النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
تفسير سورة الروم / الآيات : ٤٥ - ٥٠
الأولى في الثانية، ثم حذره تعالى من يوم القيامة تحذيراً يعم العالم وإياهم القصد، و﴿لا مرد له﴾ معناه
ليس فيه رجوع لعمل ولا لرغبة ولا عنه مدخل، ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب
اللفظ، و﴿يصدعون﴾ معناه يتفرقون بعد جمعهم، وهذا هو التصدع والمعنى يتفرقون إلى الجنة وإلى
النار، ثم قسم الفريقين بأحكام تلحقهم من أعمال في الدنيا ثم عبر عن ((الكفر)» بـ ((عليه)) وهي تعطي الثقل
والمشقة وعن العمل الصالح باللام التي هي كلام الملك، و﴿يمهدون﴾ معناه يوطئون ويهيئون وهي
استعارة منقولة من الفرش ونحوها إلى الأحوال والمراتب، وقال مجاهد: هذا التمهيد هو للقبر.
قوله عز وجل :
لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِ عِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ (١٥ )وَمِنْ ءَِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ
مُبَشِّرَةٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِ فَاءُ وُهُم بِالْبَيْنَتِ فَأَنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ (٧)
اللام في قوله ﴿ليجزي﴾ متعلقة بـ ﴿يصدعون﴾ [الروم: ٤٣]، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف
تقديره ذلك أو فعل ذلك ﴿ليجزي﴾ وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله تعالى ﴿من كفر﴾ [الروم: ٤٣]
﴿وعمل صالحاً﴾ [الروم: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿لا يحب الكافرين) ليس الحب بمعنى الإرادة ولكنه
بمعنى لا يظهر عليهم أمارات رحمته ولا يرضاه لهم ديناً ونحو هذا، ثم ذكر تعالى من آياته أشياء يقضي كل
عقل بأنها لا مشاركة للأوثان فيها وهو ما في الريح من المنافع وذلك أنها بشرى بالمطر، ويذيق الله بها
المطر ويلقح بها الشجر وغير ذلك ويجري بها السفن في البحر ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات
في البحر وفي ذرو الأطعمة وغير ذلك، ثم أنس محمداً بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء، وتوعد
قريشاً بأن ضرب لهم مثل من هلك من الأمم الذين أجرموا وكذبوا الأنبياء، ثم وعد محمداً وأمته النصر إذ
أخبر أنه جعله ﴿حقاً﴾ عليه تبارك وتعالى، و﴿حقاً﴾ خبر ﴿كان﴾ قدمه اهتماماً لأنه موضع فائدة الجملة،
وبعض القراء في هذه الآية وقف على قوله ﴿حقاً﴾ وجعله من الكلام المتقدم ثم استأنف جملة من قوله
﴿علينا نصر المؤمنين﴾، وهذا قول ضعيف لأنه لم يدر قدماً عرضه في نظم الآية.
قوله عز وجل :
اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ فَنُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ
يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (*) وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ
عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ ﴿ فَانْظُرُ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهِأَإِنَ
ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٥٠
(الإثارة) تحريكها من سكونها وتسييرها، وبسطه ﴿في السماء﴾ هو نشره في الآفاق، و((الكسف))

٣٤٢
تفسير سورة الروم / الآيات: ٥١ - ٥٣
القطع، وقرأ جمهور القراء ((كسفاً)) بفتح السين، وقرأ ابن عباس ((كسفاً)) بسكون السين وهي قراءة الحسن
وأبي جعفر والأعرج وهما بناءان للجمع كما يقال وسذْر بسكون الدال وسدَر بفتح الدال، وقال مكي : من
أسكن السين فمعناه يجعل السحاب قطعة واحدة، و﴿الودق﴾ الماء يمطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
ولا أرض أبقل إيقالها
فلا مزنة ودقت ودقها
و﴿خلاله﴾ الفطور الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلخل الأجزاء، وقرأ الجمهور ((من خلاله)) بكسر
الخاء وألف بعد اللام جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك والحسن
بخلاف عنه ((من خلله)) وهم اسم جنس، والضمير في ﴿خلاله﴾ يحتمل أن يعود على السحاب ويحتمل أن
يعود على الكسف في قراءة من قرأ بسكون السين، وذكر الضمير مراعاة اللفظ لا لمعنى الجمع، كما تقول
هذا تمر جيد ومن الشجر الأخضر ناراً، ومن قرأ ((كسَفاً)) بفتح السين فلا يعيد الضمير إلا على السحاب
فقط، وقوله تعالى: ﴿من قبله) تأكيد أفاد سرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار وذلك أن
قوله ﴿من قبل أن ينزل عليهم﴾ يحتمل الفسحة في الزمان أي من قبل بكثير کالأيام ونحوه فجاء قوله ﴿من
قبله﴾ بمعنى أن ذلك متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد، وقرأ يعقوب وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه ((ينزل))
مخففة، وقرأت عامة القراء بالتثقيل في الزاي، وقرأ ابن مسعود عليهم ((لمبلسين)) بسقوط ﴿من قبله﴾
والإبلاس الكون في حال سوء مع اليأس من زوالها، ثم عجبه يراد بها جميع الناس من أجل رحمة الله وهي
المطر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (أثر)) بالإفراد، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ((آثار)) بالجمع،
واختلف عن عاصم، وقرأ سلام ((إلى إثْر)) بكسر الهمزة وسكون الثاء، وقوله ﴿كيف يحيي﴾ يحتمل أن
يكون الضمير الذي في الفعل للأثر، ويحتمل أن يكون لله تعالى وهو أظهر، وقرأت فرقة ((كيف تحيى)) بالتاء
المفتوحة ((الأرضُ)) بالرفع، وقرأ الجحدري وابن السميفع وأبو حيوة ((تُحيي)) بتاء مضمومة على أن إسناد
الفعل إلى ضمير الرحمة ((الأرض)) نصباً، قال أبو الفتح: قوله ((كيف تحيى)) جملة منصوبة الموضع على
الحال حملاً على المعنى كأنه قال محيية، وهذه الحياة والموت استعارة في القحط والإعشاب، ثم أخبر
تعالى على جهة القياس والتنبيه عليه بالبعث والنشور، وقوله ﴿على كل شيء﴾ عموم.
قوله عز وجل :
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُسْمِعُ
وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًا لَّظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ
الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ ﴿وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْىِ عَن ضَلَالَئِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّ مَن يُؤْمِنُ بِشَايَئِنَا
٥٣
فَهُمْ مُسْلِمُونَ
ثم أخبر تعالى عن حال تقلب ابن آدم في أنه بعيد الاستبشار بالمطر أن بعث الله ريحاً فاصفر بها
النبات ظلوا يكفرون قلقاً منهم وقلة توكل وتسليم الله تعالى، والضمير في ﴿رأوه﴾ للنبات كما قلنا أو للأثر
وهو حوة النبات الذي أحييت به الأرض وقال قوم هو للسحاب، وقال قوم هو للريح، وهذا كله ضعيف،
واللام في ﴿لئن﴾ مؤذنة بمجيء القسم، وفي ﴿لظلوا﴾ لام القسم، وقوله ((ظلوا)) فعل ماض نزله منزلة

٣٤٣
تفسير سورة الروم / الآيات: ٥٤ - ٥٦
المستقبل واستنابه منابه لأن الجزاء هنا لا يكون إلا بفعل مستقبل لكن يستعمل الماضي بدل المستقبل في
بعض المواضع توثيقاً لوقوعه، وقوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموق﴾ الآية استعارة للكفار وقد تقدم القول
على مثل هذه الآية في سورة النمل، وكلهم قرأ ((ولا تُسمع)) بتاء مضمومة ونصب ((الصمَّ)، وقرأ ابن كثير
وعباس عن أبي عمرو (يَسمع)) بياء مفتوحةُ الصمُّ رفعاً، وقرأ الجمهور ((بهادي العمي)) بالإضافة، وقرأ
يحيى بن الحارث وأبو حيوة ((بهادٍ)) بالتنوين ((العميَ)) نصباً، وقوله ﴿إن تسمع إلا من يؤمن﴾ معناه إن
تسمع إسماعاً ينفع ويجدي، وأما سماع الكفرة فغير مجد فاستويا، وقوله تعالى: ﴿عن ضلالتهم﴾ لما
كانت الهداية تتضمن الصرف عديت بـ ﴿عن﴾ كما تتعدى صرفت ومعنى الآية ليس في قدرتك يا محمد
ولا عليك أن تهدي، وقرأ ابن أبي عبلة ((من ضلالتهم)).
قوله عز وجل :
اللَّهُالَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ
يَخْلُقُ مَايَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴿﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَالَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ
كَذَلِكَ كَانُو ◌ْيُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِي كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ
فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُمْلَا تَعْلَمُونَ
٥٦
وهذه أيضاً عبر بين فيها أن الأوثان لا مدخل لها فيها.
وقرأ جمهور القراء والناس بضم الضاد في ((ضُعف))، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها وهي قراءة ابن
مسعود وأبي رجاء، والضم أصوب، وروي عن ابن عمر أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح
فردها عليه بالضم، وقال كثير من اللغويين: ضم الضاد في البدن وفتحها في العقل، وروي عن أبي
عبد الرحمن والجحدري والضحاك أنهم ضموا الضاد في الأول والثاني وفتحو ((ضَعفا))، وقرأ عيسى بن
عمر ((من ضُعُف)) بضمتين، وهذه الآية إنما يراد بها حال الإنسان، و((الضعف)) الأول هو كون الإنسان من
ماء مهين، و((القوة)) بعد ذلك الشبيبة، وقوة الأسر، و((الضعف)) الثاني الهرم والشيخ هذا قول قتادة وغيره،
ثم أخبر تعالى عن يوم القيامة أن المجرمين يقسمون لجاجاً منهم وتسوراً على ما لا علم لهم به أنهم ما لبثوا
تحت التراب غير ساعة وهذا إتباع لتحيلهم الفاسد ونظرهم في ذلك الوقت على نحو ما كانوا في الدنيا
يتبعون ذلك، و﴿يؤفكون﴾ عن الحق أي يصرفون وقيل المعنى ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها لما عاينوا
من أمر الآخرة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يضعفه قوله تعالى: ﴿كذلك كانوا يؤفكون﴾ إذ لو أراد تقليل الدنيا
بالإضافة إلى الآخرة لكان منزعاً سديداً وكان قولهم ﴿ساعة﴾ تجوزاً في القدر والموازنة، ثم أخبر تعالى
عن ﴿الذين أوتوا العلم والإيمان﴾ أنهم يقفون في تلك الحال على حق ويعرفون أنه الوعد المتقرر في
الدنيا، وقال بعض المفسرين: إنما أراد أوتوا الإيمان والعلم ففي الكلام تقديم وتأخير.
أ

تفسير سورة الروم / الآيات: ٥٧ - ٦٠
٣٤٤
قال الفقيه الإمام القاضي: ولا يحتاج إلى هذا بل ذكر العلم يتضمن الإيمان ولا يصف الله بعلم من
لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك تنبيهاً عليه وتشريفاً لأمره كما قال تعالى: ﴿فاكهة
ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] فنبه على مكان الإيمان وخصه بالذكر تشريفاً.
قوله عز وجل :
◌َوَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا
فَيَوْمَِّذٍلَّا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَيْنِ حِئْتَهُمْ بِثَايَةٍلَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ مُبْطِلُونَ (@َ كَذَلِكَ
يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌّ وَلَا يَسْتَحِقَنَّكَ الَّذِينَ
لَا يُوقِنُونَ
هذا إخبار عن هول يوم القيامة وشدة أحواله على الكفرة في أنهم لا ينفعهم الاعتذار ولا يعطون عتبى
وهي الرضى، و﴿يستعتبون﴾ بمعنى يعتبون كما تقال يملك ويستملك، والباب في استفعل أنه طلب
الشيء وليس هذا منه لأن المعنى كان يفسد إذا كان المفهوم منه ولا يطلب منهم عتبى .
وقرأ عاصم والأعمش ((ينفع)) بالياء كما قال تعالى ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وحسن هذا أيضاً بالتفرقة التي بين الفعل وما أسند إليه كما قال الشاعر: [الطويل]
ثلاث الأثافي والديار البلاقع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمی
ثم أخبر تعالى عن قسوة قلوبهم وعجرفة طباعهم في أنه ضرب لهم كل مثل وبين عليهم بيان الحق
ثم هم مع ذلك الآية والمعجزة يكفرون ويلجون ويعمهون في كفرهم، ويصفون أهل الحق بالإبطال، ثم
أخبر تعالى أن هذا إنما هو من طبعه وختمه على قلوب الجهلة الذين قد حتم عليهم الكفر في الأزل،
وذهب أبو عبيدة إلى أنه من قولهم طبع السيف أي صدىء أشد صدأ، ثم أمر نبيه بالصبر وقوى نفسه
لتحقيق الوعد ونهاه عن الاهتزاز لكلامهم والتحرك واضطراب النفس لأقوالهم إذ هم لا يقين لهم ولا
بصيرة، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب ((يستحقنك)) بحاء غير معجمة وقاف من الاستحقاق، والجمهور على
الخاء المعجمة والفاء من الاستخفاف، إلا أن ابن أبي إسحاق ويعقوب سكنا النون من ((يستخفنك))، وروي
أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان في صلاة الفجر فناداه رجل من الخوارج بأعلى صوته فقرأ هذه
الآية: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾
[الزمر: ٦٥]، فعلم علي رضي الله عنه مقصده في هذا وتعريضه به فأجابه وهو في الصلاة بهذه الآية:
﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفتك الذين لا يوقنون﴾.
..

:
٣٤٥
تفسير سورة لقمان / الآيات: ١ - ٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَحِيةِ
سُورَةُ لِقْغَمَانُ
هذه السورة مكية غير آيتين قال قتادة أولهما: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من
بعده﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ثلاث آيات أولهن ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة
أقلام﴾ [لقمان: ٢٧].
قوله عز وجل :
هُدِّى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِيِنَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
تِلْكَءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ }
التَّإ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٥) أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٥
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور وفي ترتيب ﴿تلك﴾ مع كل قول منها، و﴿الحكيم﴾
يصح أن يكون من الحكمة ويصح أن يكون من الحكم، وقرأ جمهور القراء ((هدى ورحمةً)) بالنصب على
الحال من المبهم، ولا يصح أن تكون من ﴿الكتاب﴾ لأنه مضاف إليه، وقرأ حمزة والكسائي ((هدى
ورحمةٌ)) بالرفع على تقدير هو هدى، وخصصه ﴿للمحسنين﴾ من حيث لهم نفعه وهم نظروه بعين الحقيقة
وإلا فهو هدى في نفسه، وفي قراءة ابن مسعود ((هدى وبشرى للمؤمنين))، ثم وصف تعالى المحسنين بأنهم
الذين عندهم اليقين بالبعث وبكل ما جاء به الرسول، وعندهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومن صفتهم ما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن الإحسان قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه
فإنه يراك)) الحديث. وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ روي أنها نزلت في قرشي
اشترى جارية مغنية تغني بهجاء محمد صلى الله عليه وسلم وسبه فنزلت الآية في ذلك، وقيل إنه ابن خطل
وروي عن أبي أمامة الباهلي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شراء المغنيات وبيعهن حرام)) وقرأ هذه
الآية، وقال في هذا المعنى أنزلت علي هذه الآية، وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله
ومجاهد، وقال الحسن ﴿لهو الحديث﴾ المعازف والغناء، وقال بعض الناس نزلت في النضر بن الحارث
لأنه اشترى كتب رستم واسبندياد وكان يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحدثهم بتلك الأباطيل
ويقول أنا أحسن حديثاً من محمد، وقال قتادة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث
قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الأباطيل.

٣٤٦
تفسير سورة لقمان / الآيات: ٧ - ١١
قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها على حد قوله
تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة: ١٦، ١٧٥]، وقد قال مطرف: شراء ﴿لهو
الحديث﴾ استحبابه، قال قتادة ولعله لا ينفق فيه مالاً ولكن سماعه هو شراؤه، وقال الضحاك ﴿لهو
الحديث﴾ الشرك، وقال مجاهد أيضاً ﴿لهو الحديث﴾ الطبل وهذا ضرب من الغناء.
قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث منضاف إلى كفر فلذلك
اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً﴾، والتوعد بالعذاب المهين،
وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، و﴿لهو الحديث﴾ كل ما يلهي من غناء وخنى
ونحوه، والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزواً ولا
عليهم هذا الوعيد، بل ليعطل عبادة ويقطع زماناً بمكروه، وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة تروم
تتميم ذلك النقص بالأحاديث وقد جعلوا الحديث من القربى، وقيل لبعضهم أتمل الحديث؟ قال: إنما
يمل العتيق .
قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القديم المعاد، لأن الحديث من الأحاديث فيه الطرافة التي تمنع من
الملل، وقرأ نافع وعاصم والحسن وجماعة ((ليُضل)) بضم الياء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها، وفي حرف أبيّ ((ليضل الناس عن سبيل الله))، وقرأ حمزة والكسائي
وحفص عن عاصم ((ويتخذّها)) بالنصب عطفاً على ﴿ليضل﴾، وقرأ الباقون ((ويتخذُّها)) بالرفع عطفاً على
﴿يشتري﴾، والضمير في ﴿يتخذها﴾ يحتمل أن يعود على ﴿الكتاب﴾ المذكور أولاً ويحتمل أن يعود على
السبيل، ويحتمل أن يعود على الأحاديث لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث، وكذلك ﴿سبيل الله﴾
اسم جنس ولكل وجه من الحديث وجه يليق به من السبيل .
قوله عز وجل :
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَثْنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّفِيَ أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(
٧
خَلِينَ فِيهَّا وَعْدَاللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيز
إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَّعِيمِ
اَْكِيمُ أَاخَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرٍ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا
كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَّوْجٌ كَرِيمٍ (
١٠
خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، يَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلِمُِّينٍ
هذا دليل على كفر الذي نزلت فيه هذه الآية التي قبلها، و((الوقر)) في الأذن الثقل الذي يعسر إدراك
المسموعات، وجاءت البشارة بالعذاب من حيث قيدت ونص عليها، ولما ذكر عز وجل حال هؤلاء الكفرة
وتوعدهم بالنار على أفعالهم، عقب بذكر المؤمنين وما وعدهم به من ﴿جنات النعيم﴾ ليبين الفرق،
و﴿وعدَ الله﴾ منصوب على المصدر، و﴿حقاً﴾ مصدر مؤكد، وقوله تعالى: ﴿بغير عمد ترونها﴾ يحتمل

٣٤٧
تفسير سورة لقمان / الآيتان: ١٢، ١٣
أن يعود الضمير على ﴿السماوات﴾ فيكون المعنى أن السماء بغير عمد وأنها ترى كذلك، وهذا قول
الحسن والناس، و﴿ترونها﴾ على هذا القول في موضع نصب على الحال، ويحتمل أن يعود الضمير على
((العمد)) فيكون ﴿ترونها﴾ صفة للعمد في موضع خفض، ويكون المعنى أن السماء لها عمد لكن غير مرئية
قاله مجاهد ونحا إليه ابن عباس، والمعنى الأول أصح والجمهور عليه، ويجوز أن تكون ﴿ترونها﴾ في
موضع رفع على القطع ولا عمد ثم، و((الرواسي)) هي الجبال التي رست أي ثبتت في الأرض، وقوله: ﴿أن
تميد﴾ بمعنى لئلا تميد، والميد التحرك يمنة ويسرة وما قرب من ذلك، وقوله تعالى: ﴿من كل زوج﴾ أي
من كل نوع، و((الزوج)) في اللغة النوع والصنف وليس بالذي هو ضد الفرد، وقوله تعالى: ﴿كريم)
يحتمل أن يريد مدحه من جهة إتقان صنعه وظهور حسن الرتبة والتحكيم للصنع فيه فيعم حينئذ جميع
الأنواع لأن هذا المعنى في كلها، ويحتمل أن يريد مدحه بكرم جوهره وحسن منظره ومما تقضي له النفوس
بأنه أفضل من سواه حتى يستحق الكرم، فتكون الأزواج على هذا مخصوصة في نفائس الأشياء
ومستحسناتها، ولما كان عظم الموجودات كذلك خصص الحجة بها. وقوله: ﴿أنبتنا﴾ يعم جميع أنواع
الحيوان وأنواع النبات والمعادن، ثم وقف تعالى الكفار على جهة التوبيخ وإظهار الحجة على أن هذه
الأشياء هي مخلوقات الله تعالى، ثم سألهم أن يوجدوه ما خلق الأوثان والأصنام وغيرهم ممن عبد، أي
أنهم لن يخلقوا شيئاً، بل هذا الذي قريش فيه ضلال مبين، فذكرهم بالصفة التي تعم معهم سواهم ممن
فعل فعلهم من الأمم، وقوله: ﴿ماذا﴾ يجوز أن تكون ((ما)) استفهاماً في موضع رفع بالابتداء و ((ذا)) خبرها
بمعنى الذي والعائد محذوف، ويجوز أن تكون ((ما)) مفعولة بـ ((أروني)) و((ذا)) و((ما)) بمعنى الذي والعائد
محذوف تقديره في الوجهين خلقه .
قوله عز وجل :
وَلَقَدْءَانَيْنَا لُقْمَنَ اْحِكْمَةَ أَنْ آَشْكُرْلِلّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ
حَمِيدٌ ﴿ وَإِذْقَالَ لَقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَ لَا تُشْرِكِ بِالَّهِإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
١٣
﴿لقمان﴾ رجل حكيم بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل،
واختلف هل هو نبي مع ذلك أو رجل صالح فقط، فقال بنبوءته عكرمة والشعبي، وقال بصلاحه فقط
مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((لم يكن لمان نبياً ولكن كان عبداً
كثير التفكر حسن اليقين أحب الله فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال
يا رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء وإن عزمت علي فسمعاً وطاعة فإنك ستعصمني وكان قاضياً
في بني إسرائيل نوبياً أسود مشقق الرجلين ذا مشافر))، قاله سعيد بن المسيب ومجاهد وابن عباس، وقال له
رجل كان قد رعى معه الغنم ما بلغ بك يا لقمان ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعني، وقال
ابن المسيب: كان من سودان مصر من النوبة، وقال خالد بن الربيع: كان نجاراً، وقيل کان خياطاً، وقيل كان
راعياً، وحكم لقمان كثيرة مأثورة، قيل له وأي الناس شر؟ قال الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً .

٣٤٨
تفسير سورة لقمان / الآيتان: ١٤، ١٥
وقوله تعالى: ﴿أن اشكر﴾ يجوز أن تكون ﴿أن﴾ في موضع نصب على إسقاط حرف الجر أي ((بأن
اشكر الله))، ويجوز أن تكون مفسرة أي كانت حكمته دائرة على الشكر لله ومعانيه وجميع العبادات
والمعتقدات داخلة في شكر الله تعالى، ثم أخبر تعالى أن الشاكر حظه عائد عليه وهو المنتفع بذلك،
و﴿الله﴾ تعالى ﴿غني﴾ عن الشكر فلا ينفعه شكر العباد ﴿حميد﴾ في نفسه فلا يضره كفر الكافرين
و﴿حميد﴾ بمعنى محمود أي هو مستحق ذلك بذاته وصفاته، وقوله ﴿وإذ قال﴾ يحتمل أن يكون التقدير
واذكر إذ قال، ويحتمل أن يكون التقدير ((وآتيناه الحكمة إذ قال)) واختصر ذلك لدلالة المتقدم عليه واسم
ابنه ثاران، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ((يا بنيٍّ)) بالشد والكسر في
الياء في الثلاثة على إدغام إحدى الياءين في الأخرى، وقرأ حفص والمفضل عن عاصم ((يا بنيَّ)) بالشد
والفتح في الثلاثة على قولك يا بنيا ويا غلاما، وقرأ ابن أبي برة عن ابن كثير ( يا بنيْ)) بسكون الياء، و﴿يا
بني إنها﴾ [لقمان: ١٦] بالكسر، و﴿يا بنيَّ أقم الصلاة﴾ [لقمان: ١٧] بفتح الياء، وروى عنه قنبل
بالسكون في الأولى والثالثة وبكسر الوسطى وظاهر قوله ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ أنه من كلام لقمان،
ويحتمل أن يكون خبراً من الله تعالى منقطعاً من كلام لقمان متصلاً به في تأكيد المعنى، ويؤيد هذا
الحديث المأثور أنه لما نزلت ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] أشفق أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم، فأنزل الله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ فسكن إشفاقهم.
قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون ذلك خبراً من الله تعالى، وقد يسكن
الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد.
قوله عز وجل :
وَوَصَّيْنَا اُلْإِنِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْلِ وَلِوَالِدَيْكَ
إِلَى الْمَصِيرُ ﴿ وَإِن جَهَدَ الكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَاتُطِعْ هُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا
فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًاٌ وَأَنَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّإِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
١٥
هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان، ووجه الطبري ذلك بأنها من معنى كلام لقمان ومما قصده،
وذلك غير متوجه لأن كون الآيتين في شأن سعد بن أبي وقاص حسب ما أذكره بعد يُضعِّفُ أن تكون مما
قالها لقمان، وإنما الذي يشبه أنه اعتراض أثناء الموعظة وليس ذلك بمفسد للأول منها ولا للآخر، بل لما
فرغ من هاتين الآيتين عاد إلى الموعظة على تقدير إضمار وقال أيضاً لقمان ثم اختصر ذلك لدلالة المتقدم
عليه، وهذه الآية شرك اللّه تعالى الأم والوالد منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل
ودرجة ذكر الرضاع فتحصل للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة، وأشبه ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم
حين قال له رجل من أبر؟ ((قال: أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم
من؟ قال ثم أباك)) فجعل له الربع من المبرة كالآية. ﴿وهناً على وهن﴾ معناه ضعفاً على ضعف، وقيل
إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولادة بعده، وقيل إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن
.
.

٣٤٩
تفسير سورة لقمان / الآيتان: ١٥،١٤
أشار إلى تدرج حالها في زيادة الضعف، فكأنه لم يعين ضعفين بل كأنه قال حملته أمه والضعف يتزيد بعد
الضعف إلى أن ينقضي أمره، وقرأ عيسى الثقفي ((وهَناً على وهَن)) بفتح الهاء، ورويت عن أبي عمرو وهما
بمعنى واحد، وقرأ جمهور الناس ((وفصاله))، وقرأ الحسن وأبو رجاء والجحدري ويعقوب ((وفصله))، وأشار
بـ ((الفصال)) إلى تعديد مدة الرضاع فعبر عنه بغايته، والناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في
باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة بالعامين لا زيادة ولا نقص، وقالت فرقة العامان
وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع في حكم واحد يحرم، وقالت فرقة إن فطم الصبي
قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرم، وقوله تعالى: ﴿أن اشكر﴾ يحتمل أن
يكون التقدير («بأن اشكر)»، ويحتمل أن تكون مفسرة، وقال سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس
فقد شكر الله تعالى. ومن دعا لوالديه في دبر الصلوات فقد شكرهما، وقوله تعالى: ﴿إليّ المصير﴾ توعد
أثناء الوصية، وقوله تعالى: ﴿وإن جاهداك﴾ الآية روي أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص
وذلك أن أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية لما أسلم حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يفارق دينه ويرجع
إلى دين قومه فلج سعد في الإسلام، وكانت هي إذا أفرط عليها الجوع والعطش شحوا فاها، ويروى
شجروا فاها، أي فتحوه بعود ونحوه وصبوا ما يرمقها، فلما طال ذلك ورأت أن سعداً لا يرجع أكلت، ففي
هذه القصة نزلت الآيات، قاله سعد بن أبي وقاص والجماعة من المفسرين.
قال الفقيه الإمام القاضي: فمطلب الآية الأولى الأمر ببر الوالدين وتعظيمه، ثم حكم بأن ذلك لا
يكون في الكفر والمعاصي، وجملة هذا الباب أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك
فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات وتستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر جهاد
الكفاية والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب لكن يعلل بخوف هلكة
عليها ونحوه مما يبيح قطع الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسن في هذا الفصل فقال إن
منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقة فلا يطعها، وقوله ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ يعني الأبوين
الكافرين أي صلهما بالمال وادعهما برفق، ومنه قول أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه
وسلم وقد قدمت عليها خالتها، وقيل أمها من الرضاعة، فقالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي
راغبة أفأصلها؟ قال نعم. وراغبة قيل معناه عن الإسلام.
قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي أنها راغبة في الصلة وما كانت لتقدم على أسماء لولا
حاجتها، ووالدة أسماء هي قتيلة بنت عبد عزى بن عبد أسعد وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة
الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إليّ﴾، وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان، و ﴿أناب﴾
معناه، مال ورجع إلى الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين، وحكى النقاش أن المأمور سعد والذي
أناب أبو بكر، وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير
فقالوا آمنت؟ قال نعم، فنزلت فيه ﴿أمن هو قانت آناء الليل﴾ [الزمر: ٩] فلما سمعها الستة آمنوا فأنزل الله

٣٥٠
تفسير سورة لقمان / الآيات: ١٩٠٠١٦
تعالى فيهم ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله ﴿أولئك الذين هداهم الله﴾ [الزمر: ١٨].
ثم توعد عز وجل بالبعث من القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.
قوله عز وجل :
يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْفِ الْأَرْضِيَأْتِ ◌ِهَا
يَبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ
١٦
اَللّهَ إِنَّاللَّه لَطِيفُ خَبِيرٌ(
وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَهَا إِنَّاللَّهَ لَ يُحِبُّ
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ لـ
كُلّ مُخْثَالٍ فَخُورِ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ ◌ِّ
المعنى وقال لقمان ﴿يا بني﴾، وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى
وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن ((الخردلة)) يقال إن الحس لا يقدر لها ثقلاً إذ لا ترجح ميزاناً، وقد
نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بها علماً. وقوله ﴿مثقال حبة﴾ عبارة تصلح للجواهر، أي قدر
حبة، وتصلح للأعمال أي ما تزنه على جهة المماثلة قدر حبة، وظاهر الآية أنه أراد شيئاً من الأشياء خفياً
قدر حبة، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مقل البحر يعلمها الله، فراجعه
لقمان بهذه الآية. وذكر كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات، ويؤيد ذلك قوله ﴿یأت
بها الله﴾ أي لا تفوت، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف منضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله
تعالى، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف. ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر قراءة عبد الكريم
الجزري ((فتكِنّ)) بكسر الكاف وشد النون من الكن الذي هو الشيء المغطى، وقرأ جمهور القراء ((إن تك))
بالتاء من فوق ((مثقالَ)) بالنصب على خبر ((كان)) واسمها مضمر تقديره مسألتك على ما روي، أو المعصية أو
الطاعة على القول الثاني. ولهذا المقدر هو الضمير في ﴿إنها﴾. وقرأ نافع وحده بالتاء أيضاً ((مثقالُ)) بالرفع
على اسم ((كان)) وهي التامة، وأسند إلى المثقال فعلاً فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه
وهذا كقول الشاعر: [الطويل]
أعاليَها مرّ الرياح النواسم
مشين كما اهتزت رماح تسفهت
وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر. وقوله ﴿فتكن في صخرة﴾، قيل أراد الصخرة التي عليها الأرض
والحوت والماء وهي على ظهر ملك وقيل هي صخرة في الريح.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في
التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض. وقرأ قتادة
((فتكِن)) بكسر الكاف والتخفيف من وكن يكن، وتقدمت قراءة عبد الكريم ((فتكِنّ)). وقوله ﴿يأت بها الله﴾ "
إن أراد الجواهر فالمعنى ﴿يأت بها﴾ إن احتيج إلى ذلك أو كانت رزقاً ونحو هذا، وإن أراد الأعمال فمعناه
﴿يأت﴾ بذكرها وحفظها فيجازي عليها بثواب أو عقاب. و﴿لطيف خبير﴾ صفتان لائقتان بإظهار غرائب

٣٥١
تفسير سورة لقمان / الآيات: ١٦ - ١٩
القدرة، ثم وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا إنما يريد به
بعد أن يمتثل هو في نفسه ويزدجر عن المنكر وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع، وقوله ﴿واصبر على ما
أصابك﴾ يقتضي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً فهو إشعار بأن المغير يؤذي أحياناً، وهذا القدر هو
على جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا. وقوله تعالى ﴿إن ذلك من عزم الأمور﴾ يحتمل
أن يريد مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل
الحزم والسالكين طريق النجاة، والأول أصوب، وبكليهما قالت طائفة. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة
والكسائي وابن محيصن ((ولا تصاعر))، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد وأبو جعفر ((ولا
تصعر))، وقرأ الجحدري ((ولا تصْعر)) بسكون الصاد والمعنى متقارب، و((الصعر)) الميل ومنه قول
الأعرابي: ((وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره))، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي: [الطويل]
وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوم
أي فتقوم أنت، قاله أبو عبيدة، وأنشد الطبري ((فتقوما)) وهو خطأ لأن قافية الشعر مخفوضة، وفي
بيت آخر أقمنا له من خده المتصعر. فمعنى الآية ولا تمل ﴿خدك للناس﴾ كبراً عليهم ونخوة وإعجاباً
واحتقاراً لهم وهذا هو تأويل ابن عباس وجماعة، ويحتمل أن يريد أيضاً الضد، أي ﴿ولا تصاعر خدك﴾
سؤالاً ولا ضراعة بالفقر، والأول أظهر بدلالة ذكر الاختيال والفخر بعد، وقال مجاهد ((ولا تصعر)) أراد به
الإعراض هجرة بسبب إحنة، والمرح النشاط، والمشي مرحاً هو في غير شغل ولغير حاجة، وأهل هذا
الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في مشيه وقد قال عليه السلام ((من جَرَّ ثَوْبَهُ خيلاء لم ينظر
الله إليه يوم القيامة))، وقال: ((بينما رجل من بني إسرائيل يجر ثوبه خيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض
إلى يوم القيامة))، وقال مجاهد ((الفخور)) هو الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله تعالى.
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي الآية الفخر بالنسب وغير ذلك، ولما نهاه عن الخلق الذميم رسم له
الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله من القصد في المشي وهو أن لا يتخرق في إسراع ولا يواني في
إبطاء وتضاؤل على نحو ما قال القائل: [مجزوء الرمل]
كلنا نمشي رويد كلنا يطلب صيد
غير عمرو بن عبيد
وأن لا يمشي مختالاً متبختراً ونحو هذا مما ليس في قصد، و((غض الصوت)) أوفر للمتكلم وأبسط
لنفس السامع وفهمه، ثم عارض ممثلاً بصوت الحمير على جهة التشبيه، أي تلك هي التي بعدت عن
الغض فهي أنكر الأصوات، فكذلك كل ما بعد عن الغض من أصوات البشر فهو في طريق تلك وفي
الحديث ((إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً))، وقال سفيان الثوري : صياح
كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير، وقال عطاء: صياح الحمير دعاء على الظلمة، و﴿أنكر﴾ معناه أقبح
وأخشن، و﴿أنكر﴾ عبارة تجمع المذام اللاحقة للصوت الجهير، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت
الجهير على خلق الجاهلية ومنه قول الشاعر يمدح آخر: [المتقارب]

٣٥٢
تفسير سورة لقمان / الآجتان: ٢٠، ٢١
جهير الرواء جهير النعم
جهير الكلام جهير العطاس
ويعلو الرجال بخلق عمم
ويعدو على الأين عدو الظليم
فنهى الله تعالى عن هذه الخلق الجاهلية، وقوله ﴿لصوت الحمير﴾ أراد بـ ((الصوت)) اسم الجنس،
ولذلك جاء مفرداً، وقرأ ابن أبي عبلة ((أنكر الأصوات أصوات الحمير» بالجمع في الثاني دون لام، والغض رد
طمحان الشيء كالنظر وزمام الناقة والصوت وغير ذلك.
قوله عز وجل :
أَمْتَرَوْأَنَّاللَّهَ سَخََّلَكُمْمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَّةٌ وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يُحَدِلُ فِى اُللَّهِبِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَ كِتَبٍ مُنِيرٍ (٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُاتَّبِعُوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْبَلْ
٢١
نَتَِّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ،َآبَاءَنَا أَوَلَوْكَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
هذه آية تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع، وذلك أن تسخير هذه الأمور العظام كالشمس والقمر
والنجوم والسحاب والرياح والحيوان والنبات إنما هو بمسخر ومالك، وقرأ يحيى بن عمارة وابن عباس ((وأصبغ))
بالصاد على بدلها من السين لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صاداً،
والجمهور قراءتهم بالسين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وابن نصاح
وغيرهم ((نعمه)) جمع نعمة كسدرة وسدر بفتح الدال، و((الظاهرة)) هي الصحة وحسن الخلقة والمال وغير
ذلك، و((الباطنة)) المعتقدات من الإيمان ونحوه والعقل.
قال ابن عباس ((الظاهرة)) الإسلام وحسن الخلقة، و((الباطنة)) ما يستر من سبىء العمل، وفي
الحديث قيل يا رسول اللّه قد عرفنا الظاهرة فما الباطنة؟ قال: ستر ما لو رآك الناس عليه لقتلوك.
قال الفقيه الإمام القاضي: ومن ((الباطنة)) التنفس والهضم والتغذي وما لا يحصى كثرة، ومن
((الظاهرة)) عمل الجوارح بالطاعة. قال المحاسبي رحمه الله ((الظاهرة)) تعم الدنيا و ((الباطنة)) تعم العقبى،
وقرأ جمهور الناس ((نعمة)) على الإفراد، فقال مجاهد المراد لا إله إلا الله، وقال ابن عباس أراد الإسلام،
والظاهر عندي أنه اسم جنس كقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤،
النحل: ١٨]، ثم عارض بالكفرة منها على فساد حالهم وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ومن الناس﴾،
وقال النقاش: الإشارة إلى النضر بن الحارث ونظرائه لأنهم كانوا ينكرون الله ويشركون الأصنام في الألوهية،
فذلك جدالهم، و﴿بغير علم﴾ أي لم يعلمهم من يقبل قوله ولا عندهم هدى قلب ولا نور بصيرة يقيمون
بها حجة ولا يتبعون بذلك كتاباً بأمر الله يقر بأنه وحي، بل ذلك دعوى منهم وتخرص، وإذا دعوا إلى اتباع
وحي الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة فسلكوا طريق الآباء، ثم وقف الله تعالى وهم المراد
بالتوفيق على اتباعهم دين آبائهم أيكون وهم بحال من يصير ﴿إلى عذاب السعير﴾ فكان القائل منهم يقول
هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف كما كان
اتساق الكلام فتأمله .

٣٥٣
تفسير سورة لقمان / الآيات: ٢٢ - ٢٨
قوله عز وجل :
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىّ وَإِلَى اللَّهِ عَقِّبَةُ الْأُمُورِ
٢٣
﴿ وَمَن كَفَرَ فَلَ يَحْزُنِكَ كُفْرُهُ: إِلَيْنَا مَرْجِعُ هُمْ فَنُقِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوْ إِنَّاللَّهَ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥) لِلّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ
الْحَمِيدُ
لما ذكر تعالى حال الكفرة أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين ليبين الفرق وتتحرك النفوس إلى طلب
الأفضل، وقرأت عامة القراء ((يسْلم)) بسكون السين وتخفيف اللام.
وقرأ عبد الله بن مسلم وأبو عبد الرحمن ((يسَلّم)) بفتح السين وشد اللام ومعناه يخلص ويوجه
ويستسلم به، و((الوجه)) هنا الجارحة استعير للمقصود لأن القاصد للشيء فهو مستقبله بوجهه فاستعير ذلك
للمقاص، و((المحسن)) الذي جمع القول والعمل، وهو الذي شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
سأله جبريل عن الإحسان، و﴿العروة الوثقى﴾ استعارة للأمر المنجي الذي لا يخاف عليه استحالة ولا
إخلال والعرى موضع التعليق فكأن المؤمن متعلق بأمر الله فشبه ذلك ﴿بالعروة﴾، و﴿الأمور﴾ جمع أمر
وليس بالمضاد للنهي، ثم سلى عز وجل نبيه عن موجدته لكفر قومه وإعراضهم فأمره أن لا يحزن لذلك بل
يعمد لما كلفه من التبليغ ويرجع الكل إلى الله تعالى، وقرأت فرقة (يُحزنك)) من الرباعي، وقرأت فرقة
((يَحزنك)) من الثلاثي، و((ذات الصدور)) ما فيها والقصد من ذلك إلى المعتقدات والآراء، ومن ذلك قولهم
((الذئب مغبوط بذي بطنه))، ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه ((ذو بطن بنت خارجة))، والمتاع القليل هو
العمر في الدنيا، و((العذاب الغليظ)) معناه المغلظ المؤلم، ثم أقام عليهم الحجة في أمر الأصنام بأنهم
يقرون بأن الله تعالى خالق المخلوقات ويدعون مع ذلك إلهاً غيره، والمعنى ﴿قل الحمد لله﴾ على ظهور
الحجة عليكم، وقوله تعالى: ﴿بل أكثرهم﴾ إضراب عن مقدر تقديره ليس دعواهم بحق ونحو هذا، وقوله
﴿أكثرهم﴾ على أصله لأن منهم من شذ فعلهم كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس، وورقة بن نوفل، ويحتمل
أن تكون الإشارة أيضاً إلى من هو معد أن يسلم، ثم أخبر على جهة الحكم وفصل القضية بأن الله له ملك
السماوات والأرض وما فيها، أي وأقوال هؤلاء لا معنى لها ولا حقيقة، و﴿الغني﴾ الذي لا حاجة به في
وجوده وكماله إلى شيء ولا نقص بجهة من الجهات، و ﴿الحميد﴾ المحمود أي كذلك هو بذاته وصفاته.
قوله عز وجل :
وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ
إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿﴿ مَّا خَلْفُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
روي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن اليهود قالت يا محمد كيف عنينا بهذا القول ﴿وما أوتيتم
- -

٣٥٤
تفسير سورة لقمان / الآيتان: ٣٠،٢٩
من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله تعالى وأحكامه وعندك أنها تبيان
كل شيء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ((التوراة قليل من كثير)) ونزلت هذه الآية، وهذا هو
القول الصحيح، والآية مدنية وقال قوم: سبب الأية أن قريشاً قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينجشر
فنزلت هذه الآية، وقال السدي: قالت قريش ما أكثر كلام محمد فنزلت.
قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض منها الإعلام بكثرة كلمات الله تعالى وهي في نفسها غير متناهية
وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وأيضاً فإن الآية إنما
تضمنت أن ﴿كلمات الله﴾ لم تكن لتنفد، وليس تقتضي الآية أنها تنفد بأكثر من هذه ((الأقلام)) والبحور،
قال أبو علي: المراد بـ ((الكلمات)) والله أعلم ما في المقدور دون ما أخرج منه إلى الوجود، وذهبت فرقة إلى
أن ((الكلمات)) هنا إشارة إلى المعلومات.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ينحو إلى الاعتزال من حيث يرون في الكلام أنه مخلوق وهذه
الآية بحر نظر، نور الله تعالى قلوبنا بهداه، وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة وابن أبي إسحاق وعيسى
((والبحرَ)) بالنصب عطفاً على ((ما)) التي هي اسم ((أن))، وقرأ جمهور الناس و ((البحرُ)) بالرفع على أنه ابتداء
وخبره في الجملة التي بعده لأن تقديرها هذه، حاله كذا، قدرها سيبويه وقال بعض النحويين هو عطف
على ((أن)) لأنها في موضع رفع بالابتداء، وقرأ جمهور الناس ((يَمده)) من مد وقرأ الحسن بن أبي الحسن
((يُمده)) من أمد، وقالت فرقة هما بمعنى واحد، وقالت فرقة مد الشيء بعضه بعضاً وأمد الشيء ما ليس
منه، فكأن ((الأبحر السبعة)) المتوهمة ليست من ﴿البحر﴾ الموجود، وقرأ جعفر بن محمد ((والبحر مداده))
وهو مصدر، وقرأ ابن مسعود ((وبحر يمده))، وقرأ الحسن ((ما نفد كلام الله))، ثم ذكر تعالى أمر الخلق
والبعث أنه في الجميع وفي شخص واحد بالسواء لأنه كله بكن فيكون قاله مجاهد.
وحكى النقاش أن هذه الآية في أبي بن خلف وأبي الأسود ونبيه ومنبه ابني الحجاج وذلك أنهم قالوا
يا محمد إنا نرى الطفل يخلق بتدرج وأنت تقول الله يعيدنا دفعة واحدة فنزلت الآية بسببهم.
قوله عز وجل :
أَوْتَرَ أَنَّاللَّهُ يُولِيعُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِيُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلُ يَحْرِىِّ إِلَ
أَجَلِ مُّسَمَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٦) ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ هُوَالْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ
وَأَنَّاللَّهَ هُوَ الْعَلِّالْكَبِيرُ
٣٠
هذا تنبيه خوطب به محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به جميع العالم، وهذه عبرة تدل على
الخالق المخترع أن يكون الليل بتدرج والنهار كذلك فما قصر من أحدهما زاد في الآخر ثم بالعكس ينقسم
بحكمة بارىء العالم لا رب غيره، و﴿يولج﴾ معناه يدخل، و((الأجل المسمى)) القيامة التي تنتقض فيها
هذه البنية وتكور الشمس، وقرأ جمهور القراء ((بما تعملون)) بالتاء من فوق، وقرأ عباس عن أبي عمرو
((يعملون)» بالياء، وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ إلى هذه العبرة وما جرى

٣٥٥
تفسير سورة لقمان / الآيتان: ٣١، ٣٢
مجراها، ومعنى ﴿هو الحق﴾ أي صفة الألوهية له حق، فيحسن في القول تقدير ذو، وكذلك الباب متى
أخبر بمصدر عن عين فالتقدير ذو كذا وحق مصدر ومنه قول الشاعر:
فإنما هى إقبال وإدبار
وهذا كثير ومتى قلت كذا وكذا حق فإنما معناه اتصاف كذا بكذا حق، وقوله ﴿وأن ما تدعون من
دونه﴾ يصح أن يريد الأصنام وتكون بمعنى الذي ويكون الإخبار عنها بـ ﴿الباطل﴾ على نحو ما قدمناه في
﴿الحق﴾، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية كأنه قال وأن دعاءكم من دونه آلهة الباطل أي الفعل الذي لا
يؤدي إلى الغاية المطلوبة به، وقرأ الجمهور ((تدعون)) بالتاء من فوق، وقرأ ((يدعون)) بالياء ابن وثاب
والأعمش وأهل مكة ورويت عن أبي عمرو، وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
أَوْتَرَأَنَّ الْفُلْكَ تَّجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُ مِنْ ءَايَتِهِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّصَبَّارٍ
شَكُورٍ ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوٌْ كَالظُّلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّدُهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم
مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَتِنَا إِلَّ كُلّ خَتَّارِ كَفُورٍ
٣٢
الرؤية في قوله ﴿ألم تر﴾ رؤية العين يتركب عليها النظر والاعتبار، والمخاطب محمد صلى الله عليه
وسلم والمراد الناس أجمع، و﴿الفلك﴾ جمع وواحد بلفظ واحد، وقرأ موسى بن الزبير ((الفلك)) بضم
اللام، وقوله ﴿بنعمة الله﴾ يحتمل أن يريد ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات، فالباء
الأرزاق، ويحتمل أن يريد الريح وتسخير الله البحر ونحو هذا، فالباء باء السبب، وقرأ الجمهور ((بنعمة))،
وقرأ الأعرج ويحيى بن يعمر ((بنعمات)) على الجمع، وقرأ ابن أبي عبلة ((بنَعِمات)) بفتح النون وكسر
العين، وذكر تعالى من صفة المؤمن ((الصبار)) و((الشكور)) لأنهما عظم أخلاقه الصبر على الطاعات وعلى
النوائب وعلى الشهوات، والشكر على الضراء والسراء، وقال الشعبي الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه
الآخر، واليقين الإيمان كله. و((غشي)) غطى، أو قارب، و((الظلل)) السحاب، وقرأ محمد بن الحنفية
((الظلال)) ومنه قول النابغة الجعدي يصف البحر: [الوافر]
يماشيهن أخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنان
ووصف تعالى في هذه الآية حالة البشر الذين لا يعتبرون حق العبرة، والقصد بالآية تبيين آية تشهد
العقول بأن الأوثان والأصنام لا شرك لها فيه ولا مدخل وقوله تعالى: ﴿فمنهم مقتصد﴾ قال الحسن منهم
مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه النعم.
وقال مجاهد: يريد ﴿فمنهم مقتصد﴾ على كفره أي منهم من يسلم الله ويفهم نحو هذا من القدرة وإن
ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها بسيرته ونشأته، والختّار القبيح الغدر وذلك أن نعم الله تعالى على
!

٣٥٦
تفسير سورة لقمان / الآيتان: ٣٣، ٣٤
العباد كأنها عهود ومنن يلزم عنها أداء شكرها فمن كفر ذلك وجحد به فكأنه ختر وخان، ومن ((الختر)) قول
عمرو بن معدي کرب: [الوافر]
وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر
وقال الحسن: ((الختار)) هو الغدار، و﴿كفور﴾ بناء مبالغة.
قوله عز وجل :
يَكَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَايَجْرِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَمَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًاً
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ فَلَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ إِنَّاللَّهِ عِنْدَهُ
عِلَّمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْْسِبُ غَدًّا وَمَا تَدْرِى
٣٤
نَفْسٌ بِأَّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
﴿يجزي﴾ معناه يقضي، والمعنى لا ينفعه بشيء ولا يدفع عنه، و﴿هو جاز﴾ جملة في موضع
الصفة، أي ولا يجزي مولود قد كان في الدنيا يجزي، و﴿الغرور﴾ التطميع بما لا يتحصل، و﴿الغرور﴾
الشيطان، بذلك فسر مجاهد والضحاك وقال هو الأمل والتسويف، وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة ((الغُرور))
بضم العين، وقال سعيد بن جبير: معنى الآية أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، وقرأ الجمهور ((يَجزي))
بفتح الياء من جزا، وقرأ عكرمة ((يُجزي)) بضم الياء على ما لم يسم فاعله، وحكى ابن مجاهد قراءة ((لا
يُجزىء)) بضم الياء والهمز وفي رفع «مولودٌ)) اضطراب من النحاة قال المهدوي: ولا يكون مبتدأ لأنه نكرة وما
بعده صفة له فیبقی بغیر خبر.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب ((ولا يغرنكم)) خفيفة النون، وقوله تعالى: ﴿إن الله عنده
علم الساعة وينزل الغيث﴾ ذكر النقاش أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الخمس
وروي أنه سأل عن بعضها عن جنين وعما يكسب ونحو هذا فنزلت الآية حاصرة لمفاتيح الغيب التي لا
يعلمها إلا الله تعالى ولن تجد من المغيبات شيئاً إلا هذه أو ما يعيده النظر، والتأويل إليها، و﴿علم
الساعة﴾ مصدر مضاف إلى المفعول، أي كل ما شأنه أن يعلم من أمر الساعة ولكن الذي استأثر الله تعالى
به هو علم الوقت وغير ذلك قد أعلم ببعض منه، وكذلك نزول الغيث أمر قد استأثر الله تعالى بتفصيله وعلم
وقته الخاص به، وأمر الأجنة كذلك، وأفعال البشر وجميع كسبهم كذلك وموضع موت كل بشر كذلك إلا
الأصقاع والموضع الخاص بالجسد، وقرأ ابن أبي عبلة ((بأيَّة أرض)) بفتح الياء وزيادة تاء تأنيث، و﴿عليم
خبير﴾ صفتان متشابهتان لمعنى الآية، وقال ابن مسعود: كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الخمس ثم تلا
الآية، وقرأ ((وينزِل)) خفيفة أهل الكوفة وأبو عمرو وعيسى، وقرأ ((وينزِّل)) بالتثقيل نافع وأبو جعفر وعاصم
وشيبة، وذكر أبو حاتم في ترجيح التثقيل رؤيا(انتهى).

٣٥٧
تفسير سورة السجدة / الآيات: ١ - ٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِية
سُورَةُ السَّجْلَةِ
هذه السورة مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا
يستوون﴾ [السجدة: ١٨] إلى تمام ثلاث آيات، ويأتي تفسيرها، وقال جابر بن عبد الله: ما كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ينام حتى يقرأ ﴿ألم﴾ السجدة و﴿تبارك﴾ [الملك: ١].
قوله عز وجل :
الّمّ ◌َا تَزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنُ بَلْ هُوَالْحَقُّ مِن
ج
زَّيِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَا مَّا أَنَدُّهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِّ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا
٤
نَتَذَكَّرُونَ
﴿تنزيل﴾ يصح أن يرتفع بالابتداء والخبر ﴿لا ريب﴾ ويصح أن يرتفع على أنه خبر ابتداء، وهو إما
الحروف المشار إليها على بعض الأقوال في أوائل السور، وإما ذلك تنزيل أو نحو هذا من التقدير بحسب
القول في الحروف وقوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾ أي هو كذا في نفسه ولا يراعى ارتياب الكفرة، وقوله ﴿من
رب العالمين﴾ متعلق بـ ﴿تنزيل)، ففي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿لا ريب﴾ أي لا
شك فيه من جهة الله تعالى وإن وقع شك للفكرة فذلك لا يراعى ، والريب الشك وكذلك هو في كل القرآن إلا
قوله ﴿ريب المنون﴾ [الطور: ٣٠] وقوله ﴿أم يقولون﴾ إضراب، كأنه قال بل أيقولون، و﴿افتراه﴾ اختلقه،
ثم رد تعالى على مقالتهم هذه وأخبر أنه ﴿الحق﴾ من عند الله، واللام في قوله ﴿لتنذر﴾ يجوز أن تتعلق بما
قبلها، ولا يجوز الوقف على قوله ﴿من ربك﴾ ويجوز أن تتعلق بفعل مضمر تقديره أنزله لتنذر فيوقف حينئذ
على قوله ﴿من ربك)، وقوله ﴿ما أتاهم من نذير﴾ أي لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العرب، وقوله
تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من
الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بإبراهيم وبنيه ودعوتهم وهم ممن لم يأتهم نذير
مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومقاتل: المعنى لم يأتهم نذير في الفترة بين
عيسى ومحمد عليهما السلام، وقوله تعالى: ﴿في ستة أيام﴾ يقضي بأن يوماً من أيام الجمعة بقي لم يخلق
فيه شيء، وتظاهرت الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدىء يوم الأحد، وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء
فهذا مستقيم مع هذه الآية .

٣٥٨
تفسير سورة السجدة / الآية: ٥
ووقع في كتاب مسلم أن الخلق ابتدىء يوم السبت، فهذا يخالف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في
الآية جميع الأشياء غير آدم، ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض،
لأن آدم لم يكن حينئذ مما بينهما، وقد تقدم القول في قوله: ﴿استوى على العرش﴾ بما فيه كفاية،
و﴿ثم﴾ في هذا الموضع لترتيب الجمل لأن الاستواء كان بعد أن لم يكن، وهذا على المختار في معنى
﴿اسمتوى﴾ ونفي ((الشفاعة)) محمول على أحد وجهين: إما عن الكفرة وإما نفي الشفعاء من ذاتهم على حد
شفاعة الدنيا لأن شفاعة الآخرة إنما هي بعد إذن من الله تعالى.
قوله عز وجل :
يُدَبُِّ اْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
﴿الأمر﴾ اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه، ﴿ثم يعرج
إليه﴾ خبر ذلك ﴿في يوم﴾ من أيام الدنيا ﴿مقداره﴾ أن لو سير فيه السير المعروف من البشر ﴿ألف سنة﴾
لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة هذا أحد الأقوال، وهو قول مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة
والضحاك، وقال مجاهد أيضاً: إن المعنى أن الضمير في ﴿مقداره﴾ عائد على ((التدبير))، أي كان مقدار
التدبير المنقضي في يوم ألف سنة لو دبرها البشر، وقال مجاهد أيضاً المعنى أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى
الملائكة أمور ألف سنة من عندنا وهو اليوم عنده فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده
لهذه المدة ثم تصير إليه آخراً لأن عاقبة الأمور إليه، وقيل المعنى ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾ في
مدة الدنيا ﴿ثم يعرج إليه﴾ يوم القيامة ويوم القيامة ﴿مقداره ألف سنة﴾ من عندنا وهو على الكفار قدر
خمسين ألف سنة لهوله وشنعته حسبما في سورة ((سأل سائل)) وسنذكر هنالك ما فيه من الأقوال والتأويل إن
شاء الله، وحكى الطبري في هذه الآية عن بعضهم أنه قال قوله ﴿في يوم﴾ إلى آخر الآية متعلق بقوله قبل
هذا ﴿في ستة أيام﴾ [السجدة: ٤] ومتصل به أي أن تلك الستة كل واحد منها من ألف سنة.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف مكرهة ألفاظ هذه الآية عليه رادة له الأحاديث التي
بينت أيام خلق الله تعالى المخلوقات، وحكي أيضاً عن ابن زيد عن بعض أهل العلم أن الضمير في
﴿مقداره﴾ عائد على العروج، والعروج الصعود، والمعارج الأدراج التي يصعد عليها، وقالت فرقة معنى
الآية يدبر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم وذلك قدر ألف سنة.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أيضاً ضعيف وظاهر عود الضمير في ﴿إليه﴾ على اسم الله تعالى
كما قال ﴿ذاهب إلى ربي﴾ [الصافات: ٩٩] وكما قال ((مهاجر إلى ربي))، وهذا كله بريء من التحيز،
وقيل إن الضمير يعود على ﴿السماء﴾ لأنها قد تذكر، وقرأ جمهور الناس ((تعدون)) بالتاء، وقرأ الأعمش
والحسن بخلاف عنه ((يعدون)) بالياء من تحت.
قوله عز وجل :
ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ

٣٥٩
تفسير سورة السجدة / الآيات : ٦ - ١١
أُمَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّسَوَّنِهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِيٍّ وَجَعَلَ
٧
مِن طِينٍ
وَقَالُواْأَءِ ذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَءِ نَّالَفِى
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ هَا
قُلْ يَنَوَقَّنِكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِى وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلّ هُمْ بِلِقَاءِ رَيْهِمْ كَفِرُونَ ®
تُرْجَعُونَ (١)
قالت فرقة أراد بـ ﴿الغيب﴾ الآخرة، وب ﴿الشهادة﴾ الدنيا، وقيل أراد بـ ﴿الغيب) ما غاب عن
المخلوقين وبـ ﴿الشهادة﴾ ما شوهد من الأشياء فكأنه حصر بهذه الألفاظ جميع الأشياء، وقرأ جمهور الناس
((خلَقه)) بفتح اللام على أنه فعل ماض، ومعنى ﴿أحسن﴾ أتقن وأحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده
التي أريد لها، ومن هذا المعنى ما قال ابن عباس وعكرمة: ليست است القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة،
والجملة في ﴿خلقه﴾ يحتمل أن تكون في موضع نصب صفة لـ ﴿كل﴾ أو في موضع خفض صفة
لـ ﴿شيءٍ﴾، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((خلقه)» بسكون اللام وذلك منصوب على المصدر،
والضمير فيه إما عائد على الله تعالى وإما على المفعول، ويصح أن يكون بدلاً من ﴿كل﴾ وذهب بعض
الناس على هذه القراءة إلى أن ﴿أحسن﴾ بمعنى ألهم، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: ﴿أعطى كل
شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] أي ألهم الرجل إلى المرأة، والجمل إلى الناقة، وهذا قول فيه بعد
ورجحه الطبري، وقرأ جمهور الناس ((وبدأ))، وقرأ الزهري ((وبدا خلق الإنسان)» بألف دون همزة وبنصب
القاف وذلك على البدل لا على التخفيف.
قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه أبدل الياء من بدى ألفاً، وبدى لغة الأنصار، وقال ابن رواحة:
[الرجز]
((بسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا))
و﴿الإنسان﴾ آدم عدد أمره على بنيه إذ خلقه خلق لهم من حيث هو منسلهم، و((النسل)) ما يكون
عن الحيوان من الولد كأنه مأخوذ من نسل الشيء إذا خرج من موضعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وهم من كل
حدب ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦] ومنه نسل ريش الطائر إذا تساقط، و((السلالة)) من سل يسل فكأن الماء
يسل من الإنسان ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل]
فجاءت به عضب الأديم غضنفراً
سلالة فرج كان غير حصين
و((المهين)) الضعيف، مهن الإنسان إذا ضعف وذل، وقوله ﴿ونفخ﴾ عبارة عن إفاضة الروح في
جسد آدم، والضمير في ﴿روحه﴾ لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى مالك وخلق إلى خالق، ثم أظهر تعديد
النعم عليهم في أن خصهم في قوله ﴿لكم﴾ بضمير ﴿السمع والأبصار والأفئدة﴾ وهي لمن تقدم ذكره أيضاً
كما خص آدم بالتسوية ونفخ الروح وهو لجميع ذريته، وهذا كله إيجاز واقتضاب وترك لما يدل عليه
المنطوق به .

٣٦٠
تفسير سورة السجدة / الآيات: ٦ - ١١
ويحتمل أن يكون ﴿الإنسان﴾ في هذه الآية اسم الجنس، وقوله تعالى: ﴿قليلاً﴾ صفة لمصدر
محذوف، وهو في موضع الحال حين حذف الموصوف به، والضمير في ﴿قالوا﴾ للكفار الجاحدين البعث
من القبور والمستبعدين لذلك دون حجة ولا دليل. وموضع ﴿إذا﴾ نصب بما في قوله ﴿إنا لفي خلق
جديد) لأن معناه لنعاد، واختلفت القراءة في ﴿أئذا﴾ وقد تقدم استيعاب ذكره في غير هذا الموضع. وقرأ
جمهور القراء ((ضللنا)) بفتح اللام، وقرأ ابن عامر وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب ((ضيلنا)) بكسر اللام والمعنى
تلفنا وتقطعت أوصالنا فذهبنا حتى لم نوجد، ومنه قول الأخطل : [الكامل]
قذف الأتى به فضل ضلالا
كنت القذا فى متن أكدر مزيد
ومنه قول النابغة :
وغودر بالجولان حزم ونائل
فآب مضلوه بعين جلية .
أي متلفوه دفناً، ومنه قول امرئ القيس: ((تضل المداري في مثنى ومرسل)). وقرأ الحسن البصري
(صلَّلنا)) بالصاد غير منقوطة وفتح اللام، قال الفراء وتروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعناه
صرنا من الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة، ويجوز أن يريد به من التغير كما يقال صل اللحم، ورويت
هذه القراءة عن ابن عباس وأبان بن سعيد بن العاصي، وقرأ الحسن أيضاً ((صللنا)) بالصاد غير منقوطة وكسر
اللام، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة ((ضُلِّلنا)) بضم الضاد وكسر اللام وشدها، وقولهم ﴿إنا لفي خلق
جديد﴾ أي إنا لفي هذه الحالة نعاد ويجدد خلقنا. وقوله تعالى: ﴿بل﴾ إضراب عن معنى استفهامهم كأنه
قال ليسوا مستفهمين ((بل هم كافرون)) جاحدون بلقاء الله تعالى، ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال
غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين
الأولى والآخرة، و ﴿يتوفاكم﴾ معناه يستوفيكم.
ومنه قول الشاعر: [الرجز]
أزيني الأردم ليسوا من أحد ولا توفيهم قريش في العدد:
و﴿ملك الموت﴾ اسمه عزرائيل وتصرفه كله بأمر الله وبخلقه واختراعه وروي في الحديث أن
البهائم کلها یتوفی الله روحها دون ملك.
قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف
ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، وكذلك أيضاً غلظ العذاب على الكافرين بذلك، وروي عن
مجاهد: أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث أمر.
قوله عز وجل :
وَلَوْتَرَىّ إِذِالْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ
وَلَوْشِتْنَا لَنَّيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ
صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
.. -