النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تفسير سورة الشورى / الآيات: ٤٢ - ٤٥
وقوله تعالى: ﴿إنما السبيل). وقوله: ﴿أليم) اعتراض بين الكلامين، ثم عاد في قوله: ﴿ولمن
صبر﴾ إلى الكلام الأول، كأنه قال: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر.
واللام في قوله: ﴿ولمن صبر﴾ يصح أن تكون لام القسم، ويصح أن تكون لام الابتداء. و((من)) ابتداء.
وخبره في قوله: ﴿إن ذلك﴾. و: ﴿عزم الأمور) محكها ومتقنها والحميد العاقبة منها. ومن رأى أن هذه
الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الضمير للمشركين كان أفضل، قال إن الآية نسخت بآية
السيف، ومن رأى أن الآية إنما هي بين المؤمنين، قال هي محكمة، والصبر والغفران أفضل إجماعاً، وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد، من كان له على الله أجر فليقم، فيقوم عنق
من الناس كثير، فيقال ما أجركم؟ فيقولون: نحن الذين عفونا ظلمنا في الدنيا)».
وقوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده﴾ تحقير لأمر الكفرة فلا يبال بهم أحد من
المؤمنين، فقد أضارهم كفرهم وإضلال الله إياهم إلى ما لا فلاح لهم معه. ثم وصف تعالى لنبيه عليه
السلام حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب فاجتزى من صفتهم وصفة حالتهم بأنهم يقولون ﴿هل إلى
مرد من سبيل﴾، وهذه المقالة تدل على سوء ما أطلعوا عليه، والمراد موضوع الرد إلى الدنيا، والمعنى
الذي قصدوه أن يكون رد فيكون منهم استدراك للعمل والإيمان. والرؤية في هذه الآية: رؤية عين.
والضمير في قوله: ﴿عليها﴾ عائد على النار، وعاد الضمير مع أنها لم يتقدم لها ذكر من حيث دل عليها
قوله: ﴿رأوا العذاب) وقوله: ﴿من الذل﴾ يحتمل أن يتعلق بـ ﴿خاشعين) ويحتمل أن يتعلق بما بعده من
قوله: ﴿ينظرون﴾.
وقرأ طلحة بن مصرف: ((من الذِل)) بكسر الذال.
والخشوع: الاستكانة، وقد يكون محموداً، وما يخرجه إلى حالة الذم قوله: ﴿من الذل﴾ فيقوى
على هذا تعلق: ﴿من﴾ بـ : ﴿خاشعين﴾.
وقوله: ﴿من طرف خفي﴾ يحتمل ثلاثة معان. قال ابن عباس: خفي ذليل.
قال القاضي أبو محمد: لما كان نظرهم ضعيفاً ولحظهم بمهانة وصفه بالخفاء، ومن هذا المعنى
قول الشاعر [جرير بن عطية]:
فغض الطرف إنك من نمير
وقال قوم فيما حكى الطبري: لما كانوا يحشرون عمياً وكان نظرهم بعيون قلوبهم جعله طرفاً خفياً،
أي لا يبدو نظرهم، وفي هذا التأويل تكلف. وقال قتادة والسدي: المعنى يسارقون النظر لما كانوا من الهم
وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين، وإنما ينظرون من بعضها. قال: ﴿من طرف خفي﴾ أي
قليل. فـ ((الطرف)) هنا على هذا التأويل يحتمل أن يكون مصدراً، أي يطرف طرفاً خفياً. وقول: ﴿الذين آمنوا)
هو في يوم القيامة عندما عاينوا حال الكفار وسوء منقلبهم. وخسران الأهلين: يحتمل أن يراد به أهلوهم
الذين كانوا في الدنيا، ويحتمل أن يراد به أهلوهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة أن لو دخلوها.

٤٢
تفسير سورة الشورى / الآيات: ٤٦ - ٤٨
وقوله تعالى: ﴿ألا إن الظالمين في عذاب مقيم﴾ يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ حكاه الله
عنهم، ويحتمل أن يكون استئنافاً من قول الله تعالى وإخباره لمحمد عليه السلام.
قوله عز وجل :
أُسْتَجِيبُواْ
٤٦
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنْصُرُونَهُمْ مِن دُونِ اللَّهِ وَ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَ لَهُ مِن سَبِيلٍ
لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّلَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَا يَوْمَيٍِ وَمَا لَكُمْ مِّنذَكِيرٍ
فَإِنْ أَعْرَ ضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ خَفِيظًاْ إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا
(٤٧
(٤٨
رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِّئَةٌ بِمَا قَدَّ مَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَ الْإِنِسَنَ كَفُورٌ!
قوله تعالى: ﴿وما كان لهم من أولياء﴾ إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها
واعتقدت ذلك دیناً، المعنی : فما بالهم یوالون هذه التي لا تضر ولا تنفع، ولکن من يضلل الله ﴿فما له من
سبيل﴾ هدى ونجاة، ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته، وحذرهم إتيان يوم القيامة
الذي لا يرد أحد بعده إلى عمل، والذي لا ملجأ ولا منجا لأحد فيه إلا إلى العلم بالله تعالى والعمل
الصالح في الدنيا، فأخبرهم أنه لا ملجأ لهم ولا نكير. والنكير مصدر بمعنى الإنكار وهو بمنزلة عديد الحي
ونحوه من المصادر، ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل من نكر، وإن كان المعنى يبعد به، لأن نكر
إنما معناه لم يميز وظن الأمر غير ما عهده.
وقوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ تأنيس لمحمد عليه السلام وإزالة لهمه
بهم، وأعلمه أنه ليس عليه إلا البلاغ وتوصيل الحجة، ثم جاءت عبارة في باقي الآية هي بمنزلة ما يقول،
والقوم قوم عتو وتناقض أخلاق واضطراب، إذا أذيقوا رحمة فرحوا بها وبطروا، وإن أصابت سيئة أي مصيبة
تسوءهم في أجسامهم أي في نفوسهم، وذلك بذنوبهم وقبيح فعلهم فإنهم كفر عند ذلك غير صبر. وعبر
بـ ﴿الإنسان﴾ الذي هو اسم عام ليدخل في الآية والمذمة جميع الكفرة من المجاورين يومئذ ومن غيرهم،
وجمع الضمير في قوله: ﴿تصبهم﴾ وهو عائد على لفظ ﴿الإنسان﴾ من حيث هو اسم جنس يعم كثيراً.
قوله عز وجل :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ
وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ
جَ أَوْبُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَّاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ
ج
ج
حَكِيمٌ ﴾ وَكَذَلِكٌ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَنُ وَلَكِنْ

٤٣
تفسير سورة الشورى / الآيات: ٤٩ - ٥٣
جَعَلْنَهُ نُورًّا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
٥٣
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى
٥٢
لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُالْأُمُورُ
الآية الأولى آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع، وأن مشيئته تبارك وتعالى نافذة في
جميع خلقه وفي كل أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإن الذي يخلق ما يشاء ويخترع، فإنما هو الله
تبارك وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق فيهب الإناث لمن يشاء، أي يجعل بنيه نساء، ويهب الذكور لمن
يشاء على هذا الحد، أو ينوعهم مرة يهب ذكراً ويهب أنثى، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿أو يزوجهم).
وقال محمد بن الحنفية: يريد بقوله تعالى: ﴿أو يزوجهم﴾ التوأم، أي يجعل في بطنٍ زوجاً من الذرية
ذكراً وأنثى. والعقيم: الذي لا يولد له، وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة، وهذه الآية تقضي بفساد وجود
الخنثى المشكل. وبدىء في هذه الآية بذكر الإناث تأنيساً بهن وتشريفاً لهن ليتهمم بصونهن والإحسان
إليهن، وقال النبي عليه السلام: ((من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له حجاباً من النار)).
وقال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، حكاه
الثعلبي. وقال إسحاق بن بشر: نزلت هذه الآية في الأنبياء ثم عمت، فلوط أبو البنات لم يولد له ذكر،
وإبراهيم ضده، ومحمد عليه السلام ولد له الصنفان، ويحيى بن زكرياء عقيم.
وقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله
موسى ونحو ذلك، ذهبت قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله
عباده کیف هو، فبين الله أنه لا یکون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا یمکن فيه أن یکلمه الله إلا بأن يوحي
إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد، والنفث في القلب. وقال النقاش: أو وحي في منام؟ قال
إبراهيم النخعي: كان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو
للمتكلم جهة ولا حيزاً كموسى عليه السلام، وهذا معنى: ﴿من وراء حجاب﴾ أي من خفاء عن المتكلم
لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافهه بوحي الله
تعالى. وقرأ جمهور القراء والناس: ((أو يرسلَ)) بالنصب ((فيوحيَ)) بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل
المدينة: ((أو يرسلُ)) بالرفع ((فيوحي)) بسكون الياء ورفع الفعل. فأما القراءة الأولى فقال سيبويه: سألت
الخليل عنها فقال: هي محمولة على ﴿أن﴾ غير التي في قوله: ﴿أن يكلمه الله﴾ لأن المعنى كان يفسد لو
عطف على هذه، وإنما التقدير في قوله: ﴿وحياً﴾ إلا أن يوحي وحياً.
وقوله: ﴿من وراء حجاب﴾، ﴿من﴾ متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو يكلمه من
وراء حجاب، ثم عطف: ((أو يرسل)) على هذا الفعل المقدر.
وأما القراءة الثانية فعلى أن ((يرسل)) في موضع الحال أو على القطع، كأنه قال: أو هو يرسل،
وكذلك يكون قوله: ﴿إلا وحياً﴾ مصدر في موضع الحال، كما تقول: أتيتك ركضاً وعدواً، وكذلك قوله:
﴿من وراء حجاب﴾ في موضع الحال كما هو قوله: ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين﴾ [آل

٤٤
تفسير سورة الشورى / الآيات: ٤٩ - ٥٣
عمران: ٤٦] في موضع الحال، فكذلك ﴿من﴾ [آل عمران: ٤٦] وما عملت فيه هذه الآية أيضاً، ثم
عطف قوله: ((أو يرسلَ)) على هذه الحال المتقدمة. وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم،
وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه .
وقوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك﴾ المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا إليك أو
بالرسل. والروح في هذه الآية: القرآن وهدى الشريعة سماه ﴿روحاً﴾ من حيث يحيي به البشر والعالم،
كما يحيي الجسد بالروح، فهذا على جهة التشبيه.
وقوله تعالى: ﴿من أمرنا﴾ أي واحد من أمورنا، ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام، و﴿من﴾
لابتداء الغاية ..
وقوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ توقيف على مقدار النعمة. والضمير في:
﴿جعلناه﴾ عائد على الكتاب، و. ﴿يهدي﴾ بمعنی یرشد.
وقرأ جمهور الناس: ((وإنك لَتَهدي)) بفتح التاء وكسر الدال. وقرأ حوشب: ((تُهدَى)) بضم التاء وفتح
الدال على بناء الفعل للمفعول، وفي حرف أبي: ((لتدعو))، وهي تعضد قراءة الجمهور. وقرأ ابن السميفع
وعاصم والجحدري: ((لتُهدِي)) بضم التاء وكسر الدال ..
وقوله: ﴿صراط الله﴾ يعني صراط شرع الله ورحمته وجنته، فبهذا الوجه ونحوه من التقدير أضيف
الصراط إلى الله تعالى. واستفتح القول في الإخبار بصيرورة الأمور إلى الله تعالى مبالغة وتحقيقاً وتثبيتاً،
والأمور صائرة على الدوام إلى الله تعالى، ولكن جاءت هذه العبارة مستقبلة تقريباً لمن في ذهنه أن شيئاً من
الأمور إلى البشر. وقال سهيل بن أبي الجعد: احترق مصحف فلم يبق منه إلا قوله: ﴿ألا إلى الله تصير
الأمور﴾ .

٤٥
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ١ - ٩
بِسْمِ اللهِ الرّحمَن الرَّحِيةِ
سُورَةُ الزّخْرُقِ
هذه السورة مكية بإجماع من أهل العلم.
قوله عز وجل :
حمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ
وَإِنَُّ فِىَ أُمِّ
٣
إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَ بِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٢
أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا
الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌ حَكِيمُ ﴾
مُسْرِفِينَ ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبٍِ فِ اَلْأَوَّلِينَ ﴿ وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيّ إِلََّ كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ
﴿فَأَ هْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
تقدم القول في الحروف في أوائل السور.
وقوله: ﴿والكتاب﴾ خفض بواو القسم. و: ﴿المبين﴾ يحتمل أن يكون من أبان الذي هو بمعنى
بان، أي ظهر، فلا يحتاج إلى مفعول، ويحتمل أن يكون معدى من بان، فهذا لا بد من مفعول تقديره:
المبين الهدى أو الشرع ونحوه.
وقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه﴾ معناه: سميناه وصيرناه، وهو إخبار عليه وقع القسم، والضمير في:
﴿جعلناه﴾ عائد على: ﴿الكتاب﴾، و: ﴿عربياً﴾ معناه: بلسانكم لئلا يبقى لكم عذر.
وقوله: ﴿لعلكم تعقلون﴾ ترج بحسب معتقد البشر، أي إذا أبصر المبصر من البشر هذا الفعل منا
ترجى منه أن يعقل الكلام ويفهم.
وقوله تعالى: ﴿وإنه﴾ عطف على قوله: ﴿إنا جعلناه﴾ وهذا الإخبار الثاني واقع أيضاً تحت القسم.
و: ﴿أم الكتاب﴾ اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع.
واختلف المتأولون كيف هو في ﴿أم الكتاب﴾، فقال عكرمة وقتادة والسدي وعطية بن سعيد: القرآن
بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل عليه السلام ينزل، وهنالك هو علي حكيم. وقال جمهور الناس: إنما
في اللوح المحفوظ ذكره ودرجته ومكانته من العلو والحكمة.
:

٤٦
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ١ -٩
وقرأ جمهور الناس: ((في أم)) بضم الهمزة، وقرأها بكسر الهمزة يوسف والي العراق وعيسى بن
عمر.
وقوله: ﴿أَفتضرب﴾ بمعنى: أفنترك، تقول العرب أضربت عن كذا وضربت إذا أعرضت وتركته.
و: ﴿الذكر﴾ هنا الدعاء إلى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح: ﴿الذكر﴾ هنا هو
العذاب نفسه، وقال الضحاك ومجاهد: ﴿الذكر﴾ القرآن.
وقوله تعالى: ﴿صفحاً﴾ انتصابه كانتصاب ﴿صنع الله﴾ [النمل: ٨٨]، فيحتمل أن يكون بمعنى
العفو والغفر للذنب، فكأنه يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم وغفراً لإجرامكم إذ كنتم أو من
أجل أن كنتم قوماً مسرفين، أي هذا لا يصلح، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، ويحتمل قوله: ﴿صفحاً﴾
أن يكون بمعنى مغفولاً عنه، أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبر ولا تنبهون عليه ، وهذا المعنى نظير
قول الشاعر: [الطويل]
تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي إن يهب هبوبها
أي تمر مغفولاً عنها، فكأن هذا المعنى: أفنترككم سدى، وهذا هو منجى قتادة وغيره، ومن اللفظة
قول كثير: [الطويل]
فمن مل منها ذلك الوصل ملت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة
وقرأ السميط بن عمرو السدوسي: ((صُفحاً)) بضم الصاد. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ((إن كنتم))
بكسر الألف، وهو جزاء دل ما تقدم على جوابه. وقرأ الباقون والأعرج وقتادة: ((أن كنتم)) بفتح الألف.
بمعنى من أجل أن، وفي قراءة ابن مسعود: ((إذ كنتم)). والإسراف في الآية: هو الكفر والضلال البعيد في
عبادة غير الله عز وجل والتشريك به .
وقوله تعالى: ﴿وكم أرسلنا من نبيء في الأولين﴾ الآيات تسلية لمحمد عليه السلام، وذكر إسوة له
ووعيد لهم وتهديد بأن يصيبهم ما أصاب من هو أشد بطشاً. والأولون: هم الأمم الماضية كقوم نوح وعاد
وثمود وغيرهم، والضمير في قوله: ﴿كانوا يستهزئون﴾ ظاهره العموم والمراد به الخصوص فيمن استهزأ،
وإلا فقد كان في الأولين من لم يستهزىء، والضمير في: ﴿منهم﴾ عائد على قريش.
وقوله تعالى: ﴿ومضى مثل الأولين﴾ أي سلف أمرهم وسنتهم، وصاروا عبرة عابر الدهر.
وقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم) الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض في أمرهم،
وذلك أنهم يقرون أن الخالق الموجد لهم والسماوات والأرض هو الله تعالى، وهم مع ذلك يعبدون أصناماً
ويدعونها آلهتهم، ومقتضى جواب قريش أن يقولوا ((خلقهن الله)) فلما ذكر تعالى المعنى جاءت العبارة عن
الله بـ ﴿العزيز العليم) ليكون ذلك توطئة لما عدد بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها وقطعها من الكلام
الذي حکی معناه عن قريش.

٤٧
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ١٠ - ١٤
قوله عز وجل :
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا لَّمَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿َّهِ وَالَّذِى نَزَّلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَابِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ( وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ
كُلَهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَاتَرَّكَبُونَ ﴿ لِتَسْتَوُ اْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُ واْنِعْمَةَ رَبَّكُمْ
وَإِنَّا إِلَى رَبْنَا
١٣
إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
١٤
لَمُنْقَلِبُونَ !
هذه أوصاف فعل، وهي نعم من الله تعالى على البشر، تقوم بها الحجة على كل كافر مشرك بالله
تعالی .
وقوله: ﴿الذي جعل لكم﴾ ليس من قول المسؤولين، بل هو ابتداء إخبار من الله تعالى.
وقرأ جمهور الناس: ((مهاداً)) وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش: ((مهداً))، والمعنى واحد، أي يتمهد
ويتصرف فيها .
والسبل: الطرق. و: ﴿تهتدون﴾ معناه في المقاصد من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر، ويحتمل أن
يريد: ﴿تهتدون﴾ بالنظر والاعتبار.
وقوله تعالى: ﴿من السماء﴾ هو المطر بإجماع، واختلف المتأولون في معنى قوله: ﴿بقدر﴾ فقالت
فرقة معناه: بقضاء وحتم في الأزل. وقال آخرون المعنى: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فيفسد ولا قلة
فيقصر، بل غيثاً مغيثاً سبيلاً نافعاً. وقالت فرقة معناه: بتقدير وتحرير، أي قدراً معلوماً، ثم اختلف قائلو
هذه المقالة، فقال بعضهم: ينزل كل عام ماء قدراً واحداً لا يفضل عام عاماً، لكن يكثر مرة هنا ومرة
هاهنا. وقالت فرقة: بل ينزل الله تقديراً ما في عام، وينزل في آخر تقديراً آخر بحسب ما سبق به قضاؤه،
لا إله غيره. و: ﴿أنشرنا﴾ معناه: أحيينا، يقال: نشر الميت، وأنشره الله. و: ﴿بلدة﴾ اسم جنس،
ووصفها بـ ﴿ميتاً﴾ دون ضمير من حيث هي واقعة موقع قطر ونحوه، إذ التأنيث فيها غير حقيقي.
وقرأ الجمهور: ((ميْتاً)) بسكون الياء. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ((مِّآ)) بياء مكسورة مشددة، وهي
قراءة عيسى بن عمر، والأول أرجح لشبه لفظها: بزور، وعدل، فحسن وصف المؤنث بها .
وقرأ أكثر السبعة والأعرج وأبو جعفر: ((كذلك تُخرَجون)) بضم التاء وفتح الراء. وقرأ حمزة والكسائي
وابن وثاب وعبد الله بن جبير المصيح: ((وكذلك تَخرُجون)) بفتح التاء وضم الراء.
و: ﴿الأزواج﴾ الأنواع من كل شيء، و﴿من﴾ في قوله: ﴿من الفلك﴾ للتبعيض، وذلك أنه لا
يركب من الأنعام غير الإبل، وتدخل الخيل والبغال والحمير فيما يركب بالمعنى. واللام في قوله:
﴿لتستووا﴾ لام الأمر، ويحتمل أن تكون لام كي، و﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما تركبون﴾ واقعة على النوع

٤٨
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ١٥ - ١٩
المركوب، والضمير في: ﴿ظهوره﴾ عائد على النوع الذي وقعت عليه ﴿ما﴾.
وقد بينت آية ما يقال عند ركوب الفلك، وهو: ﴿باسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم﴾
[هود: ٤١] وإنما هذه خاصة فيما يركب من الحيوان، ويقال (-) عند النزول منها: اللهم أنزلنا منزلاً مباركاً
وأنت خير المنزلين. والسنة للراكب إذا ركب أن يقول: الحمد لله على نعمة الإسلام، أو على النعمة
بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو على النعمة في كل حال، وقد روي هذا اللفظ عن علي بن أبي طالب عن
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سبحان الذي﴾ الآية، وركب أبو مجلز لاحق بن حميد وقال: ((سبحان
الله)) الآية، ولم يذكر نعمة، وسمعه الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال: ما هكذا أمرتم، قال أبو مجلز،
فقلت له: كيف أقول؟ قال: قل الحمد لله الذي هدانا للإسلام، أو نحو هذا، ثم تقول بعد ذلك: ﴿سبحان
الذي﴾ الآية، وكان طاوس إذا ركب قال: اللهم هذا من منك وفضلك، ثم يقول: ﴿سبحان الذي﴾ الآية،
وإن قدرنا أن ذكر النعمة هو بالقلب والتذكير بدأ الراكب: بـ ﴿سبحان الذي سخر﴾، وهو يرى نعمة الله في
ذلك وفي سواه. والمقرن: الغالب الضابط المستولي على الأمر المطيق له. وروي أن بعض الأعراب ركب
جملاً فقيل له قل: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ فقال: أما والله إني لمقرن تياه،
فضرب به الجمل فوقصه فقتله.
وقوله: ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ أمر بالإقرار بالبعث وترداد القول به، وذلك داعية إلى استشعار
النظر فيه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا ركب ولم يقل هذه الآية جاءه الشيطان
فقال: ((تغنه، فإن كان يحسن غنى، وإلا قال له تمنه، فيتمنى الأباطيل ويقطع زمنه بذلك)).
قوله عز وجل :
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنِسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينُ ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ
بِالْبَنِينَ ﴿ وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُمٍ مُسْوَدًّا وَهُوَكَظِيمُ
١٧٠
وَجَعُلُواْالْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ
١٨
أَوَمَن يُنَشَؤُاُفِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَاِ غَيْرٌ مُبِينٍ
الرَّحْمَنِ إِنَنَّا أَشَهِدُ واْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَ تُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
١٩
الضمير في: ﴿جعلوا﴾ لكفار قريش والعرب، والضمير في: ﴿له﴾ لله تعالى. والجزء: القطع من
الشيء، وهو بعض الكل، فكأنهم جعلوا جزءاً من عباده نصيباً له وحظاً، وذلك في قول كثير من المتأولين
قول العرب: الملائكة بنات الله، وقال بعض أهل اللغة الجزء: الإناث، يقال أجزأت المرأة إدا ولدت
أنثى، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
قد تجزىء المرأة المذكار أحيانا
إن أجزأتْ حرة يوماً فلا عجب
وقد قيل في هذا البيت إنه بيت موضوع. وقال قتادة: المراد بالجزء: الأصنام وفرعون وغيره ممن عبد

٤٩
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ١٥ - ١٩
من دون الله، أي جزءاً نداً، فعلى هذا التأويل فتعقيب الكفرة في فصلين في أمر الأصنام وفي أمر
الملائكة، وعلى هذا التأويل الأول فالآية كلها في أمر الملائكة.
وقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لكفور﴾ أي بلفظ الجنس العام، والمراد بعض الإنسان، وهو هؤلاء
الجاعلون ومن أشبههم. و: ﴿مبين﴾ في هذا الموضع غير متعد.
وقوله تعالى: ﴿أم اتخذ﴾ إضراب وتقرير، وهذه حجة بالغة عليهم. إذ المحمود من الأولاد
والمحبوب قد خوله الله بني آدم، فكيف يتخذ هو لنفسه النصيب الأدنى. ﴿وأصفاكم) معناه: خصكم
وجعل ذلك صفوة لكم، ثم قامت الحجة عليهم في هذا المعنى وبانت بقوله تعالى: ﴿وإذا بشر﴾ الآية.
و؛ ﴿مسوداً﴾ خبر: ﴿ظل﴾. والكظيم: الممتلىء غيظاً الذي قد رد غيظه إلى جوفه، فهو يتجرعه ويروم
رده، وهذا محسوس عند الغيظ، ثم زاد توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: ﴿أو من ينشأ﴾. و: ﴿من﴾ في
موضع نصب بفعل يدل عليه: ﴿جعلوا﴾ كأنه قال: أو من ينشأ في الحلية وهو الذي خصصتم به الله ونحو
هذا، والمراد به: ﴿من﴾ النساء، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، و: ﴿ينشأ﴾ معناه: ينبت
ویکبر.
وقرأ جمهور القراء: ((يَنشأ)) بفتح الياء. وقرأ ابن عباس وقتادة: ((يُنشىء)) بضم الياء على تعدية الفعل
بالهمزة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ((يُنشأ)) بضم الياء وفتح الشين على تعدية الفعل
بالتضعيف، وهي قراءة ابن عباس أيضاً والحسن ومجاهد، وفي مصحف ابن مسعود: ((أومن لا ينشأ إلا في
الحلية».
و: ﴿الحلية﴾ الحلي من الذهب والفضة والأحجار. و: ﴿الخصام) المحاجة ومجاذبة المحاورة،
وقل ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود: ((وهو في الكلام غير مبين)).
و: ﴿مبين﴾ في هذه الآية متعد، والتقدير ﴿غير مبين﴾ غرضاً أو منزعاً ونحو هذا. وقال ابن زيد: المراد
بـ: ﴿من ينشأ في الحلية) الآية: الأصنام والأوثان، لأنهم كانوا يتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة،
وكانوا يجعلون الحلي على كثير منها.
ولما فرغ تعنيفهم على ما أتوا في جهة الله تعالى بقولهم: الملائكة بنات الله، بين تعالى فساداً في
مقالتهم بعينها من جهة أخرى من الفساد، وذلك شنيع قولهم في عباد الله مختصين مقربين أنهم إناث.
وقرأ أكثر السبعة وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وعلقمة: ((عباد الرحمن إناثاً)). وقرأ ابن كثير
ونافع وابن عامر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((عند
الرحمن إناثاً)) وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة وقربها في التكرمة كما قيل: ملك مقرب، وقد يتصرف
المعنيان في كتاب الله تعالى في وصف الملائكة في غير هذه الآية فقال تعالى: ﴿بل عباد مكرمون﴾
[الأنبياء: ٢٦]، وقال تعالى في أخرى: ﴿فالذين عند ربك﴾ [فصلت: ٣٨]، وفي مصحف ابن مسعود:
(((وجعلوا الملائكة عبد الرحمن إناثاً».
وقرأ نافع وحده ((أُشهدوا)) بالهمزتين وبلا مد بينهما، وبفتح الأولى وضم الثانية وتسهيلها بين الهمزة
--

٥٠
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٢٠ - ٢٥
والواو، ورواها المفضل عن عاصم بتحقيق الهمزتين. وقرأ المسيبي عن نافع بمد بين الهمزتين. وقرأ أبو
عمرو ونافع أيضاً وعلي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد: ((أ. شهدوا)) بتسهيل الثانية بلا مد. وقرأ جماعة
من القراء بالتسهيل في الثانية ومدة بينهما. وقرأ آخرون: ((أشهدوا)) بهمزة واحدة بغير استفهام، وهي قراءة
الزهري، وهي صفة لإناث، أي مشهداً خلقهم.
ومعنى الآية: التوبيخ وإظهار فساد عقولهم، وادعائهم وأنها مجردة من الحجة، وهذا نظير الآية الرادة
على المنجمين وأهل الطبائع، وهي قوله تعالى: ﴿ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم)
[الكهف: ٥١] الآية.
١
وقرأ جمهور الناس: ((ستُكتب شهادتُهم)) برفع الشهادة وبناء الفعل للمفعول. وقرأ الأعرج وابن
عباس وأبو جعفر وأبو حيوة: ((سنكتب)) بنون الجمع ((شهادتَهم)) بالنصب. وقرأت فرقة: ((سيكتب)» بالياء على
معنى: سيكتب الله ((شهادتَهم)) بالنصب. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((ستُكتب شهاداتُهم)) على بناء الفعل
للمفعول وجمع الشهادات.
وفي قوله تعالى: ﴿ويسألون﴾ وعيد مفصح. و: ﴿أشهدوا﴾ في هذه الآية معناه: أحضروا وليس
ذلك من شهادة تحمل المعاني التي تطلب أن تؤدى .
قوله عز وجل :
وَقَالُوْلَوْشَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ مَّالَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
كِتَبَامِن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَ
ءَاثَزِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن ◌َّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآءَ نَا
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِنَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ ءَابَآَ كُمْقَالُواْ
٢٣
عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَرِهِمْ مُقْتَدُونَ
إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمِهِ كَفِرُونَ ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
٢٥
ذكر الله تعالى احتجاج الكفار لمذهبهم ليبين فساد منزعهم، وذلك أنهم جعلوا إمهال الله لهم وإنعامه
عليهم وهم يعبدون الأصنام، دليلاً على أنه يرضى عبادة الأصنام ديناً، وأن ذلك كالأمر به، فنفى الله عن
الكفرة أن يكون لهم علم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك، وإنما هم يظنون و﴿يخرصون﴾
ويخمنون، وهذا هو الخرص والتخرص.
:
وقرأ جمهور الناس: ((على أُمة)) بضم الهمزة، وهي بمعنى الملة والديانة، والآية على هذا تعيب
عليهم التقليد. وقرأ مجاهد والعبدري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ((على إمة)) بكسر الهمزة وهي
بمعنى النعمة، ومنه قول الأعشى :
بإمته يعطي القطوط ويافق
ولا الملك النعمان يوم لقيته

٥١
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٢٦ - ٣٠
ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف]
ـة وارتهم هناك القبور
ثم بعد الفلاح والملك والإمـ
فالآية على هذا استمرار في احتجاجهم، لأنهم يقولون: وجدنا آباءنا في نعمة من الله وهم يعبدون
الأصنام، فذلك دليل رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك ﴿على آثارهم﴾. وذكر الطبري عن قوم:
أن الأمة الطريقة، مصدر من قولك: أممت كذا أمة ثم ضرب تعالى المثل لنبيه محمد عليه السلام وجعل له
الإسوة فيمن مضى من النذر والرسل، وذلك أن المترفين من قومهم وهم أهل التنعم والمال قد قابلوهم
بمثل هذه المقالة .
وقرأ جمهور القراء: ((قل أو لو)) والمعنى: فقلنا للنذير قل. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: ((قال
أو لو))، ففي ((قال)) ضمير بعود على النذير. وباقي الآية يدل على أن: ((قل)) في قراءة من قرأها ليست بأمر
لمحمد عليه السلام، وإنما هي حكاية لما أمر به النذير.
وقوله تعالى: ﴿أو لو﴾ هي ألف الاستفهام دخلت على واو عطف جملة كلام على جملة متقدمة،
و﴿لو﴾ في هذا الموضع كأنها شرطية بمعنى أن، كأن معنى الآية: وإن جئتكم بأبين وأوضح مما كان
آباؤكم عليه فيصح لجاجكم وتقليدكم، فأجاب الكفار حينئذ لرسلهم: ﴿إنا بما أرسلتم به كافرون﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿فانتقمنا منهم﴾ الآية وعيد لقريش وضرب مثل بمن سلف من الأمم المعذبة
المكذبة بأنبيائها كما كذبت هي بمحمد عليه السلام.
وقرأ جمهور الناس: ((أو لو جئتكم)) وقرأ أبو جعفر وأبو شيخ وخالد: ((أو لو جئناكم)). وقرأ الأعمش:
((أو لو أتيتم)).
قوله عز وجل :
إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ
وَإِذْقَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ ()
٢٧
وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِى عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَقِّى جَاءَ هُمُ الْحَقُّ
٣٠
وَرَسُولٌ مُّبِينٌ () وَلَمَّاجَآءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّابِهِ، كَفِرُونَ
المعنى: واذكر إذا قال إبراهيم، ولما ضرب تعالى المثل لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنذر
وجعلهم إسوة له، خص إبراهيم بالذكر لعظم منزلته، وذكر محمداً صلى الله عليه وسلم بمنابذة إبراهيم
عليه السلام لقومه، أي فافعل أنت فعله وتجلد جلده. و: ﴿براء﴾ صفة تجري على الواحد والاثنين
والجمیع كعدل وزور.
وقرأ جمهور الناس: ((بَرَاء)) بفتح الباء. وقرأت فرقة: ((بُراء)) بضم الباء. وفي مصحف عبد الله وقراءة
الأعمش: ((إني)) بنون واحدة ((برىء)) قال الفراء: ومن الناس من يكتب شكل الهمزة المخففة ألفاً في كل
!
ا

٥٢
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٢٦ - ٣٠
موضع، ولا يراعي حركة ما قبلها، قال: فربما كان خط مصحف عبد الله بألف كما في مصحف الجماعة،
لکن کان یلفظ بها: ((بریء)) بكسر الراء.
وقوله: ﴿إلا الذي فطرني﴾ قالت فرقة: الاستثناء متصل، وكانوا يعرفون الله ويعظمونه، إلا أنهم
كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأن إبراهيم قال لهم: أنا لا أوافقكم إلا على عبادة الله الفاطر. وقالت فرقة:
الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن الذي فطرني معبودي، وعلى هذا فلم يكونوا يعبدون الله إلا قليلاً ولا
كثيراً، وعلل إبراهيم لقومه عبادته بأنه الهادي المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاء لهم وترغيب في الله
وتطميع برحمته، والضمير في قوله: ﴿وجعلها كلمة﴾ قالت فرقة: ذلك عائد على كلمته بالتوحيد في قوله:
﴿إنني براء﴾ وقال مجاهد وقتادة والسَّدي، ذلك مراد به: لا إله إلا الله، وعاد الضمير عليها وإن كانت لم
يجر لها ذكر، لأن اللفظ يتضمنها. وقال ابن زيد: المراد بذلك: الإسلام ولفظته، وذلك قوله عليه السلام:
﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله: ﴿إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين)
[البقرة: ١٣١] وقول الله تعالى ﴿هو سماكم المسلمين من قبل﴾ [الحج: ٧٨]. والعقب: الذرية وولد
الولد ما امتد فرعهم.
قوله عز وجل: ﴿بل متعت﴾ الآية، كلام متصل بما قبله، لأنه لما قال في عقبه، وكانت قريش من
عقبه، اقتضى الكلام أن يقدر فيه لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم بل متعتهم. والمعنى في الآية:
بل أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة مع كفرهم حتى جاءهم الحق والرسول، وذلك هو شرع الإسلام.
والرسول: محمد عليه السلام.
و: ((متعتُ)) بضم التاء هي قراءة البجمهور. وقرأ قتادة: ((متعتَ)) بفتح التاء الأخيرة على معنى: قل
يا رب متعت، ورواها يعقوب عن نافع. وقرأ الأعمش: ((بل متعنا)»، وهي تعضد قراءة الجمهور.
و: ﴿مبين﴾ في هذه الآية يحتمل التعدي وترك التعدي.
ثم أخبر تعالى عنهم على جهة التقريع بأنهم ﴿قالوا﴾ للقرآن: ﴿هذا سحر﴾ وأنهم كفروا به، وإنما
جعلوه بزعمهم سحراً من حيث كان عندهم يفرق بين المرء وولده وزوجه، فجعلوه لذلك كالسحر، ولم
ينظروا إلى الفرق في أن المفارق بالقرآن يفارق عن بصيرة في الدين، والمفارق بالسحر يفارق عن خلل في
ذهنه.
قوله عز وجل :
وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٦َأَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكْ نَحْنُ قَسَمْنَا
بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا
سُخِرِبًا وَرَحْمَثُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا
٣٣
يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ
1 -----

٥٣
تفسیر سورة الزخرف / الآيات: ٣١ - ٣٥
عَلَيْهَا يَتَّكِّقُونَ ﴿٦َ وَزُخْرُفَا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ
لِلْمُتَّقِينَ
٣٥
الضمير في: ﴿قالوا﴾ لقريش، وذلك أنهم استبعدوا أولاً أن يرسل الله بشراً، فلما تقرر أمر موسى
وعيسى وإبراهيم ولم يكن لهم في ذلك مدفع، رجعوا يناقضون فيما يخض محمداً عليه السلام بعينه،
فقالوا: لم كان محمد ولم يكن نزول الشرع ﴿على رجل﴾ من إحدى الفرقتين ﴿عظيم﴾، وقدر المبرد
قولهم على رجل من رجلين من القريتين، والقريتان: مكة والطائف، ورجل مكة الذي أشاروا إليه: قال ابن
عباس وقتادة هو: الوليد بن المغيرة المخزومي. وقال مجاهد هو: عتبة بن ربيعة. وقال قتادة: بلغنا أنه لم
يبق فخذ من قريش إلا ادعاه. ورجل الطائف قال قتادة هو: عروة بن مسعود. وقال ابن عباس: حبيب بن
عبد بن عمير. وقال مجاهد: كنانة بن عبد یالیل.
قال القاضي أبو محمد: وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن والقدم، وإلا فرسول الله صلى الله
عليه وسلم كان حينئذ أعظم من هؤلاء، لكن لما عظم أولئك قبل مدة النبي وفي صباه استمر ذلك لهم.
ثم وقف على جهة التوبيخ لهم بقوله: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك﴾ المعنى على اختيارهم وإرادتهم
تنقسم الفضائل والمكانة عند الله. والرحمة: اسم يعم جميع هذا. ثم أخبر تعالى خبراً جازماً بأنه قاسم
المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر بعض الناس بعضاً، المعنى: فإذا كان اهتمامنا بهم أن نقسم هذا
الحقير الفاني، فأحرى أن نقسم الأهم الخطير.
وفي قوله تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم﴾ تزهيد في السعايات، وعون على التوكل على الله
تعالى، ولله در القائل: [الرجز]
لما أتى نحن قسمنا بينهم زال المرا
وقرأ الجمهور: ((معيشتهم)). وقرأ ابن مسعود والأعمش: ((معائشهم)).
وقرأ جمهور الناس ((سُخرياً)) بضم السين. وقرأ أبو رجاء وابن محيصن: ((سخرياً)) بكسر السين،
وهما لغتان في معنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية .
وقوله تعالى: ﴿ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾ قال قتادة والسدي: يعني الجنة .
قال القاضي أبو محمد: لا شك أن الجنة هي الغاية، ورحمة الله في الدنيا بالهداية، والإيمان خير
من كل مال، وهذا اللفظ تحقير للدنيا، ثم استمر القول في تحقيرها بقوله: ﴿ولولا أن يكون الناس) الآية،
وذلك أن معنى الآية: أن الله تعالى أبقى على عبيده وأنعم بمراعاة بقاء الخير والإيمان وشاء حفظه على
طائفة منهم بقية الدهر، ولولا كراهية أن يكون الناس كفاراً كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسع على
الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا، إذ حقارتهم عنده تقتضي ذلك، لأنها لا قدر لها ولا وزن لفنائها
وذهاب رسومها، فقوله: ﴿أمة واحدة﴾ معناه: في الكفر، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي، ومن

٥٤
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٣٦ - ٣٩
هذا المعنى قول النبي عليه السلام: ((لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة
ماء)) ثم يتركب معنى الآية على معنى هذا الحديث. واللام في قوله: ﴿لكن يكفر بالرحمن﴾ لام الملك.
واللام في قوله: ﴿لبيوتهم﴾ لام تخصیص، کما تقول: هذا الکساء لزید لدابته، أي هو لدابته حلس ولزید
ملك. قال المهدوي: ودلت هذه الآية على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو، إذ هو منسوب
إلى البيوت، وهذا تفقه واهن.
وقرأ جمهور القراء: ((سُقُفا)) بضم السين والقاف. وقرأ مجاهد: ((سَقْفاً)) بضم السين وسكون القاف
على الإفراد.
والمعارج: الأدراج التي يطلع عليها، قاله ابن عباس وقتادة والناس. وقرأ طلحة: ((معاريج)) بزيادة
ياء. و: ﴿يظهرون﴾ معناه يعلون، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: والشمس في حجرتها لم تظهر.
والسرر: جمع سرير.
واختلف الناس في الزخرف، فقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: الزخرف: الذهب نفسه
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: ((إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان)).
قال القاضي أبو محمد: الحسن أحمر، والشهوات تتبعه .
وقال ابن زيد: الزخرف: أثاث البيت وما يتخذ له من الستور والنمارق ونحوه. وقالت فرقة:
الزخرف: التزاويق والنقش ونحوه من التزيين وشاهد هذا القول: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها
وازينت﴾ [يونس: ٢٤].
وقرأ جمهور القراء: ((وإن كل ذلك لمّا)) بتخفيف الميم من ((لمَا)) فـ ((إنْ)) مخففة من الثقيلة، واللام
في: ((لَمَا)) داخلة لتفصل بين النفي والإيجاب. وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه، والحسن وطلحة
والأعمش وعيسى: ((لمَّا متاع)) بتشديد الميم من ((لمّا)) فإن ((لمّا)) نافية بمعنى ما. و﴿لما﴾: بمعنى: إلا،
وقد حكى سيبويه نشدتك الله لما فعلت، وحمله على إلا. وفي مصحف أبي بن كعب: ((وما ذلك إلا متاع
الحياة الدنيا)). وقرأ أبو رجاء: ((لِمَا)) بكسر اللام وتخفيف، الميم، فـ ((ما)) بمعنى الذي، والعائد عليها محذوف،
والتقدير: وإن كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا.
وفي قوله تعالى: ﴿والآخرة عند ربك للمتقين) وعد كريم وتحريض على التقوى، إذ في الآخرة هو
التباين في المنازل.
قوله عز وجل :
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
٣٦
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُشَيْطَنَّا فَهُوَ لْهُ قَرِينٌ
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٦) حَتَّ إِذَا جَاءَ نَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمُشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِيْنُ
أَوَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
﴿من﴾ في قوله: ﴿ومن يعش﴾ شرطية، وعشى يعشو، معناه: قل الإبصار منه كالذي يعتري في

٥٥
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٣٦ - ٣٩
الليل، وكذلك هو الأعشى من الرجال، ويقال أيضاً: عشى الرجل يعشي عشاء إذا فسد بصره فلم ير، أو
لم یرإلا قليلاً.
وقرأ قتادة ويحيى بن سلام البصري: ((ومن يعشَ)) بفتح الشين، وهي من قولهم: عشى يعشي،
والأكثر عشى يعشو، ومنه قول الشاعر [الحطيئة]: [الطويل]
تجد خير نار عندها خير موقد
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
وفي شعر آخر [عبد الله بن الحر]:
تجد حطباً جزلاً وجمراً تأججا
وقرأ الأعمش: ((ومن يعش عن الرحمن))، وسقط: ﴿ذكر﴾.
فالمعنى في الآية: ومن يقل نظره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الرحمن، أي فيما
ذكر به عباده، فالمصدر إلى الفاعل، ﴿نقيض له شيطاناً﴾ أي نيسر له ونعد، وهذا هو العقاب على الكفر
بالحتم وعدم الفلاح، وهذا كما يقال: إن الله يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي، ويجازي على
الحسنة بالتزيد من الحسنات، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً .
وقرأ الجمهور: ((نقيض)) بالنون. وقرأ الأعمش: ((يقيض))، بالياء ((شيطان))، أي يقيض الله. وقرأ ابن
عباس: ((يُقَّض له شيطانٌ))، بفتح الياء الثانية وشدها ورفع النون من ((شيطانٌ)).
والضمير في قوله: ﴿وإنهم﴾ عائد على الشياطين. وفي: ﴿يصدونهم) على الكفار.
و: ﴿السبيل﴾ هي سبيل الهدى والفوز. والضمير في: ﴿يحسبون﴾ للكفار.
وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر وأبو جعفر وشيبة وقتادة والزهري
والجحدري: ((حتى إذا جاءانا)) على التثنية، يريد العاشي والقرين، قاله سعيد الجريري وقتادة. وقرأ أبو
عمرو والحسن وابن محيصن والأعرج وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: ((جاءنا)) يريد العاشي
وحده. وفاعل: ﴿قال﴾ هو العاشي.
وقوله: ﴿بعد المشرقين﴾ يحتمل ثلاثة معان، أحدهما: أن يريد بعد المشرق من المغرب،
فسماهما مشرقين، كما يقال: القمران والعمران، قال الفرزدق:
لما قمراها والنجوم الطوالع
والثاني: أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم، فكأنه أخذ نهايتي
المشارق. والثالث: أن يريد ﴿بعد المشرقين﴾ من المغربين، فاكتفى بذكر ﴿المشرقين﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم﴾ الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم القيامة، وهي مقالة موحشة
حرمتهم روح التأسي، لأنه يوقفهم بها على أنهم لا ينفعهم التأسي، وذلك لعظم المصيبة وطول العذاب
واستمرار مدته، إذ التأسي راحة كل شيء في الدنيا في الأغلب، ألا ترى إلى قول الخنساء: [الوافر]
٠

٥٦
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٤٠ - ٤٥
على إخوانهم لقتلت نفسي
ولولا كثرة الباكين حولي
أعزي النفس عنه بالتأسي
وما ییکون مثل أخي ولکن
فهذا التأسي قد كفاها مؤونة قتل النفس، فنفى الله تعالى عنهم الانتفاع بالتأسي، وفي ذلك تعذيب
لهم ويأس من كل خير، وفاعل قوله: ﴿ينفعكم﴾ الاشتراك.
وقرأ جمهور القراء: ((أنكم)) بفتح الألف. وقرأ ابن عامر وحده: ((إنكم)) بكسر الألف، وقد يجوز أن
يكون الفاعل ﴿ينفعكم﴾ التبري الذي يدل عليه قوله: ﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) وعلى هذا
يكون ((أنكم)) في موضع نصب على المفعول من أجله، وتخرج الآية على معنى نفي الأسوة.
قوله عز وجل :
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّوَّ أَوْتَهْدِى اُلْعُمْىُ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿فَإِمَّانَذْ هَبَنَّ بِكَ فَإِنَّامِنْهُم
مُنْتَقِمُونَ ﴿﴿ أَوْنُرِبِنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَّتِهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴿ فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىَ أُوْحِىَ إِلَيْكَ
] وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَامِن
٤٤
إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ () وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُشَْلُونَ
قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَّا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةُّ يُعْبَدُونَ
٤٥
لما ذكر تعالى حال الكفرة في الآخرة وما يقال لهم وهم في العذاب، اقتضى ذلك أن تشفق
النفوس، وأن ينظر كل سامع لنفسه ويسعى في خلاصها، فلما كانت قريش مع هذا الذي سمعت لم تزل
عن عتوها وإعراضها عن أمر الله، رجعت المخاطبة إلى محمد عليه السلام على جهة التسلية له عنهم
وشبههم بـ ﴿الصم﴾ و﴿العمي﴾، إذ كانت حواسهم لا تفيد شيئاً.
وقوله: ﴿ومن كان في ضلال مبين﴾ يريد بذلك قريشاً بأنفسهم، ولذلك لم يقل: ((من كان)) بل جاء
بالواو العاطفة، كأنه يقول: وهؤلاء، ويؤيد ذلك أيضاً عود الضمير عليهم في قوله: ﴿فإنا منهم﴾ ولم يجر
لهم ذکر إلا في قوله: ﴿ومن کان﴾.
وقوله تعالى: ﴿فإما نذهبن بك﴾ الآية تتضمن وعيداً واقعاً، وذهب جمهور العلماء إلى أن
المتوعدين هم الكفار، وأن الله تعالى أرى نبيه الذي توعدهم في بدر والفتح وغير ذلك، وذهب الحسن
وقتادة إلى أن المتوعدين هم في هذه الأمة، وأن الله تعالى أكرم نبيه على أن ينتقم منهم بحضرته وفي
حياته، فوقعت النقمة منهم بعد أن ذهب به، وذلك في الفتن الحادثة في صدر الإسلام مع الخوارج
وغيرهم، قال الحسن وقتادة: أكرم الله نبيه على أن يرى في أمته ما يكره كما رأى الأنبياء، فكانت بعد ذهابه
صلى الله عليه وسلم، وقد روي حديث عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم قرأ: ﴿فإنا منهم منتقمون﴾ فقال: بعلي بن أبي طالب والقول الأول من توعد الكفار أكثر، ثم أمر
تعالى نبيه بالتمسك بما جاء من عند الله من الوحي المتلو وغيره. والصراط: الطريق.

٥٧
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٤٠ - ٤٥
وقرأ الجمهور: ((أوحيَ)) على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: ((أوحى)) على الفعل المبني
للفاعل، أي أوحى الله .
وقوله: ﴿وإنه لذكر لك﴾ يحتمل أن يريد وإنه لشرف وحمد في الدنيا. والقوم: على هذا قريش ثم
العرب، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، فإذا قالوا له: فلمن يكون الأمر بعدك؟ سكت حتى نزلت هذه الآية،
فكان إذا سئل بعد ذلك، قال لقريش، فكانت العرب لا تقبل على ذلك حتى قبلته الأنصار وروي عن ابن
عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) وروى أبو موسى
الأشعري عنه صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الأمر في قريش ما زالوا، إذا حكوا عدلوا، وإذا استرحموا
رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)). وروى معاوية أنه
عليه السلام قال: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدين)). ويحتمل أن يريد وإنه لتذكرة وموعظة،
فـ ((القوم)) على هذا أمة بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن، وقوله: ﴿وسوف تسئلون﴾ قال ابن
عباس وغيره معناه: عن أوامر القرآن ونواهيه: وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: عن شكر النعمة فيه،
واللفظ يحتمل هذا كله ويعمه.
واختلف المفسرون في المراد بالسؤال في قوله: ﴿وسئل من أرسلنا﴾ فقالت فرقة، أراد: أن اسأل
جبريل، ذكر ذلك النقاش، وفيه بعد. وقال ابن زيد وابن جبير والزهري، أراد: واسأل الرسل إذا لقيتهم ليلة
الإسراء، أما أن النبي عليه السلام لم يسأل الرسل ليلة الإسراء عن هذا، لأنه كان أثبت يقيناً من ذلك ولم
يكن في شك. وقالت فرقة، أراد: واسألني، أو واسألنا عمن أرسلنا، والأولى على هذا التأويل أن يكون:
﴿من أرسلنا﴾ استفهاماً أمره أن يسأل له، كأن سؤاله: يا رب من أرسلت قبلي من رسلك؟ أجعلت في
رسالته الأمر بآلهة يعبدون؟ ثم ساق السؤال محكي المعنى، فرد المخاطبة إلى محمد عليه السلام في قوله:
﴿من قبلك﴾. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وعطاء، أراد: وسل تباع من أرسلنا وحملة
شرائعهم، لأن المفهوم أنه لا سبيل إلى سؤاله الرسل إلا بالنظر في آثارهم وكتبهم وسؤال من حفظها .
وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: ((وسئل الذين أرسلنا إليهم رسلنا))، فهذه القراءة تؤيد هذا
المعنى، وكذلك قوله: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] مفهوم إنه لا يسأل إلا أهلها، ومما ينظر إلى هذا
المعنى قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] فمفهوم أن الرد إنما هو
إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن المحاور في ذلك إنما هم تباعهم وحفظة الشرع.
وقوله: ﴿يعبدون﴾ أخرج ضميرهم على حد من يعقل مراعاة للفظ الآلهة.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْأَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَقَالَ إِنِّ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ فَمَا جَاءَ هُم
◌ِشَابِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (®) وَا نُرِبِهِمْ مِنْ ءَايَةٍ إِلَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ
---

٥٨
تفسير سورة الزخرف / الآيات: ٤٦ - ٥٠
فَلَمَا
٤٩
﴿ وَقَالُواْيَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٥٠
كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَاهُمْ يَنَكُونَ
هذه آية ضرب مثل وإسوة لمحمد عليه السلام بموسى عليه السلام ولكفار قريش بفرعون
﴿وملائه﴾. والآيات التي أرسل بها موسى وهي التسع المذكورة وغير ذلك مما جاءت به الروايات، وخض
الملأ بالذکر لأنهم یسدون مسد جمیع الناس، ثم وصفهم تعالی بالضحك من آیات موسی، كما كانت
قريش تضحك وتسخر من أخبار محمد عليه السلام، ثم وصف تعالى صورة عرض الآيات عليهم وإنما
كانت شيئاً بعد شيء.
وقوله: ﴿إلا هي أكبر من أختها﴾ عبارة عن شدة موقعها في نفوسهم بحدة أمرها وحدوثه، وذلك أن
أول آية عرض موسى هي: العصا واليد، وكانت أكبر آياته، ثم كل آية بعد ذلك كانت تقع فيعظم عندهم
لحينها وتكبر، لأنهم قد كانوا أنسوا التي قبلها، فهذا كما قال الشاعر: [الطويل]
على أنها تعفو الكلوم وإنما
توكل بالأدنى وان جل ما يقضى
وذهب الطبري إلى أن الآيات هي الحجج والبينات. ثم ذكر تعالى أخذهم بالعذاب في العمل
والضفادع والدم وغير ذلك، وهذا كما أخذ قريش بالسنين والدخان.
وقوله: ﴿لعلهم﴾ ترج بحسب معتقد البشر وظنهم. و: ﴿يرجعون) معناه: يتوبون ويقلعون.
وقوله تعالى: ﴿وقالوا يا أيه الساحر﴾ جائز أن يكون قائل ذلك من أعلمهم بكفر السحر فيقول: قوله
استهزاء وهو يعلم قدر السحر وانحطاط منزلته، ويكون قوله: ﴿عندك) بمعنى: في زعمك وعلى قولك،
ويحتمل أن يكون القائل ليس من المتمردين الحذاق ويطلق لفظة الساحر لأحد وجهين، إما لأن السحر
كان عند عامتهم علم الوقت، فكأنه قال: يا أيه العالم، وإما لأن هذه الاسمية قد كانت انطلقت عندهم
على موسى لأول ظهورها، فاستصحبها هذا القائل في مخاطبة قلة تحرير وغباوة، ويكون القول على هذا
التأويل جداً من القائل، ويكون قوله: ﴿إنا لمهتدون﴾ بمعنى إن نفعتنا دعوتك، وهذا التأويل أرجح،
أعني أن كلام هذا القائل مقترن بالجد.
وقرأ ابن عامر وحده: ((يا أيُّ)) بياء مضمومة فقط.
ثم أخبر عنهم أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا، ولو كان الكلام هزلاً من أوله لما وقع نکث.
قوله عز وجل :
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَنْقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكٌ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْتِّى أَفَلَا
تُبْصِرُونَ ﴿ أَمْأَ نْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ وَلَا بَكَادُ يُبِينُ ﴿ فَلَوْلَا أَلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّنْ

٥٩
تفسير سورة الزخرف / الآيات : ٥١ - ٥٦
ذَهَبٍ أَوْجَاءَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴿﴿ فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
فَسِقِينَ * فَلَمَّآءَ اسَفُونَا أَنْتَقَمُنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا
٥٥
٥٦
وَمَثَلًاً لِّلْآَخِرِينَ
نداء فرعون يحتمل أن يكون بلسانه في ناديه، ويحتمل أن يكون بأن أمر من ينادي في الناس،
ومعنى هذه الحجة التي نادى بها أنه أراد أن يبين فضله على موسى، إذ هو ملك مصر، وصاحب الأنهار
والنعم، وموسى خامل متقلل لا دنيا له، قال: فلو أن إله موسى يكون حقاً كما يزعم، لما ترك الأمر هكذا.
و: ﴿مصر﴾ من بحر الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل. و: ﴿الأنهار﴾ التي أشار إليها هي الخلجان
الكبار الخارجة من النيل وعظمها نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط ونهر طولون .
﴾ هذه المعادلة، والمعنى: أم أنتم لا تبصرون، فوضع موضع
وقوله : ﴿أم أنا خير﴾ قال سيبويه :
قوله: أم تبصرون الأمر الذي هو حقيق أن يبصر عنده، وهو أنه خير من موسى. و((لا)) على هذا النظر نافية .
وقالت فرقة: ﴿أفلا تبصرون﴾ أم لا تبصرون، ثم اقتصر على ﴿أم﴾ لدلالة ظاهر الكلام على المحذوف
منه، وابتدأ قوله: ﴿أنا خير﴾ إخباراً منه، فقوله: ﴿أفلا﴾ على هذا النظر بمنزلة: هلا ولولا على معنى
التخصيص. وقالت فرقة: ﴿أ) بمعنى بل.
وقرأ بعض الناس: ((أما أنا خير))، حكاه الفراء، وكان مجاهد يقف على ﴿أم﴾ ثم يبتدىء: ﴿أنا
خير﴾. قال قتادة: وفي مصحف أبي بن كعب: ((أم أنا خير أم هذا)). و﴿مهين﴾ معناه ضعيف وقوله:
﴿ولا يكاد يبين﴾ إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت أحدثت في لسانه
عقدة، فلما دعا في أن تحل ليفقه قوله، أجيبت دعوته، لكنه بقي أثر كان البيان يقع منه، لكن فرعون عير
به. وقوله: ﴿ولا يكاد يبين﴾ يقتضي أنه كان يبين.
وقرأ أبو جعفر بن علي: ((يَبين)) بفتح الياء الأولى.
وقوله: ﴿فلولا ألقي عليه﴾ يريد من السماء على معنى التكرمة.
وقراءة الجمهور: ((ألقي)) على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: ((أُلقَى)) بفتح الهمزة والقاف على
بنائه للفاعل ((أساورة)) نصباً .
وقرأ جمهور القراء: ((أساورة)) وقرأ حفص عن عاصم: ((أسورة))، وهي قراءة الحسن والأعرج وقتادة
وأبي رجاء ومجاهد. وقرأ أبي بن كعب: ((أساور)). وفي مصحف ابن مسعود: ((أساوير))، ويقال سوار وأسوار
لما يجعل في الذراع من الحلي، حكى أبو زيد اللغتين وأبو عمرو بن العلاء، وهو كالقلب، قاله ابن
عباس، وكانت عادة الرجال يومئذ حبس ذلك والتزبي به. و: ﴿أساورة﴾ جمع أسوار، ويجوز أن يكون
جمع أسورة، كأسقية وأساقي، وكذلك: أساور، جمع أسوار. والهاء في: ﴿أساورة﴾ عوض من الياء
المحذوفة، لأن الجمع إنما هو أساوير كما في مصحف ابن مسعود، فحذفوا الياء وجعلوا الهاء عوضاً منها،

٦٠
تفسير سورة الزخرف / الآيات : ٥٧ -٦٢
كما فعلوا ذلك في زنادقة وبطارقة وغير ذلك، وأساورة: جمع سوار.
٢
وقوله: ﴿مقترنين﴾ أي يحمونه ويشهدون له ويقيمون حجته. ثم أخبر تعالى عن فرعون أنه استخف
قومه بهذه المقالة، أي طلب خفتهم وإجابتهم إلى غرضه، فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه في الكفر لفسقهم
ولما كانوا بسبيله من الفساد. و: ﴿آسفونا﴾ معناه: أغضبونا بلا خلاف، وإغضاب الله تعالى هو أن تعمل
الأعمال الخبيثة التي تظهر من أجلها أفعاله الدالة على إرادة السوء بمن شاء. والغضب على هذا صفة
فعل، وهو مما يتردد، فإذا كان بمعنى ما يظهر من الأفعال، فهو صفة فعل، وإذا رد إلى الإرادة فهو صفة
ذات، وفي هذا نظر.
وقرأ جمهور القراء: ((سَلَفاً)) بفتح السين واللام جمع سالف، كحارس وحرس. والسلف: هو الفارط
من الأمم المتقدم، أي جعلناهم متقدمين للأمم الكافرة عظة ومثلاً لهم يعتبرون بهم، أو يقعون فيما وقعوا
فيه، ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام: ((يذهب الصالحون أسلافاً))، وقوله في ولده إبراهيم: ((ندفنه
عند سلفنا الصالح عثمان بن مظعون)). وقرأ حميد الأعرج وحمزة والكسائي: ((سُلُفآ)) بضمّ السين واللام،
وهي قراءة عبد الله وأصحابه وسعد بن عياض وابن كثير، وهو جمع: سليف. وذكر الطبري عن القاسم بن
معن أنه سمع العرب تقول: مضى سلف من الناس، بمعنى السلف. وقرأ علي بن أبي طالب وحميد
الأعرج أيضاً: ((سُلَفاً)) بضم السين وفتح اللام، كأنه جمع سلفة، بمعنى الأمة والقطعة. والآخرون: هو من
يأتي من البشر إلى يوم القيامة.
قوله عز وجل :
وَقَالُوْاْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرَّ أَمْ هُوَّمَا
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ بَصِدُونَ
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًاً لِّبَنِىّ
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلِسَّاعَةِ فَلَا
إِسْرَِّ يلَ ®) وَلَوْ نَشَآءُ ◌َجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَّةً فِىِ الْأَرْضِ يَهْ لُفُونَ
تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (١) وَلَا يَصُدَّ نَّكُمُ الشَّيْطَانُّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (
٦٢
روي عن ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية، أنه لما نزلت: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم،
خلقه من تراب ثم قال له كن، فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩] ونزل مع ذلك ذکر عیسی وحاله وكيف خلق من
غير فحل، قالت فرقة: ما يريد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى، فهذا
کان صدورهم من ضربه مثلاً.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب: ((يصُدون)) بضم
الصاد، بمعنى: يعرضون. وقرأ الباقون وابن عباس وابن جبير والحسن وعكرمة: ((يصِدون)) بكسر الصاد،
بمعنى يضحكون، وأنكر ابن عباس ضم الصاد، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الكسائي: هما
لغتان بمعنى واحد، مثل ((يعرُشون ويعرِشون)).