النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ٦٩ - ٧١
هاتين القراءتين، فيتمنون يومئذ الإيمان وطاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم التمني، ثم لاذوا بالتشكي من
كبرائهم في أنهم أضلوهم، وقرأ جمهور الناس ((سادتنا)) وهو جمع سيد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن
عامر وحده من السبعة وأبو عبد الرحمن وقتادة وأبو رجاء والعامة في المسجد الجامع بالبصرة ((ساداتنا)) على
جمع الجمع، و﴿السبيلا) مفعول ثان لأن ((أضل)) معدى بالهمزة، وضل يتعدى إلى مفعول واحد فيما هو
مقيم كالطريق والمسجد وهي سبيل الإيمان والهدى، ثم دعوا بأن يضاعف العذاب للكبراء المضلين أي
عن أنفسهم وعمن أضلوا، وقرأ عاصم وابن عامر وحذيفة بن اليمان والأعرج بخلاف عنه ((لعناً كبيراً بالباء
من الكبر، وقرأ الجمهور والباقون ((لعناً كثيراً)) بالثاء ذات الثلاث والكثرة أشبه بمعنى اللعنة من الكبر أي
العنهم مرات كثيرة .
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَذَوَأْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّاقَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيهًا
ـوقـ
٦٩
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
٧٠
◌َّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْقَوْلًا سَدِيدًا
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْفَازَ فَوْزًاعَظِيمًا
٧
﴿الذين آذوا موسى﴾ هم قوم من بني إسرائيل، واختلف الناس في الإذاية التي كانت وبرأه الله
منها، فقالت فرقة هي قصة قارون، وإدخاله المرأة البغي في أن تدعي على موسى ثم تبرئتها له وإشهارها
بداخلة قارون، وقد تقدمت القصة في ذكر قارون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي أن موسى
وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل مات هارون فيه، فجاء موسى وحده، فقال قوم هو قتله، فبعث الله
تعالى ملائكة حملوا هارون حتى طافوا به في أسباط بني إسرائيل ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى
ولم يكن فيه أثر، وروي أنه حيي فأخبرهم بأمره وببراءة موسى، وقال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة هي ما
تضمنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه
السلام يتستر كثيراً ويخفي بدنه فقال قوم هود آدر أو أبرص أو به آفة فاغتسل موسى يوماً وحده وجعل ثيابه
على حجر ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر، فمر في أتباعه على ملأ من
بني إسرائيل، فرواه سليمان مما ظن به، الحديث بطوله خرجه البخاري ﴿فبرأه الله مما قالوا﴾ و((الوجيه))
المكرم الوجه، وقرأ الجمهور ((وكان عند الله))، وقرأ ابن مسعود ((وكان عبد الله))، ثم وصى عز وجل المؤمنين
بالقول السداد، وذلك يعم جميع الخيرات، وقال عكرمة: أراد لا إله إلّا الله، و((السداد)) يعم جميع هذا
وإن كان ظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافاً للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة
المؤمنين، ثم وعد تعالى بأنه يجازي على القول السديد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب، وباقي الآية
بین .
قوله عز وجل :
إِنَّا عَرَضْنَاَ لْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَنُّ

٤٠٢
تفسير سورة الأحزاب / الآيتان: ٧٢، ٧٣
إِنَُّ كَانَ ظَلُوْمَّاجَهُولًا!
لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَاُلْمُشْرِكِينَ وَاُلْمُشْرِكِتِ
٧٣
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
اختلف الناس في ﴿الأمانة﴾ فقال ابن مسعود هي أمانات المال کالودائع ونحوها، وروي عنه أنه في
كل الفرائض وأشدها أمانة المال، وذهبت فرقة، هي الجمهور، إلى أنه كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر
ونهي وشأن دين ودنيا، فالشرع كله أمانة، قال أبيّ بن كعب من الأمانة ان ائتمنت المرأة على فرجها، وقال
أبو الدرداء غسل الجنابة أمانة، ومعنى الآية ﴿إنا عرضنا﴾ على هذه المخلوقات العظام أن تحمل الأوامر
والنواهي وتقتضي الثواب إن أحسنت والعقاب إن أساءت فأبت هذه المخلوقات وأشفقت، ويحتمل أن
يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها، ويحتمل أن يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة، ويروى أنها
قالت ((رب ذرني مسخرة لما شئت أتيت طائعة فيه ولا تكلني إلى نظري وعملي ولا أريد ثواباً)، وحمل
الإنسان الأمانة أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه، وهذا هو تأويل
ابن عباس وابن جبير، وقال الحسن ﴿حملها﴾ معناه خان فيها والآية في الكافر والمنافق.
قال الفقيه الإمام القاضي: والعصاة على قدرهم، وقال ابن عباس والضحاك وغيره ﴿الإنسان﴾ آدم
تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة، وروي أن الله تعالى قال له: ((يا آدم
إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها فتحملها أنت بما
فیها)). قال: وما فيها؟ قال: ((إن أحسنت أجرت وإن أسأت عوقبت))، قال نعم قد حملتها. قال ابن عباس فما
بقي له قدر ما بين الأولى إلى العصر حتى عصى ربه، وقال ابن عباس وابن مسعود ﴿الإنسان﴾ ابن آدم
قابيل الذي قتل أخاه وكان قد تحمل الأمانة لأبيه أن يحفظ الأهل بعده، وكان آدم سافر إلى مكة في حديث
طويل ذكره الطبري وغيره، وقال بعضهم ﴿الإنسان﴾ النوع كله وهذا حسن مع عموم الأمانة، وقال الزجاج
معنى الآية ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ في نواهينا وأوامرنا على هذه المخلوقات فقمن بأمرنا وأطعن فيما كلفناها
وتأبين من حمل المذمة في معصيتنا، وحمل الإنسان المذمة فيما كلفناه من أوامرنا وشرعنا.
قال الفقيه الإمام القاضي: و ﴿الإنسان﴾ على تأويله الكافر والعاصي، وتستقيم هذه الآية مع قوله
تعالى: ﴿أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] فعلى التأويل الأول الذي حکیناه عن الجمهور یکون قوله تعالى:
﴿أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] إجابة لأمر أمرت به، وتكون هذه الآية إباية وإشفاقاً من أمر عرض عليها
وخيرت فيه، وروي أن الله تعالى عرض الأمانة على هذه المخلوقات فأبت، فلما عرضها الله تعالى على
آدم قال: أنا أحملها بين أذني وعاتقي، فقال الله تعالى له: إني سأعينك قد جعلت لبصرك حجاباً فأغلقه
عما لا يحل لك ولفرجك لباساً فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي هذا المعنى أشياء تركتها اختصاراً لعدم صحتها، وقال قوم: إن الآية
من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطبقها وأنها لو تكلمت
:

٤٠٣
تفسير سورة الأحزاب / الآيتان: ٧٢، ٧٣
لأبتها وأشفقت فعبر عن هذا المعنى بقوله ﴿إنا عرضنا﴾ الآية، وهذا كما تقول عرضت الحمل على البعير
فأباه وأنت تريد بذلك قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه، وقوله ﴿ليعذب الله﴾ اللام لام
العاقبة لأن الإنسان لم يحمل ليقع العذاب لكن حمل فصار الأمر وآل إلى أن يعذب من نافق ومن أشرك
وأن يتوب على من آمن وقرأ الجمهور و((يتوب)) بالنصب عطفاً على قوله ﴿ليعذب﴾ وقرأ الحسن بن أبي
الحسن و ((يتوبُ)) بالرفع على القطع والاستئناف، وباقي الآية بين.
نجزت السورة والحمد لله .

٤٠٤
ـمنت تفسير سورة سبأ/ الآيتان: ٢،١
بِسْمِ اللّهِالرَّحْمَنِ الزَّحِيجْ
سُورَةُ سَبَاء
هذه السورة مكية واختلف في قوله تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو
الحق﴾ [سبأ: ٦] الآية، فقالت فرقة هي مكية، والمراد المؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة هي
مدنية والمراد من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأشباهه.
قوله عز وجل :
اَْمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ لَهُمَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الخَيرُ
يَعْلَمُ مَايَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَأْ وَهُوَ الرَّحِيمُ
الْغَفُورُ
٢
الألف واللام في ﴿الحمد﴾ لاستغراق الجنس، أي ﴿الحمد﴾ على تنوعه هو ﴿لله﴾ تعالى من جميع
جهات الفكرة، ثم جاء بالصفات التي تستوجب المحامد وهي ملكه جميع ما في السماوات والأرض،
وعلمه المحيط بكل شيء وخبرته بالأشياء إذ وجودها إنما هو به جلت قدرته ورحمته بأنواع خلقه وغفرانه
لمن سبق في علمه أن يغفر له من مؤمن، وقوله تعالى: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾ يحتمل أن تكون الألف
واللام للجنس أيضاً وتكون الآية خبراً، أي أن الحمد في الآخرة هو له وحده لإنعامه وإفضاله وتغمده
وظهور قدرته وغير ذلك من صفاته، ويحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد والإشارة إلى قوله تعالى:
﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس: ١٠] أو إلى قوله ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا
وعده﴾ [الزمر: ٧٤] و﴿يلج﴾ معناه يدخل، ومنه قول شاعر: [الطويل]
تضايق عنها أن تولجها الابر
رأيت القوافي يتلجن هوالجا
و﴿يعرج﴾ معناه يصعد، وهذه الرتب حصرت كلما يصح علمه من شخص أو قول أو معنى، وقرأ
أبو عبد الرحمن ((وما يُنَزّل من السماء)) بضم الياء وفتح النون وشد الزاي .
قوله عز وجل :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَى وَرَبِ لَتَأْتَِّنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِ لَا يَعُْبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ
فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّ فِى كِتَبِشُبِينٍ
٣
... .

أ
٤٠٥
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٣ - ٨
◌ِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ
٥
سَعَوْ فِىّءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيمٌ
روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، وقال اللات والعزى ما ثم ساعة تأتي ولا قيامة ولا
حشر فأمر الله تعالى نبيه أن يقسم بربه مقابلة لقسم أبي سفيان قبل رداً وتكذيباً وإيجاباً لما نفاه وأجاز نافع
الوقف على ﴿بلى﴾ وقرأ الجمهور ((لتأتينكم)) بالتاء من فوق، وحكى أبو حاتم قراءة ((ليأتينكم)) بالياء على
المعنى في البعث.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف ((عالم)) بالخفض على البدل من ﴿ربي﴾، وقرأ نافع وابن
عامر ((عالمٌ)) بالرفع على القطع، أي هو عالم، ويصح أن يكون ((عالم)) رفع بالابتداء وخبره ﴿لا يعزب﴾
وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالم لا يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدر وقتها وعلمه والوجه الأول
أقرب، وقرأ حمزة والكسائي ((علام )) على المبالغة وبالخفض على البدل و﴿يعزب﴾ معناه يغيب ويبعد،
وبه فسر مجاهد وقتادة، وقرأ جمهور القراء ((لا يعزُب)) بضم الزاي، وقرأ الكسائي وابن وثاب ((لا يعزب))
بكسرها وهما لغتان، و﴿مثقال ذرة﴾ معناه مقدار الذرة، وهذا في الأجرام بين وفي المعاني بالمقايسة وقرأ
الجمهور ((ولا أصغرُ ولا أكبر)» عطفاً على قوله ﴿مثقال﴾ وقرأ نافع والأعمش وقتادة ((أصغرَ وأكبرَ)) بالنصب
عطفاً على ﴿ذرة﴾ ورويت عن أبي عمرو، وفي قوله تعالى: ﴿إلا في كتاب مبين﴾ ضمير تقديره إلا هو في
كتاب مبين، والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ، واللام من قوله تعالى: ﴿ليجزي﴾ يصح أن تكون متعلّقة،
بقوله تعالى: ﴿لتأتينكم) ويصح أن تكون متعلقة بقوله ﴿لا يعزب﴾، ويصح أن تكون متعلقة بما في
قوله ﴿إلا في كتاب مبين﴾ من معنى الفعل لأن المعنى إلا أثبته في كتاب مبين، و((المغفرة)) تغمد
الذنوب، و((الرزق الكريم)) الجنة ﴿والذين﴾ معطوف على ﴿الذين﴾ الأول أي وليجزي الذين سعوا،
و﴿معاجزين﴾ معناه محاولين تعجيز قدرة الله فيهم، وقرأ الجحدري وابن كثير ((معجزين)) دون ألفٍ أي
معجزين قدرة الله تعالى بزعمهم، وقال ابن الزبير: معناه مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه العجز
في نشاطه وهذا هو سعيهم في الآيات، ثم بين تعالى جزاء الساعين كما بين قبل جزاء المؤمنين، وقرأ
عاصم في رواية حفص ((أليمٌ)) بالرفع على النعت للعذاب، وقرأ الباقون ((أليمٍ)) بالكسر على النعت،
لـ ﴿رجز﴾، و((الرجز)) العذاب السبىء جداً، وقرأ ابن محيصن ((من رُجز)) بضم الراء.
قوله عز وجل :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقِّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْهَلْ نَذُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُرِّقْتُؤْكُلَّ هُعَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِىِ خَلْقِ جَدِيدٍ!
٧
٦
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَمْ بِهِ، جِنَّةُ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ
٨
قال الطبري والثعلبي وغيرهما ﴿ويرى﴾ معطوف على ما قبله من الأفعال والظاهر أنه فعل مستأنف وأن

٤٠٦
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٩ - ١١
الواو إنما عطفت جملة على جملة وكأن المعنى الإخبار بأن أهل العلم يرون الوحي المنزل على محمد حقاً
وأنه يهدي إلى صراط الله، وقوله ﴿الذي أنزل﴾ مفعول بـ ﴿يرى)، و﴿الحق) مفعول ثان وهو عماد،
و﴿الذين أوتوا العلم﴾ قيل هم من أسلم من أهل الكتاب.
وقال قتادة هم أمة محمد المؤمنون به كان من كان، ﴿ويهدي﴾ معناه يرشد، و((الصراط» الطريق،
وأراد طريق الشرع والدين، ثم حكي عن الكفار مقالتهم التي قالوها على جهة التعجب والهزء، أي قالها
بعضهم لبعض كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه: هل أدلك على أضحوكة ونادرة فلما كان البعث عندهم
من البعيد المحال جعلوا من يخبر به في حيز من يتعجب منه، والعامل في ﴿إذا﴾ فعل مضمر قبلها فيما قال
بعض الناس تقديره ((ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم))، ويصح أن يكون العامل ما في قوله
﴿إنكم لفي خلق جديد﴾ من معنى الفعل لأن تقدير الكلام ((ينبئكم إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم))، وقال
الزجاج العامل في ﴿إذا﴾، ﴿مزقتم) وهو خطأ وإفساد للمعنى المقصود، ولا يجوز
أن يكون العامل ﴿ينبئكم﴾ بوجه، و﴿مزقتم﴾ معناه بالبلى وتقطع الأوصال في القبور وغيرها،
وكسر الألف من ﴿إنكم﴾ لأن ﴿ينبئكم﴾ في معنى يقول لكم ولمكان اللام التي في الخبر، و﴿جديد﴾ معناه
مجدد، وقولهم ﴿افترى﴾ هو من قول بعضهم لبعض، وهي ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل
فحذفت ألف الوصل وبقيت مفتوحة غير ممدودة، فكأن بعضهم استفهم بعضاً عن محمد أحال الفرية على
الله هي حاله أم حال الجنون، لأن هذا القول إنما يصدر عن أحد هذين فأضرب القرآن عن قولهم وكذبه،
فكأنه قال ليس الأمر كما قالوا ﴿بل الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ والإشارة بذلك إليهم، ﴿في العذاب﴾ یرید
عذاب الآخرة لأنهم يصيرون إليه، ويحتمل أن يريد ﴿في العذاب﴾ في الدنيا بمكابدة الشرع ومكابرته
ومحاولة إطفاء نور الله تعالى وهو يتم، فهذا كله عذاب وفي ﴿الضلال البعيد﴾ أي قربت الحيرة وتمكن
التلف لأنه قد أتلف صاحبه عن الطريق الذي ضل منه .
قوله عز وجل :
أَفَلَمْ رَوْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفِ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ
نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّامِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ وَلَقَدْءَ انِيْنَا دَاوُ دَ مِنَّا
فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرُ وَاَلَنَّالَهُ الْحَدِيدَ ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ
١١
صَلِحًا إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
.الضمير في ﴿يروا﴾ لهؤلاء ﴿الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [سبأ: ٨] وقفهم الله تعالى على قدرته
وخوفهم من إحاطتها بهم، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك
عن أبصارهم ولا عدم إحاطته بهم، وقرأ الجمهور ((إن نشأ نخسف)) و((نسقط)) بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة
والكسائي ((إن يشأ يخسف بهم أو يسقط)) بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف والأعمش
وعيسى واختارها أبو عبيد، و((خسف الأرض)) هو إهواؤها بهم وتهورها وغرقهم فيها، و((الكسف)» قيل هو

٤٠٧
تفسير سورة سبأ / الآيات : ٩ -١١
مفرد اسم القطعة، وقيل هو جمع كسفة جمعها على حد تمرة وتمر ومشهور جمعها كسف كسدرة وسدر
وأدغم الكسائي الفاء في الباء في قوله ﴿نخسف بهم﴾ قال أبو علي وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في
الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كان الباء تدغم في الفاء كقوله اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في
الميم كقوله ((اضرب محمداً)) ولا تدغم الميم في الباء كقولك اضمم بكراً، لأن الباء انحطت عن الميم
يفقد الغنة التي في الميم، والإشارة بقوله تعالى في ذلك إلى إحاطة السماء بالمرء ومماسة الأرض له على
كل حال، و((المنيب)) الراجع التائب، ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان احتجاجاً على ما منح
محمداً، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبدنا قديماً بكذا وكذا، فلما فرغ التمثيل لمحمد صلى الله
عليه وسلم رجع التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالفكر والعتو، والمعنى قلنا ﴿يا جبال﴾، و﴿أوبي﴾
معناه ارجعي معه لأنه مضاعف آب يؤوب، فقال ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم معناه سبحي معه أي
يسبح هو وترجع هي معه التسبيح، أي ترده بالذكر ثم ضوعف الفعل للمبالغة، وقيل معناه سيري معه لأن
التأويب سير النهار كان الإنسان يسير بالليل ثم يرجع السير بالنهار أي يردده فكأنه يؤوبه، فقيل له التأويب
ومنه قول الشاعر: [البسيط]
ويوم سير إلى الأعداء تأويب
يومان يوم مقامات وأندية
ومنه قول ابن أبي مقبل : [الطويل]
دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح
لحقنا بحي أوبوا السير بعدما
وقال مروح ﴿أوبي﴾ سبحي بلغة الحبشة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف غير معروف، وقال وهب بن منبه: المعنى نوحي معه والطير
تسعدك على ذلك، قال فكان داود إذا نادى بالنياحة والحنين أجابته الجبال وعكفت الطير عليه من فوقه،
قال فمن حينئذ سمع صدى الجبال، وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق ((أوبي)) بضم الهمزة وسكون الواو
أي ارجعي معه أي في السير أو في التسبيح، وأمر الجبال كما تؤمر الواحدة المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل
كذلك يؤمر وكذلك يكنى عنه ويوصف ومنه المثل ((يا خيل الله اركبي)) ومنه ﴿مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨]
وهذا كثير، وقرأ الأعرج وعاصم بخلاف وجماعة من أهل المدينة ((والطيرُ)) بالرفع عطفاً على لفظ قوله ﴿يا
جبال﴾، وقرأ نافع وابن كثير والحسن وابن أبي إسحاق وأبو جعفر ((والطير)) بالنصب فقيل ذلك عطف على
﴿فضلاً﴾ وهو مذهب الكسائي، وقال سيبويه هو على موضع قوله ﴿يا جبال﴾ لأن موضع المنادى المفرد
نصب، وقال أبو عمرو: نصبها بإضمار فعل تقديره وسخرنا الطير، ﴿وألنا له الحديد﴾ معناه جعلناه ليناً،
وروى قتادة وغيره أن الحديد كان له كالشمع لا يحتاج في عمله إلى نار، وقيل أعطاه قوة يثني بها الحديد،
وروي أنه لقي ملكاً وداود يظنه إنساناً وداود متنكر خرج ليسأل الناس عن نفسه في خفاء، فقال داود لذلك
الشخص الذي تمثل فيه الملك ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال له الملك: نعم العبد لولا خلة فيه، قال
داود وما هي؟ قال: يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يديه لتمت فضائله، فرجع فدعا الله تعالى في أن
يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه تعالى صنعة لبوس وألان له الحديد، فكان فيما روي يصنع ما بين يومه

٤٠٨
٠١٠
..
تفسير سورة سبأ / الآية: ١٢
وليلته درعاً تساوي ألف درهم حتى ادخر منها كثيراً وتوسعت معيشة منزله، وكان ينفق ثلث المال في
مصالح المسلمين، وقوله تعالى: ﴿أن اعمل﴾ قيل إن ﴿أن﴾ مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وقيل هي
في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، و((السابغات)) الدروع الكاسيات ذوات الفضول، قال قتادة داود عليه
السلام أول من صنعها، ودرع الحديد مؤنث ودرع المرأة مذكر، وقوله تعالى: ﴿وقدر في السرد﴾ اختلف
المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشياء السرد، إذ السرد هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه، قال
الشماخ: ((كما تابعت سرد العنان الخوارز))، ومنه سرد الحديث، وقيل للدرع مسرودة لأنها توبعت فيها
الحلق بالحلق ومنه قول الشاعر [القرطبي]: [الكامل]
دواد أو صَنعُ السوابغ تبع
وعليهما مسرودتان قضاهما
ومنه قول دريد بالفارسي المسرد، فقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة أي لا تعملها
صغيرة فتضعف ولا تقوى الدرع على الدفاع ولا تعملها كبيرة فينال لاسبها من خلالها، وقال ابن عباس
التقدير الذي أمر به هو المسمار يريد ثقبه حين يشد نتيرها، وذكر البخاري في مصنفه ذلك فقال: المعنى لا
تدق المسمار فيسلسل، ويروى فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء أيضاً رواية، وروى قتادة أن
الدروع كانت قبله صفائح فكانت ثقالاً، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدر ما
يأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة وحدها فتزيل المنعة، وقوله
تعالى: ﴿واعملوا صالحاً﴾ لما كان الأمر لداود وآله حكى وإن كانوا لم يجرلهم ذكر لدلالة المعنى
عليهم، ثم توعدهم تعالى بقوله: ﴿إني بما تعملون بصير﴾ أي لا يخفى علي حسنه من قبيحة وبحسب
ذلك يكون جزائي لكم.
قوله عز وجل :
وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ
بِإِذْنِ رَبِهِمْ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ(
١٢
قال الحسن: عقر سليمان الخيل أسفاً على ما فوتته من فضل وقت صلاة العصر فأبدله الله تعالى خيراً
منها وأسرع الريح تجري بأمره، وقرأ جمهور القراء ((الريحَ)) بالنصب على معنى ولسليمان سخرنا الريح،
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والأعرج ((الريحُ)) بالرفع على تقديره تسخرت الريح أو على الابتداء والخبر
في المجرور، وذلك على حذف مضاف تقديره ولسليمان تسخير الريح، وقرأ الحسن ((ولسليمان تسخير
الرياح» وكذلك جمع في كل القرآن، وقوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ قال قتادة معناه أنها
كانت تقطع به في الغدو إلى قرب الزوال مسيرة شهر وتقطع به في الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة
شهر، فروي عن الحسن البصري أنه قال كان يخرج من الشام من مستقره تدمر التي بنتها له الجن بالصفاح
والعمد فيقيل في اصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان ونحو هذا، وكانت الأعصار تقل
بساطه وتحمله بعد ذلك الرخاء، وكان هذا البساط من خشب يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس وما
:

٤٠٩
تفسير سورة سبأ / الآية : ١٣
يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم صحته مع بعد شبهه أوجب
اختصاره .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير الجيوش أربعة آلاف)) وما كان سليمان ليعدو الخير،
وقرأ ابن أبي عبلة ((غدوتها شهر وروحتها شهر)) وكان إذا أراد قوماً لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو
السماء، وقوله تعالى: ﴿وأسلنا له عين القطر﴾، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين
جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما أحب، و﴿القطر﴾: النحاس، وقالت فرقة ﴿القطر﴾ الفلز كله
النحاس والحديد وما جرى مجراه، كان يسيل له منه عيون، وقالت فرقة بل معنى ﴿أسلنا له عين القطر﴾
أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحدید یلین لداود، قالوا وكانت الأعمال تتأتی منه لسلیمان وهو بارد دون
نار، و﴿عين﴾ على هذا التأويل بمعنى الذات، وقالوا لم يلن النحاس ولا ذاب لأحد قبله، وقوله ﴿من
يعمل﴾ يحتمل أن ﴿من) تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره وسخرنا من
الجن من يعمل، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على الابتداء والخبر في المجرور، و﴿يزغ﴾ معناه يمل
أي ينحرف عاصياً، وقال ﴿عن أمرنا﴾ يقل عن إرادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة، ويقع ما
يخالف الأمر، قال الضحاك وفي مصحف عبد الله ((ومن يزغ عن أمرنا)) بغير ﴿منهم)، وقوله تعالى: ﴿من
عذاب السعير﴾ قيل عذاب الآخرة، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار السعير، فمن عصى
ضربه فأحرقه به .
قوله عز وجل :
يَعْمَلُونَ لَهُمَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُ ورٍ رَّاسِيَتٍ أَعْمَلُوْءَلَ دَاوُودَ
١٣
شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ
((المحاريب)) الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة القصور والمساجد، وقال ابن زيد المساكن،
والمحراب أشرف موضع في البيت، والمحراب موضع العبادة أشرف ما يكون منه، وغلب عرف الاستعمال
في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة قول عدي بن زيد: [الخفيف]
كدمى العاج في المحاريب أو کالـ
بيض في الروض زهره مستنير
((والتماثيل)) قيل كانت من زجاج ونحاس، تماثيل أشياء ليست بحيوان، وقال الضحاك كانت تماثيل
حيوان، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع.
قال القاضي أبو محمد: ونسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قوم: حرم التصوير لأن الصور
كانت تعبد، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ
من أئمة العلم من يجوزه، و((الجوابي)) جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال
الراجز: [الرجز]
فصحبت جابية صهارجا كأنه جلد السماء خارجا

٤١٠
تفسير سورة سبأ / الآية : ١٣
وقال مجاهد: ((الجوابي)) جمع جوبة وهي الحفرة العظيمة في الأرض.
قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى: [الطويل]
نفى الذم عن آل المحلق جفنة" كجابية الشيخ العراقيّ تفهق
وأنشده الطبري: تروح على آل المحلق، ويروى السيح بالسين غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضاً،
وهو الماء الجاري على وجه الأرض، ويروى بالشين والخاء منقوطين، فيقال أراد كسرى ويقال أراد شيخاً
من فلاحي سواد العراق غير معين وذلك أنه لضعفه يدخر الماء في جابيته، فهي تفهق أبداً فشبهت الجفنة
بها لعظمها، قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد ((الجوابي)) الحياض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم
وحمزة والكسائي ((كالجواب)) بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وعيسى بغير ياء في الوقف وياء
في الوصل، وقرأ ابن كثير بياء فيهما، ووجه حذف الياء التخفيف والإيجاز، وهذا كحذفهم ذلك من القاض
والغاز والهاد، وأيضاً فلما كانت الألف واللام تعاقب التنوين وكانت الياء تحذف مع التنوين وجب أن
تحذف مع ما عاقبه كما يعملون للشيء أبداً عمل نقيضه، و﴿راسيات﴾ معناه ثابتات لكبرها ليست مما
ينقل ولا يحمل. ولا يستطيع على عمله إلا الجن وبالثبوت فسرها الناس، ثم أمروا مع هذه النعم بأن
يعملوا بالطاعات، وقوله تعالى: ﴿شكراً﴾ يحتمل أن يكون نصبه على الحال، أي اعملوا بالطاعات في
حال شكر منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي اعملوا عملًا هو
الشكر كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر إذ سدت مسده، وفي الحديث إن النبي صلى
الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: ((ثلاث من أوتيهن فقد أوتي العمل شكراً العدل في
الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية))، وروي أن داود عليه السلام قال
يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك، فقال: يا داود الآن عرفتني حق
معرفتي، وقال ثابت: روي أن مصلى داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً ونهاراً كانوا يتناوبونه دائماً، وكان
سليمان عليه السلام فيما روي يأكل خبز الشعير وطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك، وروي أنه
ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال: أخاف أن أنسى الجياع، وقوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾
يحتمل أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن تكون مخاطبة لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كل
وجه ففيها تنبيه وتحريض، وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر: ما
هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله عز وجل: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، فقال عمر رحمه الله: كل
الناس أعلم من عمر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وقد قال تعالى ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: ٢٤]، والقلة أيضاً بمعنى الخمول
منحة من اللّه تعالى، فلهذا الدعاء محاسن.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّْ عَلَى مَوْتٍِإِلََّ دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَنَهُ فَلَمَّا خَرَّتَيَتَنَتِ اَلِنُّ

٤١١
تفسير سورة سبأ / الآية: ١٤
١٤
أَن لَّوْكَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
الضمير في ﴿عليه﴾ عائد على سليمان، و﴿قضينا﴾ بمعنى أنفذنا وأخرجناه إلى حيز الوجود وإلا
فالقضاء الآخر به متقدم في الأزل، وروي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية أن سليمان عليه
السلام كان يتعبد في بيت المقدس وكان ينبت في محرابه كل سنة شجرة فكان يسألها عن منافعها ومضارها
وسائر شأنها فتخبره فيأمر بها فتقلع فتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل، فلما كان عند موته خرجت شجرة
فقال لها ما أنت؟ فقالت: أنا الخروب خرجت لخراب ملكك هذا، فقال سليمان عليه السلام: ما كان الله
ليخربه وأنا حي ولكنه لا شك حضور أجلي فاستعد عليه السلام وغرسها وصنع منها عصا لنفسه وجد في
عبادته، وجاءه بعد ذلك ملك الموت فأخبره أنه قد أمر بقبض روحه وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة، فروي أنه
أمر الجن حينئذ فصنعت له قبة من رخام تشف وجعل فيها يتعبد ولم يجعل لها باباً، وتوكأ على عصاه على
موضع يتماسك معه وإن مات، ثم توفي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة، وروي أنه استعد في تلك
القبة بزاد سنة وكان الجن يتوهمون أنه يتغذى بالليل وكانوا لا يقربون من القبة ولا يدخلون من كوة كانت في
أعاليها، ومن رام ذلك منهم احترق قبل الوصول إليها، هذا في المدة التي كان سليمان عليه السلام حياً في
القبة، فلما مات بقيت تلك الهيبة على الجن، وروي أن القبة كان لها باب وأن سليمان أوصى بعض أهله
بكتمان موته على الجن والإنس وأن يترك على حاله تلك سنة، وكان غرضه في هذه السنة أن تعمل الجن
عملًا كان قد بدىء في زمن داود قدر أنه بقي منه عمل سنة، فأحب الفراغ منه، فلما مضى لموته سنة، خر
عن عصاه والعصا قد أكلته الأرض، وهي الدودة التي تأكل العود، فرأت الجن انحداره، فتوهمت موته
فجاء جسور منهم فقرب فلم يحترق، ثم خطر فعاد ثم قرب أكثر ثم قرب حنى دخل من بعض تلك الكوى
فوجد سليمان ميتاً، فأخبر بموته، فنظر ذلك الأكل فقدر أنه منذ سنة، وقال بعض الناس: جعلت الأرضة
فأكلت يوماً وليلة ثم قيس ذلك بأكلها في العصا فعلم أنها أكلتها منذ سنة فهكذا كانت دلالة ﴿دابة الأرض﴾
على موته، وللمفسرين في هذه القصص إكثار عمدته ما ذكرته، وقال كثير من المفسرين ﴿دابة الأرض﴾
هي سوسة العود وهي الأرضة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل ((الأرض)) بفتح الراء جمع أرضة فهذا
يقوي ذلك التأويل، وقالت فرقة ﴿دابة الأرض﴾ حیوان من الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود وليس
السوسة من دواب الأرض، وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي ﴿الأرض﴾ هنا مصدر أرضت الأثواب
والخشبة إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس، وفي مصحف
عبد الله ((الأرض أكلت منسأته))، والمنسأة العصا ومنه قول الشاعر: [البسيط]
إذا دبيت على المنساة من هرم
فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقرأ جماعة من القراء ((منساته)) بغير همز منها أبو عمرو ونافع، قال أبو عمرو لا أعرف لها اشتقاقاً فأنا
لا أهمزها لأنها إن كانت مما يهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت
لأنه لا يجوز لي همز ما لا يهمز، وقال غيره أصلها الهمز وهي ((المنسأة)) مفتوحة من نسأت الإبل والغنم
والناقة إذا سقتها ومنه قول طرفة: [الطويل]
1
1

٤١٢
تفسير سورة سبأ / الآية: ١٤
أمون كعيدان الاران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجد
ويروى ((وعنس)) كألواح وخففت همزتها جملة، وكان القياس أن تخفف بين بين ، وقرأ باقي السبعة
((منسأته)) على الأصل بالهمز، وقرأ حمزة ((مَنساته)) بفتح الميم وبغير همز، وقرأت فرقة ((مسئأَته)) بهمزة
ساكنة وهذا لا وجه له إلا التخفيف في تسكين المتحرك لغير علة كما قال امرؤ القيس: [السريع]
إثماً من الله بولا واغلٍ
فاليوم أشرب غير مستحقب
وقرأت فرقة ((من ساتِه)) بفصل ((من)) وكسر التاء وهذه تنحو إلى سية القوس لأنه يقال سية وساة، فكأنه
قال ((من ساته)) ثم سكن الهمزة ومعناها من طرف عصاه أنزل العصا منزلة القوس، وقال بعض الناس: إن
سليمان عليه السلام لم يمت إلا في سفر مضطجعاً ولكنه كان في بيت مبني عليه وأكلت الأرضية عتبة
الباب حتى خر البيت فعلم موته .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وقرأ الجمهور ((تبينت الجنُّ)» بإسناد الفعل إليها أي بان أمرها
كأنه قال افتضحت الجن أي للإنس، هذا تأويل، ويحتمل أن يكون قوله ﴿تبينت الجن﴾ بمعنى علمت
الجن وتحققت، ويريد ﴿الجن﴾ جمهورهم والفعلة منهم والخدمة ويريد بالضمير في ﴿كانوا﴾ رؤساءهم
وكبارهم لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس ويوهمونهم ذلك، قاله قتادة،
فيتيقن الأتباع أن الرؤساء ﴿لو كانوا﴾ عالمين الغيب ﴿ما لبثوا﴾ و﴿أن﴾ على التأويل الأول بدل من
﴿الجن﴾ وعلى التأويل الثاني مفعولة محضة، وقرأ يعقوب ((تُبينت الجن)) على بناء الفعل للمفعول أي
تبينتها الناس، و﴿أن﴾ على هذه القراءة بدل، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر أي
((بأن)) على هذه القراءة وعلى التأويل الأول من القراءة الأولى.
قال الفقيه الإمام القاضي: مذهب سيبويه أن ﴿أن﴾ في هذه الآية لا موضع لها من الإعراب وإنما هي
مؤذنة بجواب ما تنزل منزلة القسم من الفعل الذي معناه التحقق واليقين، لأن هذه الأفعال التي تبينت
وتحققت وعلمت وتيقت ونحوها تحل محل القسم في قولك: علمت أن لو قام زيد ما قام عمرو، فكأنك
قلت والله لو قام زيد ما قام عمرو، فقوله ﴿ما لبثوا﴾ على هذا القول جواب ما تنزل منزلة القسم لا جواب
﴿لو﴾ وعلى الأقوال الأول جواب ﴿لو﴾ وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ ((تبينت الجن)) أي تبينت
الإنس الجن، و﴿العذاب المهين﴾ هو العمل فى تلك السخرة، والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب
لما خفي عليها موت سليمان، وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة وهو ميت،
فـ ﴿المهين﴾ المذل من الهوان، قال الطبري وفي بعض القراءات ((فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو
كانوا)) وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين وذكر أبو حاتم أنها كذلك في مصحف
ابن مسعود .
قال القاضي أبو محمد: وكثر المفسرون في قصص هذه الآية بما لاصحة له ولا تقتضيه ألفاظ القرآن
(وفي معانيه بعد فاختصرته لذلك).
:
.. .. .
:

٤١٣
تفسير سورة سبأ / الآيات: ١٥ - ١٧
قوله عز وجل :
لَقَدْ كَانَ لِسَبَا فِ مَسْكَنِهِمْ ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُوْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْلَّبَلْدَةٌ
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى
طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾
﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّا
أُكُلٍ خَطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍمِّن سِدْرِقَلِيلٍ
اُلْكَفُورَ
هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، فانتقم الله منهم، أي فأنتم
أيها القوم مثلهم و﴿سبأ﴾ هنا أراد به القبيل، واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة
كانت أماً للقبيل، وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال
الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في هذا القول أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم سأله فروة بن مسيك عن (سبأ) فقال: هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن.
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج ((لسيا)) بهمزة منونة مكسورة على معنى الحي، وقرأ أبو
عمرو والحسن ((لسبأ)) بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى القبيلة، وقرأ جمهور القراء ((في مساكنهم)) لأن
كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي وحده ((في مسكنهم)) بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة
الأعمش وعلقمة، قال أبو علي والفتح حسن أيضاً لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سبيويه يرى هذا اسم
البيت وليس موضع السجود. قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة
وحفص («مسكنهم)) بفتح الكاف على المصدر وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي
وهذا الإفراد هو كما قال الشاعر: [الوافر]
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
وكما قال الآخر: [البسيط]
قد عض أعناقهم جلد الجواميس
و﴿آية﴾معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، و﴿جنتان﴾ ابتداء وخبره في قوله عن ﴿يمين
وشمال﴾ أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من ﴿آية﴾ ضعيف، وقد
قاله مكي وغيره، وقرأ ابن أبي عبلة ((آية جنتين)) بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين
جبلین وکانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي عند أول الجبلين جسر عظيم
من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعاً
يسقي جنات جنتي الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا بهذه الحال في
أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك
الزمان، وقوله ﴿كلوا﴾ فيه حذف كأنه قال قيل لهم كلوا، و﴿طيبة﴾ معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة

٤١٤
اتفسير سورة سبأ / الآيات: ١٥ - ١٧
من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي فيما روي عن
عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث ولا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا
جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، وروي أن الماشي بمكتل فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله
دون أن يمد يداً، وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب
مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب ((بلدةً طيبةً ورباً غفوراً) بالنصب في الكل،
وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر نبياً فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جرداً أعمى
توالد فيه وخرقه شيئاً بعد شيء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى أنه كان من
العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى
أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه
الذي كان فيه أولاً فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة ﴿العرم﴾ فقال المغيرة بن حكيم وأبو
ميسرة: ﴿العرم﴾ في لغة اليمن: جمع عرمة، وهو كل ما بني أو سنم ليمسك الماء ويقال ذلك بلغة أهل
الحجاز المسناة .
قال الفقيه الإمام القاضي: كأنها الجسور والسداد ونحوها، ومن هذا المعنى قول الأعشى:
الغرم
عفا عليها
وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب
إذا جاءه موازة لم يرم
رخام بناه لهم حمير
ومنه قول الآخر:
يبنون من دون سيله العرما
ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ
وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ﴿العرم﴾ اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني له، وقال
ابن عباس أيضاً إن سيل ذلك الوادي أبداً كان يصل إلى مكة وينتفع به، وقال ابن عباس أيضاً ﴿العرم)
الشدید .
قال الفقيه الإمام القاضي: فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى الصفة مبالغة وهي كثيرة في
كلام العرب، وقالت فرقة ﴿العرم﴾ اسم الجرذ.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقيل ﴿العرم﴾ اسم المطر الشديد الذي كان عنه ذلك
السيل، وقوله ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾ قول فيه تجوز واستعارة وذلك أن البدل من ((الخمط والأثل)) لم
يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوباً جيداً وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا،
وقوله ﴿ذواتي﴾ تثنية ذات، و((الخمط)) شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل ((الخمط)) كل شجر له
شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه، و ((الأثل)) ضرب من
الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء
وقيل إنه السمر، و((السدر)) معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث
هو البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع ((أُكْل)) بضم الهمزة وسكون
.
:

٤١٥
تفسير سورة سبأ / الآيتان: ١٨، ١٩
الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضاً عن أبي عمرو سكون الكاف وهما بمعنى
الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين
((أكل)) وصفته بخمط وما بعده، قال أبو علي: البدل هذا لا يحسن لأن الخمط ليس بالأكل والأكل ليس
بالخمط نفسه والصفة أيضاً كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن
الأكل هذه الشجرة ومنها ويحسن قراءة الجمهور أن هذا الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي :
[الطويل]
ولا خلة يكوي الشروب شبابها
عقار كماء الني ليس بخطة
وقرأ أبو عمرو بإضافة ((أكلِ)) إلى ((خمطٍ)) وبضم كاف ((أكلُ خمطٍ))، ورجح أبو علي قراءة الإضافة،
وقوله ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله ﴿وهل يجازي﴾ أي يناقش ويقارض بمثل فعل قدراً بقدر لأن
جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو ﴿الكفور﴾ قاله الحسن بن أبي
الحسن، وقال طاوس هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن ذا ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر
يجازي ولا بد، وقد قال عليه السلام ((من نوقش الحساب عذب))، وقرأ جمهور القراء ((يجازى)) بالياء وفتح
الزاي، وقرأ حمزة والكسائي ((نجازي)) بالنون وكسر الزاي، ((الكفورَ)) بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب
((وهل يجزي)) وحكى عنه أبو عمرو الداني أنه قرأ ((وهل يُجزي)) بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال
جزيت في الخير وجازيت في الشر.
قال الفقيه الإمام القاضي: فترجح هذه قراءة الجمهور.
قوله عز وجل :
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَافِيَهَا السَّيْرِّ سِيرُواْفِيَهَا لَيَالِىَ
وَأَيَّامَاءَاِمِنِينَ ﴿فَقَالُواْرَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْأَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ
١٩
كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، وهي أن الله تعالى مع ما كان منحهم من
الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها
السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في قرية
أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد و﴿القرى﴾ المدن، ويقال للمجتمع الصغير قرية أيضاً، وكلها من قريت
أي جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين، و((القرى الظاهرة)) هي التي بين
الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي ((قال ابن عباس: هي قرى عربية بين المدينة والشام وقاله
الضحاك)) واختلف في معنى ﴿ظاهرة﴾ فقالت فرقة: معناه مستعلية مرتفعة في الآكام والظراب وهي أشرف
القرى.
:

٤١٦
تفسير سورة سبأ / الآيتان: ١٨، ١٩
وقالت فرقة: معناه يظهر بعضها من بعض فهي أبداً في قبضة المسافر لا يخلو من رؤية شيء منها
فهي ظاهرة بهذا الوجه .
قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يظهر إليّ أن معنى ﴿ظاهرة﴾ خارجة عن المدن، فهي عبارة عن
القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن، فإنما فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة
التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي والفحوص، ومنه قولهم نزلنا بظاهر فلانة، أي
خارجاً عنها، وقوله ﴿ظاهرة﴾ نظير تسمية الناس إياها البادية والضاحية، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
قريش البطاح لا قريش الظواهر
فلو شهدتني من قريش عصابة
يعني الخارجين عن بطحاء مكة، وفي حديث الاستسقاء وجاء أهل الضواحي يشكون الغرق، وقوله
تعالى: ﴿وقدرنا فيها السير﴾ هو ما ذكرناه من أن المسافر فيها كان يبيت في قرية ويقيل في أخرى على أي
طريق سلك لا يعوزه ذلك، وقوله تعالى: ﴿سيروا﴾ معناه قلنا لهم، و﴿آمنين﴾ معناه من الخوف من
الناس المفسدين، و﴿آمنين﴾ من الجوع والعطش وآفات المسافر، ثم حكى عنهم مقالة قالوها على جهة
البطر والأشر وهي طلب البعد بين الأسفار والإخبار بأنها بعيدة على القراءات الأخر وذلك أن نافعاً وعاصماً
وحمزة والكسائي قرؤوا ((باعد بين أسفارنا)) بكسر العين على معني الطلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن
ومجاهد ((بعِّد بين أسفارنا)) بشد العين وكسرها على معنى الطلب أيضاً، فهاتان قراءتان معناهما الأشر بأنهم
ملوا النعمة بالقرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وفي كتاب الرماني أنهم قالوا لو كان جني
ثمارنا أبعد لكان أشهى وأكثر قيمة، وقرأ ابن السميفع وسفيان بن حسين وسعيد بن أبي الحسن أخو
الحسن وابن الحنفية ((ربَّنا)) بالنصب ((بَعُد بينَ أسفارنا)) بفتح الباء وضم العين ونصب ((بين)) أيضاً، وقرأ
سعيد بن أبي الحسن من هذه الفرقة ((بينُ)) بالرفع وإضافته إلى الأسفار وقرأ ابن عباس وأبو رجاء والحسن
البصري وابن الحنفية أيضاً ((ربُّنا)) بالرفع ((باعَدَ)) بفتح العين والدال، وقرأ ابن عباس وابن الحنفية أيضاً
وعمرو بن فائد ويحيى بن يعمر ((ربُّنا)) بالرفع ((بَعَّد)) بفتح العين وشدها وفتح الدال فهذه القراءة معناها
الأشر بأنهم استبعدوا القريب ورأوا أن ذلك غير مقنع لهم حتى كأنهم أرادوها متصلة بالدور وفي هذا
تعسف وتسحب على أقدار الله تعالى وإرادته وقلة شكر على نعمته بل هي مقابلة النعمة بالتشكي
والاستضرار، وفي هذا المعنى ونحوه مما اقترن بكفرهم ظلموا أنفسهم فغرقهم الله تعالى وخرب بلادهم
وجعلهم أحاديث، ومنه المثل السائر ((تفرقوا أيادي سبا وأيدي سبا)) ويقال المثل بالوجهين، وهذا هو
تمزيقهم ﴿كل ممزق﴾، وروي أن رسول الله قال: إن سبأ أبو عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب وهو
اسم نبدهم تيامن منها ستة قبائل أي إذ تبددت في بلاد اليمن وتشاءمت منها أربعة فالمتيامنة كندة والأزد وأشعر
ومذحج وأنمار الذي منها بجيلة وخثعم وطائفة قيل لها حمير بقي عليها اسم الأب الأول والتي تشاءمت
لخم وجذام وغسان وخزاعة نزلت تهامة ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة وهم الأوس والخزرج ومنها عاملة
وغير ذلك، ثم أخبر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التنبيه بأن هذه القصص فيها آيات
وعبر لكل مؤمن على الكمال، ومن اتصف بالصبر والشكر فهو المؤمن الذي لا تنقصه خلة جميلة بوجه .
:

٤١٧
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٢٠ - ٢٢
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ ◌ِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ !
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن
٢٠
سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَِ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيْطُ [®) قُلِ
أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ لَ يَمْلِيكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ اُلْأَرْضِ
٢٢
وَمَا ◌َهُمْ فِيِهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَالَهُمِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ((ولقد صدَق)) بتخفيف الدال ((إبليسُ)) رفعاً ((ظنه)) بالنصب على
المصدر، وقيل على الظرفية، أي في ظنه، وقيل على المفعول على معنى أنه لما ظن عمل عملاً يصدق به
ذلك الظن، فكأنه إنما أراد أن يصدق ظنه، وهذا من قولك أخطأت ظني وأصبت ظني، وقرأ عاصم وحمزة
والكسائي ((صدَّق)) بتشديد الدال فـ ((الظن)) على هذا مفعول بـ ((صدَّق)) وهي قراءة ابن عباس وقتادة وطلحة
وعاصم والأعمش، وقرأ الزهري وأبو الهجاج ((ظنَّه)) بالرفع، وبلال بن أبي بردة ((صدَق)) بتخفيف الدال
((إبليسَ)) بالنصب ((ظَنُّه)) بالرفع، وقرأت فرقة ((صدَق)) بالتخفيف ((إبليسُ)) بالرفع على البدل وهو بدل
الاشتمال، ومعنى الآية أن ما قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم
شاكرين وغير ذلك كان ظناً منه فصدق فيهم، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم ((اتبعوه)) وهو اتباع في كفر لأنه في
قصة قوم كفار، وقوله ﴿ممن هو منها في شك﴾ يدل على ذلك و﴿من﴾ في قوله ﴿من المؤمنين﴾ لبيان
الجنس لا للتبعيض، لأن التبعيض يقتضي أن فريقاً من المؤمنين اتبعوا إبليس، و((السلطان)) الحجة، وقد
يكون الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط، وقال الحسن بن أبي الحسن: والله ما كان له سيف ولا
سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه، وقوله تعالى: ﴿إلا لنعلم﴾ أي لنعلمه موجوداً، لأن العلم به متقدم
أزلاً، وقرأت فرقة ((إلا ليُعلم)) بالياء على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من
دون الله﴾ الآية، آية تعجيز وإقامة حجة، ويروى أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب
قريشاً، والجمهور على ((قلُ ادعوا)) بضم اللام وروى عباس عن أبي عمرو ((قلِ ادعوا)) بكسر اللام، وقوله
﴿الذين﴾ يريد الملائكة والأصنام وذلك أن قريشاً والعرب كان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يقول نعبدها
لتشفع لنا ونحو هذا، فنزلت هذه الآية معجزة لكل منهم، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم آلهة من أنهم
﴿لا يملكون﴾ ملك الاختراع ﴿مثقال ذرة﴾ في السماء ﴿ولا في الأرض﴾ وأنهم لا شرك لهم فيهما وهذان
فيهما نوعا الملك إما استبداداً وإما مشاركة، فنفى عنهم جميع ذلك، ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين
في شيء من قدرته و((الظهير)) المعين، ثم تقرر في الآية بعد أن الذين يظنون أنهم يشفعون لهم لا تصح
منهم شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله تعالى في الشفاعة في كافر.
قوله عز وجل :
وَلَفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَُّ حَتَّىَ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْقَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ

:٤١٨
تفسير سورة سبأ / الآية: ٢٣
٢٣
اُلْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ
المعنى أن كل من دعوتم إلهاً من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا تنفع شفاعتهم إلا بإذن فيمن
آمن، فكأنه قال ولا هم شفعاء على الحد الذي ظننتم أنتم واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿إلا لمن أذن
له﴾ فقالت فرقة معناه ﴿لمن أذن له﴾ أن یشفع، فیه، وقالت فرقة معناه ﴿لمن أذن له﴾ أن يشفع هو.
قال القاضي أبو محمد: واللفظ يعمهما، لأن الإذن إذا انفرد للشافع فلا شك أن المشفوع فيه معين
له، وإذا انفرد للمشفوع فيه فالشافع لا محالة عالم معين لذلك، وانظر أن اللام الأولى تشير إلى المشفوع
فيه من قوله ﴿لمن﴾ تقول شفعت لفلان، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ((أُذن)) بضم، وقرأ ابن كثير ونافع
وابن عامر ((أَذَن)) بفتحها، والضمير في ﴿قلوبهم﴾ عائد على الملائكة الذين دعوهم آلهة، ففي الكلام
حذف يدل عليه الظاهر فكأنه قال ولا هم شفعاء كما تحسبون أنتم بل هم عبدة مستسلمون أبداً حتى إذا
فزع عن قلوبهم.
قال الفقيه الإمام القاضي: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية
أعني قوله ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ إنما هي الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل وبالأمر يأمر به
سمعت كجر سلسلة الحديد على صفوان فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة، وقيل خوف أن تقوم الساعة فإذا
فزع ذلك ﴿فزع عن قلوبهم﴾ أي أطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل ﴿ماذا قال
ربكم) فيقول المسؤولون قال ﴿الحق هو العلي الكبير) وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات
تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله ﴿الذين زعمتم﴾
[سبأ: ٢٢] لم تتصل لهم هذه الآية بما قبلها فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في
الكفار بعد حلول الموت ﴿فزع عن قلوبهم﴾ بفقد الحياة فرأوا الحقيقة وزال فزعهم من شبه ما يقال لهم في
حياتهم، فيقال لهم حينئذ ﴿ماذا قال ربكم﴾ فيقولون قال ﴿الحق) يقرون خين لا ينفعهم الإقرار، وقالت
فرقة الآية في جميع العالم، وقوله ﴿حتى إذا﴾ يريد في القيامة.
قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به الأحاديث،
وهذان بعيدان، وقرأ جمهور القراء ((فُزع)) بضم الفاء ومعناه أطير الفزع عنهم، وهذه الأفعال جاءت مخالفة
لسائر الأفعال، لأن فعل أصلها الإدخال في الشيء كعلمت ونحوها وقولك: فزعت زيداً معناه أزلت الفزع
عنه، وكذلك جزعته معناه أزلت الجزع عنه، ومنه الحدیث فدخل ابن عباس على عمر بجزعة ومنه مرضت
فلاناً أي أزلت عنه المرض.
قال الفقيه الإمام القاضي: وانظر أن مطاوع هذه الأفعال يلحق بتحنث وتحرج وتفكه وتأثم وتخوف،
وقرأ ابن عامر ((فزّع)) بفتح الفاء وشد الزاي وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي المتوكل الناجي
واليماني، وقرأ الحسن البصري بخلاف (فُزِع)) بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها كأنه بمعنى أقلع، ومن قال
بأنها في العالم أجمعه قال معنى هذه القراءة فزع الشيطان عن قلوبهم أي بادر، وقرأ أيوب عن الحسن أيضاً

٤١٩
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٢٤ - ٢٧
((فُرّغ)) بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم رواها عن
الحسن نحو من عشرة أنفس وهي قراءة أبي مجلز.
وقرأ مطر الوراق عن الحسن ((فزع)) على بناء الفعل للفاعل وهي قراءة مجاهد والحسن أيضاً ((فرغ))
بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة
المعنى عليه فاختلفت ألفاظ فيه، قرأ عيسى بن عمر ((حتى إذا افرنقع)) وهي قراءة ابن مسعود ومعنى هذا
كله وقع فراغها من الفزع والخوف، ومن قرأ شيئاً من هذا على بناء الفعل للمفعول فقوله عز وجل ﴿عن
قلوبهم﴾ في موضع رفع، ومن قرأ على بناء الفعل للفاعل فقوله ﴿عن قلوبهم) في موضع نصب، وافرنقع
معناه تفرق، وقوله (ماذا﴾ يجوز أن تكون ((ما) في موضع نصب بـ ﴿قال﴾ ويصح أن تكون في موضع رفع
بمعنى أي شيء قال، والنصب في قوله ﴿الحق﴾ على نحوه في قوله ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً﴾
[النحل: ٣٠] لأنهم حققوا أن ثم ما أنزل، وحققوا هنا أن ثم ما قيل، وقولهم ﴿وهو العلي الكبير﴾ تمجيد
وتحمید .
قوله عز وجل :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِاللّهٌ وَإِنَّا أَوْلِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلٍ
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَاثُمَّ
١٠/١٠٠
◌ُبِينٍ جَاقُل لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (@)
يُفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَالْفَتَّاعُ الْعَلِيمُ (قُلْ أَرُونِ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمِهِ شُرَكَاءَ كَلَّابَلْ هُوَ اللَّهُ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على أن الرزاق لهم من السماوات والأرض من
هو ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال إذ هم في بهتة ووجمة من السؤال، وإذ لا جواب
لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج یرید
أن يقتضب ويتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، ونظائر هذا في القرآن كثير وقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم)
تلطف في الدعوة والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة أحدنا يخطىء، أي تثبت وتنبه،
والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطىء، وكذلك هذا معناه ﴿لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾
فلينتبه، والمقصد أن الضلال في حيز المخاطبين وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه، وقال أبو عبيدة
﴿أو﴾ في الآية بمعنى واو النسق، والتقدير ((وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)) وهما خبران غير
مبتدأین.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا القول غير متجه واللفظ لا يساعده وإن كان المعنى على كل قول
يقتضي أن الهدى في حيز المؤمنين والضلال في حيز الكافرين، وقوله تعالى: ﴿قل لا تسألون عما
أجرمنا﴾ الآية مهادنة ومتاركة منسوخة بآية السيف، وقوله عز وجل ﴿قل يجمع بيننا﴾ الآية إخبار بالبعث من
أ

٤٢٠
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٢٨ -٣٢
القبور، وقوله ﴿يفتح﴾ معناه يحكم والفتاح القاضي وهي مشهورة في لغة اليمن، وهذا كله منسوخ بآية
السيف، وقوله تعالى ﴿قل أروني﴾ يحتمل أن تكون رؤية قلب فيكون قوله ﴿شركاء﴾ مفعولاً ثالثاً وهذا هو
الصحيح أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة وقالت فرقة هي رؤية بصر و﴿شركاء﴾ حال من
الضمير المفعول بـ ﴿ألحقتم﴾ العائد على ﴿الذين﴾.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له، وقوله ﴿كلا﴾ رد
لما تقرر من مذهبهم في الإشراك بالله تعالى ووصف نفسه عز وجل باللائق به من العزة والحكمة .
قوله عز وجل :
وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿﴿ قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍلَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ
سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ
٣٠
هذا إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالم، و((الكافة)) الجمع
الأكمل من الناس، و﴿كافة﴾ نصب على الحال وقدمها للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خص بها
محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء التي حصرها في قوله ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي
نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي
الأرض مسجداً وطهوراً وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود والأحمر)»، وفي هذه الخصال
زيادة في كتاب مسلم، وقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ يريد بها العموم في الكفرة،
والمؤمنون هم الأقل، ثم حكى عنهم مقالتهم في الهزء بأمر البعث واستعجالهم على معنى التكذيب بقولهم
﴿متى هذا الوعد﴾ فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم عن ﴿ميعاد﴾ هو يوم القيامة لا يتأخر عنه أحد ولا
يتقدمه، قال أبو عبيدة: ((الوعد والوعيد والميعاد)) بمعنى واحد، وخولف في هذا، والذي عليه الناس أن
((الوعد)» في الخير، و ((الوعيد)» في المكروه و ((الميعاد)» يقع لهذا ولهذا.
قال الفقيه الإمام القاضي : وأضاف المیعاد إلی الیوم تجوزاً من حیث کان فيه وتحتمل الآية أن يكون
استعجال الكفرة لعذاب الدنيا ويكون الجواب عن ذلك أيضاً ولم يجر للقيامة ذكر على هذا التأويل.
قوله عز وجل :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيَّهُ وَلَوْتَرَّ إِذِالَِّمُونَ
مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ
اُسْتَكْبَرُوْلَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَامُؤْمِنِينَ لَّاقَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْلِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ
عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ بَاءَ كُ بَلْ كُمْ تُجْرِمِينَ
م
حكيت في هذه الآية مقالة قالها بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بما بين يديه من التوراة