النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٠٣ - ١١١
أن ذلك على البراق وذكر القصة عن ابن إسحاق، وفيها ذكر البراق كما سمعت أبي يحكي وذكر الطبري
أن ابن عباس قال: الذبيح إسماعيل، وتزعم اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وذكر أيضاً أن عمر بن
عبد العزيز سأل رجلاً يهودياً كان أسلم وحسن إسلامه فقال: الذبيح إسماعيل، وإن اليهود تعلم ذلك ولكنهم
يحسدونكم معشر العرب أن تكون هذه الآية والفضل واللّه في أبيكم. و﴿السعي﴾ في هذه الآية العمل
والعبادة والمعونة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال قتادة ﴿السعي﴾ على القدم يريد سعياً
متمكناً وهذا في المعنى نحو الأول، وقرأ الضحاك ((معه السعي وأسر في نفسه حزناً)) قال وهكذا في حرف
ابن مسعود وهي قراءة الأعمش، قوله ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ يحتمل أن يكون رأى ذلك بعينه
ورؤيا الأنبياء وحي، وعين له وقت الامتثال، ويحتمل أن أمر في نومه بذبحه فعبر هو عن ذلك أي ﴿إني
رأيت في المنام﴾ ما يوجب أن ﴿أذبحك﴾، وقرأ جمهور الناس ((ماذا تَرَى)) بفتح والراء، وقرأ حمزة
والكسائي ((تَرِي)) بضم التاء وكسر الراء، على معنى ما يظهر منك من جلد أو جزع، وهي قراءة ابن مسعود
والأسود بن يزيد وابن وثاب وطلحة والأعمش ومجاهد، وقرأ الأعمش والضحاك ((تُرَى)) بضم التاء وفتح
الراء على بناء الفعل للمفعول، فأما الأولى فهي من رؤية الرأي، وهي رؤية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو
في هذه الآية إما ﴿ماذا﴾، بجملتها على أن تجعل ((ما)) و((ذا)) بمنزلة اسم واحد، وإما ((ذا)) على أن تجعله
بمعنى الذي، وتكون ((ما) استفهاماً وتكون الهاء محذوفة من الصلة، وأما القراءة الثانية فيكون تقدير
مفعولها كما مر في هذه، غير أن الفعل فيها منقول من رأى زيد الشيء وأريته إياه، إلا أنه من باب أعطيت
فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين، وأما القراءة الثانية فقد ضعفها أبو علي وتتجه على تحامل، وفي
مصحف عبد الله بن مسعود ((افعل ما أمرت به)).
قوله عز وجل :
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبْرِهِيمُ (﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْ يَآَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
(٤٥) إِنَّ هَذَالَهُوَ الْبَوُّ الْمُبِينُ ﴿ وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ (بَ سَلَمْ
كَذَلِكَ بَحْرِى الْمُحْسِنِينَ (١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى إِنْزَهِيمَ !
قرأ جمهور الناس ((أسلما)) أي أنفسهما واستسلما لله تعالى، وقرأ علي وعبد الله وابن عباس ومجاهد
والثوري (سلما)) والمعنى فوضا إليه في قضائه وقدره وانحملا على أمره، فأسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن
نفسه واختلف النحاة في جواب ﴿لما﴾، فقال الكوفيون الجواب ﴿ناديناه﴾، والواو زائدة، وقالت فرقة
الجواب ﴿وتله﴾ والواو زائدة كزيادتها في قوله: ﴿وفتحت السماء﴾ [النبأ: ١٩] وقال البصريون: الجواب
محذوف تقديره ((فلما أسلم وتله))، وهذا قول الخليل وسيبويه، وهوعندهم كقول امرىء القيس:
بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أجزنا وانتحى، وقال بعض البصريين: الجواب محذوف وتقديره ﴿فلما
أسلما وتله للجبين﴾ أجزل أجرهما أو نحو هذا مما يقتضيه المعنى، ﴿وتله) وضعه بقوة ومنه الحديث في
٤٨٢
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٠٣ - ١١١
القدح، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده أي وضعه بقوة، والتل من الأرض مأخوذ من هذه كأنه
تل في ذلك الموضع، و ﴿للجبين﴾ معناه لتلك الجهة وعليها كما يقولون في المثل لليدين والفم وكما
تقول سقط لشقه الأيسر، وقال ساعدة بن جوبة ((وظل تليلاً للجبين والجبينان ما اكتنف الجبهة من هنا
وهنا))، وروي في قصص هذه الآية أن الذبيح قال لأبيه اشدد رباطي بالحبل لئلا أضطرب واصرف بصرك
عني، لئلا ترحمني ورد وجهي نحو الأرض، قال قتادة كبه لفيه وأخذ الشفرة، والتل للجبين ليس يقتضي أن
الوجه نحو الأرض بل هي هيئة من ذبح للقبلة على جنبه، وقوله ﴿أن يا إبراهيم﴾، ﴿أن﴾ مفسرة لا
موضع لها من الإعراب وقوله، ﴿قد صدقت﴾ يحتمل أن يريد بقلبك على معنى كانت عندك رؤياك صادقة
وحقاً من الله فعملت بحسبها حين آمنت بها واعتقدت صدقها، ويحتمل أن يرايد صدقت بعملك ما حصل
عن الرؤيا في نفسك كأنه قال قد وفيتها حقها من العمل، و ﴿الرؤيا﴾ اسم لما يرى من قبل الله تعالى،
والمنام والحلم اسم لما يرى من قبل الشيطان، ومنه الحديث الصحيح: (الرؤيا من الله والحلم من
الشيطان))، وقوله ﴿إنا كذلك﴾ إشارة إلى ما عمل إبراهيم، كأنه يقول إنا بهذا النوع من الإخلاص والطاعة
﴿نجزي المحسنين)، وقوله تعالى ﴿إن هذا لهو﴾ يشير إلى ما في القصة من امتحان واختبار وسير معتقد،
فيكون ﴿البلاء﴾ على هذا المعنى الاختبار بالشدة، ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية
وإنقاذ من تلك الشدة في إنفاذ الذبح، فيكون ﴿البلاء﴾ بمعنى النعمة.
قال القاضي أبو محمد: وإلى كل احتمال قد أشارت فرقة من المفسرين، وفي الحديث أن الله
تعالى أوحى إلى إسحاق أني قد أعطيتك فيها ما سألت فسلني فقال يا رب أيما عبد لقيك من الأولين
والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة، والضمير في ﴿فديناه﴾ عائد على الذبح، و((الذبخ)) اسم لما
يذبح ووصفه بالعظم لأنه متقبل يقيناً قاله مجاهد، وقال عمر بن عبيد: ((الذبح)) الكبش و ((العظيم)) لجري
السنة، وكونه ديناً باقياً آخر الدهر، وقال الحسن بن الفضل: عظم لأنه كان من عند الله، وقال أبو بكر
الوراق: لأنه لم يكن عن نسل بل عن التكوين، وروي عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير: أن كونه عظيماً
هو أنه من كباش الجنة، رعى فيها أربعين خريفاً، وقال ابن عباس: هو الكبش الذي قرب ولد آدم، وقال
ابن عباس والحسن: كان وعلا أهبط عليه من ثبير، وقال الجمهور: إنه كبش أبيض أقرن أعين وجده وراءه
مربوطاً بسمرة .
قال القاضي أبو محمد: وروي أنه انفلت لإبراهيم فاتبعه ورماه بحصيات في مواضع الجمرات
فبذلك مضت السنة، وقال ابن عباس رجم الشيطان عند جمرة العقبة وغيرها وقد قدم هذا.
قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة على أن هذه القصة نسخ فيها العزم على الفعل، والمعتزلة التي
تقول إنه لا يصح نسخ إلا بعد وقوع الفعل افترقت في هذه الآية على فرقتين، فقالت فرقة وقع الذبح والتأم
بعد ذلك.
١٠
قال القاضي أبو محمد: وهذا كذب صراح، وقالت فرقة منهم: بل كان إبراهيم لم ير في منامه إلا
أمارة الشفرة فقط، فظن أنه ذبح فجهز، فنفذ لذلك فلما وقع الذي رآه وقع النسخ .
٤٨٣
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١١٢ - ١٢٥
قال القاضي أبو محمد: والاختلاف أن إبراهيم عليه السلام أمر الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع،
وروي أن صفيحة نحاس اعترضته فحز فيها والله أعلم كيف كان، فقد كثر الناس في قصص هذه الآية بما
صحته معدومة، فاختصرته، وقد تقدم تفسير مثل قوله ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم) وقوله
﴿كذلك نجزي المحسنين) معناه أي هذا الفعل وباقي الآية بين.
قال القاضي أبو محمد: وما يستغرب في هذه الآية أن عبيد بن عمير قال: ذبح في المقام، وذكر
الطبري عن جماعة لم يسمها أنها قالت : كان الأمر وإذاعة الذبح والقصة كلها بالشام، وقال الجمهور: ذبح
بمنى، وقال الشعبي: رأيت قرني كبش إبراهيم معلقة في الكعبة .
قوله عز وجل :
وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقْ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ
١٢
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيَّامِنَ الصَّلِحِينَ
وَنَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ
لِنَفْسِهِ، مُبِيرٌ (*) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ لَ
اَلْعَظِيمِ ﴿ وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْهُمُ الْغَلِينَ * وَءَانَيْنَهُمَا الْكِتَبَ اُلْمُسْتَمِينَ
١١٧
من قال إن الذبيح هو إسماعيل جعل هذه البشارة بولادة إسحاق وهي البشارة المترددة في غير ما
سورة، ومن جعل الذبيح إسحاق جعل هذه البشارة بنفس النبوءة فقط، وقوله تعالى ﴿وظالم لنفسه﴾ توعد لمن كفر
من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمنة، على موسى وهارون هي في النبوءة وسائر ما جرى معها
من مكانتها عند الله تعالى و ﴿الكرب العظيم﴾ هو تعبد القبط لهم، ثم جيش فرعون لما قالت بنو إسرائيل
﴿إنا لمدركون﴾ [الشعراء: ٦١] ثم البحر بعد ذلك، والضمير في ﴿نصرناهم﴾ عائد على الجماعة المتقدم
ذكرها وهم ﴿موسى وهارون وقومهما﴾، وقال قوم: أراد موسى وهارون ولكن أخرج ضميرهما مخرج
الجمع تفخيماً، وهذا مما تفعله العرب تكني عمن تعظم بكناية الجمع، و ﴿الكتاب المستبين﴾ هو
التوراة .
قوله عز وجل :
وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ [١٦) وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ الََّسَلَمُ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
١٢٠
إِنَّا كَذَلِكَ تَخْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١) وَإِنَّ إِلْيَاسَ
١٢٥
لَمِنَ الْمُرْسَلِين ◌َ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا نَنَّقُونَ (٦َ أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ
﴿الصراط المستقيم﴾ يريد به في هذه الآية طريق الشرع والنبوءة المؤدي إلى الله تعالى وقد تقدم
القول في مثل قوله ﴿وتركنا عليهما﴾، و ﴿إلياس﴾ نبي من أنبياء الله تعالى، قال قتادة وابن مسعود: هو
إدريس عليه السلام، وقالت فرقة: هو من ولد هارون عليه السلام، قال الطبري هو إلياس بن نسي بن
فنخاص بن ألعيزار بن هارون، وقرأ الجمهور من القراء ((وإن إلياس)) بهمزة مكسورة، وهو اسم، وقرأ
٤٨٤
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١١٨ - ١٢٥
ابن عامر وابن محيصن وعكرمة والحسن والأعرج ((وإن الياس)) بغير همز بصلة الألف، وذلك يتجه على
أحد وجهين: إما أن يكون حذف الهمزة كما حذفها ابن كثير من قوله تعالى ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ [المدثر:
٣٥] أراد ((لإحدى)) فنزل المنفصل منزلة المتصل، كما قد ينزل في كثير من الأمور، والآخر أن يجعلها
الألف التي تصحب اللام للتعريف كاليسع، وفي مصحف أبي بن كعب ((وإن ايِليَس)» بألف مكسورة الهمزة
وياء ساكنة قبل اللام المكسورة وياء ساكنة بعدها وسين مفتوحة، وكذلك في قوله ((سلام على إيليس))، وقرأ
نافع وابن عامر على ((آل ياسين)) وقرأ الباقون ((سلام على إلياسين)) بألف مكسورة ولام ساكنة، قرأ الحسن
وأبو رجاء ((على الياسين)) موصولة فوجه الأولى أنها فيما يزعمون مفصولة في المصحف فدل ذلك على أنها
بمعنى أهل و «ياسين)) اسم أيضاً لـ ﴿إلياس﴾ وقيل هو اسم لمحمد صلى الله عليه وسلم ووجه الثانية أنه
جمع إلياسي كما قالوا أعجمي أعجميون، قال أبو علي: والتقدير إلياسين فحذف كما حذف من أعجميين،
ونحوه من الأشعريين والنمريين والمهلبين، وحكى أبو عمرو أن منادياً نادى يوم الكلاب، هلك اليزيديون،
ويروى قول الشاعر: ((قدني من نصر الخبيبين قدي)) بكسر الباء الثانية نسبة إلى أبي خبيب، ويقال سمي
كل واحد من آل ياسين إلياس كما قالوا شابت مفارقه فسمي كل جزء من المفرق مفرقاً، ومنه قولهم ((جمل
ذو عثانين))، وعلى هذا أنشد ابن جني : [الرجز]
تميس فينا مشية العروس
مرت بنا أول من أموس
فسمى كل جزء من الأمس أمس ثم جمع، وقال أبو عبيدة لم يسلم على آل أحد من الأنبياء
المذكورين قبل فلذلك ترجح قراءة من قرأ (إلياسين)) إذ هو اسم واحد له، وقرأ ابن مسعود والأعمش ((وإن
إدريس لمن المرسلين)) و((سلام على إدريس)) وروى هذه القراءة قطرب وغيره وإن إدراسين وإدراس لغة
في إدريس كإبراهيم وإبراهام، وقوله ﴿أتدعون﴾ معناه أتعبدون، والبعل الرب بلغة اليمن قاله عكرمة
وقتادة، وسمع ابن عباس رجلاً ينشد ضالة فقال له رجل آخر: أنا بعلها، فقال ابن عباس الله أكبر أتدعون
بعلا، وقال الضحاك وابن زيد والحسن ﴿بعلا﴾ اسم صنم كان لهم وله يقال بعلبك وإليه نسب الناس،
وذكر ابن إسحاق عن فرقة أن ﴿بعلاً﴾ اسم امرأة كانت أتتهم بضلالة، وقوله ﴿أحسن الخالقين﴾ من حيث
قيل للإنسان على التجوز إنه يخلق وجب أن يكون تعالى ﴿أحسن الخالقين﴾ إذ خلقه اختراع وإيجاد من
عدم وخلق الإنسان مجاز كما قال الشاعر: [الكامل أقذ].
وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
ولأنت تفري ما خلقت
قوله عز وجل :
◌َ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونٌّ (٣٦) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
(٢٦
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّءَابَآبِكُمُ الْأَوَّلِين
سَلَمُ عَلَى إِلَ يَاسِينَ ﴿٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (٦) إِنَّهُمِنْ عِبَادِنَا
وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ !
١٢٨
اٌلْمُؤْمِنِينَ (٣٦) وَ إِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٦) إِذْ نَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌَ (١٩) إِلَّا عَجُوزًا فِ الْغَبِرِينَ
١٣٥
٤٨٥
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٢٦ - ١٤٦
١٣٨
ثُمَّ دَمَّرْنَا ◌ْلْأَخَرِينَ ﴿ وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينٌ (١٦) وَ بِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
قرأ حمزة والكسائي وعاصم ((الله)) بالنصب ((ربَّكم وربَّ آبائكم)) كل ذلك بالنصب على البدل من
قوله ﴿أحسن الخالقين﴾ [المؤمنين: ١٤، الصافات: ١٢٥]، وقرأ الباقون وعاصم أيضاً ((الهُ ربُكم وربُ
آبائكم)) كل ذلك بالرفع على القطع والاستئناف، والضمير في ﴿كذبوه﴾ عائد على قوم إنياس، و
﴿محضرون﴾ معناه مجمعون لعذاب الله وقد تقدم تفسير مثل ما بقي من الآية وتقدم القول أيضاً في قوله
﴿سلام على آل ياسين﴾، و((لوط)) عليه السلام هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام وقيل ابن أخته وقد تقدم
تفسير قصته بكاملها، وامرأته هي العجوز المهلكة، وكانت كافرة فإما كانت متسترة منه عليه السلام، وإما
كانت معلنة وكان نكاح الوثنيات والإقامة عليهن جائزاً، و ((الغابرون)) الباقون، غير بمعنى بقي ومعناه هنا
بقيت في الهلاك، ثم خاطب تعالى قريشاً أو هو على معنى قل لهم يا محمد ﴿وإنكم لتمرون عليهم﴾ في
الصباح وفي الليل فواجب أن يقع اعتباركم ونظركم ثم وبخهم تعالى بقوله ﴿أفلا تعقلون﴾
قوله عز وجل :
١٤١
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
١٤
إِذْ أَ بَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ!
١٣٩
وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿٤] فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُ (ثُ
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٤
١٤٦
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ
(١٤٥)
فَتَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
هذا ﴿يونس﴾﴾ بن متى صلى الله عليه وسلم، وهو من بني إسرائيل، وروي أنه نبىء ابن ثمانية
وعشرين سنة فتفسخ تحت أعباء النبوءة كما يتفسخ الربع تحت الحمل، وقد تقدم شرح قصته ولکن نذكر
منها ما تفهم به هذه الألفاظ، فروي أن الله بعثه إلى قومه فدعاهم مرة فخالفوه فوعدهم بالعذاب، وأعلمه
الله تعالى بيومه فحدده يونس لهم، ثم إن قومه لما رأوا مخايل العذاب قبل أن يباشرهم تابوا وآمنوا فتاب الله
عليهم وصرف العذاب عنهم، وكان في هذا تجربة ليونس فلحقت يونس غضبة، ويروى أنه كان في
سيرتهم أن يقتلوا الكذاب إذا لم تقم له بينة، فخافهم يونس وغضب مع ذلك فـ ﴿أبق إلى الفلك﴾ أي
أراد الهروب ودخل في البحر وعبر عن هروبه بالإباق، من حيث هو عبد اللّه فر عن غير إذن مولاه، فهذه
حقيقة الإباق، و ﴿الفلك﴾ في هذا الموضع واحد، و ﴿المشحون﴾ الموقر، وهنا قصص محذوف إيجازاً
واختصاراً، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه لما حصل في السفينة وأبعدت في البحر ركدت ولم تجر،
والسفن تجري يميناً وشمالاً فقال أهلها إن فينا لصاحب ذنب وبه يحبسنا الله تعالى فقالوا لنقترع، فأخذوا
لكل أحد سهماً وقالوا اللهم ليطف سهم المذنب، ولتغرق سهام الغير فطفا سهم يونس، ففعلوا نحو هذا
ثلاث مرات في كل مرة تقع القرعة عليه، فأزمعوا معه على أن يطرحوه في البحر فجاء إلى ركن من أركان السفينة
ليقع منه فإذا بدابة من دواب البحر ترقبه وترصد له فرجع إلى الركن الآخر فوجدها كذلك حتى استدار
أركان السفينة ليقع منه بالمركب وهي لا تفارقه فعلم أن ذلك عند الله فترامى إليها فالتقمته، وروي أنما
٤٨٦
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٣٩ - ١٤٦
التقمته بعد أن وقع في الماء، وروي أن الله أوحى إلى الحوت أني لم أجعل يونس لك رزقاً وإنما جعلت
بطنك له حرزاً وسجناً فهذا معنى ﴿فساهم﴾ أي قارع وكذلك فسر ابن عباس والسدي، و ((المدحض)
الزاهق المغلوب في محاضة أو مساهمة أو مسابقة ومنه الحجة الداحضة، و ((المليم)» الذي أتى ما يلام
عليه، ألام الرجل دخل في اللوم، وبذلك فسر مجاهد وابن زيد ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ومتبع بالذنب ليس له ذنب
وكم من مليم لم يصب بمسلامة
ومنه قول لبيد بن ربيعة: [الكامل]
سفهاً عذْلتَ ولمت غير مليم وهداك قبل اليوم غير حكيم
ثم استنقذه الله من بطن الحوت بعد مدة واختلف الناس فيها، فقالت فرقة بعد ساعة من النهار،
وقالت فرقة بعد سبع ساعات، وقال مقاتل بن حيان بعد ثلاثة أيام، وقال عطاء بن أبي رباح بعد سبعة أيام،
وقالت فرقة بعد أربعة عشر يوماً، وقال أبو مالك والسدي بعد أربعين يوماً، وهو قول ابن جريج أنه بلغه
وجعل تعالى علة استنقاذه مع القدر السابق تسبيحه، واختلف الناس في ذلك فقال ابن جريج هو قوله في
بطن الحوت سبحان الله، وقالت فرقة بل التسبيح وصلاة التطوع، واختلفت هذه الفرقة، فقال قتادة وابن
عباس وأبو العالية صلاته في وقت الرخاء نفعته في وقت الشدة، وقال هذا جماعة من العلماء، وقال
الضحاك بن قيس على منبره اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس كان عبداً لله ذاكراً فلما
أصابته الشدة نفعه ذلك، قال الله عز وجل: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾،
وإن فرعون كان طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال آمنت فلم ينفعه ذلك، فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في
الشدة . وقال قتادة في الحكمة: إن العمل يرفع صاحبه إذا عثر فإذا صرع وجد متكئاً، وقال الحسن بن أبي
الحسن: كانت سبحته صلاة في بطن الحوت، وروي أنه كان يرفع لحم الحوت بيديه ويقول يا رب لأبنين
لك مسجداً حيث لم يبنه أحد قبلي ويصلي، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يونس حين
نادى في الظلمات، ارتفع نداؤه إلى العرش فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف من موضع غربة،
فقال الله هو عبدي یونس فأجاب الله دعوته .
قال القاضي أبو محمد: وذكر الحديث وقال ابن جبير الإشارة بقوله ﴿من المسبحين﴾ إلى قوله ﴿لا
إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧].
قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في هذا القصص بما اختصرناه لعدم الصحة، وروي أن الحوت
مشى به في البحار كلها حتى قذفه في نصيبين من ناحية الموصل فنبذه الله في عراء من الأرض، و((العراء))
الفیفاء التي لا شجر فيها ولا معلم ومنه قول الشاعر:
ونبذت بالبلد العراء ثيابي
رفعت رجلاً لا أخاف عثارها
وقال السدي وابن عباس في تفسير قوله ﴿وهو سقيم﴾، إنه كان كالطفل المنفوش بضعة لحم، وقال
بعضهم كان كاللحم النيء إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه الله في ظل ((اليقطينة)) بلبن أروية كانت
.
:
:
:
٤٨٧
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٤٧ - ١٥٧
تغاديه وتراوحه، وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة، ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته واختلف الناس
في ((اليقطينة)) فقالت فرقة هي شجرة لا نعرفها سماها اللّه باليقطينة وهي لفظة مأخوذة من قطن إذا أقام
بالمكان، وقال سعيد بن جبير وابن عباس والحسن ومقاتل اليقطين كل ما لا يقوم على ساق من عود كالبقول
والقرع والحنظل، والبطيخ ونحوه مما يموت من عامه، وروي نحوه عن مجاهد، وقال ابن عباس وأبو هريرة
وعمرو بن ميمون ((اليقطين)) القرع خاصة.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذين القولين فإما أن يكون قوله ﴿شجرة﴾ تجوزاً وإما أن يكون
أنبتها عليه ذات ساق خرقاً للعادة، لأن الشجرة في كلام العرب إنما يقال لما كان على ساق من عود،
وحكى بعض الناس أنها كانت قرعة وهي تجمع خصالاً برد الظل والملمس وعظم الورق وأن الذباب لا
يقربها، وحكى النقاش أن ماء ورق القرعة إذا رش بمكان لم يقربه ذباب، ومشهور اللغة أن ((اليقطين))
القرع وقد قال أمية بن أبي الصلت في قصة يونس: [الطويل]
من اللّه لولا الله ألفى ضاحيا
فأنبت يقطيناً عليه برحمة
فنبت يونس عليه السلام وصح وحسن جسمه لأن ورق القرع أنفع شيء لمن تسلخ جلده كيونس
صلى الله عليه وسلم، وروي أنه كان يوماً نائماً فأيبس الله تلك اليقطينة، وقيل بعث عليها الأرضة فقطعت
عروقها فانتبه يونس لحر الشمس فعز عليه شأنها وجزع له، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس أجزعت ليبس
اليقطينة ولم تجزع لإهلاك مائة ألف أو يزيدون تابوا فتيب عليهم.
قوله عز وجل :
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَتِكَ
١٤٨
فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَىحِينٍ
وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِأْئَةٍ أَلْفٍ أَوْيَزِيدُونَ أ
وَأَلَا إِنَّهُم مِّنْ
١٥٠
اُلْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (٢٦) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَتِكَةَ إِنَنَّاوَهُمْ شَهِدُونَ
إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ (٣) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
مَالَكُرْكَيْفَ
١٥٣
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
١٥٢
تَحْكُمُونَ {َ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ ﴿َّمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِيرٌ، [٤] فَأَنُواْ بِكِنَئِكُمْ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ
١٥٧
قال الجمهور إن هذه الرسالة ﴿إلى مائة ألف﴾ في رسالته الأولى التي أبق بعدها، ذكرها الله في آخر
القصص تنبيهاً على رسالته، ويدل على ذلك قوله ﴿فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾، وتمتيع تلك الأمة هو
الذي أغضب يونس حتى أبق، وقال قتادة وابن عباس أيضاً هذه الرسالة أخرى بعد أن نبذ بالعراء وهي إلى
أهل نينوى من ناحية الموصل، وقرأ جعفر بن محمد، ((ويزيدون)) بالواو، وقرأ الجمهور ((أو يزيدون))، فقال
ابن عباس ((أو)) بمعنى ((بل))، وكانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً، وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه
وسلم ((كانوا مائة وعشرين ألفاً»، وقال ابن جبير: كانوا مائة وسبعين ألفاً، وروي عن ابن عباس أنه قرأ
((إلى مائة ألف بل يزيدون))، وقالت فرقة ﴿أو﴾ هنا بمعنى الواو، وقالت فرقة هي للإبهام على المخاطب،
كما تقول ما عليك أنت أنا أعطي فلاناً ديناراً أو ألف دينار، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر
٤٨٨
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٥٨ - ١٦٩
شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨].
قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى قليل التمكن في قوله ﴿أو يزيدون﴾، وقال المبرد وكثير من
البصريين: المعنى على نظر البشر وحزرهم، أي من رآهم قال: هم مائة ألف أو يزيدون، وروي في قوله
تعالى: ﴿فآمنوا فمتعناهم﴾ فمتعهم ﴿إلى حين﴾ أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم وفرقوا بينها وبين
الأمهات وناحوا وضجوا وأخلصوا فرفع الله عنهم، والتمتيع هنا هو بالحياة و((الحين)) آجالهم السابقة في
الأزل، قاله قتادة والسدي، وقرأ ابن أبي عبلة ((حتى حين))، وفي قوله تعالى: ﴿فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾
مثال لقريش أي أن آمنوا كما جرى لهؤلاء، ومن هنا حسن انتقال القول، والمحاورة إليهم بقوله،
﴿فاستفتهم﴾ فإنما يعود ضميرهم على ما في المعنى من ذكرهم، والاستفتاء السؤال، وهو هنا بمعنى
التقريع والتوبيخ، على قولهم على اللّه البهتان وجعلهم البنات لله تعالى عن ذلك وأمره بتوقيفهم على جهة
التوبيخ أيضاً هل شاهدوا أن الملائكة إناث فيصح لهم القول به، ثم أخبر تعالى عن فرقة منهم بلغ بها
الإفك والكذب إلى أن قالت ولد الله الملائكة لأنه نكح في سروات الجن وهذه فرقة من بني مدلج فيما
روي، وقرأ جمهور الناس ((اصطفى)) بالهمز وهو ألف الاستفهام وهذا على جهة التقرير والتوبيخ على
نسبتهم إليه اختيار الأدنى عندهم، وقرأ نافع في رواية إسماعيل عنه ((اصطفى)) بصلة الألف على الخبر كأنه
يحكي شنيع قولهم، ورواها إسماعيل عن أبي جعفر وشيبة، ثم قرر ووبخ وعرض للتذكر والنظر واستفهم
عن البرهان والحجة على جهة التقرير وضمهم الاستظهار بكتاب أو أمر يظهر صدقهم، وقرأ الجمهور ((أفلا
تذكّرون)) مشددة الذال والكاف، وقرأ طلحة بن مصرف ((تذْكُرون)) بسكون الذال وضم الكاف خفيفة.
قوله عز وجل :
١٥٩
سُبْحُنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٥٨
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًّا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
١٦٣ وما
◌ِبَادَ اللَّهِالْمُخْلَصِينَ ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (٦َ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَيِنِينَ (١٦) إِلَ مَنْ هُوَصَالِ الْجَحِيمِ(
﴿ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ الثََّلَوْأَنَّ
وَإِنَّالَنَحْنُ اَلْسُبِّحُونَ
١٦٥
مِنَّآإِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٨) وَإِنَّ لَحْنُ الصَّافُونَ
١٦٩
عِنْدَنَا ذِكْرًامِنَ الْأَوَّلِينُ (٨) لَكُنَّا عِبَادَاللَّهِالْمُخْلَصِينَ
الضمير في قوله ﴿وجعلوا﴾ لفرقة من كفار قريش والعرب، قال ابن عباس في كتاب الطبري إن
بعضهم قال إن الله تعالى وإبليس أخوان، وقال مجاهد: قال قوم لأبي بكر الصديق: إن الله تعالى نكح في
سروات الجن، وقال بعضهم إن الملائكة بناته، فـ ﴿الجنة﴾ على هذا القول الأخير يقع على الملائكة
سميت بذلك لأنها مستجنة أي مستترة، وقوله تعالى: ﴿ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾ من جعل
الجنة الشياطين جعل العلامة في ﴿علمت﴾ لها، والضمير في ﴿إنهم﴾ عائد عليهم أي جعلوا الشياطين
بنسب من اللّه والشياطين تعلم ضد ذلك من أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه، ومن جعل الجنة الملائكة
جعل الضمير في ﴿إنهم﴾ للقائلين هذه المقالة أي علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله
وعقابه وقد يتداخل هذان القولان، ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، ومن هذا استثنى العباد
٠
٤٨٩
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٧٠ - ١٨٢
المخلصين لأنهم يصفونه بصفاته العلى، وقالت فرقة استثناهم من قوله ﴿إنهم لمحضرون﴾ .
قال القاضي أبو محمد: وهذا يصح على قول من رأى الجنة الملائكة، وقوله تعالى: ﴿فإنكم وما
تعبدون﴾ بمعنى قل لهم يا محمد إنكم وأصنامكم ما أنتم بمضلين أحداً بسببها، وعليها الأمر سبق عليه
القضاء وضمه القدر، بأنه يصلى الجحيم في الآخرة، وليس عليكم إضلال من هدى الله تعالى، وقالت
فرقة ﴿عليه﴾، بمعنى به، و((الفاتن)) المضل في هذا الموضع وكذلك فسر ابن عباس والحسن بن أبي
الحسن، وقال ابن الزبير على المنبر: إن الله هو الهادي والفاتن، و﴿من﴾ في موضع نصب ﴿بفاتنين﴾،
وقرأ الجمهور ((صالِ الجحيم)) بكسر اللام، من صال حذفت الياء للإضافة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن
((صالُ الجحيم)) بضم اللام والنحاة في معناه اضطراب، أقواه أنه صالون حذفت النون للإضافة، ثم حذفت
الواو للالتقاء وخرج لفظ الجميع بعد لفظ الإفراد، فهو كما قال ﴿ومنهم من يستمعون﴾ [يونس: ٤٢] لما
كانت ((من)) و((هو)) من الأسماء التي فيها إبهام ويكنى بها عن أفراد وجمع ثم حكى قول الملائكة، ﴿وما
منا﴾ وهذا يؤيد أن الجنة أراد بها الملائكة كأنه قال ولقد علمت كذا أو أن قولها لكذا، وتقدير الكلام ما منا
ملك، وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إن السماء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو
واقف يصلي))، وقال ابن مسعود ((موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه))، وقرأ ابن مسعود ((وإن كلنا لما
له مقام معلوم))، و﴿الصافون﴾ معناه الواقفون صفوفاً، و﴿المسبحون﴾ يحتمل أن يريد به الصلاة،
ويحتمل أن يريد به قول سبحان الله، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أقيمت الصلاة
صرف وجهه إلى الناس فيقول لهم: عدلوا صفوفكم وأقيموها فإن الله تعالى إنما يريد بكم هدي الملائكة،
فإنها تقول ﴿وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون﴾، ثم يرى تقويم الصفوف، وعند ذلك ينصرف
ويكبر، قال الزهراوي: قيل إن المسلمين إنما اصطفوا منذ نزلت هذه الآية، ولا يصطف أحد من أهل الملل
غير المسلمين، ثم ذكر عز وجل مقالة بعض الكفار، وقال قتادة والسدي والضحاك فإنهم قبل نبوة محمد
صلى الله عليه وسلم قالوا لو كان لنا كتاب أو جاءنا رسول لكنا من أتقى عباد الله وأشدهم إخلاصاً فلما
جاءهم محمد كفروا فاستوجبوا أليم العقاب.
قوله عز وجل :
/٠جو
إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (َا وَإِنَّ
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنُنَا لِعِبَادِنَالْمُرْسَلِينَ!
١٧٠
فَكَفَرُ واْبِهِ ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٦) وَأَبْصِرُهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (٢٥) أَفَبِعَذَا بِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
جُنْدَ نَالَهُمُ الْغَلِبُونَ ◌ّ
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَنِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ!
﴿ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىحِينٍ
أَوَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
١٧٩
أَوَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ {لََّوَ الْحَمْدُ لَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ إِ
سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْهِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (®
قوله تعالى: ﴿فسوف يعلمون﴾، وعيد محض لأنهم تمنوا أمراً فلما جاءهم الله تعالى به كفروا
واستهواهم الحسد، ثم أنس تعالى نبيه وأولياءه بأن القضاء قد سبق، والكلمة قد حقت في الأزل بأن رسل
٤٩٠
تفسير سورة الصافات / الآيات: ١٧٠ - ١٨٢
الله تعالى إلى أرضه هم ﴿المنصورون﴾ على من ناوأهم المظفرون بإرادتهم المستوجبون الفلاح في
الدارين، وقرأ الضحاك ((كلماتنا)) بألف على الجمع، وجند الله هم الغزاة لتكون كلمات الله هي العليا،
وقال علي بن أبي طالب: جند الله في السماء الملائكة، وفي الأرض الغزاة وقوله تعالى، ﴿فتول عنهم حتى
حين﴾ وعد للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر بالموادعة، وهذا مما نسخته آية السيف، واختلف الناس في
المراد بـ ((الحين))، هنا، فقال السدي: الحين المقصود يوم بدر ورجحه الطبري، وقال قتادة: الحين
موتهم، وقال ابن زيد: الحين المقصود يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وأبصرهم فسوف يبصرون﴾ وعد
للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم أي سوف يرون عقبى طريقتهم، ثم قرر تعالى نبيه على جهة التوبيخ
لهم على استعجالهم عذاب الله، وقرأ جمهور الناس ((فإذا نَزَل بساحتهم)) على بناء الفعل للفاعل أي نزل
العذاب، وقرأ ابن مسعود ((نُزِل بساحتهم)) على بنائه للمفعول، والساحة الفناء، والعرب تستعمل هذه
اللفظة فيما يرد على الإنسان من خير أو شر، وسوء الصباح أيضاً مستعمل في ورود الغارات والرزايا، ونحو
ذلك ومنه قول الصارخ: يا صباحاه! كأنه يقول قد ساء لي الصباح فأغيثوني، وقرأ ابن مسعود ((فبئس
صباح))، ثم أعاد عز وجل أمر نبيه بالتولي تحقيقاً لتأنيسه وتهمماً به، وأعاد توعدهم أيضاً لذلك، ثم نزه
نفسه تنزيهاً مطلقاً عن جميع ما يمكن أن يصفه به أهل الضلالات، و﴿العزة﴾ في قوله ﴿رب العزة﴾ هي
العزة المخلوقة الكائنة، للأنبياء والمؤمنين وكذلك قال الفقهاء من أجل أنها مربوبة، وقال محمد بن سحنون
وغيره: من حلف بغزة الله فإن كان أراد صفته الذاتية فهي يمين، وإن كان أراد عزته التي خلقها بين عباده
وهي التي في قوله ﴿رب العزة﴾ فليست بيمين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إذا سلمتم
عليَّ فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم))، وباقي الآية بين، وذكر أبو حاتم عن صالح بن ميناء قال:
قرأت على عاصم بن أبي النجود فلما ختمت هذه السورة سكت فقال لي: إيه اقرأ، قلت قد ختمت، فقال
كذلك فعلت على أبي عبد الرحمن وقال لي كما قلت لك، وقال لي كذلك قال لي علي بن أبي طالب
وقال: ((وقل آذنتكم باذانة المرسلين لتسألن عن النبي العظيم))، وفي مصحف عبد الله ((عن هذا النبإ
العظيم)).
٤٩١
تفسير سورة ص / الآيات : ١ - ٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
◌ُورَةُ ضِنْ
هذه السورة مكية بإجماع من المفسرين .
قوله عز وجل :
◌َ كُمْ أَ هْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَ وأوَّلَاتَ
صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ جْ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ عِزَّةِ وَشِقَاقٍ!
◌َ أَجَعَلَ أَلْأَ لِهَةَ إِلَهَا
حِينَ مَنَاصٍ (٦) وَعَجِبُوْ أَن جَآءَ هُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابٌ
وَحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىُّ ◌ُجَابٌ
قرأ الحسن وأبي بن كعب وابن أبي إسحاق: ((صادٍ)) بكسر الدال على أنه أمر من صادى يصادي إذا
ضاهى وماثل، أي صار كالصدى الذي يحكي الصياح، والمعنى: ماثل القرآن بعلمك وقارنه بطاعتك،
وهكذا فسر الحسن، أي انظر أين عملك منه، وقال جمهور الناس: إنه حرف المعجم المعروف، ويدخله
ما يدخل سائر أوائل السور من الأقوال، ويختص هذا الموضع بأن قال بعض الناس: معناه صدق محمد.
وقال الضحاك معناه: صدق الله، وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد صادق الوعد،
صانع المصنوعات، وقرأها الجمهور: ((صادْ)) بسكون الدال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف عنه ((صادٍ))
بكسر الدال وتنوينها على القسم، كما تقول: اللّه لأفعلن. وحكى الطبري وغيره عن ابن أبي إسحاق:
((صادٍ)) بدون تنوين، وألحقه بقول العرب: خاث باث، وخار وباز. وقرأ فرقة منها عيسى بن عمر: ((صادَ))
بفتح الدال، وكذلك يفعل في نطقه بكل الحروف، يقول: قافَ، ونونَ، ويجعلها كأين وليت. قال
الثعلبي، وقيل معناه: صاد محمد القلوب، بأن استمالها للإيمان.
وقوله: ﴿والقرآن ذي الذكر﴾ قسم. وقال السدي وابن عباس وسعيد بن جبير، معناه ذي الشرف
الباقي المخلد. وقال قتادة والضحاك: ذي التذكرة للناس والهداية لهم. وقالت فرقة معناه: ذي الذكر
للأمم والقصص والغيوب. وأما جواب القسم فاختلف فيه، فقالت فرقة: الجواب في قوله: ﴿صَ﴾ إذ هو
بمعنى صدق محمد، أو صدق الله. وقال الكوفيون والزجاج، الجواب قوله: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل
النار﴾ [ص: ٦٤]. وقال بعض البصريين ومنهم الأخفش، الجواب في قوله: ﴿إن كل إلا كذب الرسل)
[ص: ١٤].
قال القاضى أبو محمد: وهذان القولان بعيدان .
٤٩٢
تفسير سورة صّ / الآيات: ١ - ٥
وقال قتادة والطبري: الجواب مقدر قبل بل، وهذا هو الصحيح، تقديره: والقرآن ما الأمر كما
يزعمون، ونحو هذا من التقدير فتدبره. وحكى الزجاج عن قوم أن الجواب قوله: ﴿كم أهلكنا﴾ وهذا
متكلف جداً. والعزة هنا: المعازة والمغالبة. والشقاق: نحوه أي هم في شق، والحق في شق. و: ﴿كم)
للتكثير، وهي خبر فيه مثال ووعيد، وهي في موضع نصب بـ ﴿أهلكنا﴾. والقرن الأمة من الناس يجمعها
زمن احد، وقد تقدم تحريره مراراً.
وقوله: ﴿فنادوا﴾ معناه: مستغيثين، والمعنى أنهم فعلوا ذلك بعد المعاينة فلم ينفع ذلك، ولم يكن
في وقت نفع. ﴿ولات﴾ بمعنى: ليس، واسمها مقدر عند سيبويه، تقديره ولات الحين حين مناص،
وهي: لا (لحقتها: تاء، كما تقول) ربت وثمت. قال الزجاج: وهى كتاء جلست وقامت، تاء الحروف كتاء
الأفعال دخلت على ما لا يعرب في الوجهين، ولا تستعمل ((لا)) مع التاء إلا في الحين والزمان والوقت
ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر [محمد بن عيسى بن طلحة]: [الكامل]
لات ساعة مندم
وقال الآخر: [الوافر]
وأضحى الشيب قد قطع القرينا
تذكر حب ليلى لات حينا
وأنشد بعضهم في هذا المعنى: [الخفيف]
طلبوا صلحنا ولات أوان
فأجبنا أن ليس حين بقاء
وأنشد الزجاج بكسر التاء، وهذا كثير، قراءة الجمهور: فتح التاء من: ((لاتَ)) والنون من: ((حينَ))
وروي عن عيسى كر التاء من: ((لاتٍ)) ونصب النون. وروي عنه أيضاً: ((حينٍ)) بكسر النون، واختلفوا في
الوقف على: ﴿لات﴾ فذكر الزجاج أن الوقف بالتاء، ووقف الكسائي بالهاء، ووقف قوم واختاره أبو عبيد
على ((لا))، وجعلوا التاء موصولة بـ ﴿حين﴾، فقالوا ((لا تحين)). وذكر أبو عبيد أنها كذلك في مصحف
عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويحتج لهذا بقول أبي وجزة: [الكامل]
العاطفون تحين ما من عاطف
والمطعمون زمان ما من مطعم
يمدح آل الزبير. وقرأ بعض الناس: ((لات حينُ)) برفع النون من: ﴿حين﴾ على إضمار الخبر.
والمناص: المفر، ناص ينوص، إذا فات وفر، قال ابن عباس: المعنى ليس بحين نزو ولا فرار ضبط
القوم. والضمير في: ﴿عجبوا﴾ لكفار قريش، واستغربوا أن نبىء بشر منهم فأنذرهم، وأن وحد إلّهاً،
وقالوا: كيف يكون إله واحد يرزق الجميع وينظر في كل أمرهم؟ و: ﴿عجاب﴾ بناء مبالغة، كما قالوا
سریع وسراع، وهذا کثیر.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: ((عجّاب)) بشد الجيم، ونحوه قول الراجز: [الرجز]
أزيد والعينين طوال الذنب
جاؤوا بصيد عجب من العجب
٤٩٣
تفسير سورة ص / الآيات : ٦ - ٩
وقد قالوا: رجل کرام، أي کریم.
قوله عز وجل:
وَأَنْطَلَقَّ لْمَلَأَ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَّءَالَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ (١) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ
إِنْ هَذَآ إِلَّا اخْتِلَقُ ؟ أُ نزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ يَكْنَاْبَلْ هُمْفِ شَاتٍ مِّن ذِكْرِىٌّ بَل لَّمَايَذُوقُواْعَذَابٍ (٥) أَمْ
عِنْدَهُمْ خَزَابِنُ رَحْمَةِ رَبِكَ الْعَزِيزِالْوَهَّابِ
٩
روي في قصص هذه الآية أن أشراف قريش وجماعتهم اجتمعوا عند مرض أبي طالب عم النبي
صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمداً بعده، فتقول العرب:
تركوه مدة عمه، فلما مات آذوه، ولكن لنذهب إلى أبي طالب فلينصفنا منه، وليربط بيننا وبينه ربطاً،
فنهضوا إليه، فقالوا يا أبا طالب إن محمداً يسب ويسفه آراءنا وآراء آبائنا ونحن لا نقاره على ذلك، ولكن
افصل بيننا وبينه في حياتك، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم، ويدع آلهتنا، ولا يعرض لأحد منا
بشيء من هذا، فبعث أبو طالب في محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال يا محمد، إن قومك قد دعوك إلى
النصفة، وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك، فقال: أوغير ذلك يا عم؟ قال وما هو؟ قال: يعطوني كلمة
تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي؟ فإنا نبادر إليها، قال: لا إله إلا الله،
فنفروا عند ذلك، وقالوا ما يرضيك منا غير هذا؟ قال: والله لو أعطيتموني الأرض ذهباً ومالاً. وفي رواية:
لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها، فقاموا عند ذلك، وبعضهم يقول:
﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥] ويرددون هذا المعنى، وعقبة بن أبي معيط
يقول: ﴿امشوا واصبروا على آلهتكم﴾.
وجلبت هذا الخبر تام المعنى، وفي بعض رواياته زيادة ونقصان، والغرض متقارب، ولما ذهبوا قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال: والله لولا أن
تكون سبة في بني بعدي لأقررت بها عينك، ومات وهو يقول: على ملة عبد المطلب، فنزلت في ذلك:
﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] وانطلق.
فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وانطلق الملأ﴾ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وانطلاقهم من ذلك
الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين. وقالت فرقة: هي عبارة عن إذاعتهم لهذه الأقاويل، فكأنه كما
يقول الناس: انطلق الناس بالدعاء للأمير ونحوه، أي استفاض كلامهم بذلك، و﴿الملأ﴾ الأشراف
والرؤوس الذين يسدون مسد الجميع في الآراء ونحوه.
وقوله: ﴿أن امشوا﴾ ﴿أن﴾ مفسرة لا موضع لها في الإعراب، ويجوز أن يكون في موضع نصب
بإسقاط حرف الجر، أي بأن، فهي بتقدير المصدر، كأنه قال: وانطلق الملأ منهم بقولهم: امشوا ومعنى
الآية أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على كل أمر آلهتكم، وذهب بعض الناس إلى أن قولهم:
٤٩٤
تفسير سورة صّ / الآيات : ١٠ - ١٤
﴿امشوا﴾، هو دعاء بكسب الماشية، وفي هذا ضعف، لأنه كان يلزم أن تكون الألف مقطعوعة، لأنه إنما
يقال: أمشى الرجل إذا صار صاحب ماشية، وأيضاً فهذا المعنى غير متمكن في الآية، وإنما المعنى:
سيروا على طريقتكم ودوموا على سيركم، أو يكون المعنى: أمر من نقل الأقدام، قالوه عند انطلاقهم، وهو
في مصحف عبد الله بن مسعود: ((وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا)) ... أ ..
وقولهم: ﴿إن هذا لشيء يراد﴾ يريدون ظهور محمد وعلوه بالنبوة، أي يراد منا: الانقياد إليه:
وقولهم: ﴿ما سمعنا بهذا﴾ يريدون بمثل هذه المقالة أن الإله واحد.
1.
واختلف المتأولون في قولهم: ﴿في الملة الآخرة﴾ فقال مجاهد: أرادوا ملتهم ونحلتهم التي العرب
عليها، ويقال لكل ما تتبعه أمة ما ملة. وقال ابن عباس والسدي: أراد ملة النصارى، وذلك متجه، لأنها ملة
شهير فيها التثليث، وأن الإله ليس بواحد. وقالت فرقة معنى قولهم: ﴿ما سمعنا﴾ أنه يكون مثل هذا، ولا أنه
يقال في الملة الآخرة التي كنا نسمع أنها تكون في آخر الزمان، وذلك أنه قبل مبعث النبي صلى الله عليه
وسلم كان الناس يستشعرون خروج نبي وحدوث ملة ودين، ويدل على صحة هذا ما روي من قول الأحبار
ذوي الصوامع، وما روي عن شق وسطيح، وما كانت بنو إسرائيل تعتقد من أنه يكون منهم.
وقولهم: ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ إشارة إلى جميع ما يخبر به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله
تعالى، ثم قالوا على جهة التقرير من بعضهم لبعض، ومضمن ذلك الإنكار: ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾
بمعنى نحن الأشراف الأعلام، فلم خص هذا؟ وكيف يصح هذا؟ فرد الله تعالى قولهم بما تقضيه بل، لأن
المعنى ليس تخصيص الله وإنعامه جار على شهواتهم، ﴿بل هم في شك من ذكري﴾ أي في ريب أن هذا
التذكير بالله حق، ثم توعدهم بقوله: ﴿بل لما يذوقوا عذاب﴾ أي لو ذاقوه لتحققوا أن هذه الرسالة حق،
أي هم لجهالتهم لا يبين لهم النظر، وإنما يبين لهم مباشرة العذاب.
وقرأ ابن مسعود: ((أم أنزل)) بميم بين الهمزتين، ثم وقفهم احتجاجاً عليهم، أعندهم رحمة ربك
وخزائنها التي فيها الهدى والنبوءة وكل فضل، فيكون لهم تحكم في الرسالة وغيرها من نعم الله. و.
هنا، لم تعادلها ألف، فهي المقطوعة التي معناها إضراب عن الكلام الأولى واستفهام، وقدرها سيبويه
بـ (بل)) والألف كقول العرب: إنها لإبل أم شاء. والخزائن للرحمة مستعارة، كأنها موضع جمعها وحفظها
من حيث كانت ذخائر البشر تحتاج إلى ذلك خوطبوا في الرحمة بما ينحوا إلى ذلك. وقال الطبري : يعني
بـ ((الخزائن)) المفاتيح، والأول أبين، والله أعلم.
قوله عز وجل :
جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُوٌ مِّنَ
١٠
أَمْ لَهُمِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَتَّقُواْ فِى الْأَسْبَبِ
/٠٩٩٠
الْأَحْزَابِ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُواْ لَأَ وْنَادِ ﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لْفَيْكَةٍ
١٤
أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ ﴿ إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ
﴿أم﴾ في هذه الآية معادلة للألف المقدرة في ﴿أم﴾ [ص: ٩] الأولى، وكأنه تعالى يقول في هذه
٤٩٥
تفسير سورة ص / الآيات: ١٥ - ٢٠
الآية: أم لهم هذا الملك فتكون النبوءة والرسالة على اختيارهم ونظرهم فليرتقوا في الأسباب إن كان الأمر
كذلك، أي إلى السماء، قاله ابن عباس. و﴿الأسباب﴾: كل ما يتوصل به إلى الأشياء، وهي هنا بمعنى
الحبال والسلاليم. وقال قتادة: أراد أبواب السماء.
وقوله تعالى: ﴿جند من هنالك مهزوم﴾ اختلف المتأولون في الإشارة بـ ﴿هنالك﴾ إلى ما هي؟
فقالت فرقة: أشار إل الارتقاء في الأسباب، أي هؤلاء القوم إن راموا ذلك جند مهزوم، وهذا قوي. وقالت
فرقة: الإشارة بـ ﴿هنالك﴾ إلى حماية الأصنام وعضدها، أي هؤلاء القوم حند مهزوم في هذه السبيل. وقال
مجاهد: الإشارة بـ ﴿هنالك﴾، إلى يوم بدر، وكان غيب أعلم الله به على لسان رسوله، أي جند المشركين
يهزمون، فخرج في بدر. وقالت فرقة: الإشارة إلى حصر عام الخندق بالمدينة .
وقوله: ﴿من الأحزاب﴾ أي من جملة أحزاب الأمم الذين تعصبوا في الباطل وكذبوا الرسل فأخذهم
الله تعالى. و﴿ما﴾، في قوله: ﴿جند ما﴾ زائدة مؤكدة وفيها تخصيص.
واختلف المتأولون في قوله: ﴿ذي الأوتاد﴾، فقال ابن عباس وقتادة سمي بذلك لأنه كانت له أوتاد
وخشب يلعب له بها وعليها. وقال السدي: كان يقتل الناس بالأوتاد، يسمرهم في الأرض بها. وقال
الضحاك: أراد المباني العظام الثابتة، وهذا أظهر الأقوال، كما يقال للجبال أوتاد لثبوتها، ويحتمل أن يقال
له ذو أوتاد عبارة عن كثرة أخبيته وعظم عساكره، ونحو من هذا قولهم: أهل العمود.
وقرأت فرقة: ((ليكة)). وقرأت فرقة: ((الأيكة))، وقد تقدم القول في شرح ذلك في سورة الشعراء، ثم
أخبر تعالى أن هؤلاء المذكورين هم الأحزاب، وضرب بهم المثل لقريش في أنهم كذبوا، ثم أخبر أن
عقابه حق على جميعهم، أي فكذلك يحق عليكم أيها المكذبون بمحمد وفي قراءة ابن مسعود: ((إن كل
لما)). وحكى أبو عمرو الداني إن فيها: ((إن كلهم إلا كذب)).
قوله عز وجل :
وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّ صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُواْرَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِلَى
١٦
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ
أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُ دَذَا الْأَيِّدِّ إِنَّهُ, أَوَّابُ
وَاُلْطَيْرَ مَحْشُوَرَةً كُلٌّ لَهُ، أَوَّابٌ
وَاُلْإِشْرَاقِ
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ
١٩
٢٠
اُلِطَابِ
﴿ينظر﴾ بمعنى ينتظر، وهذا إخبار من الله لرسوله صدقه الوجود، فـ ((الصيحة)) على هذا عبارة عن
جميع ما نابهم من قتل وأسر وغلبة، وهذا كما تقول: صاح فيهم الدهر. وقال قتادة: توعدهم بصيحة
القيامة والنفخ في الصور. قال الثعلبي: روي هذا التفسير مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت
طائفة: توعدهم بصيحة يهلكون بها في الدنيا، وعلى هذين التأويلين فمعنى الكلام أنهم بمدرج عقوبة
أ
٤٩٦
تفسير سورة ص / الآيات: ١٥ - ٢٠
وتحت أمر خطير، ما ينتظرون فيه إلا الهلكة، وليس معناه التوعد بشيء معين ينتظره محمد فيه كالتأويل
الأول.
وقرأ جمهور القراء: ((فَواق)) بفتح الفء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش وأبو
عبد الرحمن: ((فُواق)) بضم الفاء. قال ابن عباس وغيره: هما بمعنى واحد، أي ما لها من انقطاع وعودة،
بل هي متصلة حتى تهلكهم، ومنه فواق الحلب: المهلة التي بين الشخبين: وجعلوه مثل قصاص الشعر
وقصاصه وغير ذلك، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رابط فوق ناقة حرم الله جسده
على النار)). وقال ابن زيد وأبو عبيدة ومؤرج والفراء: المعنى مختلف: الضم كما تقدم من معنى فواق
الناقة، والفتح بمعنى الإفاقة، أي ما يكون لهم بعد هذه الصيحة إفاقة ولا استراحة، فـ ((فواق)»: مثل
جواب، من أجاب.
ثم ذكر عز وجل عنهم أنهم قالوا: ﴿ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ والقط: الحظ والنصيب،
والقط أيضاً: الصك والكتاب من السلطان بصلة ونحوه، ومنه قول الأعشى: [الطويل]
بغبطته يعطي القطوط ويافق
ولا الملك النعمان يوم لقيته
وهو من قططت، أي قطعت.
واختلف الناس في ((القط)) هنا ما أرادوا به، فقال سعيد بن جبير: أرادوا به عجل لنا نصيبنا من الخير
والنعيم في دنيانا. وقال أبو العالية والكلبي: أرادوا عجل لنا صحفنا بإيماننا، وذلك لما سمعوا في القرآن
أن الصحف تعطى يوم القيامة بالأيمان والشمائل، قالوا ذلك. وقال ابن عباس وغيره: أرادوا ضد هذا من
العذاب ونحوه، فهذا نظير قولهم: ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ [الأنفال: ٤٣] وقال السدي،
المعنى: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك، وعلى كل تأويل، فكلامهم خرج على جهة الاستخفاف
والهزء، ويدل على ذلك ما علم من كفرهم واستمر، ولفظ الآية يعطي إقراراً بيوم الحساب.
وقوله تعالى : ﴿اصبر على ما يقولون﴾ أي من هذه الأقاويل التي يريدون بها الاستخفاف ولا
يلتفت إليها: واذكر داود ذا الأيد في الدين والشرع والصدع به، فتأس به وتأيد كما تأيد. و: ﴿الأيد﴾
القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن وقوته على الطاعة. و﴿الأواب﴾ الرجاع إلى طاعة الله، وقاله
مجاهد وابن زيد، وفسره السدي بالمسبح، وذكر الثعلبي أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: الزرقة یمن. وکان داود أزرق.
وأخبر تعالى عما وهب لداود من الكرامة في أن سخر الجبال تسبح معه، وظاهر الآية عموم الجبال.
وقالت فرقة: بل هي الجبال التي كان فيها وعندها، وتسبيح الجبال هنا حقيقة. ﴿والإشراق) وقت ضياء
الشمس وارتفاعها، ومنه قولهم: أشرق ثبير، أي ادخل في الشروق، وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني
إسرائيل. وقال ابن عباس: صلاة الضحى عندنا هي صلاة الإشراق، وهي في هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿والطير﴾ عطف على ﴿الجبال﴾، أي وسخرنا الطير، و﴿محشورة﴾ نصب على
الحال، ومعناه: مجموعة.
:
٠
٤٩٧
تفسير سورة صّ / الآيات: ٢١ - ٢٤
وقرأ ابن أبي عبلة: ((والطيرُ محشورة)) بالرفع فيهما. والضمير في: ﴿له﴾ قالت فرقة: هو عائد على
داود، فـ ﴿كل﴾ للجبال والطير.
وقوله تعالى: ﴿وشددنا ملكه﴾ عبارة عامة لجميع ما وهبه الله تعالى من قوة وخير ونعمة، وقد
خصص بعض المفسرين في ذلك أشياء دون أشياء، فقال السدي: بالجنود. وقال آخرون: بهيبة جعلها الله
تعالی له .
وقرأ الجمهور: ((وشدّدنا)) بتخفيف الدال الأولى. وروي عن الحسن: ((شدّدنا)) بشدها على
المبالغة .
و﴿الحكمة﴾: الفهم في الدين وجودة النظر، هذا قول فرقة. وقالت فرقة: أراد بـ ﴿الحكمة﴾
النبوءة. وقال أبو العالية: ﴿الحكمة﴾ العلم الذي لا ترده العقول.
قال القاضي أبو محمد: هي عقائد البرهان واختلف الناس في ﴿فصل الخطاب﴾، فقال ابن عباس
ومجاهد والسدي: فصل القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه. وقال علي بن أبي طالب وشريح
والشعبي: ﴿فصل الخطاب﴾ إيجاب اليمين على المدعى عليه، والبينة على المدعي. وقال الشعبي أيضاً
وزياد: أراد قول أما بعد، فإنه أول من قالها، والذي يعطيه لفظ الآية أن الله تعالى آتاه أنه كان إذا خاطب
في نازلة فصل المعنى وأوضحه وبينه، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، وهذه صفة قليل من يدركها،
فكان كلامه عليه السلام فصلاً، وقد قال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿إنه لقول فصل﴾ [الطارق: ١٣]
ويزيد محمد صلى الله عليه وسلم على هذه الدرجة بالإيجاز في العبارة وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ
اليسير، وهذا هو الذي تخصص عليه السلام في قوله: ((وأعطيت جوامع الكلم)) فإنها في الخلال التي لم
يؤتها أحد قبله، ذكر جوامع الكلم معدودة في ذلك مسلم.
قوله عز وجل :
وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَوْاْلْخَصْمِ إِذْ نَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَرِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لَا تَخَفْ
﴿ إِنَّ هَذَآ
خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِالْصِرَاطِ
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ
أَخِى لَهُ بِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِى فِ الْخِطَابِ ﴾ّ
بِسُؤَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاِّهِ وَإِنَّكَثِيرًا مِّنَ اْخُلَطَاءِ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْالصَّلِحَاتِ
وَقَلِيلٌ مَّاهُمٌّ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ ؟
٢٤
هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم واستفتحت بالاستفهام تعجيباً من القصة وتفخيماً لها، لأن
المعنى: هل أتاك هذا الأمر العجيب الذي هو عبرة، فكأن هذا الاستفهام إنما هو تهيئة نفس المخاطب
وإعدادها للتلقي. و﴿الخصم) جار مجرى عدل وزور، يوصف به الواحد والاثنان والجميع، ومنه قول
لبيد: [الطويل]
أ
٤٩٨
تفسير سورة ص / الآيات: ٢١ - ٢٤
وخصم يعدو الذحول كأنهم قروم غيارى كل أزهر مصعب
وتحتمل هذه الآية أن يكون المتسور للمحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين،
فتجيء الضمائر في: ﴿تسوروا﴾ و: ﴿دخلوا﴾ و: ﴿قالوا﴾ على جهة التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ
الجمع، ويحتمل أنه جاء مع كل فرقة، كالعاضدة والمؤنسة، فيقع على جميعهم خصم، وتجيء الضمائر
حقيقة. و: ﴿تسوروا﴾ معناه: علوا سوره وهو جمع سورة، وهي القطعة من البناء، وهذا كما تقول:
تسنمت الحائط أو البعير، إذا علوت على سنامه. و﴿المحراب﴾: الموضع الأرفع من القصر أو
المسجد، وهو موضع التعبد، والعامل في: ﴿إِذ﴾ الأولى ﴿نبأ﴾ وقيل: ﴿أتاك﴾. والعامل في: ﴿إِذ﴾
الثانية ﴿تسوروا﴾، وقيل هي بدل من ﴿إذ﴾ الأولى وقوله تعالى: ﴿ففزع منهم﴾ يحتمل أن يكون فزعه من
الداخلین أنفسهم لئلا يؤذوه، وإنما فزع من حیث دخلوا من غیر الباب ودون استئذان، وقيل إن ذلك كان
ليلاً، ذكره الثعلبي، ويحتمل أن يكون فزعه من أن يكون أهل ملكه قد استهانوه حتى ترك بعضهم
الاستئذان، فيكون فزعه على فساد السيرة لا من الداخلين. ويحتمل قولهم: ﴿لا تخف﴾ أنهم فهموا منه
عليه السلام خوفه.
وهنا قصص طول الناس فيها، واختلفت الروايات به، ولا بد أن نذكر منه ما لا يقوم تفسير الآية إلا
به، ولا خلاف بين أهل التأويل أنهم إنما كانوا ملائكة بعثهم الله ضرب مثل لداود عليه السلام، فاختصموا
إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتى بفتيا هي واقفة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد، خر
وأناب واستغفر، وأما نازلته التي وقع فيها، فروي أنه عليه السلام جلس في ملا من بني إسرائيل فأعجب
بعمله، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف على نفسه الفتنة، ويقال بل وقعت له في مثل هذا مجاورة مع
الملكين الحافظين عليه فقال لهما: جرباني يوماً، فإني وإن غبتما عني لا أواقع مكروهاً. وقال السدي:
كان داود قد قسم دهره: يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً لعبادته، ويوماً لشأن نفسه، ففتن يوم خلوه
للعبادة لما تمنى أن يعطى مثل فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يمتحن كما امتحنوا، وقيل في
السبب غير هذا مما لا يصح تطويله. قال ابن عباس ما معناه: أنه أخذ داود يوماً في عبادته وانفرد في محرابه.
يصلي ويسبح إذ دخل عليه طائر من كوة، فوقع بين يديه، فروي أنه كان طائراً حسن الهيئة: حمامة، فمد
داود يده ليأخذه فزال مطمعاً له فما زال يتبعه حتى صعد الكوة التي دخل منها فصعد داود ليأخذه، فتنحى له
الطائر، فتطلع داود عليه السلام، فإذا هو بامرأة تغتسل عريانة، فرأى منظراً جميلاً فتنه، ثم إنها شعرت به،
فأسبلت شعرها على بدنها فتجللت به، فزاده ولوعاً بها، ثم إنه انصرف وسأل عنها، فأخبر أنها امرأة رجل
من جنده يقال له: أوريا وإنه في بعث كذا وكذا، فيروى أنه كتب إلى أمير تلك الحرب أن قدم فلاناً يقاتل
عند التابوت، وهو موضع بركاء الحرب قلما يخلص منه أحد، فقدم ذلك الرجل حتى استشهد هنالك.
ويروى أن داود كتب أن يؤمر ذلك الرجل على جملة من الرجال، وترمى به الغارة والوجوه الصعبة من
الحرب، حتى قتل في الثالثة من نهضاته، وكان لداود فيما روي تسع وتسعون امرأة، فلما جاءه الكتاب
بقتل من قتل في حربه، جعل كلما سمي رجل يسترجع ويتفجع، فلما سمي الزجل قال: كتب الموت على
كل نفس، ثم إنه خطب المرأة وتزوجها، فكانت أم سليمان فيما روي عن قتادة فبعث الله تعالى إليه
٤٩٩
تفسير سورة ص / الآيات: ٢١ - ٢٤
الخصم ليفتي بأن هذا ظلم. وقالت فرقة: إن هذا كله هم به داود ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على
همه بذلك. وقال آخرون: إنما الخطأ في أن لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، إذ كان عنده أمر
المرأة .
قال القاضي أبو محمد والرواة على الأول أكثر، وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا
تليق، وقد حدث بها قصاص في صدر هذه الأمة، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من حدث بما
قال هؤلاء القصاص في أمر داود عليه السلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله.
وقوله: ﴿خصمان﴾ تقديره: نحن خصمان، وهذا كقول الشاعر: [الطويل]
وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر
أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما
نزيعان من جرم ابن زبان إنهم
ونحوه قال العرب في مثل: محسنة فهيلي، التقدير: أنت محسنة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
((آيبون تائبون)). و: ﴿بغى﴾ معناه: اعتدى واستطال، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
بغى والبغي مرتعه وخيم
ولكن الفتى حمل بن بدر
وقوله: ﴿فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط﴾ إغلاظ على الحاكم واستدعاء بعدله، وليس هذا بارتياب
منه، ومنه قول الرجل للنبي عليه السلام: فاحكم بيننا بكتاب الله.
وقرأ جمهور الناس: ((ولا تُشطِط)) بضم التاء وكسر الطاء الأولى، معناه: ولا تتعد في حكمك. وقرأ
أبو رجاء وقتادة: ((تشطُط)) بفتح التاء وضم الطاء، وهي قراءة الحسن والجحدري، ومعناه: ولا تبعد،
يقال: شط إذا بعد، وأشط إذا أبعد غيره. وقرأ زربن حبيش: ((تُشاطط)) بضم التاء وبالألف. و: ﴿سواء
الصراط﴾ معناه: وسط الطريق ولاحبه.
وقوله: ﴿إن هذا أخي﴾ إعراب أخي عطف بيان، وذلك أن ما جرى من هذه الأشياء صفة كالخلق
والخلق وسائر الأوصاف، فإنه نعت محض، والعامل فيه هو العامل في الموصوف، وما كان منها مما ليس
ليوصف به بتة فهو بدل، والعامل فيه مكرر، وتقول: جاءني أخوك زيد، فالتقدير: جاءني أخوك جاءني
زيد، فاقتصر على حذف العامل في البدل والمبدل منه في قوله: ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون
أنهم إليهم لا يرجعون﴾ [يس: ٣١] وما كان منها مما لا يوصف به واحتيج إلى أن يبين به ويجري مجرى
الصفة فهو عطف بيان، وهو بين في قول الشاعر: [الرجز]
يا نصر نصراً نصرا
فإن الرواية في الثاني بالتنوين، فدل ذلك على أن النداء ليس بمكرر عليه، فليس ببدل، وصح فيه
عطف البيان، وهذه الأخوة مستعارة، إذ هما ملكان، لكن من حيث تصورا آدميين تكلما بالأخوة التي بينهما
في الدين والإيمان، والله أعلم. و((النعجة)) في هذه الآية، عبر بها عن المرأة. والنعجة في كلام العرب تقع
٥٠٠
تفسير سورة ص / الآيات: ٢١ - ٢٤
على أنثى بقر الوحش، وعلى أنثى الضأن، وتعبر العرب بها عن المرأة، وكذلك بالشاة، قال الأعشى:
[الكامل]
فأصبت حبة قلبها وطحالها
فرميت غفلة عينه عن شاته
أراد عن امرأته، وفي قراءة ابن مسعود: ((وتسعون نعجة أنثى)). وقرأ حفص عن عاصم: ((وليَ)) بفتح
الياء. وقرأ الباقون بسكونها، وهما حسنان. وقرأ الحسن والأعرج: ((نعجة)) بكسر النون، والجمهور على
فتحها. وقرأ الحسن: ((تسع وتسعون)) بفتح التاء فيهما وهي لغة.
وقوله: ﴿أكفلنيها﴾ أي ردها في كفالتي، وقال ابن كيسان، المعنى: اجعلها كفلي، أي نصيبي.
﴿وعزني﴾: معناه غلبني، ومنه قول العرب: من عز بز، أي من غلب سلب وقرأ أبو حيوة: ((وعزني)) بتخفيف
الزاي. قال أبو الفتح: أراد عززني، فحذف الزاي الواحدة تخفيفاً كما قال أبو زيد:
أحسن به فھن إلیه شوس
قال أبو حاتم: ورويت ((عزني)) بتخفيف الزاي عن عاصم. وقرأ ابن مسعود وأبو الضحى وعبيد بن
عمير: ((وعازني))، أي غالبني .
ومعنى قوله: ﴿في الخطاب) كان أوجه مني وأقوى، فإذا خاطبته كان كلامه أقوى من كلامي، وقوته
أعظم من قوتي، فيروى أن داود عليه السلام لما سمع هذه الحجة قال للآخر: ما تقول؟ فأقر وألد، فقال له
داود: لئن لم ترجع إلى الحق لأكسرن الذي فيه عيناك. وقال للثاني: لقد ظلمك، فتبسما عند ذلك، وذهبا
ولم يرهما لحينه ، فشعر حينئذ للأمر. وروي أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه . وقيل بل بينا فعله في
تلك المرأة وزوجها، وقالا له: إنما نحن مثال لك. وقال بعض الناس: إن داود قال: لقد ظلمك، قبل أن
يسمع حجة الآخر، وهذه كانت خطيئة ولم تنزل به هذه النازلة المروية قط.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق ابن عطية رضي الله عنه: وهذا ضعيف من جهات، لأنه خالف
متظاهر الروايات، وأيضاً فقوله: ﴿لقد ظلمك﴾ إنما معناه إن ظهر صدقك ببينة أو باعتراف، وهذا من
بلاغة الحاكم التي ترد المعوج إلى الحق، وتفهمه ما عند القاضي من الفطنة. وقال الثعلبي: كان في
النازلة اعتراف من المدعى عليه حذف اختصاراً، ومن أجله قال داود: ﴿لقد ظلمك﴾.
وقوله عليه السلام: ﴿لقد ظلمت بسؤال نعجتك﴾ أضاف الضمير إلى المفعول، و﴿الخلطاء﴾
الأشراك والمتعاقبون في الأملاك والأمور، وهذا القول من داود وعظ وبسط لقاعدة حق ليحذر من الوقوع
في خلاف الحق. وما في قوله: ﴿وقليل ما هم﴾ زائدة مؤكدة.
وقوله تعالى: ﴿وظن داود﴾ معناه: شعر للأمر وعلمه. وقالت فرقة: ﴿ظن﴾ هنا بمعنى أيقن.
قال القاضي أبو محمد: والظن أبداً في كلام العرب إنما حقيقته توقف بين معتقدين يغلب أحدهما
على الآخر، وتوقعه العرب على العلم الذي ليس على الحواس ولا له اليقين التام، ولكن يخلط الناس في