراش، فمنعه
الأحابيش، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد بعث عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول
الله أنا قد علمت فظاظتي على قريش وهم يبغضونني، وليس هناك من بني عدي بن كعب من يحميني،
ولكن ابعث عثمان بن عفان، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب فلقيه أبان بن سعيد بن
العاصي، فنزل عن دابته فحمله عليها وأجاره، حتى إذا جاء قريشاً فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت يا
عثمان أن تطوف بالبيت فطف، وأما دخولكم علينا فلا سبيل إليه، فقال عثمان: ما كنت لأطوف به حتى
يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن بني سعيد بن العاصي حبسوا عثمان على جهة المبرة،
فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الحديبية من مكة على عشرة أميال، فصرخ صارخ من
عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقالوا: لا نبرح
إن كان هذا حتى نلقى القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، ونادى منادیه: أيها الناس،
البيعة البيعة، نزل روح القدس، فما تخلف عن البيعة أحد ممن شهد الحديبية إلا الجد بن قيس المنافق،
i
i

١٣٤
تفسير سورة القضح / الآيات: ٢٠ ٢٤٤
وحينئذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده وقال: هذه يد لعثمان، وهي خير من يد عثمان ثم
جاء عثمان بعد ذلك سالماً .
و﴿الشجرة﴾ سمرة كانت هنالك، ذهبت بعد سنين، فمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته
فاختلف أصحابه في موضعها، فقال عمر سيروا هذا التكلف.
وقوله تعالى: ﴿فعلم ما في قلوبهم﴾ قال قوم معناه: من كراهة البيعة على الموت ونحوه وهذا
ضعيف، فيه مذمة للصحابة. وقال الطبري ومنذر بن سعيد معناه: من الإيمان وصحته والحب في الدين.
والحرص عليه، وهذا قول حسن، لكنه من كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه، أما أنه يحتمل
أن يجازى بـ ﴿السكينة﴾ والفتح القريب والمغانم.
وقال آخرون معناه: من الهم بالانصراف عن المشركين والأنفة في ذلك على نحو ما خاطب فيه عمر
وغيره، وهذا تأويل حسن يترتب معه نزول ﴿السكينة﴾ والتعريض بالفتح القريب. و﴿السكينة﴾ هنا تقرير
قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى والصبر له.
وقرأ الناس: ((وأثابهم)) قال هارون وقد قرئت: ((وأتابهم)) بالتاء بنقطتين والفتح القريب: خيبر، وذلك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف بالمؤمنين إلى المدينة وقد وعده الله بخيبر وخرج إليها لم يلبث،
قال أبو جعفر النحاس، وقد قيل: الفتح القريب: فتح مكة، والمغانم الكثيرة. فتح لخيبر.
وقرأ يعقوب في رواية رويس: ((تأخذونه)) على مخاطبتهم بالتاء من فوق. وقرأ الجمهور:
((يأخذونها)) على الغيبة .
واختلف في عدة المبايعين فقيل: ألف وخمسمائة، قاله قتادة، وقيل: وأربعمائة قاله جابر بن
عبد الله، وقيل: وخمسمائة وخمسة وعشرون، قاله ابن عباس، وقيل: وثلاثمائة قاله ابن أبي أوفى، وقيل
غير هذا مما ذكرناه من قبل، وأول من بايع في ذلك رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب قاله
الشعبي .
قوله عز وجل :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَّةً
لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (®)وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُ واْ عَلَيْهَا قَدْأَ حَاطَ اللَّهُ بِهَاً وَكَانَ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا (٨) وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَّ كَفَرُواْ لَوَلَّوْ اْلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ
٢٣
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْخَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَلِسُنَّةِاللهِتَبْدِيلًا
عَنكُمْ وَأَيْدِ يَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا!
٢٤
قوله تعالى: ﴿وعدكم الله﴾ الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون
ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره.

------ --
١٣٥
تفسير سورة الفتح / الآيات: ٢٠ - ٢٤
وقوله: ﴿فعجل لكم هذه﴾ يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم الكثيرة: خيبر،
و: ﴿هذه﴾ إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن عباس: وقوله ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾
يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء
العرب ومن اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين وأموالهم، وهذه
للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال: كف الله غطفان
ومن معها عن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضاً عن
بعضهم إنه أراد کف قریش.
وقوله: ﴿وأخرى لم تقدروا عليها﴾ قال عبد الله بن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم. وقال
الضحاك: الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه
المعنی ويتأید.
وقوله: ﴿قد أحاط الله بها﴾ معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم
لم يقدروا عليها.
" وقوله: ﴿وله قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار﴾ إشارة إلى قريش ومن والاها في تلك السنة، قاله
قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض المفسرين: أراد الروم وفارس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأخضر.
وقوله: ﴿سنة الله﴾ إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء قديماً، ونصب
﴿سنة﴾ على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به.
وقوله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم) الآية، روي في سببها أن قريشاً جمعت جماعة من فتيانها
وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف
الناس في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً، فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم في أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا أمامهم حتى
أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن عليهم وأطلقهم،
فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها
وذلك هو ((بطن مكة)). وقال قتادة: أسر النبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الجملة بالحديبية عند عسكره
ومن عليهم، وذلك هو ((بطن مكة)). قال النقاش: الحرام كله ﴿مكة﴾، والظفر عليهم هو أسر من أسر
منهم، وباقي الآية تحريض على العمل الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه.
وقرأ الجمهور من القراء: ((بما تعملون)) بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده: ((بما يعملون))
بالياء على ذكر الكفار وتهددهم.
-

١٣٦
تفسير سورة الفتح / الآيتان: ٢٥، ٢٦
قوله عز وجل :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَذْىَ مَعْكُونًا أَنْ يَبْلُغَ مِلَّةٌ وَلَوْلَا رِجَالٌ
مُؤْمِنُونَ وَنِسٌَ مُؤْ مِنَتُ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَعُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم ◌َّعَرَّةٌ بِغَيْرٍ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِى
رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْتَزَ يَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿ إِذْجَعَلَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُوْلَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا وَ كَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
يريد بقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا﴾ أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله ﴿وصدوكم عن المسجد
الحرام﴾ هو منعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت،
وخرج معه بمائة بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فلما دنا من
مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه
حتى نموت دون ذلك، فاجتمعوا لحربه، واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول
الله صلی الله عليه وسلم المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله صلی الله عليه وسلم حتى نزل على بئر
الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش، ثم إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه رجالاً منهم: عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف
رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك أياماً حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه وهو مستوعب في كتب
١٢٠
السير، فلذلك اختصرناه .
وقرأ الجمهور: ((والهذي)) بسكون الدال .. وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن: (والهدِيّ)) بكسر
الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله: ﴿وصدوكم﴾ أي وصدوا الهدي.
و: ﴿معكوفاً﴾ حال، ومعناه: محبوساً، تقول: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وقد قال أبو علي:
إن عكف لا يعرفه متعدياً، وحكى ابن سيده وغيره: تعديه، وهذا العكف الذي وقع للهدي كان من قبل
المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم فحبسونا هديهم. و﴿أن﴾ في قوله:
﴿أن يبلغ﴾ يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال: وصدوا الهدي كراهة أن أو عن أن، ويحتمل أن يعمل
فيها العكف فتكون مفعولاً من أجله، أي الهدي المحبوس لأجل ﴿أن يبلغ محله﴾، و ﴿محله﴾ مكة.
وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهو أنه
كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين.
قال قتادة: فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع بالمؤمنين عن الكفار.

١٣٧
تفسير سورة الفتح / الآيتان: ٢٦،٢٥
وقوله تعالى: ﴿لم تعلموهم﴾ صفة للمذكورين. وقوله: ﴿أن تطؤوهم) يحتمل أن تكون ﴿أن﴾
بدلاً من ﴿رجال﴾، كأنه قال: ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم قوماً مؤمنين، فهو على هذا
في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلاً من الضمير في قوله: ﴿لم تعلموهم﴾ كأنه قال:
لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره على وجه التشبيه، ومنه قول
الشاعر [زهير]: [الكامل]
وطء المقيد ثابت الهرم
ووطئتنا وطئاً على حنق
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر)»، ومنه قول النبي صلى الله
عليه وسلم ((إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف)) لأنها كانت آخر وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيها ذكر
هذا المعنى النقاش: و((المعرة)) السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب
اللازم. واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد: هي المأثم وقال ابن إسحاق: هي الدية.
قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان من أهل
الحرب .
وقال الطبري حكاه الثعلبي: هي الكفارة. وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل
دينهم. وقال بعض المفسرين: هي الملام والقول في ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن.
قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال حسان. وجواب ﴿لولا﴾ محذوف تقديره: لمكناكم من دخول
مکة وأیدناكم علیھم .
وقرأ الأعمش: ((فتنالكم منه معرة)).
واللام في قوله: ﴿ليدخل﴾ يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة،
لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة ﴿ليدخل الله﴾: أي ليبين للناظر أن الله
تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان
المتقدم الذكر، فكأنه قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، وهذا مذكور، لكنه
ضعيف، لأن قوله: ﴿من يشاء﴾ يضعف هذا التأويل.
ثم قال تعالى: ﴿لو تزيلوا﴾ أي لو ذهبوا عن مكة، تقول: أزلت زيداً عن موضعه إزالة، أي أذهبته،
وليس هذا الفعل من زال یزول، وقد قيل هو منه.
وقرأ أبو حيوة وقتادة: بألف بعد الزاي، أي ((لو تزایلوا))، أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن
هؤلاء.
وقوله: ﴿منهم﴾ لبيان الجنس إذا كان الضمير في ﴿تزيلوا﴾ للجميع من المؤمنين والكافرين وقال
النحاس: وقد قيل إن قوله: ﴿ولولا رجال مؤمنون) الآية. يريد من في أصلاب الكافرين من سيؤمن في
غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
۔

١٣٨
تفسير سورة الفتح / الآيتان: ٢٥ ،٢٦
مرفوعاً. والعامل في قوله: ﴿إذا جعل) قوله: ﴿لعذبنا﴾ ويحتمل أن يكون المعنى: أذكر إذا جعلنا.
و: ﴿الحمية﴾ التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري: وخمية سهيل ومن شاهد عقد
الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن
يثبت: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ولجوا حتى قال صلى الله عليه وسلم لعلي: امح واكتب:
هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث وجعلها تعالى ((حمية جاهلية))، لأنها كانت بغير حجة وفي
غير موضعها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاءهم محارباً لعذرهم في حمِيتهم، وإنما جاء
معظماً للبيت لا يريد حرباً، فكانت حميتهم جاهلية صرفاً. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره.
و: ﴿كلمة التقوى﴾ قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب:
هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر.
قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي النار، فهي ﴿كلمة
التقوى﴾ .
وقال الزهري عن المسور ومروان: ﴿كلمة التقوى﴾ المشار إليها هي بسم الله الرحمن الرحيم وهي
التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم ﴿أحق بها﴾
قال القاضي أبو محمد: ولا إله إلا الله أحق باسم: ﴿كلمة التقوى﴾. من: بسم الله الرحمن
الرحیم.
وفي مصحف ابن مسعود: ((وكانوا أهلها وأحق بها)). والمعنى: كانوا أهلها على الإطلاق في علم
الله وسابق قضائه لهم، وقيل ﴿أحق بها﴾ من اليهود والنصارى في الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب.
وقوله تعالى: ﴿وكان الله بكل شيء عليماً﴾ إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش
بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقدٍ، أمن الناس في تلك المدة
الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد
الإسلام أضعاف ما كان قبل ذلك.
قال القاضي أبو محمد: ويقتضي ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عام الحديبية في
أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس صلى الله عليه وسلم.
قوله عز وجل:
لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءُ يَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَآءَ اللَّهُ مَّامِنِينَ تُحَلِّقِينَ

١٣٩
تفسير سورة الفتح / الآيات: ٢٧ - ٢٩
٢٧
رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْفَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحَاقَرِيبًا
هُوَالَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِآلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
٢٨
تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ وَأَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُ حَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَنُهُمْ زَكَعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِنِيلِ كَزَرْعٍ
أَخْرَجَ سَطَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اْلَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًاعَظِيمًا
روي في تفسير هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة
أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون. وقال مجاهد: أرى ذلك بالحديبية،
فأخبر الناس بهذه ﴿الرؤيا)، ووثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله
تعالى أن ذلك يكون. لكن ليس في تلك الجهة. وروي أن رؤياه إنما كانت أن ملكاً جاءه فقال له:
﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾، وإنه بهذا أعلم الناس فلما
قضى الله في الحديبية بأمر الصلح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصد، وقال المنافقون: وأين
الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لقد صدق الله ورسوله الرؤيا
بالحق﴾. و: ﴿صدق﴾ هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول صدقت زيداً الحديث: واللام في: ﴿لتدخلن﴾
لام القسم الذي تقتضيه ﴿صدق﴾ لأنها من قبيل تبين وتحقق، ونحوها مما يعطي القسم.
واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو استثناء من الملك المخبر
للنبي عليه السلام في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده
بأدبه في استعماله في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا
يكون، وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن
يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الانسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى
الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون: استثنى
لأجل قوله: ﴿آمنين﴾ لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين الاستثناء من
أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان
فهو استثناء من واجب. وقال قوم: ﴿إن﴾ بمعنى إذ فكأنه قال: إذا شاء الله.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن في معناه، ولكن كون ﴿إن﴾ بمعنى إذ غير موجود في لسان
العرب، وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ذكرها، لأنها لا طائل فيها.
وقرأ ابن مسعود: ((إن شاء الله لا تخافون)) بدل ﴿آمنين﴾.
ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من الزمن، واطمأنت قلوبهم

١٤٠
تفسير سورة الفتح / الآيات: ٢٧ -٢٩
بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ذي القعدة
سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ﴿فعلم ما لم تعلموا﴾ يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما
کان أيضاً بمكة من المؤمنین دفع الله بهم. وقوله تعالى: ﴿من دون ذلك﴾،أي من قبل ذلك وفیما يدنو
إلیکم .
واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة: هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد
وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه
وسلم: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم. وقال ابن زيد: الفتح القريب: خيبر حسبما تقدم من ذكر
انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتحها. وقال قوم: الفتح القريبه: فتح مكة، وهذا ضعيف،
لأن فتح مكة لم یکن من دون دخول رسول الله صلی الله علیه وسلم وأصحابه مكة، بل کان بعد ذلك بعام،
لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي صلى
الله عليه وسلم فيه ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولاً خطأ
جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة .
وقوله عز وجل: ﴿هو الذي أرسل رسوله) الآية تعظيم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلام
بأنه يظهره على جميع الأديان. ورأى بعض الناس لفظة: ﴿ليظهره﴾ تقتضي محو غيره به، فلذلك قالوا: إن
هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، فإنه لا يبقى في وقته غير دين الإسلام وهو
قول الطبري والثعلبي. ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر أجزاء، وهذا موجود الآن
في دين الإسلام، فإنه قد عم أكثر الأرض وظهر على كل دين.
وقوله تعالى: ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ معناه: شاهداً، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما شاهداً عندكم
بهذا الخبر ومعلماً به. والثاني: شاهداً على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد الرادين في صدره ومعاقباً
لهم بحكم الشهادة، والآية على هذا وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب محمد رسول الله، فرد عليهم
بهذه الآية كلها .
وقوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر استوفي فيه تعظيم منزلة النبي
صلى الله عليه وسلم. وقوله: و﴿الذين معه﴾ ابتداء وخبره: ﴿أشداء﴾ و﴿رحماء﴾ خبر ثان. وقال قوم
من المتأولين: ﴿محمد﴾ ((ابتداء)) و: ﴿رسول الله﴾ صفة له ﴿والذين﴾ عطف عليه. و: ﴿أشداء﴾ خبر
عن الجميع. و: ﴿رحماء﴾ خبر بعد خبر، ففي القول الأول اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه
وهؤلاء بوصفهم، وفي القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة ..
قال القاضي أبو محمد: والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا نكتب محمد رسول
الله .
وقوله: ﴿والذين معه﴾ إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن