النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٢٠ - ٢٢
الشهوات واستعمال الطيبات، ومن ذلك قول عمر رضى الله عنه: أتظنون أنا لا نعرف طيب الطعام، ذلك
لباب البر بصغار المعزى، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ذكر
هذا في كلامه مع الربيع بن زياد. وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم إليه طعام
طيب، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم
الجنة، فبكى عمر وقال: لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بوناً بعيداً. وقال جابر بن
عبد الله: اشتريت لحماً بدرهم فرآني عمر، فقال: أو كلما اشتهى أحدكم شيئاً اشتراه فأكله؟ أما تخشى أن
تكون من أهل هذه الآية، وتلا: ﴿أذهبتم﴾ الآية .
و﴿عذاب الهون﴾: العذاب الذي اقترن به هوان، وهذا هو عذاب العصاة المواقعين ما قد نهوا
عنه، وهذا بين في عذاب الدنيا، فعذاب المحدود في معصية كالحرابة ونحوها مقترن بهون، وعذاب
المقتول في حرب لا هون معه، فالهون والهوان بمعنى؟ !.
ثم أمر تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد على جهة المثال لقريش، وهذه الأخوة هي أخوة القرابة، لأن
هوداً كان من أشراف القبيلة التي هي عاد.
واختلف الناس في هذه ((الأحقاف)) أين كانت؟ فقال ابن عباس والضحاك: هي جبل بالشام، وقيل
كانت بلاد نخيل، وقيل هي الرمال بين مهرة وعدن. وقال ابن عباس أيضاً: بين عمان ومهرة. وقال قتادة:
هي بلاد الشحر المواصلة للبحر اليماني. وقال ابن إسحاق: هي بين حضرموت وعمان، والصحيح من
الأقوال: أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات العماد. و«الأحقاف)»: جمع حقف، وهو الجبل
المستطيل والمعوجّ من الرمل. (قال الخليل: هي الرمال الأحقاف) وكثيراً ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد
الرمل في الصحارى، لأن الربح تصنع ذلك .
وقوله تعالى: ﴿وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه﴾ اعتراض مؤكد مقيم للحجة أثناء قصة
هود، لأن قوله: ﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ هو من نذارة هود. و: ﴿خلت﴾ معناه: مضت إلى الخلاء ومرت
أزمانها. وفي مصحف عبد الله: ((وقد خلت النذر من قبله وبعده)). وروي أن فيه: ((وقد خلت النذر من بين
يديه ومن بعده)). و﴿النذر﴾: جمع نذير بناء اسم فاعل. وقولهم: ﴿لتأفكنا﴾ معناه: لتصرفنا. وقولهم:
﴿فأتنا بما تعدنا﴾ تصميم على التكذيب وتعجيز منهم له في زعمهم.
قوله عز وجل :
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأَبَلِغُكُمْ مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّى أَرَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُمْطِرُنَا بَلَ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (®اتُدَمِّرُ
كُلَّ شَىٍّ بِأَمَّرِرَبِّهَا فَأَصْبَحُوْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْرِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿ وَلَقَدْ مَكَنَّهُمْ
فِيمَآ إِن مَّكَتَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّاً وَأَفْتِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآَ أَبْصَرُهُمْ

١٠٢
تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٢٣ - ٢٦
وَلَآ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوْ بَحْحَدُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
المعنى قال لهم هود: إن هذا الوعيد ليس من قبلي، وإنما الأمر إلى الله وعلم وقته عنده، وإنما عليَّ.
!
١٠
أن أبلغ فقط .
وقرأ جمهور الناس: ((وأبلّغكم)) بفتح الباء وشد اللام. قال أبو حاتم: وقرأ أبو عمرو في كل القرآن
بسکون الباء وتخفيف اللام.
٠
و: ﴿أراكم تجهلون﴾ أي مثل هذا من أمر الله تعالى وتجهلون خلق أنفسكم. والضمير في:
﴿رأوه﴾ يحتمل أن يعود على العذاب، ويحتمل أن يعود على الشيء المرئي الطارى، عليهم، وهو الذي
فسره قوله: ﴿عارضاً﴾، والعارض ما يعرض في الجو من السحاب الممطر، ومنه قول الأعشى:"
يا من رأى عارضاً قد بتُّ أرمقه كأنما البرق في حافاته الشعل
وقال أبو عبيدة: العارض الذي في أقطار السماء عشياً ثم يصبح من الغد قد استوى. وروي في
معنى قوله: ﴿مستقبل أوديتهم﴾ أن هؤلاء القوم كانوا قد قحطوا مدة فطلع هذا العارض على الهيئة والجهة
التي يمطرون بها أبداً، جاءهم من قبل واد لهم يسمونه المغيث. قال ابن عباس: ففرجوا به و﴿قالوا هذا
عارض ممطرنا﴾، وقد كذب هود فيما أوعد به، فقال لهم هود عليه السلام: ليس الأمر كما رأيتم، ﴿بل هو
ما استعجلتم به﴾ في قولكم: ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] ثم قال: ﴿ريح فيها عذاب أليم).
وفي قراءة ابن مسعود: ((قال هود بل هو)) بإظهار المقدر ، لأن قراءة الجمهور هي كقوله تعالى
﴿يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم﴾ [الرعد: ٢٣] أي يقولون سلام: قال الزجاج وقرأ قوم: ((ما
استُعجِلتم)) بضم التاء الأولى وكسر الجيم. و: ﴿ريح﴾ بدل من المبتدأ في قوله: ﴿هو ما﴾.
و: ﴿ممطرنا﴾ هو نعت لـ ﴿عارض) وهو نكرة إضافته غير محضة، لأن التقغير ممطر لنا في المستقبل،
فهو في حكم الانفصال.
وقد مضى في غير هذه السورة قصص الريح التي هبت عليهم، وأنها كانت تحمل الظعينة كجرادة.
و: ﴿تدمر﴾ معناه: تهلك. والدمار: الهلاك، ومنه قول جرير: [الوافر]
وكان لهم كبكر ثمود لمّا رغا دهراً قدمرهم دمارا
وقوله: ﴿كل شيء﴾ ظاهره العموم ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره، وروي أن هذه الريح
رمتهم أجمعين في البحر.
وقرأ جمهور القراء: ((لا ترى)) أيها المخاطب. وقرأ عاصم وحمزة: ((لا يُرى)) بالياء على: بناء الفعل
للمفعول ((مساكنُهم)) رفعاً. التقدير: لا يرى شيء منهم، وهذه قراءة ابن مسعود وعمرو بن ميمون والحسن
بخلاف عنه، ومجاهد وعيسى وطلحة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجحدري وقتادة وعمرو بن ميمون
والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو رجاء ومالك بن دينار بغير خلاف عنهما خاصةً ممن ذكر: ((لا تُرى)) بالتاء"

١٠٣
تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٢٧ - ٢٩
منقوطة من فوق مضمومة ((مساكنهم)) رفعاً، ورويت عن ابن عامر، وهذا نحو قول ذي الرمة: [البسيط]
إلا النجيزة والألواح والعصب
كأنه جمل وهم وما بقيت
ونحو قوله : [الطويل]
فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
وفي هذه القراءة استكراه. وقرأ الأعمش وعيسى الهمداني: ((إلا مسكنهم)) على الإفراد الذي هو
اسم الجنس، والجمهور على الجمع في اللفظة، ووجه الإفراد تصغير الشأن وتقريبه كما قال تعالى: ﴿ثم
يخرجكم طفلاً﴾ [غافر: ٦٧
ثم خاطب تعالى قريشاً على جهة الموعظة بقوله: ﴿ولقد مكناهم في ما إن مكناهم فيه﴾ فـ ﴿ما﴾،
بمعنى الذي، و﴿إِن﴾ نافية وقعت مكان ﴿ما﴾ ليختلف اللفظ، ولا تتصل ﴿ما﴾ بـ ﴿ما﴾، لأن الكلام كأنه
قال: في الذي ما مكناكم فيه. ومعنى الآية: ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسط في الأموال والأجسام
ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم. وقالت فرقة: ﴿إن﴾
شرطية، والجواب محذوف تقديره: في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في التأويل.
ثم عدد تعالى عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغن حين لم تستعمل على ما يجب.
و((ما): نافية في قوله: ﴿فما أغنى عنهم﴾ ويقوي ذلك دخول ﴿من﴾ في قوله: ﴿من شيءٍ﴾.
وقالت فرقة: ((ما)) في قوله: ﴿فما أغنى عنهم﴾ استفهام بمعنى التقرير، و﴿من شيء﴾ على هذا
تأكيد، وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الواجب. ﴿وحاق﴾ معناه: وجب ولزم، وهو
مستعمل في المكاره، والمعنى جزاء ﴿ما كانوا به يستهزئون﴾.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا ◌ُلْأَيَنَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ
مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانَاءَ الِهَةَّبَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ () وَإِذْصَرَفْنَا إِلَيْكَ
نَفَرًا مِنَ الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم
مُنذِرِينَ(
٢٩
وقوله: ﴿ولقد أهلكنا ما حولكم﴾ مخاطبة لقريش على جهة التمثيل لهم بمأرب وسدوم وحجر
ثمود. وقوله: ﴿وصرفنا الآيات﴾ يعني لهذه القرى المهلكة.
وقوله: ﴿فلولا نصرهم) الآية يعني هلا نصرتهم أصنامهم التي اتخذوها. و: ﴿قرباناً﴾ إما أن يكون
المفعول الثاني بـ ﴿اتخذوا﴾ و: ﴿آلهة﴾ بدل منه، وإما أن يكون حالاً. و: ﴿آلهة﴾ المفعول الثاني،
والمفعول الأول هو الضمير العائد على: ﴿الذين﴾ التقدير: اتخذوهم. وقوله تعالى: ﴿بل ضلوا عنهم﴾

١٠٤
تفسیر: سورة الأحقاف / الآيات: ٢٧ - ٢٩
معناه: انتلفوا لهم حتى لم يجدوهم في وقت حاجة .
وقوله: ﴿وذلك﴾ الإشارة به تختلف بحسب اختلاف القراءات في قوله: ﴿إفكهم) فقرأ جمهور
القراء ((إفْكُهم)) بكسر الهمزة وسكون الفاء وضم الكاف، فالإشارة بـ ﴿ذلك﴾ على هذه القراءة إلى قولهم
في الأصنام إنها آلهة، وذلك هو اتخاذهم إياها، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: ((أُفَكهم)) بفتح
الهمزة، وهي لغة في الإفك، وهما بمعنى الكذب، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: ((أفَكهم)) بفتح
الهمزة: والفاء على الفعل الماضي، بمعنى صرفهم، وهي قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة
وحنظلة بن النعمان. وقرأ أبو عياض أيضاً وعكرمة فيما حكى الثعلبي: ((أفْكَهم)) بعد الفاء وفتح الهمزة
والكاف، وذلك على تعدية الفعل بالتضعيف. وقرأ عبد الله بن الزبير: ((آفَكَهم)) بالمد وفتح الفاء والكاف
على التعدية بالهمزة. قال الزجاج: معناه جعلهم يأفكون كما يقال أكفرهم. وقرأ ابن عباس فيما روى
قطرب: ((آفِكُهم)) بفتح الهمزة والمد وكسر الفاء وضم الكاف على وزن فاعل، بمعنى: صارفهم.
وحكى الفراء أنه يقرأ: ((أفَكُهم)) بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وهي لغة في الإفك، والإشارة
بـ ﴿ذلك﴾ على هذه القراءة التي ليست مصدراً يحتمل أن تكون إلى الأصنام. وقوله: ﴿وما كانوا
يفترون﴾، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية فلا يحتاج إلى عائد، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، فهناك
عائد محذوف تقديره: یفترونه .
وقوله تعالى: ﴿وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن﴾ ابتداء قصة الجن ووفادتهم على النبي صلى الله
عليه وسلم. و: ﴿صرفنا﴾ معناه: رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها الاستماع في السماء، ويحتمل أن
يكون كفرهم قبل الوفادة وهذا بحسب الاختلاف هنا هل هم الوفد أو المتجسسون، وروي أن الجن كانت
قبل مبعث النبي عليه السلام تسترق السمع من السماء، فلما بعث محمد عليه السلام حرست بالشهب
الراجمة، فضاقت الجن ذرعاً بذلك، فاجتمعت وأتى رأي ملئهم على الافتراق في أقطار الأرض وطلب
السبب الموجب لهذا الرجم والمنع من استراق السمع ففعلوا ذلك. واختلف الرواة بعد فقالت فرقة:
جاءت طائفة من الجن إلى النبي عليه السلام وهو لا يشعر، فسمعوا القرآن وصلوا إلى قومهم معذرين، ولم
يعرف النبي بشيء من ذلك حتى عرفه الله بذلك كله، وكان سماعهم لقرآنه وهو بنخلة عند سوق عكاظ،
وهو يقرأ في صلاة الفجر. وقالت فرقة: بل أشعره الله بوفادة الجن عليه واستعد لذلك، ووفد عليه أهل
نصيبين منهم .
قال القاضي أبو محمد: والتحرير في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جن دون أن يعرف
بهم، وهم المتفرقون من أجل الرجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن: ١] ثم بعد ذلك
وفد عليه وفد، وهو المذكور صرفه في هذه الآية. قال قتادة: صرفوا إليه من نينوى، أشعر به قبل وروده.
وقال الحسن: لم يشعر.
واختلف في عددهم اختلافاً متباعداً فاختصرته لعدم الصحة في ذلك، أما أن ابن عباس رضي الله
عنه قال: کانوا سبعة نفر من أهل نصیبین وقال زر كانوا تسعة: فیھم زوبعة، وروي في ذلك أحاديث عن
:

١٠٥
تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٣٠ - ٣٣ -
عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إني خارج إلى وفد الجن، فمن شاء يتبعني))،
فسكت أصحابه، فقالها ثانية، فسكتوا، فقال عبد الله أنا أتبعك، قال فخرجت معه حتى جاء شعب
الحجون، فأدار لي دائرة وقال لي: لا تخرج منها، ثم ذهب عني، فسمعت لغطاً ودوياً كدوي النسور
الكاسرة. ثم في آخر الليل جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأ عليهم القرآن وعلمهم وأعطاهم
زاداً في كل عظم وروثة، فقال: يا عبد الله، ما رأيت؟ فأخبرته، فقال: لقد كنت أخشى أن تخرج
فيتخطفك بعضهم، قلت يا رسول الله، سمعت لهم لغطاً، فقال: إنهم تدارأوا في قتيل لهم، فحكمت
بالحق. واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود، وروي عنه ما ذكرنا. وذكر عنه أنه رأى رجالاً من
الجن وبهم شبه رجال الزط السود الطوال حين رآهم بالكوفة. وروي عنه أنه قال: ما شاهد أحد منا ليلة
الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختصرت هذه الروايات وتطويلها لعدم صحتها.
وقوله: ﴿نفرأ﴾ يقتضي أن المصروفين رجالاً لا أنثى فيهم. والنفر والرهط: القوم الذين لا أنثى
فیهم.
وقوله تعالى: ﴿فلما حضروه قالوا أنصتوا﴾ فيه تأدب مع العلم وتعليم كيف يتعلم وقرأ جمهور
الناس: ((قُضِي)) على بناء الفعل للمفعول .. وقرأ حبيب بن عبد الله بن الزبير وأبو مجلز: ((قضى)) على بناء
الفعل للفاعل، أي قضى محمد القراءة.
وقال ابن عمر وجابر بن عبد الله: قرأ عليهم سورة [الرحمن] فكان إذا قال: ﴿فبأي آلاء ربكما
تكذبان﴾ [الرحمن: ٣] قالوا: لا بشيء من آلائك نكذب، ربنا لك الحمد، ولما ولت هذه الجملة تفرقت
على البلاد منذرة للجن. قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم.
قال القاضي أبو محمد: فهنالك وقعت قصة سواد وشصار وخنافر وأشباههم صلى الله على محمد
عبده ورسوله .
قوله عز وجل :
قَالُوا يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَّا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّإِلَى الْحَقِّ وَإِلَى
طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَءَامِنُواْبِ يَغْفِرْلَبِكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ ﴾وَمَن لَّايُحِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزِ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِأَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ
مُّبِينٍ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّاللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْيِىَ
الْمَوْنَى بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍقَدِيرٌ(٣)
المعنى: قال هؤلاء المنذرون لما بلغوا قومهم ﴿يا قومنا إنا سمعنا كتاباً﴾ وهو القرآن العظيم،
وخصصوا ﴿موسى﴾ عليه السلام لأحد أمرين: إما لأن هذه الطائفة كانت تدين بدين اليهود، وإما لأنهم

١٠٦
تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٣٠-٣٣
كانوا يعرفون أن موسى قد ذكر محمداً وبشر به، فأشاروا إلى موسى من حيث كان هذا الأمر مذكوراً في
توراته. قال ابن عباس في كتاب الثعلبي: لم يكونوا علموا أمر عيسى عليه السلام، فلذلك قالوا ﴿من تهعد
موسى﴾. وقولهم: ﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ يؤيد هذا. و: ﴿ما بين يديه﴾ هي التوراة والإنجيل.
و﴿الحق) و((الطريق المستقيم)) هنا بمعنى يتقارب لكن من حيث اختلف اللفظ، وربما كان ﴿الحق)
أعم، وكأن أحدهما قد يقع في مواضع لا يقع فيها الآخر حسن التكرار. و: ﴿داعي الله﴾ هو محمد عليه
السلام، والضمير في: ﴿به﴾ عائد على الله تعالى ..
وقوله: ﴿يغفر﴾ معناه: يغفر الله. ﴿ویجرکم﴾ معناه: یمنعکم ویجعل دونكم جوار حفظه حتى لا
ينالكم عذاب.
٠٫٠
وقوله تعالى: ﴿ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز) الآية، يحتمل أن يكون من كلام المنذرين،
ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى لمحمد عليه السلام، والمراد بها إسماع الكفار وتعلق اللفظ إلى هذا
المعنى من قول الجن: ﴿أجيبوا داعي الله﴾ فلما حكى ذلك قيل ومن لا يفعل هذا فهو بحال كذا، والمعجز
الذاهب في الأرض الذي يبدي عجز طالبه ولا يقدر عليه، وروي عن ابن عامر: ((وليس لهم من دونه))
بزيادة میم.
٠٫٠
وقوله تعالى: ﴿أو لم يروا﴾ الضمير لقريش، وهذه آية مثل واحتجاج، لأنهم قالوا إن الأجساد لا
يمكن أن تبعث ولا تعاد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فأقيمت عليهم
الحجة من أقوالهم. والرؤية في قوله: ﴿أو لم يروا﴾ رؤية القلب.
وقرأ جمهور الناس: ((ولم يعْيَ)) بسكون العين وفتح الياء الأخيرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن (بعٍ))
بکسر العین وسکون الياء وذلك على حذف.
والباء في قوله : ﴿بقادر﴾ زائدة مؤكدة، ومن حيث تقدم نفي في صدر الكلام حسن التأكيد بالباء وإن
لم يكن المنفي ما دخلت على عليه كما هي في قولك: ما زيد بقائم كان بدل ﴿أو لم يروا﴾ أوليس الذي
خلق.
وقرأ ابن عباس وجمهور الناس: ((بقادر)) وقرأ الجحدري والأعرج وعيسى وعمرو بن عبيد: ((يقدر)
بالياء على فعل مستقبل، ورجحها أبو حاتم وغلط قراءة الجمهور لقلق الباء عنده. وفي مصحف عبد الله بن
مسعود «بخلقهن قادر)».
و: ﴿بلى﴾ جواب بعد النفي المتقدم، فهي إيجاب لما نفي، والمعنى: بلى رأوا ذلك أن لو نفعهم
ووقع في قلوبهم، ثم استأنف اللفظ الإخبار المؤكد بقوله: ﴿إنه على كل شيء قديرٍ﴾
قوله عز وجل:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارٍ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَتِّ قَالُواْبَى وَرَيْنَأَ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ

١٠٧
تفسير سورة الأحقاف / الآيتان: ٣٤، ٣٥
تَكْفُرُونَ ﴿ فَأَصْبِرّكَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلِ لََّّمْكَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَايُوعَدُونَ
لَمْ يَلْبَنُواْإِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارِبَلَغُ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلََّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ
المعنى: واذكر يوم، وهذا وعيد للكفار من قريش وسواهم. والعرض في هذه الآية، عرض مباشرة،
كما تقولون عرضت الجاني على السوط. والمعنى يقال لهم أليس هذا العذاب حقاً وقد كنتم تكذبون به؟
فيجيبون: ﴿بلى وربنا﴾، وذلك تصديق حيث لا ينفع، وروي عن الحسن أنه قال: إنهم ليعذبون في النار
وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك ﴿فذوقوا
العذاب بما كنتم تكفرون﴾ أي بسبب كفركم.
وقوله تعالى: ﴿فاصبر﴾ الفاء عاطفة هذه الجملة من الوصاة على هذه الجملة من الإخبار عن حال
الكفرة في الآخرة، والمعنى بينهما مرتبط، أي هذه حالهم مع الله، فلا تستعجل أنت فيما حملته واصبر له
ولا تخف في الله أحداً.
وقوله: ﴿من الرسل﴾ ﴿من﴾ للتبعيض، والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح
وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى الله عليهم، هذا قول عطاء الخراساني وغيره. وقال ابن زيد ما
معناه: إن ﴿من﴾ لبيان الجنس. قال: والرسل كلهم ﴿أولو العزم﴾، ولكن قوله: ﴿كما صبر أولو
العزم﴾ يتضمن رسلاً وغيرهم، فبين بعد ذلك جنس الرسل خاصة تعظيماً لهم، ولتكون القدوة المضروبة
لمحمد عليه السلام أشرف، وذكر الثعلبي هذا القول عن علي بن مهدي الطبري. وحكي عن أبي القاسم
الحكيم أنه قال: الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام وقال الحسن بن الفضل: هم الثمانية عشر
المذكورين في سورة الأنعام، لأنه قال بعقب ذكرهم ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾
[الأنعام: ٩٠]. وقال مقاتل هم ستة: نوح صبر على أذى قومه طويلاً، وإبراهيم صبر للناس، وإسحاق
صبر نفسه للذبح، ويعقوب صبر على الفقد لولده وعمي بصره وقال: ﴿فصبر جميل﴾ [يوسف: ٨٣]،
ويوسف على السجن وفي البئر، وأيوب صبر على البلاء.
قال القاضي أبو محمد: وانظر أن النبي عليه السلام قال في موسى: ((يرحم الله موسى، أوذي بأكثر
من هذا فصبر))، ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً.
وقوله: ﴿ولا تستعجل لهم﴾ معناه لا تستعجل لهم عذاباً، فإنهم إليه صائرون، ولا تستطل تعميرهم
في هذه النعمة، فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة لاحتقارهم ذلك، لأن المنقضي
من الزمان إنما يصير عدماً، فكثيره الذي ساءت عاقبته كالقليل.
وقرأ أبي بن كعب ((ساعة من النهار)). وقرأ جمهور القراء والناس: ((بلاغٌ)) وذلك يحتمل معاني،
أحدها: أن يكون خبر ابتداء، المعنى: هذا بلاغ، وتكون الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع، أي هذا
إنذار وتبليغ، وإما إلى المدة التي تكون كساعة كأنه قال: ﴿لم يلبثوا إلا ساعة﴾ كانت بلاغهم، وهذا كما
تقول: متاع قليل ونحوه من المعنى. والثاني: أن يكون ابتداء والخبر محذوف. والثالث: ما قاله أبو مجلز

١٠٨٠
تفسير سورة الأحقاف /: الآيتان: ٣٥،٣٤
فإنه كان يقف على قوله: ﴿ولا تستعجل﴾ ويقول: ((بلاغٌ)) ابتداء وخبره متقدم في قوله: ﴿لهم) وقدح
الناس في هذا القول بكثرة الحائل. وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وعيسى: ((بلاغاً))، وهي قراءة تحتمل
المعنيين اللذين في قراءة الرفع، وليس يدخلها قول أبي مجلز ونصبها بفعل مضمر. وقرأ أبو مجلز وأبو
سراج الهذلي: ((بلَّغ))، على الأمر. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((بلاغٍ )) بالخفض نعتاً لـ ﴿نهار﴾.
وقرأ جمهور الناس :
(فهل يُهلَك)) على بناء الفعل للمفعول. وقرأ بعضهم فيما حكى هارون: ((فهل يَهلِك)) ببناءُ الفعل
للفاعل وكسر اللام، وحكاها أبو عمرو عن الحسن وابن محيصن: ((يَهلَّك)) بفتح الياء واللام. قال أبو
الفتح: وهي مرغوب عنها. وروى زيد بن ثابت عن النبي عليه السلام: ((فهلُ يُهلِك)) بضم الياءُ وكُر
اللام ((إلا القوم الفاسقين)) بالنصب.
وفي هذه الألفاظ وعيد محض وإنذار بين، وذلك أن الله تعالى جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئة
بمثلها، وأمر بالطاعة ووعد عليها بالجنة، ونهى عن الكفر وأوعد عليه بالنار، فلن يهلك على الله إلا هالك
كما قال صلى الله عليه وسلم. قال الثعلبي: يقال إن قوله: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ أرجى آية في
کتاب الله تعالی للمؤمنين.
:

١٠٩
تفسير سورة محمّد / الآيات: ١ - ٣
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
شُورَةُ مَحَقَدٌ
هذه السورة مدنية بإجماع، غير أن بعض الناس قال في قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة
من قريتك التي أخرجتك﴾ [محمد: ١٣] إنها نزلت بمكة في وقت دخول النبي فيها عام الفتح أو سنة
الحديبية، وما كان مثل هذا فهو معدود في المدني، لأن المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو
بعدها .
قوله عز وجل :
الَّذِينَ كَفَرُ واْ وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ الْ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ
ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَتَّبَعُوا الْبَطِلَ وَأَنَّ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ زَبِّهِمْ كَفَّرْ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ل3
الَّذِينَ ءَامَنُواٌْتََّعُواْالْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ
٣
قوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾ الآية، إشارة إلى أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
وقوله: ﴿والذين آمنوا) الآية إشارة إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه، وفي الطائفتين نزلت
الآيتان، قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت ألفاظها. وقوله: ﴿وصدوا﴾ يحتمل
أن يريد الفعل المجاوز، فيكون المعنى: ﴿وصدوا﴾ غيرهم، ويحتمل أن يكون الفعل غير متعد، فيكون
المعنى: ﴿وصدوا﴾ أنفسهم. و: ﴿سبيل الله﴾ شرعه وطريقه الذي دعا إليه.
وقوله: ﴿أضل أعمالهم﴾ أي أتلفها، لم يجعل لها غاية خير ولا نفعاً، وروي أن هذه الآية نزلت بعد
بدر، وأن الإشارة بقوله: ﴿أضل أعمالهم﴾ هي إلى الإنفاق الذي أنفقوه في سفرتهم إلى بدر، وقيل المراد
بالأعمال: أعمالهم البرة في الجاهلية من صلة رحم ونحوه، واللفظ يعم ذلك.
وقرأ الناس: ((نُزّل)) بضم النون وشد الزاي. وقرأ الأعمش: ((أنزل)) معدى بالهمزة وقوله تعالى:
﴿وأصلح بالهم﴾ قال قتادة معناه: وأصلح حالهم. وقرأ ابن عباس ((أمرهم)). وقال مجاهد: شأنهم.
وتحرير التفسير في اللفظة أنها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب، فإذا صلح
ذلك صلحت حاله، فكأن اللفظة مشيرة إلى صلاح عقيدتهم وغير ذلك من الحال تابع، فقولك: خطر في

١١٠
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٤ -٩
بالي كذا، وقولك: أصلح الله بالك: المراد بهما واحد، ذكره المبرد. والبال: مصدر كالحال والشأن، ولا
يستعمل منها فعل، وكذلك عرفه أن لا يثنى ولا يجمع، وقد جاء مجموعاً لكنه شاذ، فإنهم قالوا بالات.
وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الذين كفروا﴾ الإشارة إلى هذه الأفعال التي ذكر الله أنه فعلها بالكفار
وبالمؤمنين. و: ﴿الباطل﴾ الشيطان وكل ما يأمر به، قاله مجاهد. و: ﴿الحق﴾ هنا هو الشرع ومحمد عليه
السلام .
وقوله: ﴿كذلك﴾ يبين أمر كل فرقة ويجعل لها ضربها من القول وصنفها. وضرب المثل مأخوذ من
الضريب والضرب الذي هو بمعنى النوع.
قوله عز وجل :
فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَتَّى إِذَا أَنْخَتُمُوهُمْ فَشُدُّ واْالْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْرَبُ
أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللّهُ لَأَ نْنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنِ لِيَبْلُوَبَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكَنْ يُضِلَّ
أَعْمَلَهُمْ أَسَيَهْدِيِهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَّفَهَا لَهُمْ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِن تَنْصُرُواْ
﴿ وَاُلَّذِينَ كَفَرُوْ فَتَعْسَالَُّمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْمَا
٧
اللَّهَيَنْصُرْكُمْ وَيُنَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ
٩
قال ابن عباس وقتادة وابن جريج والسدي: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف التي في براءة:
﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وإن الأسر والمن والفداء مرتفع، فمتى وقع أسر فإنما
معه القتل ولا بد، وروي نحوه عن أبي بكر الصديق. وقال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء ما معناه:
إن هذه الآية محكمة مبينة لتلك، والمن والفداء ثابت، وقد منَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على
ثمامة بن أثال، وفادى أسرى بدر، وقاله الحسن، وقال: لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على
العدو. وكان عمر بن عبد العزيز يفادي رجلاً برجل، ومنع الحسن أن يفادوا بالمال. وقد أمر عمر بن
عبد العزيز بقتل أسير من الترك ذكر له أنه قتل مسلمين. وقالت فرقة: هذه الآية خصصيت من الأخرى أهل
الكتاب فقط، ففيهم المن والفداء، وعباد الأوثان ليس فيهم إلا القتل. وعلى قول أكثر العلماء الآيتان
محكمتان. وقوله هنا: ﴿فضرب الرقاب﴾ بمثابة قوله هناك: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾
[التوبة: ٥] وصرح هنا بذكر المن والفداء، ولم يصرح به هنالك، وهو مراد متقرر، وهذا هو القول القوي.
وقوله: ﴿فضرب الرقاب﴾ مصدر بمعنى الفعل، أي فاضربوا رقابهم وعين من أنواع القتل أشهره
وأعرفه فذكره، والمراد: اقتلوهم بأي وجه أمكن، وقد زادت آية: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾
[الأنفال: ١٢] وهي من أنكى ضربات الحرب، لأنها تعطل من المضروب جميع جسده، إذ البنان أعظم
آلة المقاتل وأصلها. و: ﴿أثخنتموهم﴾ معناه: بالقتل. والإثخان في القوم: أن يكثر فيهم القتلى
والجرحى، والمعنى: فشدوا الوثاق بمن لم يقتل ولم يترتب عليه إلا الأسر. و: ﴿مناً﴾ و ﴿فداء﴾

١١١
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٤ - ٩
مصدران منصوبان بفعلين مضمرين. وقرأ جمهور الناس: ((فداء)). وقرأ شبل عن ابن كثير: ((فدى))
مقصوراً .
وإمام المسلمين مخير في أسراه في خمسة أوجه: القتل، أو الاسترقاق، أو ضرب الجزية، أو
الفداء، أو المن. ويترجح النظر في أسير أسر بحسب حاله من إذاية المسلمين أو ضد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ معناه: حتى تذهب وتزول أثقالها. والأوزار: الأثقال
فيها والآلات لها، ومنه قول الشاعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي : [المتقارب]
وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
وقال الثعلبي: وقيل الأوزار في هذه الآية: الآثام، جمع وزر، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام
في أحد الجانبين.
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها ﴿تضع الحرب أوزارها﴾، فقال قتادة: حتى يسلم الجميع
فتضع الحرب أوزارها. وقال حذاق أهل النظر: حتى تغلبوهم وتقتلوهم.
وقال مجاهد حتى ينزل عيسى ابن مريم .
قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنها استعارة يراد لها التزام الأمر أبداً، وذلك أن الحرب بين
المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا إلى يوم القيامة، فإنما تريد: إنك
تفعله دائماً .
وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ تقديره: الأمر ذلك. ثم قال: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم﴾ أي بعذاب من
عنده يهلكهم به في حين واحد، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين وأن يبلو بعض الناس ببعض.
وقرأ جمهور الناس: ((قاتلوا)) وقرأ عاصم الجحدري بخلاف عنه: ((قَتَلوا)) بفتح القاف والتاء. وقرأ أبو
عمرو وحفص عن عاصم والأعرج وقتادة والأعمش: ((قُتلوا)) بضم القاف وكسر التاء. وقرأ زيد بن ثابت
والحسن والجحدري وأبو رجاء: ((قُتِّلوا)) بضم القاف وكسر التاء وشدها، والقراءة الأولى أعمها وأوضحها
معنى. وقال قتادة: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم أحد من المؤمنين .
وقوله تعالى: ﴿سيهديهم﴾ أي إلى طريق الجنة، وقد تقدم القول في إصلاح البال. وروى
عباس بن المفضل عن أبي عمرو: ((ويدخلهم)» بسكون اللام. وفي سورة [التغابن] ﴿يوم يجمعكم)
[التغابن: ٩] وفي سورة [الإنسان] ﴿إنما نطعمكم﴾ [الإنسان: ٩] بسكون العين والميم.
وقوله تعالى: ﴿عرفها لهم﴾ قال أبو سعيد الخدري وقتادة ومجاهد معناه: بينها لهم، أي جعلهم
يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى هو قول النبي عليه السلام: لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه
بمنزله في الدنيا. وقالت فرقة معناه: سماها لهم ورسمها، كل منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف.
وقالت فرقة معناه: شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من الأعراف التي هي الجبال وما أشبهها، ومنه أعراف

١١٢
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٤-٩
الخيل. وقال مؤرج وغيره معناه: طيبها مأخوذ من العرف، ومنه طعام معرف، أي مطيب. وعرفت القدر:
طيبتها بالملح والتابل.
وقوله تعالى: ﴿إن تنصروا الله﴾ فيه حذف مضاف، أي دين الله ورسوله، والمعنى: تنصروه بجدكم
واتباعكم وإيمانكم ﴿ينصركم﴾ بخلق القوة لكم والجرأة وغير ذلك من المعاون.
وقرأ جمهور الناس: ((ويثبت)) بفتح التاء المثلثة وشد الباء. وقرأ المفضل عن عاصم: ((ويثبت))
بسكون الثاء وتخفيف الباء، وهذا التثبيت هو في مواطن الحرب على الإسلام، وقيل على الصراط في
القيامة .
وقوله تعالى: ﴿فتعساً لهم﴾ معناه: عثاراً وهلاكاً فيه، وهي لفظة تقال للعاثر إذا أريد به الشر، ومنه
قول الشاعر: [المنسرح]
ولا تقل: لا، ولا تقل تعسا
یا سیدي إن عثرت خذ بيدي
وقال الأعشى : [البسيط]
فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
بذات لوت عفرناة إذا عثرت
ومنه قول أم مسطح لما عثرت في مرطها: تعس مسطح. قال ابن السكيت: التعس أن يخر على
وجهه. و: ﴿تعساً﴾ مصدر نصبه فعل مضمر.
وقوله تعالى: ﴿كرهوا ما أنزل الله﴾ يريد القرآن. وقوله: ﴿فأحبط أعمالهم﴾ يقتضي أن أعمالهم في
كفرهم التي هي بر مقيدة محفوظة، ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في
حسناتهم، فقالت فرقة: هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط. وقالت فرقة: هي محصاة من أجل ثواب
الدنيا، ومن أجل أنه قد يسلم فينضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد التأويلين في قول النبي
عليه السلام لحكيم بن حزام: ((أسلمت على ما سلف لك من خير». فقوم قالوا تأويله: أسلمت على أن يعد
لك ما سلف من خير، وهذا هو التأويل الذي أشرنا إليه. وقالت فرقة معناه: أسلمت على إسقاط ما سلف
لك من خير، إذ قد ثوبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر في هذه الآية بحبطها:
عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى: ﴿أحبط﴾ جعلها من العمل الذي لا يزكو ولا يعتد به، فهي لذلك
كالذي أحبط .
قوله عز وجل :
أَفَ يَسِيُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُ وا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا !
بِأَنَّاللّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَنَّالْكَفِرِينَ لَ مَوْلَى لَهُمْ (١) إِنَّاللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ
جَّتٍ تَجْرِ مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَنْوَِّلَُّمْ
ذَلِكَ
١٠

١١٣
تفسير سورة محمّد / الآيات: ١٠ - ١٦
وَكَيِّنٍ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّقُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَِّي أَخْرَحَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَاَ نَاصِرَ لَهُمْ
قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا﴾ توقيف لقريش وتوبيخ. و: ﴿الذين من قبلهم) يريد: ثمود وقوم لوط
وقوم شعيب وأهل السد وغيرهم. والدمار: الإفساد وهدم البناء وإذهاب العمران.
وقوله: ﴿دمر الله عليهم) من ذلك. والضمير في قوله: ﴿أمثالها﴾ يصح أن يعود على العاقبة
المذكورة، ويصح أن يعود على الفعلة التي يتضمنها قوله: ﴿دمر الله عليهم). وقولهم: ﴿ذلك بأن﴾
ابتداء وخبر في ((أن)) وما عملت فيه. والمولى: الناصر الموالي، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((ذلك
بأن الله ولي الذين آمنوا)». وقال قتادة: إن هذه الآية نزلت يوم أحد ومنها انتزع رسول الله صلى الله عليه
وسلم رده على أبي سفيان حين قال له: ((قولوا الله مولانا ولا مولى لكم)).
وقوله تعالى: ﴿ويأكلون كما تأكل الأنعام﴾ أي أكلاً مجرداً من فكرة ونظر، فالتشبيه بالمعنى إنما وقع
فيما عدا الأكل من قلة الفكر وعدم النظر، فقوله: ﴿كما﴾ في موضع الحال، وهذا كما تقول لجاهل:
يعيش كما تعيش البهيمة، فأما بمقتضى اللفظ فالجاهل والعالم والبهيمة من حيث لهم عيش فهم سواء،
ولكن معنى كلامك يعيش عديم النظر والفهم كما تعيش البهيمة. والمثوى: موضع الإقامة، وقد تقدم
القول غير مرة في قوله: ﴿وكأين﴾. وضرب الله تعالى لمكة مثلاً بالقرى المهلكة على عظمها، كقرية قوم
عاد وغيرها. و: ﴿أخرجتك﴾ معناه: وقت الهجرة. ونسب الإخراج إلى القرية حملاً على اللفظ. وقال:
﴿أهلكناهم﴾ حملاً على المعنى. ويقال: إن هذه الآية نزلت إثر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من
مكة في طريق المدينة. وقيل: نزلت بالمدينة. وقيل: نزلت بمكة عام دخلها رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد الحديبية. وقيل نزلت: عام الفتح وهو مقبل إليها. وهذا كله حكمه حكم المدني.
قوله عز وجل:
أَفَنْ كَانَ عَلَى بِنَّةٍ مِّن رَّيِّهِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُسُوْءُ عَمَلِهِ، وَنَبَعُواْ أَهْوَآءَ هُه (٢]َّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ فِيهَا
أَنْهٌَ مِّنْ مَآءٍ غَيْرِءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَرْ طَعْمُهُ وَأَنْهٌ مِّنْ خَمْرٍلَّذَّةٍ لِّلِشَّرِبِينَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلِّمُصَفَى
وَهْ فِيهَا مِنْ كُلِّالثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِن ◌َّبِهِمْ كَمَنْ هُوَ خَلٌِّ فِي النَّارِ وَسُقُواْمَآءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَأَمْعَ هُمْ
١٥
وَمِنْهُم ◌َّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىَ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندَِ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ
١٦
اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَّعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ لَ
قوله تعالى: ﴿أفمن كان﴾ الآية توقيف وتقرير على شيء متفق عليه وهي معادلة بين هذين الفريقين.
وقال قتادة: الإشارة بهذه الآية إلى محمد عليه السلام في أنه الذي هو على بينة وإلى كفار قريش في أنهم
الذين زين لهم سوء أعمالهم.
قال القاضي أبو محمد: وبقي اللفظ عاماً لأهل هاتين الصفتين غابر الدهر وقوله: ﴿على بينة﴾ معناه

١١٤
تفسير سورة محمّد / الآيات: ١٤ - ١٦
على قصة واضحة وعقيدة نيرة بينة، ويحتمل أن يكون المعنى على أمر بين ودين بين، وألحق الهاء
للمبالغة: كعلامة ونسابة. والذي يسند إليه قوله: ﴿زين﴾ الشيطان. واتباع الأهواء: طاعتها كأنها تذهب
إلى ناحية والمرء يذهب معها.
واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ الآية، فقال النضر بن شميل وغيره: ﴿مثل﴾ معناه
صفة، كأنه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا، وقال سيبويه: المعنى فيما يتلى عليكم مثل الجنة.
ثم فسر ذلك الذي يتلى بقوله: فيها كذا وكذا.
:
قال القاضي أبو محمد: والذي ساق أن يجعل ﴿مثل﴾ بمثابة صفة هو أن الممثل به ليس في الآية،
ويظهر أن القصد في التمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء عند سماعه فيها كذا وكذا فإنه يتصور عند
ذلك بقاعاً على هذه الصورة وذلك هي ﴿مثل الجنة﴾ ومثالها، وفي الكلام حذف يقتضيه الظاهر، كأنه
يقول: ﴿مثل الجنة﴾ ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف. وقرأ علي بن أبي طالب: (مثال الجنة)).
وقرأ علي بن أبي طالب أيضاً وابن عباس: ((أمثال الجنة)). وعلى هذه التأويلات كلها ففي قوله: ﴿كمن هو
خالد﴾ حذف تقديره: أساكن هذه، أو تقديره: أهؤلاء إشارة إلى المتقين، ويحتمل عندي أيضاً أن يكون
الحذف في صدر الآية. كأنه قال: أمثل أهل الجنة ﴿كمن هو خالد﴾، ويكون قوله: ﴿مثل﴾ مستفهماً عنه
بغير ألف الاستفهام، فالمعنى: أمثل أهل الجنة، وهي بهذه الأوصاف ﴿كمن هو خالد في النار﴾ فتكون
الكاف في قوله: ﴿كمن﴾ مؤكدة في التشبيه، ويجيء قوله: ﴿فيها أنهار﴾ في موضع الحال على هذا
التأويل. ﴿وماء غير آسن﴾ معناه غير متغير، قاله ابن عباس وقتادة، وسواء أنتن أو لم ينتن، يقال: أُسَنَّ
الماء: بفتح السين، وأسن بكسرها.
وقرأ جمهور القراء: ((آسِن)) على وزن فاعل. وقرأ ابن كثير: ((أسن))، على وزن فعل، وهي قراءة
أهل مكة، والأسن أيضاً هو الذي يخشى عليه من ريح منتنة من ماء، ومنه قول الشاعر:
يميل في الرمح ميل المائح الأسن
التارك القرن مصراً أنامله
وقال الأخفش: ﴿آسن﴾ لغة: والمعنى الإخبار به عن الحال، ومن قال: ((آسِن)) على وزن فاعل،
فهو يريد به أن يكون كذلك في المستقبل فنفى ذلك في الآية. وقرأت فرقة: (غير مسن))، بالياء. قال أبو
علي: وذلك على تخفيف الهمزة، قال أبو حاتم عن عوف: كذلك كانت في المصحف: ((يسن))، فغيرها
الحجاج.
وقوله: في اللبن ﴿لم يتغير طعمه﴾ نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن وقوله: ﴿لذة للشاربين﴾.
جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره و﴿لذة﴾ نعت على النسب، أي ذات الذة. ولصفية
العسل مذهبة لمومه وضرره. وقوله: ﴿من كل الثمرات﴾ أي من هذه الأنواع، لكنها بعيدة الشبه، إذ تلك
لا عيب فيها ولا تعب بوجه. وقوله: ﴿ومغفرة من ربهم﴾ معناه: وتنعيم أعطته المغفرة: وسببته، فالمغفرة
إنما هي قبل الجنة، وقوله: ﴿وسقوا﴾ الضمير عائد على ((مَنْ)) لأن المراد به جمع.
وقوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ يعني بذلك المنافقين من أهل المدينة، وذلك أنهم كانوا

١١٥
تفسير سورة محمّد / الآيات: ١٧ - ١٩
يحضرون عند النبي عليه السلام فيسمعون كلامه وتلاوته، فإذا خرجوا قال بعضهم لمن شاء من المؤمنين
الذين عملوا وانتفعوا ﴿ماذا قال آنفاً﴾ فكان منهم من يقول هذا استخفافاً، أي ما معنى ما قال وما نفعه وما
قدره؟ ومنهم من كان يقول ذلك جهالة ونسياناً، لأنه كان في وقت الكلام مقبلاً على فكرته في أمر دنياه وفي
كفره، فكان القول يمر صفحاً، فإذا خرج قال: ﴿ماذا قال آنفاً﴾، وهذا أيضاً فيه ضرب من الاستخفاف،
لأنه كان يصرح أنه كان يقصد الإعراض وقت الكلام، ولو لم يكن ذلك بقصد لم يبعد أن يجري على
بعض المؤمنين. وروي أن عبد الله بن مسعود وابن عباس ممن سئل هذا السؤال، حكاه الطبري عن ابن
عباس.
وقرأ الجمهور: ((آنفاً)) على وزن فاعل، وقرأ ابن كثير وحده: ((أنفاً)) على وزن فعل، وهما اسما
فاعل من ائتنف، وجريا على غير فعلهما، وهذا كما جرى فقير على افتقر ولم يستعمل فقر، وهذا كثير،
والمفسرون يقولون: ((أنفاً)) معناه: الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى.
ثم أخبر تعالى أنه ﴿طبع﴾ على قلوب هؤلاء المنافقين الفاعلين لهذا، وهذا الطبع يحتمل أن يكون
حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة وقد تقدم القول فيه.
قوله عز وجل :
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَّةٌ فَقَدْجَآءَ
وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدِّى وَءَانَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ فِيَ
أَشْرَاُهَا فَّ لَهُمْ إِذَاجَاءَ تُهُمْ ذِكْرَنَهُمْ (٦َ فَاعْلَ أَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْمِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُيَعْلَمُ مُتَقَلَّبَّكُمْ وَمَثْوَنَّكُوْ
19
لما ذكر تعالى المنافقين بما هم أهله من قوله: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾
[محمد: ١٦] عقب ذلك بذكر المؤمنين ليبين الفرق، وشرفهم بإسناد فعل الاهتداء إليهم وهي إشارة إلى
تکسبهم.
وقوله تعالى: ﴿زادهم هدى﴾ يحتمل أن يكون الفاعل في ﴿زادهم﴾ الله تعالى، والزيادة في هذا
المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود الشرائع والنواهي والأخبار فيزيد الاهتداء لتزيد علم
ذلك كله والإيمان به وذلك بفضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون الفاعل في: ﴿زادهم﴾ قول المنافقين
واضطرابهم، لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه ويحمد الله على إيمانه، ويتزيد بصيرة في دينه، فكأنه قال:
المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي كانت الزيادة بسببه، فأسند الفعل إليه، وقالت
فرقة: إن هذه الآية نزلت في قوم من النصارى، آمنوا بمحمد فالفاعل في: ﴿زادهم﴾ محمد عليه السلام
كان سبب الزيادة فأسند الفعل إليه. وقوله على هذا القول: ﴿اهتدوا﴾ يريد في إيمانهم بعيسى عليه السلام
ثم ﴿زادهم﴾ محمد ﴿هدى﴾ حين آمنوا به. والفاعل في ﴿آتاهم) يتصرف بحسب التأويلات المذكورة،
وأقواها أن الفاعل الله تعالى. ﴿وآتاهم﴾ معناه: أعطاهم، أي جعلهم متقين له، فالتقدير: تقواهم إياه.
:

١١٦
تفسير سورة محمّد / الآيات: ١٧ - ١٩
وقرأ الأعمش: ((وأنطاهم تقواهم))، وهي بمعنى أعطاهم، ورواها محمد بن طلحة عن أبيه. وهي
في مصحف عبد الله .
:
وقوله تعالى: ﴿فهل ينظرون﴾ يريد المنافقين، والمعنى: ﴿فهل ينظرون﴾ أي هكذا هو الأمر في
نفسه وإن كانوا هم في أنفسهم ينتظرون غير ذلك، فإن ما في أنفسهم غير مراعى، لأنه باطل.
وقرأ جمهور الناس: ((أن تأتيهم)) فـ ﴿أن﴾ بدل من ﴿الساعة﴾. وقوله تعالى على هذه القراءة.
﴿فقد جاء أشراطها﴾ إخبار مستأنف والفاء عاطفة جملة من الكلام على جملة. وقرأ أهل مكة فيما روى
الرؤاسي ((إن تأتهم)) بكسر الألف وجزم الفعل على الشرط، والفاء في قوله: ﴿فقد جاء أشراطها﴾ جواب
الشرط وليست بعاطفة على القراءة الأولى فثم نحو من معنى الشرط. و: ﴿بغتة﴾ معناه: فجأة، وروي عن
أبي عمرو ((بغَتّة)) بفتح الغين وشد التاء. وقوله: ﴿فقد جاء أشراطها﴾ على القراءتين معناه: فينبغي أن يقع
الاستعداد والخوف منها لمن جزم ونظر لنفسه. والذي جاء من أشراط الساعة محمد عليه السلام لأنه آخر
الأنبياء، فقد بان من أمر الساعة قدر ما، وفي الحديث عنه عليه السلام أنه قال: ((أنا من أشراط الساعة وقد
بعثت أنا والساعة كهاتين وكفرسي رهان)). ويقال شرط وشرط: بسكون الراء وتخفيفها، وأشرط الرجل
نفسه: ألزمها أموراً. وقال أوس بن حجر: [الطويل]
وألقى بأسباب له وتوكلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصم
وقوله تعالى: ﴿فأنى لهم) الآية، يحتمل أن يكون المعنى: ﴿فأنى لهم﴾ الخلاص أو النجاة ﴿إِذ
جاءتهم﴾ الذکری بما كانوا يخبرون به في الدنيا فيكذبون به وجاءهم العذاب مع ذلك. ويحتمل أن يكون
المعنى: فأنى لهم ذكراهم وعملهم بحسبها إذا جاءتهم الساعة، وهذا تأويل قتادة، نظيره: ﴿وأنى لهم
التناوش من مكان بعيد﴾ [سبا: ٥٢].
وقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ الآية إضراب عن أمر هؤلاء المنافقين وذكر الأهم،
والمعنى: دم على علمك، وهذا هو القانون في كل أمر بشيء هو متلبس به، وهذا خطاب للنبي عليه
السلام، وكل واحد من الأمة داخل معه فيه. واحتج بهذه الآية من قال من أهل السنة: إن العلم والنظر قبل
القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وبوب البخاري رحمه الله العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى:
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ الآية، وواجب على كل مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات،
فإنها صدقة. وقال الطبري وغيره: ﴿متقلبكم) تصرفكم في يقظتكم. ﴿ومثواكم﴾ منامكم. وقال ابن
عباس: ﴿متقلبكم﴾ تصرفكم في حياتكم الدنيا. ﴿ومثواكم﴾ في قبوركم وفي آخرتكم.
قوله عز وجل :
ج
وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحَكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ
طَاعَةٌ وَقَّوْلٌ
فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ

١١٧
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٢٠ - ٢٣
مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَقْصَدَ قُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ
٢٣
◌َ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْأَنْ تُفْسِدُواْ
٢١
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْأَرْحَامَكُمْ
هذا ابتداء وصف حال المؤمنين في جدهم في دين الله وحرصهم على ظهوره وحال المنافقين من
الكسل والفشل والحرص على فساد دين الله وأهله، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم يبعثهم على تمني
الظهور وتمني قتال العدو وفضيحة المنافقين ونحو ذلك مما هو ظهور للإسلام، فكانوا يأنسون بالوحي
ويستوحشون إذا أبطأ، والله تعالى قد جعل ذلك بآماد مضروبة وأوقات لا تتعدى، فمدح الله المؤمنين
بحرصهم. وقولهم: ﴿لولا نزلت سورة﴾ معناه: تتضمن إظهارنا وأمرنا بمجاهدة العدو ونحوه. ثم أخبر
تعالى عن حال المنافقين عند نزول أمر القتال.
وقوله: ﴿محكمة﴾ معناه: لا يقع فيها نسخ، وبهذا الوجه خصص السورة بالأحكام، وأما الإحكام
الذي هو بمعنى الإتقان، فالقرآن فيه كله سواء. وقال قتادة: كل سورة فيها القتال فهي محكمة، وهو أشد
القرآن على المنافقين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن، وليس من تفسير هذه الآية في شيء.
وفي مصحف ابن مسعود: ((سورة محدثة)). والمرض الذي في القلوب: استعارة لفساد المعتقد
وحقيقة الصحة والمرض في الأجسام، وتستعار للمعاني، ونظر الخائف الموله قريب من نظر ﴿المغشي
عليه﴾، وخسسهم هذا الوصف والتشبيه .
وقوله تعالى: ﴿فأولى لهم) الآية، ((أولى)): وزنه أفعل، من وليك الشيء يليك. وقالت فرقة وزنه:
أفلع، وفيه قلب، لأنه مشتق من الويل، والمشهور من استعمال ((أولى)): أنك تقول: هذا أولى بك من
هذا، أي أحق، وقد تستعمل ((أولى)) فقط على جهة الحذف والاختصار لما معها من القول، فتقول على
جهة الزجر والتوعد: أولى لك يا فلان، وهذه الآية من هذا الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿أولى لك فأولى﴾
[القيامة: ٣٤ - ٣٥]، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه للحسن: أولى لك. وقالت فرقة من
المفسرين: ((أولى)) رفع بالابتداء. و: ﴿طاعة﴾ خبره.
:
قال القاضي أبو محمد: فهذا هو المشهور من استعمال ((أولى)).
وقالت فرقة من المفسرين: ﴿أولى لهم﴾ ابتداء وخبر، معناه: الزجر والتوعد. ثم اختلفت هذه
الفرقة في معنى قوله: ﴿طاعة وقول معروف﴾ فقال بعضها، التقدير: ﴿طاعة وقول معروف﴾ أمثل، وهذا
هو تأويل مجاهد ومذهب الخليل وسيبويه، وحسن الابتداء بالنكرة لأنها مخصصة، ففيها بعض التعريف.
وقال بعضها التقدير: الأمر ﴿طاعة وقول معروف﴾، أي الأمر المرضي الله تعالى. وقال بعضها التقدير
قولهم لك يا محمد على جهة الهزء والخديعة ﴿طاعة وقول معروف﴾ فإذا عزم الأمر كرهوه، ونحو هذا من
التقدير قاله قتادة. وقال أيضاً ما معناه: إن تمام الكلام الذي معناه الزجر والتوعد بـ ((أولى)). وقوله ﴿لهم﴾

١١٨
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٢٠ -٢٣
ابتداء كلام، فـ ﴿طاعة﴾ على هذا القول: ابتداء، وخبره: ﴿لهم﴾ والمعنى أن ذلك منهم على جهة.
الخديعة، فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا.
وقوله : ﴿عزم الأمر﴾ استعارة كما قال:
قد جدت الحرب بکم فجدوا
ومن هذا الباب: نام ليلك ونحوه.
وقوله: ﴿صدقوا الله﴾ يحتمل أن يكون من الصدق الذي هو ضد الكذب، ويحتمل أن يكون من
قولك عود صدق، والمعنى متقارب.
٠ ١٠
وقوله تعالى: ﴿فهل عسيتم﴾ مخاطبة لهؤلاء ﴿الذين في قلوبهم مرض﴾ أي قل لهم يا محمد.
وقرأ نافع وأهل المدينة ((عسيتم)) بكسر السين. وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وأبو جعفر وشيبة:
((عسَيتم)) بفتح السين، والفتح أفصح، لأنه من عسى التي تصحبها ((أن)). والمعنى: فهل عسى أن تفعلوا
﴿إن توليتم﴾ غير ﴿أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾، وكأن الاستفهام الداخل على عسى غير
معناها بعض التغيير كما يغير الاستفهام قولك: أو لو كان كذا وكذا. وقوله: ﴿إن توليتم﴾ معناه: إن
أعرضتم عن الحق. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا
الأرحام وعصوا الرحمن.
وقرأ جمهور القراء: ((إن تولیتم)) والمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام. وقال كعب الأحبار ومحمد بن
كعب القرظي المعنى: إن توليتم أمور الناس من الولاية، وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني هاشم وبني
أمية، ذكره الثعلبي. وروى عبد الله بن مغفل عن النبي عليه السلام: ((إن وُليتم)! بواو مضمومة ولام
مكسورة. قرأ علي بن أبي طالب: ((إن تُؤُلَّيتم)) بضم التاء والواو وكسر اللام المشددة على معنى: إن وليتكم
ولاية الجور فملتم إلى دنياهم دون إمام العدل، أو على معنى: إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وأفعال العرب
في جاهليتها وسيرتها من الغارات والسباء، فإنما كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وقيل
معناها: إن توليكم الناس ووكلكم الله إليهم.
وقرأ جمهور الناس:((وتُقطّعوا)) بضم التاء وشد الطاء المكسورة. وقرأ أبو عمرو: ((وتَقطّعوا)) بفتح التاء
والطاء المخففة، وهي قراءة سلام ويعقوب.
وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ إشارة إلى مرضى القلوب المذكورين. و: ﴿لعنهم)
معناه: أبعدهم. وقوله: ﴿فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ استعارة لعدم سمعهم فكأنهم عمي وصم.
٠٠
قوله عز وجل:
أَفَلاَ يَتَّدُبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٦) إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُّ واْعَلَى أَدْبَرِ هِمِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْمَا
لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴾

١١٩
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٢٤ - ٢٨
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَبِكَةُ
نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِ بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اُللَّهَ وَكَرِهُواْرِضْوَانَهُ
فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ
٢٨
قوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ توقيف وتوبيخ، وتدبر القرآن: زعيم بالتبيين والهدى.
و: ﴿أم﴾ منقطعة وهي المقدرة ببل وألف الاستفهام.
وقوله تعالى : ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ استعارة للرين الذي منعهم الإيمان. وروي أن وفد الیمن وفد
على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الفتى
عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه
حتى ولي الخلافة فاستعان بذلك الفتى .
وقوله تعالى: ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم﴾ الآية، قال قتادة: إنها نزلت في قوم من اليهود كانوا
قد عرفوا من التوراة أمر محمد عليه السلام وتبين لهم الهدى بهذا الوجه، فلما باشروا أمره حسدوه فارتدوا
عن ذلك القدر من الهدى. وقال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم نافقت قلوبهم. والآية
تعم كل من دخل في ضمن لفظها غابر الدهر. و: ﴿سول﴾ معناه: أرجاهم سولهم وأمانيهم، وقال أبو
الفتح عن أبي علي أنه بمعنى: دلاهم، مأخوذ من السول: وهو الاسترخاء والتدلي.
وقرأ جمهور القراء: ((وأملى لهم)) وأمال ابن كثير وشبل وابن مصرف: ((أملى)). وفاعل ﴿أملى﴾ هنا:
قال الحسن: هو ﴿الشيطان﴾ جعل وعده الكاذب بالبقاء كالإملاء، وذلك أن الإملاء هو الإبقاء ملاوة من
الدهر، يقال مُلاوة ومَلاوة ومِلاوة بضم الميم وفتحها وكسرها، وهي القطعة من الزمن، ومنه الملوان الليل
والنهار، فإذا أملى الشيطان إملاء لا صحة له إلا بطمعهم الكاذب، ويحتمل أن يكون الفاعل في ﴿أملى﴾
الله عز وجل، كأنه قال: الشيطان سول لهم وأملى الله لهم. وحقيقة الإملاء إنما هو بيد الله عز وجل، وهذا
هو الأرجح. وقرأ الأعرج ومجاهد والجحدري والأعمش: ((وأملي لهم)) بضم الهمزة وكسر اللام وإرسال ياء
المتكلم، ورواها الخفاف عن أبي عمرو ((وأمليَ)) بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، وهي قراءة شيبة
وابن سيرين والجحدري وعيسى البصري وعيسى الهمذاني، وهذا يحتمل فاعله من الخلاف ما في القراءة
الأولى .
وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا﴾ الآية، قيل إنها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدم ذكرهم في تفسير
قوله: ﴿إن الذين ارتدوا﴾ وروي أن قوماً من قريظة والنضير كانوا يعدون المنافقين في أمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم والخلاف عليه بنصر وموازرة، وذلك قولهم ﴿سنطيعكم في بعض الأمر﴾.
وقرأ جمهور القراء (أسرارهم)) بفتح الهمزة، وذلك على جمع سر، لأن أسرارهم كانت كثيرة. وقرأ
حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((إسرارهم)) بكسر الهمزة، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والأعمش، وهو
مصدر اسم الجنس.

١٢٠
تفسير سورة محمّد / الآيات: ٢٩ - ٣٢
وقوله تعالى: ﴿فكيف إذا توفتهم﴾ الآية، يحتمل أن يتوعدوا به على معنيين: أحدهما هذا هلعهم
وجزعهم لفرض القتال وفراع الأعداء، ﴿فكيف﴾ فزعهم وجزعهم ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾؟ والثاني أن
يريد: هذه معاصيهم وعنادهم وكفرهم، ﴿فكيف﴾ تكون حالهم مع الله ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾؟ وقال
الطبري: المعنى ﴿والله يعلم أسرارهم فكيف﴾ علمه بها ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾ و﴿الملائكة﴾ هنا:
ملك الموت والمصرفون معه. والضمير في: ﴿يضربون﴾ لـ ﴿الملائكة﴾، وفي نحو هذا أحاديث تقتضي
صفة الحال ومن قال إن الضمير في: ﴿يضربون﴾ للكفار الذين يتوفون، فذلك ضعيف. و: ﴿ما أسخط
الله﴾ هو الكفر. والرضوان هنا: الشرع والحق المؤدي إلى رضوان، وقد تقدم القول في تفسير قوله:
﴿أحبط أعمالهم﴾ .
وقرأ الأعمش: ((فكيف إذا توفاهم الملائكة)).
قوله عز وجل :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَنْ لَّنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴿ وَلَوْنَشَآءُ لَأَرَبِنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْنَهُم
بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلَّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حََّ نَعْلَمَ الْمُجَتِهِدِينَ
﴿ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّواْ الرَّسُولَ مِنْ
٣١
مِنكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ
بَعْدِ مَاتَبَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُ واْاللَّهَ شَيْئًا وَسَيُخْبِطُ أَعْمَلَهُمْ
هذه الآية توبيخ للمنافقين وفضح لهم.
وقوله: ﴿أم حسب﴾ توقيف وهي (أم) المنقطعة، وتقدم تفسير مرض القلب. وقوله: ﴿أن لن
يخرج الله أضغانهم﴾ أي يبديها من مكانها في نفسوسهم. والضغن: الحقد. وقوله تعالى: ﴿ولو نشاء
الأريناكم﴾ مقاربة في شهرتهم، ولكنه تعالى لم يعينهم قط بالأسماء والتعريف التام إبقاء عليهم وعلى
قرابتهم، وإن كانوا قد عرفوا بـ﴿لحن القول﴾ وكانوا في الاشتهار على مراتب كعبد الله بن أبيّ والجد بن
قيس وغيرهم ممن دونهم في الشهرة. والسيما: العلامة التي كان تعالى يجعل لهم لو أراد التعريف التام
بهم. وقال ابن عباس والضحاك: إن الله تعالى قد عرفه بهم في سورة براءة. في قوله: ﴿ولا تصل على
أحد منهم مات أبداً﴾ [التوبة: ٨٤] وفي قوله: ﴿قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً﴾
[التوبة: ٨٣].
قال القاضي أبو محمد: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تام، بل هو لفظ يشير إليهم على الإجمال لا
أنه سمى أحداً. وأعظم ما روي في اشتهارهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوماً فأخرجت منهم
جماعة من المسجد كأنه وسمهم بهذا لكنهم أقاموا على التبري من ذلك وتمسكوا بلا إله إلا الله فحقنت
دماؤهم. وروي عن حذيفة ما يقتضي أن النبي عليه السلام عرفه بهم أو ببعضهم، وله في ذلك كلام مع
عمر رضي الله عنه. ثم أخبر تعالى أنه سيعرفهم ﴿في لحن القول﴾، ومعناه في مذهب القول ومنحاه