النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٦٦ - ٦٨
قال القاضي أبو محمد: فرسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل بالآية، وقد كانت نزلت. وقوله في
الحديث: تصديقاً له، أي في أنه لم يقل إلا ما رأى في كتب اليهود، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر
المعنى، لأن التجسيم فيه ظاهر واليهود معروفون باعتقاده، ولا يحسنون حمله على تأويله من أن الأصبع
عبارة عن القدرة، أو من أنها أصبع خلق يخلق لذلك، ويعضدها تنكير الأصبع.
وروى سعيد بن المسيب أن سبب نزول الآية أن طائفة من اليهود جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقالوا يا محمد، هذا الله خلق الأشياء، فمن خلق الله؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وساورهم، ونزلت الآية في ذلك.
وقرأ جمهور الناس : ((قدْره)) بسكون الدال. وقرأ الأعمش: بفتح الدال . وقرأ أبو حيوة والحسن
وعيسى بن عمر وأبو نوفل: ((وما قدّروا)) بشد الدال ((حق قدره)) بفتح الدال.
وقوله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾ معناه: في قبضته. وقال ابن عمر ما معناه: أن
الأرض في قبضة اليد الواحدة، ﴿والسماوات مطويات﴾ باليمين الأخرى، لأنه كلتا يديه يمين، ورواه عن
النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: الأرض جميعاً قبضته، والسماوات وكل ذلك بيمينه.
وقرأ عيسى بن عمر: ((مطوياتٍ)) بكسر التاء المنونة، والناس على رفعها.
وعلى كل وجه، فـ ((اليمين)) هنا و((القبضة)) وكل ما ورد: عبارة عن القدرة والقوة، وما اختلج في
الصدور من غير ذلك باطل، وما ذهب إليه القاضي من أنها صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف،
وبحسب ما يختلج في النفوس التي لم يحضنها العلم.
قال عز وجل: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. أي هو منزه عن جميع الشبه التي لا تليق به. ثم
:
ذكر تعالى النفخ في الصور ليصعق الأحياء من أهل الدنيا والسماء، وفي بعض الأحاديث من طريق أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قبل هذه الصعقة الفزع ولم تتضمنها هذه الآية. و: ((صعق)) في
هذه الآية معناه: خر ميتاً. و: ﴿الصور﴾ القرن، ولا يتصور هنا غير هذا، ومن يقول ﴿الصور) جمع
صورة، فإنما يتوجه قوله في نفخة البعث.
وقرأ قتادة: ((في الصَوَر)) بفتح الواو، وهي جمع صورة.
وقوله: ﴿إلا من شاء الله﴾ قال السدي: استثنى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم أماتهم
بعد هذه الحال، وروي ذلك عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: استثنى الأنبياء: وقال
ابن جبير: استثنى الشهداء.
وقوله: ﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾ هي نفخة البعث. وروي أن بين النفختين أربعين، لا يدري أبو هريرة
سنة أو يوماً أو شهراً أو ساعة. وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِرَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِْجّءَ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ

٥٤٢
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٦٩ - ٧٢
وَسِيقَ الَّذِينَ
وَهُمْ لَ يُظْلَمُونَ ﴿ وَوُقِّيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
كَفَرُوَأْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرَا حَتَّى إِذَا جَآءُ وهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُمْيَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَابَتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ
٨ قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَتْسَ مَثْوَىَ
اٌلْعَذَابِ عَلَى الْكُفِرِينَ
٧٢
الْمُتَكَبِرِينَ
﴿أشرقت﴾ معناه: أضاءت وعظم نورها، يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت.
وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير: ((أشرِقت)) بضم الهمزة وكسر الراء على بناء الفعل للمفعول، وهذا
إنما يترتب من فعل يتعدى، فهذا على أن يقال: أشرق البيت، وأشرقه السراج، فيكون الفعل متجاوزاً أو
غير متجاوز بلفظ واحد كرجع ورجعته ووقف ووقفته، ومن المتعدي من ذلك يقال أشرقت الأرض:
و: ﴿الأرض﴾ في هذه الآية: الأرض المبدلة من الأرض المعروفة.
وقوله: ﴿بنور ربها﴾ إضافة خلق إلى خالق، أي بنور الله تعالى، و: ﴿الكتاب) كتاب حساب
الخلائق، ووحده على اسم الجنس، لأن كل أحد له كتاب على حدة .. وقالت فرقة: وضع اللوح
المحفوظ، وهذا شاذ وليس فيه معنى التوعد وهو مقصد الآية.
وقوله: ﴿وجيء بالنبيين﴾ أي ليشهدوا على أممهم.
وقوله: ﴿والشهداء﴾ قيل هو جمع شاهد، والمراد أمة محمد الذين جعلهم الله شهداء على الناس.
وقال السدي: ﴿الشهداء) جمع شهيد في سبيل الله، وهذا أيضاً يزول عنه معنى التوعد، ويحتمل أن يريد
بقوله: ﴿والشهداء﴾ الأنبياء أنفسهم، عطف الصفة على الصفة بالواو، كما تقول: جاء زيد الكريم
والعاقل. وقال زيد بن أسلم: ﴿الشهداء﴾: الحفظة. والضمير في قوله: ﴿بينهم) عائد على العالم بأجمعه،
إذ الآية تدل عليهم. و: ﴿لا يظلمون﴾ معناه: لا يوضع شيء من أمورهم غير موضعه. ﴿ووفيت﴾ معناه:
جوزيت كملاً، وفي هذا وعيد صرح عنه قوله: ﴿وهو أعلم بما يفعلون﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿وسيق﴾ وجيء بكسر أوله. وقرأها ونظائرها بإشمام الضم: الحسن وابن وثاب
وعاصم والأعمش. و: ﴿زمرآً﴾ معناه: جماعات متفرقة، واحدها زمرة.
وقوله: ﴿فتحت﴾ جواب ﴿إذا﴾، والكلام هنا يقضي أن فتحها إنما يكون بعد مجيئهم، وفي وقوفهم
قبل فتحها مذلة لهم، وهكذا هي حال السجون ومواضع الثقاف والعذاب بخلاف قوله: في أهل الجنة:
﴿وفتحت﴾ [الزمر: ٧٣] بالواو مؤذنة بأنهم يجدونها مفتوحة كمنازل الأفراح.
وقرأ الجمهور: ((فَتّحت)) بشد التاء في الموضعين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيفها، وهي قراءة
طلحة والأعمش. ثم ذكر تعالى توقيف الخزنة لهم على مجيء الرسل.
٠٠ . ..

٥٤٣
تفسير سورة الزمر / الآيات: ٧٣ - ٧٥
وقرأ الجمهور: ((يأتكم)) بالياء من تحت. وقرأ الأعرج: ((تأتكم)) بتاء من فوق.
وقوله: ﴿منكم﴾ أعظم في الحجة، أي رسل من جنسكم لا يصعب عليكم مراميهم ولا فهم
أقوالهم. وقولهم: ﴿بلى﴾ جواب على التقرير على نفي أمر، ولا يجوز هنا الجواب بنعم، لأنهم كانوا
يقولون: نعم لم يأتنا، وهكذا كان يترتب المعنى، ثم لا يجدوا حجة إلا أن كلمة العذاب حقت عليهم،
أي الكلمة المقتضية من الله تعالى تخليدهم في النار، وهي عبارة عن قضائه السابق لهم بذلك، وهي التي
في قوله تعالى لإبليس ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص: ٨٥]. والمثوى: موضع
الإقامة .
قوله عز وجل :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْرَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرَّا حَتَّى إِذَا جَاءُ وهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ (َّه
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعُمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ ﴿ وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَآَفِينَ
مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَيْهِمّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ
٧٥
قوله: ﴿الذين اتقوا ربهم﴾ لفظ يعم كل من يدخل الجنة من المؤمنين الذين اتقوا الشرك، لأن الذين
لم يتقوا المعاصي قد يساق منهم زمر وهم الذين سبق لهم أن يغفر الله لهم من أهل المشيئة، وأيضاً فالذين
يدخلون النار ثم يخرجون منها قد يساقون زمراً إلى الجنة بعد ذلك فيصيرون من أهل هذه الآية، والواو في
قوله: ﴿وفتحت﴾ مؤذنة بأنها قد فتحت قبل وصولهم إليها، وقد قالت فرقة: هي زائدة. وجواب ﴿إذا﴾،
﴿فتحت﴾، وقال الزجاج عن المبرد: جواب ﴿إذا﴾ محذوف، تقديره بعد قوله: ﴿خالدين) فيها سعدوا. وقال
الخليل: الجواب محذوف تقديره: حتى جاؤوها وفتحت أبوابها، وهذا كما قدر الخليل قول الله تعالى :
﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] وكما قدر أيضاً قول امرىء القيس: [الطويل]
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
أي أجزنا وانتحى. وقال قوم: أشار إليهم ابن الأنباري وضعف قولهم: هذه واو الثمانية مستوعباً في
سورة الكهف، وسقطت هذه الواو في مصحف ابن مسعود فهي كالأولى. و﴿سلام عليكم﴾ تحية. ويحتمل
أن يريد أنهم قالوا لهم سلام عليكم وأمنة لكم. و: ﴿طبتم﴾ معناه: أعمالاً ومعتقداً ومستقراً وجزاء.
وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وأورثنا الأرض﴾ يريد أرض الجنة، قاله قتادة وابن زيد والسدي
والوراثة هنا مستعارة، لأن حقيقة الميراث أن يكون تصيير شيء إلى إنسان بعد موت إنسان، وهؤلاء إنما
ورثوا مواضع أهل النار أن لو كانوا مؤمنين. و: ﴿نتبوأ﴾ معناه: نتخذ أمكنة ومساكن.
ثم وصف حالة الملائكة من العرش وحفوفهم به، وقال قوم: واحد ﴿حافين﴾ حاف. وقالت فرقة:

٥٤٤
تفسير سورة الزمر / الآيات : ٧٣ - ٧٥
لا واحد لقوله: ﴿حافين﴾ لأن الواحد لا يكون حافاً، إذ الحفوف الإحداق بالشيء، وهذه اللفظة مأخوذة
من الحفاف وهو الجانب، ومنه قول الشاعر [ابن هرمة]: [الطويل]
إذا كرها فيها عقاب ونائل .
له لحظات عن حفافي سريره
أي عن جانبيه. وقالت فرقة: ﴿من) في قوله: ﴿من حول﴾ زائدة، والصواب أنها لابتداء الغاية.
وقوله: ﴿يسبحون بحمد ربهم﴾ قالت فرقة: معناه: أن تسبيحهم يتأتى بحمد الله وفضله. وقالت
فرقة: تسبيحهم هو بترديد حمد الله وتكراره. قال الثعلبي: متلذذين لا متعبدين ولا مكلفين.
وقوله: ﴿وقيل الحمد لله رب العالمين) ختم للأمر، وقول جزم عند فصل القضاء، أي إن هذا
الحاكم العدل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه وإكمال قضائه، ومن هذه الآية جعلت ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾ خاتمة المجالس والمجتمعات في العلم. وقال قتادة: فتح الله أول الخلق بالحمد، فقال:
﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض﴾ [الأنعام: ١] وختم القيامة بالحمد في هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: وجعل الله ﴿الحمد لله رب العاليمن﴾ [الفاتحة: ١] فاتحة كتابه، فبه يبدأ
كل أمر وبه يختم، وحمد الله تعالى وتقديسه ينبغي أن يكون من المؤمن كما قال الشاعر: [الطويل]
وأول شيء أنت عند هبوبي
وآخر شيء أنت في كل ضجعة

٥٤٥
تفسير سورة غافر / الآيات: ١ - ٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِ
شُورَة ◌َدفا
هذه السورة مكية بإجماع، وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية، وهذا ضعيف، والأول أصح. وهذه
الحواميم التي روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ديباج القرآن ووقفه الزجاج على ابن مسعود،
ومعنى هذه العبارة أنها خلت من الأحكام، وقصرت على المواعظ والزجر وطرق الآخرة محضاً (وأيضاً فهي
قصار) لا يلحق فيها قارئها سآمة. وروي أن عبد الله بن مسعود روى أن النبي عليه السلام قال: ((من أراد أن
يرتع في رياض مونقة من الجنة فليقرأ الحواميم))، وهذا نحو الكلام الأول في المعنى. وقال عليه السلام:
((مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب)).
قوله عز وجل :
حَمَ ® تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾َغَافِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِالْعِقَابِدِی
اُلْطَّوْلِلَآ إِلَهَإِلَّهُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ـ مَايُحَدِلُ فِىّءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوعِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ
فِي الْبِلَدِ
٤
لِيَأْخُذُوهُ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْ حِضُواْ بِهِ الْحَقِّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ
تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتلك الأقوال كلها تترتب في قوله: ﴿حم﴾
ويختص هذا الموضع بقول آخر، قاله الضحاك. والكسائي: إن ﴿حم﴾ هجاء ((حُمَّ)) بضم الحاء وشد
الميم المفتوحة، كأنه يقول: حُمَّ الأمر ووقع تنزيل الكتاب من الله. وقال ابن عباس: ﴿الر﴾ [يونس: ١،
هود: ١، إبراهيم: ١، يوسف: ١، الحجر: ١] و: ﴿حم﴾ [غافر: ١، فصلت: ١، الشورى: ١،
الزخرف: ١، الدخان: ١، الجاثية: ١، الأحقاف: ١] و: ﴿ن﴾ [القلم: ١] هي حروف الرحمن مقطعة
في سور. وقال القرظي أقسم الله بحلمه وملكه. وسأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن: ﴿حم﴾ ما
هو؟ فقال بدء أسماء وفواتح سور.
وقرأ ابن كثير: بفتح الحاء، وروي عن أبي عمرو: كسر الحاء على الإمالة، وروي عن نافع :
الفتح، وروي عنه: الوسط بينهما، وكذلك اختلف عن عاصم، وروي عن عيسى كسر الحاء على الإمالة،
وقرأ جمهور الناس: ((حَمْ)) بفتح الحاء وسكون الميم، وقرأ عيسى بن عمر أيضاً ﴿حم) بفتح الحاء وفتح

٥٤٦
تفسير سورة غافر / الآيات: ١ - ٥
الميم الأخيرة في النطق، ولذلك وجهان: أحدهما التحريك للالتقاء مع الياء الساكنة، والآخر: حركة
إعراب، وذلك نصب بفعل مقدر تقديره: ((اقرأ حم))، وهذا على أن تجري مجرى الأسماء، والحجة منه
قول شريح بن أوفى العبسي : [الطويل]
فهلا تلاحم قبل التقدم
يذكرني حم والرمح شاجر
وقول الكميت: [الطويل]
وجدنا لكم في آل حَم آية تأولها منا تقيّ ومعرب
وقرأ أبو السمال: ﴿حَم﴾ بفتح الحاء وكسر الميم الآخرة، وذلك لالتقاء الساكنين.
﴿حم﴾
و: ﴿حم﴾ آية: و: ﴿تنزيل﴾ رفع بالابتداء، والخبر في قوله: ﴿من الله﴾ وعلى القول بأن
إشارة إلى حروف المعجم يكون قوله: ﴿حم﴾ خبر ابتداء. و: ﴿الكتاب﴾ القرآن.
وقوله: ﴿غافر﴾ بدل من المكتوبة، وإن أردت بـ ﴿غافر﴾ المضي، أي غفرانه في الدنيا وقضاؤه
بالغفران وستره على المذنبين، فيجوز أن يكون ﴿غافر﴾ صفة، لأن إضافته إلى المعرفة تكون محضة،
وهذا مترجح جداً، وإذا أردت بـ ﴿غافر﴾ الاستقبال أو غفرانه يوم القيامة فالإضافة غير محضة،
و: ﴿غافر﴾ نكرة فلا يكون نعتاً، لأن المعرفة لا تنعت بالنكرة، وفي هذا نظر. وقال الزجاج: ﴿غافر﴾
﴿وقابل﴾ صفتان. و: ﴿شديد العقاب) بدل، و: ﴿الذنب﴾ اسم الجنس. وأما ﴿التوب﴾ فيحتمل أن
يكون مصدراً كالعوم والنوم فيكون اسم جنس، ويحتمل أن يكون جمع توبة كتمرة وتمر، وساعة وساع.
وقبول التوبة من الكافر مقطوع لإخبار الله تعالى، وقبول التوبة من العاصي في وجوبها قولان لأهل السنة،
وحكى الطبري عن أبي بكر بن عياش أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني قتلت، فهل لي من
توبة؟ فقال نعم، اعمل ولا تيأس، ثم قرأ هذه الآيات إلى ﴿قابل التوب﴾. و﴿شديد العقاب﴾: صفة،
وقيل بدل. ثم عقب هذا الوعيد بوعد ثان في قوله: ﴿ذي الطول﴾ أي ذي التطول والمن بكل نعمّة فلا خير
إلا منه، فترتب في الآية وعيد بين وعدين، وهكذا رحمة الله تغلب غضبه.
قال القاضي أبو محمد: سمعت هذه النزعة من أبي رضي الله عنه، وهي نحو من قول عمر رضي الله
عنه: لن يغلب عسر يسريين يريد في قوله تعالى ﴿فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً﴾
[الشرح: ٥ - ٦].
و: ﴿الطول﴾ الإنعام، ومنه: حليت بطائل. وحكى الثعلبي عن أهل الإشارة أنه تعالى: ﴿غافر
الذنب﴾ فضلاً، ﴿وقابل التوب﴾ وعداً، و﴿شديد العقاب﴾ عدلاً. وقال ابن عباس: ﴿الطول﴾: السعة
والغنى، ثم صدع بالتوحيد في قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾. وبالبعث والحشر في قوله: ﴿إليه المصير).
وقوله: ﴿ما يجادل في آيات الله﴾ يريد جدالاً باطلاً، لأن الجدال فيها يقع من المؤمنين لكن في
إثباتها وشرحها .
وقوله: ﴿فلا يغررك﴾ أنزله منزلة: ((فلا يحزنك ولا يهمنك))، لتدل الآية على أنهم ينبغي أن لا

٥٤٧
تفسير سورة غافر / الآيات : ٦ - ٩
يغتروا بإملاء الله تعالى لهم، فالخطاب له والإشارة إلى من يقع منه الاغترار، ويحتمل أن يكون ﴿يغررك﴾
بمعنى تظن أن وراء تقلبهم وإمهالهم خيراً لهم فتقول عسى أن لا يعذبوا وحل الفعل من الإدغام لسكون
الحرف الثاني، وحيث هما متحركان لا يجوز الحل، لا تقول زيد يغررك. و: ﴿تقلبهم في البلاد﴾ عبارة
عن تمتعهم بالمساكن والمزارع والأسفار وغير ذلك. ثم مثل لهم بمن تقدمهم من الأمم، أي كما حل
بأولئك كذلك ينزل بهؤلاء. ﴿والأحزاب﴾: یرید بهم عاداً وثمود أو أهل مدين وغيرهم، وفي مصحف
عبد الله بن مسعود: ((برسولها))، رداً على الأمة، وضمير الجماعة هو على معنى الأمة لا على لفظها.
وقوله: ﴿ليأخذوه﴾ معناه ليهلكوه كما قال تعالى: ﴿فأخذتهم﴾ والعرب تقول للقتيل: أخيذ، وللأسير
كذلك، ومنه قولهم: أكذب من الأخيذ الصبحان. وقال قتادة: ﴿ليأخذوه﴾ معناه: ليقتلوه. و﴿ليدحضوا﴾
معناه: ليزلقوا وليذهبوا، والمدحضة المزلة والمزلقة .
وقوله: ﴿فكيف كان عقاب﴾ تعجيب وتعظيم، وليس باستفهام عن كيفية وقوع الأمر.
قوله عز وجل :
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ
حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ
زَحْمَةً وَعِلْمًا فَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَأَنَّبَعُوْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَاً لَحِيمِ ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ
عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَنَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ هَاوَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَ مَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَبِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ﴾
وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((كذلك سبقت كلمة)). والمعنى: كما أخذت أولئك المذكورين
فأهلكتهم فكذلك حقت كلماتي على جميع الكفار من تقدم منهم ومن تأخر أنهم أهل النار وسكانها .
وقرأ نافع وابن عامر: ((كلمات)) على الجمع، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وابن نصاح وقرأ
الباقون: ((كلمة)) على الإفراد وهي للجنس، وهي قراءة أبي رجاء وقتادة، وهذه كلها عبارة عن ختم القضاء
علیهم .
وقوله: ﴿أنهم﴾ بدل من ﴿كلمة﴾.
ثم أخبر تعالى بخبر يتضمن تشريف المؤمنين ويعظم الرجاء لهم، وهو أن الملائكة الحاملين للعرش
والذين حول العرش، وهؤلاء أفضل الملائكة يستغفرون للمؤمنين ويسألون الله لهم الرحمة والجنة، وهذا
معنى قوله تعالى في غير هذه الآية: ﴿كان على ربك وعداً مسؤولاً﴾ [الفرقان: ١٦] أي سألته الملائكة،
وفسر في هذه الآية المجمل الذي في قوله تعالى في غير هذه الآية ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾

٥٤٨
تفسير سورة غافر / الآيات: ١٠ - ١٢
[الشورى: ٥] لأنه معلوم أن الملائكة لا تستغفر لكافر، وقد يجوز أن يقال معنى ذلك أنهم يستغفرون
للكفار، بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم بعد ذلك، وعلى هذا النحو هو استغفار إبراهيم لأبيه واستغفار
رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين. وبلغني أن رجلاً قال لبعض الصالحين ادع لي واستغفر لي،
فقال له: تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني، وتلا هذه الآية. وقال مطرف بن الشخير: وجدنا
أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا هذه الآية. وروى جابر بن عبد الله أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه
مسيرة سبعمائة سنة)) وقرأت فرقة: ((العُرش)) بضم العين، والجمهور على فتحها.
وقوله تعالى: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً﴾ نصب الرحمة على التمييز وفيه حذف تقديره:
يقولون، ومعناه: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، وهذا نحو قولهم: تفقأت شحماً وتصببت عرقاً وطبت
نفساً. وسبيل الله المتبعة: هي الشرائع.
وقرأ جمهور الناس: ((جنات عدن)) على جمع الجنات. وقرأ الأعمش في رواية المفضل: ((جنة
عدن)) على الإفراد، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود. والعدن: الإقامة.
وقوله: ﴿ومن يصلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ روي عن سعيد بن جبير في تفسير ذلك: أن
الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين زوجتي؟ فيلحقون به لصلاحهم ولتنبيهه
عليهم وطلبه إياهم، وهذه دعوة الملائكة: وقرأ عيسى بن عمر: ((وذريتهم)) بالإفراد.
وقوله: ﴿وقهم﴾ أصله أوقهم، حذفت الواو اتباعاً لحذفها في المستقبل، واستغني عن ألف الوصل
لتحرك القاف، ومعناه: اجعل لهم وقاية تقيهم ﴿السيئات﴾، واللفظ يحتمل أن يكون الدعاء في دفع
العذاب اللاحق من ﴿السيئات﴾، فيكون في اللفظ على هذا حذف مضاف، كأنه قال: وقهم جزاء
السیئات .
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِأَ كْبَرُ مِن مَقَّتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْتُدْعَوْنَ إِلَى
قَالُواْرَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
١٠
اُلْإِيمَنِ فَتَكْفُرُونَ
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ- تُؤْمِنُواْ
خُرُوجِ مِّنسَبِيلٍ
فَاَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّالْكَبِيرِ
١٢
ثم أخبر تعالى بحال الكفار وجعل ذلك عقب حال المؤمنين ليبين الفرق، وروي أن هذه الحال تكون
للكفار عند دخولهم النار، فإنهم إذا أدخلوا فيها مقتوا أنفسهم، أي مقت بعضهم بعضاً. ويحتمل أن يمقت
كل واحد نفسه، فإن العبارة تحتمل المعنيين، والمقت هو احتقار وبغض عن ذنب وريبة. هذا حده، وإذا

٥٤٩
تفسير سورة غافر / الآيات: ١٠ - ١٢
مقت الكفار أنفسهم نادتهم ملائكة العذاب على جهة التوبيخ، فيقولون لهم: مقت اللّه إياكم في الدنيا إذ
كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون ﴿أكبر من مقتكم أنفسكم﴾ اليوم، هذا هو معنى الآية، وبه فسر مجاهد
وقتادة وابن زيد. وأضاف المصدر إلى الفاعل في قوله: ﴿لمقت الله﴾ والمفعول محذوف لأن القول
يقتضيه. واللام في قوله: ﴿لمقت﴾ يحتمل أن تكون لام ابتداء، ويحتمل أن تكون لام القسم، وهذا
أصوب. و: ﴿أكبر﴾ خبر الابتداء، والعامل في: ﴿إذ﴾ فعل مضمر تقديره: مقتكم إذ، وقدره قوم اذكروا،
وذلك ضعيف يحل ربط الكلام، اللهم إلا أن يقدر أن مقت الله لهم هو في الآخرة، وأنه أكبر من مقتهم
أنفسهم، فيصح أن يقدر المضمر اذكروا، ولا يجوز أن يعمل فيه قوله: ﴿لمقت﴾ لأن خبر الابتداء قد حال
بين المقت و﴿إِذ﴾، وهي في صلته، ولا يجوز ذلك.
واختلف المفسرون في معنى قولهم: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين﴾ فقال ابن عباس وقتادة
والضحاك وأبو مالك: أرادوا موته كونهم ماء في الأصلاب ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم الموت ثم أحياهم
يوم القيامة، قالوا وهي كالتي في سورة البقرة: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم
يحييكم﴾ [البقرة: ٢٨]. وقال ابن زيد: أرادوا أنه أحياهم نسماً عند أخذ العهد عليهم وقت أخذهم من
صلب آدم ثم أماتهم بعد ذلك ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم ثم أحياهم، وهذا قول ضعيف، لأن الإحياء
.فيه ثلاث مريأت .. وقال السّدي: أرادوا أنه أحياهم في الدنيا ثم أماتهم تم أحياهم في التبرسموقت سؤاله منكر
وتكير، ثم أماتهم فية ثم أحياتهم في الحشر، وهذا أيضاً يدخله الاعتراض الذي في القول قبله، والأول
أثبت الأقوال. وقال محمد بن كعب القرظي : أرادوا أن الكافر في الدنيا هو حي الجسد ميت القلب فكأن
حالهم في الدنيا جمعت إحياء وإماتة، ثم أماتهم حقيقة ثم أحياهم بالبعث.
والخلاف في هذه الآية مقول كله في آية سورة البقرة، وهذه الآية يظهر منها أن معناها منقطع من
معنى قوله تعالى: ﴿إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ وليس الأمر كذلك، بل الآيتان متصلتا المعنى،
وذلك أن كفرهم في الدنيا كان أيضاً بإنكارهم البعث واعتقادهم أنه لا حشر ولا عذاب، ومقتهم أنفسهم
إنما عظمه، لأن هذا المعتقد كذبهم، فلما تقرر مقتهم لأنفسهم ورأوا خزياً طويلاً عريضاً رجعوا إلى
المعنى الذي کان کفرهم به وهو البعث وخرج الوجود مقترناً بعذابهم فأقروا به على أتم وجوهه، أي قد كنا
كفرنا بإنكارنا البعث ونحن اليوم نقر أنك أحييتنا اثنتين وأمتنا اثنتين، كأنهم قصدوا تعظيم قدرته تعالى
واسترضاءه بذلك، ثم قالوا عقب هذا الإقرار طمعاً منهم، فها نحن معترفون بذنوبنا ﴿فهل إلى خروج من
سبيل﴾؟ وهذا كما تكلف إنساناً أن يقرلك بحق وهو ينكرك، فإذا رأى الغلبة وضرع أقر بذلك الأمر متمماً
أوفى مما كنت تطلب به أولاً، وفيما بعد قولهم: ﴿فهل إلى خروج من سبيل﴾ محذوف من الكلام يدل
عليه الظاهر، تقديره: لا إسعاف لطلبتكم أو نحو هذا من الرد والزجر.
وقوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى العذاب الذي هم فيه، ويحتمل أن يكون إشارة
إلى مقت الله إياهم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مقتهم أنفسهم، ويحتمل أن تكون إشارة إلى المنع
والزجر والإهانة التي قلنا إنها مقدرة محذوفة الذكر لدلالة ظاهر القول عليها، ويحتمل أن تكون المخاطبة
بـ ﴿ذلكم﴾ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم فى الدنيا، ويحتمل أن تكون في الآخرة للكفار عامة.

٥٥٠
تفسير سورة غافر / الآيات: ١٣ - ١٧
وقوله: ﴿إذا دعي الله وحده﴾ معناه: بحالة توحيد ونفي لما سواه من الآلهة والأنداد.
وقوله: ﴿وإن يشرك به﴾ أي إذا ذكرت اللات والعزى وغيرهما صدقتم واستقرت نفوسكم، فالحكم
اليوم بعذابكم وتخليدكم في النار، لا لتلك التي كنتم تشركونها معه في الألوهية. و: ﴿العلي الكبير﴾
صفتا مدح لا في المكان ومضادة السفل والصغر.
قوله عز وجل :
هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَنْ يُنِيبُ
١٣
رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى
١٤
فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَؤْكَرِهَ اُلْكَفِرُونَ
أَيَوْمَ هُم بَرِزُونَ لَ يَخْنَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ
١٥
الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ
شَىْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِالْوَحِدِ الْقَهَّارِ ﴿ اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ لَأَظُلْمَ الْيَوْمُ
٧
إِنَ اللَّهَسَرِيعُ الْحِسَابِ
هذه ابتداء مخاطبة في معنى توحيد الله تعالى وتبيين علامات ذلك، وآيات الله: تعم آيات قدرته
وآيات قرآنه والمعجزات الظاهرة على أيدي رسله. وتنزيل الرزق: هو في تنزيل المطر وفي تنزيل القضاء
والحكم، قيل ما يناله المرء في تجارة وغير ذلك وقرأ جمهور الناس: ((ويُنْزِل)) بالتخفيف. وقرأ الحسن
والأعرج وعيسى وجماعة: ((وينزِّل)) بفتح النون وشد الزاي.
وقوله تعالى: ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ معناه: وما يتذكر تذكراً يعتد به وينفع صاحبه، لأنا نجد من
لا ینیب یتذکر، لکن لما کان ذلك غیر نافع عد کأنه لم یکن.
وقوله: ﴿فادعوا الله﴾ مخاطبة للمؤمنين أصحاب محمد عليه السلام. ((وادعوا)): معناه: اعبدوا.
وقوله تعالى: ﴿رفيع الدرجات﴾ صفاته العلى، وعبر بما يقرب لأفهام السامعين، ويحتمل أن يريد
بـ ﴿رفيع الدرجات﴾ التي يعطيها للمؤمنين ويتفضل بها على عباده المخلصين في جنة. و: ﴿العرش﴾ هو
الجسم المخلوق الأعظم الذي السماوات السبع والأرضون فيه كالدنانير في الفلاة من الأرض.
وقوله تعالى: ﴿يلقي الروح﴾ قال الضحاك: ﴿الروح) هنا هو الوحي القرآن وغيره مما لم يتل.
وقال قتادة والسدي: ﴿الروح﴾ النبوءة ومكانتها كما قال تعالى: ﴿روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢]
ويسمى هذا روحاً لأنه يحيي به الأمم والأزمان كما يحيي الجسد بروحه، ويحتمل أن يكون إلقاء الروح
عاماً لكل ما ينعم الله به على عباده المعتدين في تفهيمه الإيمان والمعتقدات الشريفة. والمنذر على هذا
التأويل: هو الله تعالى. قال الزجاج: ﴿الروح): كل ما به حياة الناس، وكل مهتد حي، وكل ضال
کالميت.
وقوله: ﴿من أمره﴾ إن جعلته جنساً للأمور فـ ﴿من﴾ للتبعيض أو لابتداء الغاية، وإن جعلنا الأمر من

٥٥١
تفسير سورة غافر / الآيات: ١٣ - ١٧
معنى الكلام، فـ ﴿من﴾ إما لابتداء الغاية، وإما بمعنى الباء، ولا تكون للتبعيض بتة وقرأ أبي بن كعب:
وجماعة: ((لينذِر)) بالياء وكسر الذال، وفي الفعل ضمير يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود
على ﴿الروح﴾، ويحتمل أن يعود على ﴿من﴾ في قوله: ﴿من يشاء﴾. وقرأ محمد بن السميفع اليماني:
((لينذَر)) بالياء وفتح الذال، وضم الميم من ((يومُ)) وجعل اليوم منذراً على الاتساع. وقرأ جمهور الناس:
(تنذر)) بالتاء على مخاطبة محمد عليه السلام، ويومَ)) بالنصب.
وقرأ أبو عمرو ونافع وجماعة: ((التلاق)) دون ياء. وقرأ أبو عمرو أيضاً وعيسى ويعقوب: ((التلاقي))
بالياء، والخلاف فيها كالخلاف الذي مر في ﴿التنادي﴾ [غافر: ٣٢]، ومعناه: تلاقي جميع العالم بعضهم
ببعض، وذلك أمر لم يتفق قبل ذلك اليوم، وقال السدي: معناه: تلاقي أهل السماء وأهل الأرض، وقيل
معناه تلاقي الناس مع بارئهم، وهذا المعنى الأخير هو أشدها تخويفاً، وقيل يلتقي المرء وعمله.
وقوله تعالى: ﴿يوم هم بارزون﴾ معناه في براز من الأرض ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي،
ونصب ﴿يوم﴾ على البدل من الأول فهو نصب المفعول، ويحتمل أن ينصب على الظرف ويكون العامل
فيه قوله: ﴿لا يخفى﴾ وهي حركة إعراب لا حركة بناء، لأن الظرف لا يبنى إلا إذا أضيف إلى غير متمكن
كيومئذ، وكقول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل]
وقلت ألمًا أصحُ والشيب وارع
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وكقوله تعالى: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين﴾ [المائدة: ١١٩] وأما في هذه الآية فالجملة أمر متمكن
كما تقول: جئت يوم زيد فلا يجوز البناء، وتأمل.
وقوله تعالى: ﴿لا يخفى على الله منهم﴾ أي من بواطنهم وسرائرهم ودعوات صدورهم، وفي
مصحف أبي بن كعب: ((لا يخفى عليه منهم شيء)) بضمير بدل المكتوبة.
وقوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم﴾ روي أن الله تعالى يقرر هذا التقرير ويسكت العالم هيبة وجزعاً،
فيجيب هو نفسه بقوله: ﴿لله الواحد القهار﴾ قال الحسن بن أبي الحسن هو تعالى السائل وهو المجيب.
وقال ابن مسعود: أنه تعالى يقرر فيجيب العالم بذلك، وقيل ينادي بالتقرير ملك فيجيب الناس.
قال القاضي أبو محمد: وإذا تأمل المؤمن أنه لا حول لمخلوق ولا قوة إلا بالله، فالزمان كله وأيام
الدهر أجمع إنما الملك فيها ﴿لله الواحد القهار﴾، لكن ظهور ذلك للكفرة والجهلة يتضح يوم القيامة،
وإذا تأمل تسخير أهل السماوات وعبادتهم ونفوذ القضاء في الأرض فأي ملك لغير الله عز وجل.
ثم يعلم تعالى أهل الموقف بأنه يوم المجازاة بالأعمال صالحها وسيئها، وهذه الآية نص في أن
الثواب والعقاب معلق باكتساب العبيد، وأنه يوم لا يوضع فيه أمر غير موضعه، وذلك قوله: ﴿لا ظلم
اليوم﴾. ثم أخبرهم عن نفسه بسرعة الحساب، وتلك عبارة عن إحاطته بالأشياء علماً، فهو يحاسب
الخلائق في ساعة واحدة كما يرزقهم، لأنه لا يحتاج إلى عد وفكرة، لا رب غيره. وروي أن يوم القيامة لا
ينتصف حتى يقيل المؤمنون في الجنة والكافرون في النار.

٥٥٢
تفسير سورة غافر / الآيات: ١٨ - ٢١
قوله عز وجل :
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِالْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيٍ وَلَا سَفِيعِ يُطَاعُ
يَعْلَمُ خَآبِنَةَ الْأَعْيْنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴿ وَاَللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ،
١٨
أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ اْبَصِيرُ ﴾)
عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإنذار للعالم والتحذير من يوم القيامة وأهواله، وهو الذي
أراد بـ ﴿يوم الآزفة﴾، قاله مجاهد وقتادة وابن زيد: ومعنى ﴿الآزفة): القريبة، من أزف الشيء إذا قرب،
و﴿الآزفة﴾ في الآية صفة لمحذوف قد علم واستقر في النفوس هوله، فعبر عنه بالقرب تخويفاً، والتقدير:
يوم الساعة الآزفة أو الطامة الآزفة ونحو هذا فكما لو قال: وأنذرهم الساعة لعلم هولها بما استقر في
النفوس من أمرها، فكذلك علم هنا إذا جاء بصفتها التي تقتضي حلولها واقترابها .
وقوله: ﴿إِذ القلوب لدى الحناجر﴾ معناه: عند الحناجر، أي قد صعدت من شدة الهول والجزع،
وهذا أمر يحتمل أن يكون حقيقة يوم القيامة من انتقال قلوب البشر إلى حناجرهم وتبقى حياتهم، بخلاف
الدنيا التي لا تبقى فيها لأحد مع تنقل قلبه حياة، ويحتمل أن يكون تجوزاً عبر عما يجده الإنسان من
الجزع وصعود نفسه وتضايق حنجرته بصعود القلب، وهذا كما تقول العرب: كادت نفسي أن تخرج، وهذا
المعنى يجده المفرط الجزع كالذي يقرب للقتل ونحو.
وقوله: ﴿كاظمين﴾ حال مما أبدل منه قوله: ﴿إِذ القلوب لدى الحناجر﴾ أو مما تنضاف إليه
القلوب، لأن المراد إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿تشخص فيه الأبصار مهطعين
إلى الداع﴾ [القمر: ٨] أراد تشخص فيه أبصارهم، والكاظم: الذي يرد غيظه وجزعه في صدره، فمعنى
الآية أنهم يطمعون برد ما يجدونه في الحناجر والحال تغالبهم. ثم أخبرهم تعالى أن الظالمين ظلم الكفر
في تلك الحال ليس لهم حميم، أي قريب يحتم لهم ويتعصب، ولا لهم شفيع يطاع فيهم، وإن هم
بعضهم بالشفاعة لبعض فهي شفاعة لا تقبل، وقد روي أن بعض الكفرة يقولون لإبليس يوم القيامة: اشفع
لنا، فيقوم ليشفع، فتبدو منه أنتن ريح يؤذي بها أهل المحشر، ثم ينحصر ويكع ويخزى. و ﴿يطاع﴾ في
موضع الصفة لـ ﴿شفيع﴾، لأن التقدير: ولا شفيع يطاع، وموضع ﴿يطاع﴾ يحتمل أن يكون خفضاً حملاً
على اللفظ، ويحتمل أن يكون رفعاً عطفاً على الموضع قبل دخول ﴿من﴾.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية كلها عندي اعتراض في الكلام بليغ.
وقوله: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ متصل بقوله: ﴿سريع الحساب﴾ [غافر: ١٧] لأن سرعة حسابه تعالى

٥٥٣
تفسير سورة غافر / الآيات: ١٨ - ٢١
للخلق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى روية وفكرة ولا لشيء مما يحتاجه الحاسبون. وقالت فرقة:
﴿يعلم﴾ متصل بقوله: ﴿لا يخفى على الله منهم شيء﴾ [غافر: ١٦]، وهذا قول حسن يقويه تناسب
المعنيين ويضعفه بعد الآية وكثرة الحائل. والخائنة: مصدر كالخيانة، ويحتمل في الآية أن يكون ﴿خائنة﴾
اسم فاعل، كما تقول: ناظرة الأعين إذا خانت في نظرها. وهذه الآية عبارة عن علم الله تعالى بجميع
الخفيات، فمن ذلك كسر الجفون والغمز بالعين أو النظرة التي تفهم معنى، أو يريد بها صاحبها معنى،
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه عبد الله بن أبي سرح ليسلم بعد ردته بشفاعة عثمان،
فتلكأ عليه رسول الله صلی الله عليه وسلم ثم بایعه، ثم قال عليه السلام لأصحابه: ((هلا قام إليه رجل حين
تلكأت عليه فضرب عنقه؟))، فقالوا يا رسول الله: ألا أومأت إلينا؟ فقال عليه السلام: ((ما ينبغي لنبي أن
تكون له خائنة الأعين)). وفي بعض الكتب المنزلة من قول الله عز وجل: أنا مرصاد الهمم، أنا العالم
بمجال الفكر وكسر الجفون. وقال مجاهد: ﴿خائنة الأعين﴾: مسارقة النظر إلى ما لا يجوز. ثم قوى
تعالى هذه الأخبار بأنه يعلم ما تخفي الصدور مما لم يظهر على عين ولا غيرها، ومثل المفسرون في هذه
الآية بنظر رجل إلى امرأة هي حرمة لغيره، فقالوا ﴿خائنة الأعين﴾: هي النظرة الثانية. ﴿وما تخفي
الصدور﴾: أي عند النظرة الأولى التي لا يمكن المرء دفعها، وهذا المثال جزء من ﴿خائنة الأعين﴾.
ثم قدح في جهة الأصنام، فأعلم أنه لا رب غيره ﴿يقضي بالحق﴾، أي يجازي الحسنة بعشر
والسيئة بمثل، وينصف المظلوم من الظالم إلى غير ذلك من أقضية الحق والعدل، والأصنام لا تقضي
بشيء ولا تنفذ أمراً. و: ﴿يدعون﴾ معناه: يعبدون.
وقرأ جمهور القراء: ((يدعون)) بالياء على ذكر الغائب. وقرأ نافع بخلاف عنه. وأبو جعفر وشيبة:
((تدعون)) بالتاء على معنى قل لهم يا محمد: والذين تدعون أنتم.
ثم ذكر تعالى لنفسه صفتين بين عرو الأوثان عنهما وهي في جهة الله تعالى عبارة عن الإدراك على
إطلاقه، ثم أحال كفار قريش وهم أصحاب الضمير في ﴿يسيروا﴾ على الاعتبار بالأمم القديمة التي كذبت
أنبياءها فأهلكها الله تعالى.
وقوله: ﴿فينظروا﴾ يحتمل أن يجعل في موضع نصب جواب الاستفهام، ويحتمل أن يكون مجزوماً
عطفاً على ﴿يسيروا﴾. و: ﴿كيف﴾ في قوله: ﴿كيف كان عاقبة﴾ خبر ﴿كان﴾ مقدم، وفي ﴿كيف﴾
ضمير، وهذا مع أن تكون ﴿كان﴾ الناقصة. وأما إن جعلت تامة بمعنى حدث ووقع، فـ ﴿كيف﴾ ظرف
ملغى لا ضمير فيه .
وقرأ ابن عامر وحده: ((أشد منكم)) بالكاف، وكذلك هي في مصاحف الشام، وذلك على الخروج
من غيبة إلى الخطاب. وقرأ الباقون: ((أشد منهم)) وكذلك هي في سائر المصاحف، وذلك أوفق لتناسب
ذكر الغيب .
والآثار في ذلك: هي المباني والمآثر والصيت الدنياوي، وذنوبهم كانت تكذيب الأنبياء. والواقي:
الساتر المانع، مأخوذ من الوقاية .

٥٥٤
تفسير سورة غافر / الآيات: ٢٢ - ٢٥
قوله عز وجل :
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتَ تَّأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَكَفَرُوْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
إِلَى فِرْعُوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ
٢٣
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا وَسُلْطَبِ مُبِينٍ
٢٢
فَلَمَّاجَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ
فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَابٌ
ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأُسْتَحْيُوْ نِسَآءَ هُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلََّ فِ ضَلَالٍ
٢٥
قوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى أخذه إياهم بذنوبهم وإن لم يكن لهم: منه واق. ثم ذكر تعالى أن
السبب في إهلاكهم هو ما قريش عليه من أن جاءهم رسول من الله ببينات من المعجزات والبراهين فكفروا
به، وذكر أن الله تعالى أخذهم، ووصف نفسه تعالى بالقوة وشدة العقاب، وهذا كله بيان في وعيد قريش.
ثم ابتدأ تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملإه، وهي قصة فيها للنبي صلى الله عليه وسلم
تسلية وأسوة، وفيها لقريش والكفار به وعيد ومثال يخافون منه أن يحل بهم ما حل بأولئك من النقمة، وفيها
للمؤمنين وعد ورجاء في النصر والظفر وحمد عاقبة الصبر، وآيات موسى عليه السلام كثيرة عظمها، والذي
عرضه على جهة التحدي بالعصا واليد، ووقعت المعارضة في العصا وحدها ثم انفصلت القضية عن إيمان
السحرة وغلبة الكافرين. والسلطان: البرهان.
وقرأ عيسى بن عمر: ((سلطان)) بضم اللام، والناس على سكونها.
وخص تعالى ﴿هامان وقارون﴾ بالذكر تنبيهاً على مكانهما من الكفر، ولكونهما أشهر رجال فرعون،
وقيل إن قارون هذا ليس بقارون بني إسرائيل، وقيل هو ذلك، ولكنه كان منقطعاً إلى فرعون خادماً مستعيناً
معه .
وقوله: ﴿ساحر﴾ أي في أمر العصا. و: ﴿كذاب﴾ في قوله: إني رسول من الله.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لما جاءهم موسى بالنبوة والحق من عند الله، قال هؤلاء الثلاثة وأجمع
رأيهم على أن يقتل أبناء بني إسرائيل أتباع موسى وشبانهم وأهل القوة منهم، وأن يستحي النساء للخدمة
والاسترقاق، وهذا رجوع منهم إلى نحو القتل الأول الذي كان قبل ميلاد موسى، ولكن هذا الأخير لم تتم
فيه عزمة، ولا أعانهم الله تعالى على شيء منه. قال قتادة: هذا قتل غير الأول الذي كان حذر المولود،
وسموا من ذكرنا من بني إسرائيل أبناء، كما تقول لأنجاد القبيلة أو المدينة وأهل الظهور فيها: هؤلاء أبناء
فلانة .
وقوله تعالى: ﴿وما كيد الكافرين إلا في ضلال﴾ عبارة وجيزة تعطي قوتها أن هؤلاء الثلاثة لم
يقدرهم الله تعالى على قتل أحد من بني إسرائيل ولا نجحت لهم فيه سعاية، بل أضل الله سعيهم وكيدهم.
.
:

٥٥٥
تفسير سورة غافر / الآيات: ٢٦ - ٢٨
قوله عز وجل :
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيّ أَقْتُلُ مُوسَى وَلِيَدْعُ رَبَّهُ: إِنِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي
اُلْأَرْضِ اُلْفَسَادَ ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِِّ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ: أَنَفْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ
الْحِسَابِ لـ
رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِن يَكُ صَادِقًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُ كُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
٢٨
الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرت آيات موسى عليه السلام انهد ركنه واضطربت معتقدات
أصحابه، ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، وذلك بين من غير ما موضع من قصتهما، في هذه
الآية على ذلك دليلان، أحدهما قوله: ﴿ذروني﴾ فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ
أوامرهم. والدليل الثاني: مقالة المؤمن وما صدع به، وأن مكاشفته لفرعون أكثر من مسايرته، وحكمه بنبوة
موسى أظهر من توريته في أمره. وأما فرعون فإنما لجأ إلى المخرقة والاضطراب والتعاطي، ومن ذلك
قوله: ﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه﴾ أي إني لا أبالي عن رب موسى، ثم رجع إلى قومه يريهم النصيحة
والحماية لهم فقال: ﴿إني أخاف أن يبدل دينكم). والدين: السلطان، ومنه قول زهير:
في دين عمرو وحالت بيننا فدك
لئن حللت بجوّ من بني أسد
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ((وأن)). وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((أو أن))، ورجحها
أبو عبيد بزيادة الحرف، فعلى الأولى خاف أمرين، وعلى الثانية: خاف أحد أمرين.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن وقتادة والجحدري وأبو رجاء ومجاهد وسعيد بن
المسيب ومالك بن أنس: (يُظهِر)) بضم الياء وكسر الهاء. ((الفسادَ) نصيباً. وقرأ ابن كثير وابن عامر: ((يَظهَر))
بفتح الياء والهاء ((الفسادُ)) بالرفع على إسناد الفعل إليه، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم
والأعرج وعيسى والأعمش وابن وثاب. وروي عن الأعمش أنه قرأ: ((ويظهرُ في الأرض الفساد)) برفع
الراء. وفي مصحف ابن مسعود: ((ويظهر)) بفتح الراء.
ولما سمع موسى عليه السلام مقالة فرعون - لأنه كان معه في مجلس واحد - دعا وقال: ﴿إني عذت
بربي وربكم﴾ الآية. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر ببيان الذال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي:
﴿عذت﴾ بالإدغام، واختلف عن نافع، وفي مصحف أبي بن كعب: ((عت))، على الإدغام في الخط ثم
حكى مقالة رجل مؤمن من آل فرعون وشرفه بالذكر، وخلد ثناءه في الأمم، سمعت أبي رضي الله عنه
يقول: سمعت أبا الفضل الجوهري على المنبر وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة، فأطرق
قليلاً ثم رفع رأسه وأنشد [عدي بن زيد]: [الطويل]

٥٥٦
تفسير سورة غافر / الآيات: ٢٦ - ٢٨
فكل قرين بالمقارن مقتد
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
ماذا تريدون من قوم قرنهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وخصهم بمشاهدته وتلقي الوحي منه؟ وقد
أثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسره، فجعله الله تعالى في كتابه وأثبت ذكره في
المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب رضي الله عنه جرد سيفه
بمكة وقال: والله لا عبد الله سراً بعد اليوم.
وقرأت فرقة: ((رجْل)) بسكون الجيم، كعضد وعضد، وسبع وسبع، وقراءة الجمهور بضم الجيم
واختلف الناس في هذا الرجل، فقال السدي وغيره: كان من آل فرعون وأهله، وكان يكتم إيمانه،
فـ ﴿يكتم﴾ على هذا في موضع الصفة دون تقديم وتأخير. وقال مقاتل: كان ابن عم فرعون. وقالت فرقة:
لم يكن من أهل فرعون. (وقالت فرقة: لم يكن من أهل فرعون). بل من بني إسرائيل، وإنما المعنى:
وقال رجل يكتم إيمانه من آل فرعون، ففي الكلام تقديم وتأخير، والأول أصح، ولم يكن لأحد من بني
إسرائيل أن يتكلم بمثل هذا عند فرعون، ويحتمل أن يكون من غير القبط، ويقال فيه من آل فرعون، إذ
كان في الظاهر على دينه ومن أتباعه، وهذا كما قال أراكة الثقفي يرثي أخاه ويتعزى برسول الله صلى الله
عليه وسلم: [الطويل]
فلا تبك ميْتاً بعد ميْت أجنه علي وعباس وآل أبي بكر
يعني المسلمين إذ كانوا في طاعة أبي بكر الصديق.
وقوله: ﴿أن يقول﴾ مفعول من أجله، أي لأجل أن يقول: وجلح معهم هذا المؤمن في هذه
المقالات ثم غالطهم بعد في أن جعله في احتمال الصدق والكذب، وأراهم أنها نصيحة، وحذفت النون
من: ﴿يك﴾ تخفيفاً على ما قال سيبويه وتشبيهاً بالنون في تفعلون وتفعلان على مذهب المبرد، وتشبيهاً
بحرف العلة الياء والواو على مذهب أبي علي الفارسي وقال: كأن الجازم دخل على ((يكن)) وهي مجزومة
بعد فأشبهت النون الياء من يقضي والواو من يدعو، لأن خفتها على اللسان سواء.
واختلف المتأولون في قوله: ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال أبو عبيدة وغيره: ﴿بعض﴾ بمعنى
كل، وأنشدوا قول القطامي عمرو بن شييم: [البسيط]
وقد يكون مع المستعجل الزلل
قد يدرك المتأني بعض حاجته
وقال الزجاج: هو إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر، وليس فيه نفي إضافة الكل. وقالت فرقة، أراد:
يصبكم بعض العذاب الذي يذكر، وذلك كاف في هلاككم، ويظهر إلي أن المعنى: يصبكم القسم الواحد
مما يعد به، وذلك هو بعض ما يعد، لأنه عليه السلام وعدهم إن آمنوا بالنعيم وإن كفروا بالعذاب فإن كان
صادقاً فالعذاب بعض ما وعد به. وقالت فرقة: أراد ببعض ما يعدكم عذاب الدنيا، لأنه بعض عذاب
الآخرة، أي وتصيرون بعد ذلك إلى الباقي وفي البعض كفاية في الإهلاك، ثم وعظهم هذا المؤمن بقوله:
﴿إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾ قال السدي: معناه: مسرف بالقتل. وقال قتادة: مسرف بالكفر.

٥٥٧
تفسير سورة غافر / الآيات: ٢٩ - ٣٣
قوله عز وجل :
يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِ اُلْأَرْضِ فَمَن يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَ نَاقَالَ فِرْعَوْنُ
مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّسَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿﴿ وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِّ أَخَافُ
مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِ هِ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ
عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (
ظُلْمًا لِلْعِبَادِ
يَوْمَ تُوَلَّونَ مُدْبِرِينَ مَالَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ
وَيَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ
٣١
عَاصِةٍ وَ مَن يُضْلِلِاللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٣٣
قول هذا المؤمن: ﴿يا قوم لكم الملك اليوم﴾ استنزال لهم ووعظ لهم من جهة شهواتهم وتحذير من
زوال ترفتهم ونصيحة لهم في أمر دنياهم.
وقوله: ﴿في الأرض﴾ يريد في أرض مصر وما والاها من مملكتهم. ثم قررهم على من هو الناصر
لهم من بأس الله، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون، ولذلك استكان هو ورجع يقول: ﴿ما أريكم إلا
ما أری﴾ کما تقول لمن لا تحکم له.
وقوله: ﴿أريكم﴾ من رأى قد عدي بالهمزة، فللفعل مفعولان أحدهما الضمير في ﴿أريكم﴾ والآخر
ما في قوله: ﴿إلا ما﴾ وكأن الكلام أراكم ما أرى، ثم أدخل في صدر الكلام ﴿ما﴾ النافية وقلب معناها
بـ ﴿إلا﴾ الموجبة تخصيصاً وتأكيداً للأمر، وهذا كما تقول: قام زيد، فإذا قلت: ما قام إلا زيد أفدت
تخصيصه وتأكيد أمره. و﴿أرى﴾ متعدية إلى مفعول واحد وهو الضمير الذي فيه العائد على ﴿ما﴾،
تقديره: إلا ما أراه، وحذف هذا المفعول من الصفة حسن لطول الصلة .
وقرأ الجمهور: ﴿الرشاد﴾ مصدر رشد، وفي قراءة معاذ بن جبل: ((سبيل الرشّاد)) بشد الشين. قال أبو
الفتح: وهو اسم فاعل في بنيته مبالغة وهو من الفعل الثلاثي رشد فهو كعباد من عبد. وقال النحاس: هو
لحن وتوهمه من الفعل الرباعي وقوله مردود. قال أبو حاتم: كان معاذ بن جبل يفسرها سبيل الله. ويبعد
عندي هذا على معاذ رضي الله عنه، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله، ويقلق بناء اللفظة على هذا
التأويل .
واختلف الناس من المراد بقوله: ﴿وقال الذي آمن﴾ فقال جمهور المفسرين: هو المؤمن المذكور
أولاً، قص اللّه تعالى أقاويله إلى آخر الآيات. وقالت فرقة: بل كلام ذلك المؤمن قديم، وإنما أراد تعالى
بـ ﴿الذي آمن﴾ موسى عليه السلام، واحتجت هذه الفرقة بقوة كلامه، وأنه جلح معهم بالإيمان وذكر
عذاب الآخرة وغير ذلك، ولم يكن كلام الأول إلا بملاينة لهم.
وقوله: ﴿مثل يوم الأحزاب﴾ مثل يوم من أيامهم، لأن عذابهم لم يكن في يوم واحد ولا عصر

٥٥٨
تفسير سورة غافر / الآيات: ٢٩ - ٣٣
واحد. و﴿الأحزاب﴾: المتحزبون على أنبياء الله تعالى، و﴿مثل﴾ الثاني بدل من الأول.
والدأب: العادة.
وقوله: ﴿وما الله يريد ظلماً للعباد﴾ أي من نفسه أن يظلمهم هو عز وجل، فالإرادة هنا على بابها،
لأن الظلم منه لا يقع البتة، وليس معنى الآية أن الله لا يريد ظلم بعض العباد لبعض، والبرهان وقوعه،
ومحال أن يقع ما لا يريده الله تعالى.
وقوله: ﴿يوم التنادي﴾ معناه ينادي قوم قوماً ويناديهم الآخرون. واختلف المتأولون في ﴿التنادي﴾
المشار إليه، فقال قتادة: هو نداء أهل الجنة أهل النار ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً﴾ [الأعراف: ٤٤]،
ونداء أهل النار لهم: ﴿أفيضوا علينا من الماء﴾ [الأعراف: ٥٠]. وقالت فرقة: بل هو النداء الذي يتضمنه
قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ [الإسراء: ٧١]. وقال ابن عباس وغيره: هو التنادي الذي
يكون بالناس عند النفخ في الصور نفخة الفزع في الدنيا وأنهم يفرون على وجوههم للفزع الذي نالهم
وينادي بعضهم بعضاً، وروي هذا التأويل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المراد التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار
والعصاة، ولها أجوبة بنداء وهي كثيرة منها ما ذكرناه، ومنها ((يا أهل النار خلود لا موت))، ومنها ((يا أهل
الجنة خلود لا موت))، ومنها نداء أهل الغدرات والنداء ﴿لمقت اللّه﴾ [غافر: ١٠]، والنداء ﴿لمن الملك
اليوم﴾ [غافر: ١٦] إلى غير ذلك.
وقرأت فرقة: ((التناذ)) بسكون الدال في الوصل، وهذا على إجرائهم الوصل مجرى الوقف في غير ما
موضع، وقرأ نافع وابن كثير: ((التنادي)) بالياء في الوصل والوقف وهذا على الأصل. وقرأ الباقون ((التناد))
بغير ياء فيهما، وروي ذلك عن نافع وابن كثير، وحذفت الياء مع الألف واللام حملاً على حذفها مع معاقبها
وهو التنوين. وقال سيبويه: حذفت الياء تخفيفاً. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو صالح والكلبي: ((التنادٌ))
بشد الدال، وهذا معنى آخر ليس من النداء، بل هو من ند البعير إذا هرب، وبهذا المعنى فسر ابن عباس
والسدي هذه الآية، وروت هذه الفرقة في هذا المعنى حديثاً أن الله تعالى إذا طوى السماوات نزلت ملائكة
كل سماء فكانت صفاً بعد صف مستديرة بالأرض التي عليها الناس للحساب، فإذا رأى العالم هول القيامة
وأخرجت جهنم عنقها إلى أصحابها فر الكفار وندوا مدبرين إلى كل جهة فتردهم الملائكة إلى المحشر
خاسئين لا عاصم لهم، قالت هذه الفرقة، ومصداق هذا الحديث في كتاب الله تعالى قوله: ﴿والملك على
أرجائها﴾ [الحاقة: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفاً﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿يا
معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان﴾
[الرحمن: ٣٣].
:
١
وقوله تعالى: ﴿يوم تولون مدبرين﴾ معناه: على بعض الأقاويل في التنادي تفرون هروباً من المفزع
وعلى بعضها تفرون مدبرين إلى النار. والعاصم: المنجي.
-

٥٥٩
تفسير سورة غافر / الآيتان : ٣٥،٣٤
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَازِلْتُمْ فِ شَكٍّ مِّمَّا جَاءَ كُم بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ
قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ
٣٤
الَّذِينَ يُحَدِ لُونَ فِىّءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٣٥
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكٍَّ جَبَّارٍ(
قد قدمنا ذكر الخلاف في هذه الأقوال كلها، هل هي من قول مؤمني آل فرعون أو من قول موسى
عليه السلام. وقالت فرقة من المتأولين منهم الطبري: ﴿يوسف﴾ المذكور هو يوسف بن يعقوب صلى الله
عليه. وقالت فرقة: بل هو حفيده يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. و((البينات)) التي جاء بها يوسف
لم تعين لنا حتى نقف على معجزاته. وروي عن وهب بن منبه أن فرعون موسى لقي يوسف، وأن هذا
التقريع له كان. وروى أشهب عن مالك أنه بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة وأربعين سنة. وقالت فرقة:
بل هو فرعون آخر.
وقوله: ﴿قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً﴾ حكاية لرتبة قولهم لأنهم إنما أرادوا أن يجيء بعد هذا
من يدعي مثل ما ادعى ولم يقر أولئك قط برسالة الأول ولا الآخر، ولا بأن الله يبعث الرسل فحكى رتبة
قولهم، وجاءت عبارتهم مشنعة عليهم، ولذلك قال بإثر هذا: ﴿كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب﴾ أي
كما صيركم من الكفر والضلالة في هذا الحد فنحو ذلك هو إضلاله لصنعكم أهل السرف في الأمور وتعدي
الطور والارتياب بالحقائق. وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: ((قلتم لن يبعث الله))، ثم أنحى لهم
على قوم صفتهم موجودة في قوم فرعون، فكأنه أرادهم فزال عن مخاطبتهم حسن أدب واستجلاباً، فقال
﴿الذين يجادلون في آيات الله﴾ أي بالإبطال لها والرد بغير برهان ولا حجة أتتهم من عند الله كبر مقت
جدالهم عند الله، فاختصر ذكر الجدال لدلالة تقدم ذكره عليه، ورد الفاعل بـ ﴿كبر﴾ نصيباً على التمييز
كقولك: تفقأت شحماً وتصببت عرقاً. و: ﴿يطبع﴾ معناه: يختم بالضلال ويحجب عن الهدى.
وقرأ أبو عمرو وحده والأعرج بخلاف عنه ((على كلِّ قلبٍ)) بالتنوين ((متكبراً)) على الصفة. وقرأ
الباقون: ((على كلِّ قلبٍ)) بغير تنوين وبإضافته إلى ((متكبرٍ)). قال أبو علي: المعنى يطبع الله على القلوب إذ
كانت قلباً قلباً من كل متكبر، ويؤكد ذلك أن في مصحف عبد الله بن مسعود: ((على قلب كل متكبر جبار)).
قال القاضي أبو محمد: ويتجه أن يكون المراد عموم قلب المتكبر الجبار بالطبع أي لا ذرة فيه من ؟
إيمان ولا مقاربة فهي عبارة عن شدة إظلامه .
قوله عز وجل :
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَنَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ﴿َ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ

٥٦٠
تفسير سورة غافر / الآيات: ٣٦ - ٤٠
مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوْءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا
وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِ كُمْ سَبِيلَ
٣٧
كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابِ
يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ جَ مَنْ
الرَّشَادِقّ
عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْأُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ
٤٠
فَأَوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُّونَ فِيهَابِغَيْرِ حِسَابٍ،
ذكر الله عز وجل مقالة فرعون حين أعيته الحيل في مقاومة موسى عليه السلام بحجة، وظهر لجميع
المشاهدين أن ما يدعو إليه موسى من عبادة إله السماء حق، فنادى فرعون هامان وهو وزيره والناظر في
أموره، فأمره أن يبني له بناء عالياً نحو السماء. و((الصرح)) كل بناء عظيم شنيع القدر، مأخوذ من الظهور
والصراحة، ومنه قولهم: صريح النسب، وصرح بقوله، فيروى أن هامان طبخ الآجر لهذا الصرح ولم يطبخ
قبله، وبناه ارتفاع مائة ذراع فبعث الله جبريل فمسحه بجناحه فكسره ثلاث كسره تفرقت اثنتان ووقعت ثالثة
في البحر. وروي أن هامان لم يكن من القبط، وقيل: كان منهم. و: ﴿الأسباب﴾ الطرق، قالته السدي.
وقال قتادة: أراد الأبواب وقيل: عنى لعله يجد مع قربه من السماء سبباً يتعلق به.
i
وقرأ الجمهور: ((فأطلع)) بالرفع عطفاً على ((أبلغ))، وقرأ حفص عن عاصم والأعرج: ((فأطلعَ))
بالنصب بالفاء في جواب التمني .
ولما قال فرعون بمحضر من ملإه ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ اقتضى كلامه الإقرار بـ ﴿إله موسی﴾،
فاستدرك ذلك استدراكاً قلقاً بقوله: ﴿وإني لأظنه كاذباً﴾، ثم قال تعالى: ﴿وکذلك زين﴾ أي إنه كما
تخرق فرعون في بناء الصرح والأخذ في هذه الفنون المقصرة كذلك جری جمیع أمره. و: ﴿زين﴾ أي
زين الشيطان سوء عمله في كل أفعاله.
وقرأ الجمهور: ((وصد عن السبيل)) بفتح الصاد بإسناد الفعل إلى فرعون. وقرأ حمزة والكسائي
وعاصم وجماعة: ((وصُدَّ) بضم الصاد وفتح الدال المشددة عطفاً على
﴿زين﴾ وحملًا عليه. وقرأ يحيى بن وثاب: ((وصد)) بكسر الصاد على معنى صد، أصله: صدد، فنقلت
الحركة ثم أدغمت الدال في الدال. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد ورفع
الدال المشددة وتنوينها عطفاً على قوله: ﴿سوء عمله﴾.
و: ﴿السبيل﴾ سبيل الشرع والإيمان و﴿التباب): الخسران، ومنه: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾
[المسد: ١] وبه فسر مجاهد وقتادة. وتب فرعون ظاهر، لأنه خسر ماله في الصرح وغيره، وخسر ملكه
وخسر نفسه وخلد في جهنم، ثم وعظ الذي آمن فدعا إلى اتباع أمر الله .
وقوله: ﴿اتبعون أهدكم﴾ يقوي أن المتكلم موسى، وإن كان الآخر يحتمل أن يقول ذلك، أي
سـ
.